الاستدلال على حرمة اقتناء الصور المحرّمة والجواب عنه 

الكتاب : مصباح الفقاهة في المعاملات - المكاسب المحرمة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2929


ما استدل به على حرمة اقتناء الصور المحرّمة

والجواب عنه

قوله : بقي الكلام في جواز اقتناء ما حرم عمله من الصور .

أقول : هل يجوز اقتناء الصور المحرّمة أو لا ؟ فيه قولان ، فالمحكي عن شرح الإرشاد للمحقّق الأردبيلي(2)، وعن جامع المقاصد للمحقّق الثاني(3) هو الجواز إلاّ أنّ المعروف بين القدماء حرمة بيع التماثيل وابتياعها والتكسّب بها ، بل حرمة اقتنائها.

وقد استدل على حرمة اقتنائها بوجوه :

الوجه الأول : أنّ الوجود والإيجاد في الحقيقة شيء واحد ، وإنّما يختلفان بالاعتبار ، فإنّ الصادر من الفاعل بالنسبة إليه إيجاد ، وبالنسبة إلى القابل وجود فإذا حرم الإيجاد حرم الوجود .

وفيه : أنّ حرمة الإيجاد وإن كان ملازماً لحرمة الوجود ، إلاّ أنّ الكلام هنا ليس في الوجود الأول الذي هو عين الإيجاد أو لازمه ، بل في الوجود في الآن الثاني الذي هو عبارة عن البقاء ، ومن البديهي أنه لا ملازمة بين الحدوث والبقاء لا حكماً ولا موضوعاً ، وعليه فما يدل على حرمة الإيجاد لا يدل على حرمة الوجود بقاء سواء كان صدوره من الفاعل عصياناً أم نسياناً أم غفلة ، إلاّ إذا قامت قرينة على

ــــــــــــ
(2) مجمع الفائدة والبرهان 8 : 56 .

(3) جامع المقاصد 4 : 16 .

ــ[365]ــ

ذلك ، كدلالة حرمة تنجيس المسجد على وجوب إزالة النجاسة عنه . بل ربما يجب إبقاء النتيجة وإن كان الفعل حراماً ، كما إذا كتب القرآن على ورق مغصوب أو بحبر مغصوب ، أو كتبه العبد بدون إذن مولاه ، أو بنى مسجداً بدون إذنه ، أو تولّد أحد من الزنا ، فإنّ في ذلك كلّه يجب حفظ النتيجة وإن كانت المقدّمة محرّمة .

وعلى الجملة : ما هو متّحد مع الإيجاد ليس مورداً للبحث ، وما هو مورد للبحث لا دليل على اتّحاده مع الإيجاد .

لا يقال : إنّ النهي عن الإيجاد كاشف عن مبغوضية الوجود المستمر في عمود الزمان ، كما أنّ النهي عن بيع العبد المسلم من الكافر حدوثاً يكشف عن حرمة ملكيته له بقاء .

فإنه يقال : إنّ النهي عن بيع العبد المسلم من الكافر إن تم فهو يدل على وجوب إزالة علاقة الكافر عنه كما سيأتي بيان ذلك في محلّه(1) ولا يفرق في ذلك بين الحدوث والبقاء ، بخلاف ما نحن فيه ، إذ قد عرفت أنّ مجرد وجود الدليل على حرمة الإيجاد لا يدل على حرمة الإبقاء إلاّ إذا كان محفوفاً بالقرائن المذكورة .

على أنّا إذا سلّمنا الملازمة بين مبغوضية الإيجاد وبين مبغوضية الوجود فإنّما يتم بالنسبة إلى الفاعل فقط ، فيجب عليه إتلافه دون غيره ، مع أنّ المدّعى وجوب إتلافه على كل أحد . فالدليل أخص منه .

الوجه الثاني : أنّ صنعة التصاوير لذوات الأرواح من المحرّمات الشرعية وقد دلّ عليه قوله (عليه السلام) في رواية تحف العقول : « وصنعة صنوف التصاوير ما لم يكن مثال الروحاني »(2) وكل صنعة يجيء منها الفساد محضاً من دون أن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الجزء الخامس من هذا الكتاب : 81 ـ 82 .

(2) تحف العقول : 335 ، الوسائل 17 : 83 / أبواب ما يكتسب به ب2 ح1 .

ــ[366]ــ

يكون فيها وجه من وجوه الصلاح فهي محرّمة ، وقد دلّ على ذلك ما في رواية تحف العقول من الحصر : « إنّما حرّم الله الصناعة التي هي حرام كلّها التي يجيء منها الفساد محضاً ... ولا يكون منه وفيه شيء من وجوه الصلاح » وكل ما يجيء منه
الفساد محضاً يحرم جميع التقلّب فيه ، ومنه الاقتناء والبيع ، وقد دلّ عليه قوله (عليه السلام) فيها : « وجميع التقلّب فيه من جميع وجوه الحركات كلّها » وقوله (عليه السلام) فيها أيضاً : « فكل أمر يكون فيه الفساد ممّا هو منهي عنه ، إلى أن قال : فهو حرام محرّم بيعه وشراؤه وإمساكه وملكه وهبته وعاريته وجميع التقلّب فيه » .

وفيه أولا : أنّ الرواية ضعيفة السند ، فلا يجوز الاستناد إليها في شيء من المسائل الشرعية كما عرفته في أوّل الكتاب .

وثانياً : قد عرفت أنه لا ملازمة بين حرمة عمل شيء وبين حرمة بيعه واقتنائه والتصرف فيه والتكسّب به ، ومن هنا نقول بحرمة الزنا ولا نقول بحرمة تربية أولاد الزنا ، بل يجب حفظهم لكونهم محقوني الدماء .

وثالثاً : لا نسلّم أنّ عمل التصاوير ممّا يجيء منه الفساد محضاً ، فإنه كثيراً ما تترتّب عليه المنافع المحلّلة من التعليم والتعلّم وحفظ صور بعض الأعاظم ونحو ذلك من المنافع المباحة .

الوجه الثالث : قوله (صلّى الله عليه وآله) في الخبر المتقدّم : « لا تدع صورة إلاّ محوتها »(1).

وفيه أولا : أنه ضعيف السند . وثانياً : ما ذكره المحقّق الإيرواني من أنه وارد في موضوع شخصي ، فلعلّ تصاوير المدينة كانت أصناماً ، وكلابها مؤذيات

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 5 : 306 / أبواب أحكام المساكن ب3 ح8 .

ــ[367]ــ

وقبورها مسنمات(1).

الوجه الرابع : ما دل على عدم صلاحية اللعب بالتماثيل(2).

وفيه أولا : أنه ضعيف السند . وثانياً : أنّ عدم الصلاحية أعم من الحرمة ، فلا يدل عليها . وثالثاً : لو سلّمنا دلالته على حرمة اللعب بها فلا ملازمة بين حرمته وحرمة اقتنائها ، فإنّ حرمة اللعب أعم من حرمة الاقتناء .

ورابعاً : أنه غريب عمّا نحن فيه ، إذ من المحتمل القريب أن يراد من التماثيل في هذه الطائفة من الرواية الشطرنج ، والوجه في صحة إطلاق التماثيل عليه هو أنّ القطع التي يلعب بها في الشطرنج على ستّة أصناف ، وكل صنف على صورة ، كالشاة والفرزان(3) والفيل والفرس والرخ(4) والبيذق(5) وقد صوّر هذه القطع في كتاب المنجد فراجع .

ويؤيّد ما ذكرناه من إرادة الشطرنج من التماثيل أنّا لا نتصوّر معنى لحرمة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) حاشية المكاسب (الإيرواني) 1 : 134 .

(2) ففي الوسائل 5 : 307 / أبواب أحكام المساكن ب3 ح16 عن مثنى رفعه قال : « التماثيل لا يصلح أن يلعب بها » وهي مرسلة ، ومرفوعة ، ومجهولة بالمثنّى .

وفي الوسائل 17 : 298 / أبواب ما يكتسب به ب94 ح10 علي بن جعفر عن أخيه موسى ابن جعفر (عليه السلام) قال : « سألته عن التماثيل هل يصلح أن يلعب بها ؟ قال : لا » . وهي مجهولة بعبدالله بن الحسن .

(3) الفرزان بضم الفاء وسكون الراء المهملة : الملكة في لعبة الشطرنج ، الجمع فرازين بفتح الفاء والكلمة من الدخيل .

(4) الرخ بضم الراء المهملة والخاء المعجمة : طائر وهمي كبير ، الواحدة رخة ، قطعة من قطع الشطرنج ، الجمع رخاخ ورخخة بكسر الراء .

(5) البيذق بفتح الباء وسكون الياء : الماشي راجلا ، ومنه بيذق الشطرنج ، الجمع بياذق .

ــ[368]ــ

اللعب بالتصاوير المتعارفة كما هو واضح ، وعليه فما دل على حرمة اللعب بها إنّما هو من أدلّة حرمة اللعب بالشطرنج ، ولا أقل من الاحتمال ، فلا يبقى له ظهور في إرادة الصور المتعارفة .

الوجه الخامس : صحيحة البقباق ـ المتقدّمة عند الاستدلال على حرمة التصوير ـ(1) عن أبي عبدالله (عليه السلام) « في قول الله تعالى : (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ)(2) فقال : والله ما هي تماثيل الرجال والنساء ولكنّها الشجر وشبهه » بدعوى أنّ ظاهر الرواية أنّ الإمام (عليه السلام) أنكر مشيئة سليمان (عليه السلام) هذا الصنف من التماثيل ، فتكون دالّة على مبغوضية وجود التماثيل وحرمة اقتنائها .

وفيه : أنّ الظاهر من الرواية رجوع الإنكار إلى كون التصاوير المعمولة لسليمان (عليه السلام) تصاوير الرجال والنساء ، فلا تدل الرواية على مبغوضية العمل فضلا عن مبغوضية المعمول ، والوجه فيه هو أنّ عمل تصاوير الرجال والنساء واقتناءها من الاُمور اللاهية غير اللائقة بمنصب الأعاظم والمراجع من العلماء والروحانيين ، فضلا عن مقام النبوّة ، فإنّ النبي (عليه السلام) لابدّ وأن يكون راغباً عن الدنيا وزخرفها ، وأمّا عمل الصور وجمعها فمن لعب الصبيان وشغل المجانين والسفهاء ، فلا يليق بمنصب النبوّة ، بخلاف تصاوير الشجر وشبهه فإنّها غير منافية لذلك .

وقد يقال : إنّ الصانعين للتماثيل هم الجن ، وإنّما يتم الاستدلال بالرواية على

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص347 ، الهامش رقم (2) ] وقد عبّر عنها بالموثّقة [ .

(2) سبأ 34 : 13 .

ــ[369]ــ

حرمة اقتناء الصور إذا قلنا بحرمة التصوير على الجن كحرمته على الإنس ، وهو أوّل الكلام .

وفيه : أنّ الكلام ليس في عمل الصور ، بل في اقتنائها ، ومن الواضح أنه يعود إلى سليمان .

الوجه السادس : حسنة زرارة المتقدّمة في الحاشية(1) « لا بأس بأن يكون التماثيل في البيوت إذا غيّرت رؤوسها منها وترك ما سوى ذلك » فإنّها بمفهومها دالّة على ثبوت البأس إذا لم يغيّر الرأس .

وفيه : ما ذكره المصنّف من حمل البأس فيها على الكراهة للصلاة ، وعليه فتدل الرواية على جواز اقتناء الصور مع قطع النظر عن الصلاة . ويؤيّده ما في رواية قرب الاسناد من أنه « ليس عليه فيما لا يعلم شيء ، فإذا علم فلينزع الستر وليكسر رؤوس التماثيل »(2) فإنّ الظاهر أنّ الأمر بكسر رؤوس التصاوير لأجل كون البيت معدّاً للصلاة . ومع الإغضاء عمّا ذكرناه وتسليم أنّ البأس ظاهر في المنع فالرواية معارضة بما دلّ على جواز الاقتناء كما سيأتي ، ويضاف إلى جميع ذلك أنّها ضعيفة السند ومجهولة الراوي .

الوجه السابع : ما دل على كراهة علي (عليه السلام) وجود الصور في البيوت(3)، فإنّه بضميمة ما دل على أنّ علياً (عليه السلام) لم يكن يكره الحلال(4)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص354 ، الهامش رقم (1) .

(2) وهي مجهولة بعبدالله بن الحسن . راجع قرب الإسناد : 186 / 692 ، والوسائل 4 : 441 / أبواب لباس المصلّي ب45 ح20 .

(3) ففي الوسائل 5 : 307 / أبواب أحكام المساكن ب3 ح14 عن حاتم بن إسماعيل عن جعفر عن أبيه « أنّ علياً كان يكره الصورة في البيوت » وهي مجهولة بحاتم .

(4) ففي الكافي 5 : 188 / 7 ، والتهذيب 7 : 96 / 412 ، والوافي 18 : 583 / 19 ، والوسائل 18 : 151 / أبواب الربا ب15 ح1 في صحيحة أبي بصير : « ولم يكن علي يكره الحلال » .

ــ[370]ــ

يدل على حرمة اقتناء الصور في البيوت .

وفيه : أنّ المراد من الحلال الذي كان علي (عليه السلام) لا يكرهه المباح المتساوي طرفاه ، لا ما يقابل الحرمة ، لأنّ علياً (عليه السلام) كان يكره المكروه أيضاً  . ومن هنا يظهر أنّ الكراهة المذكورة في الرواية الاُولى أعم من الحرمة والكراهة المصطلحة .

إذن فلا دلالة فيها أيضاً على حرمة اقتناء الصور .

الوجه الثامن : رواية الحلبي(1) فقد أمر الإمام (عليه السلام) فيها بتغيير رأس الصورة وجعلها كهيئة الشجر ، فتدل على حرمة إبقاء الصور من غير تغيير فيها .

وفيه : أنّ أمر الإمام (عليه السلام) بتغيير الصورة في الطنفسة التي اُهديت إليه ليس إلاّ كفعله بنفسه ، ومن الواضح أنّ فعل الإمام (عليه السلام) لا يدل على الوجوب ، ولا يقاس ذلك بسائر الأوامر الصادرة منه (عليه السلام) الدالّة على الوجوب ، وقد تقدّم(2) نظير ذلك في البحث عن بيع الدراهم المغشوشة من أمره (عليه السلام) بكسر الدرهم المغشوش وإلقائه في البالوعة . على أنّ الرواية مرسلة فلا يجوز الاستناد إليها .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ففي الوسائل 5 : 309 / أبواب أحكام المساكن ب4 ح7 عن الطبرسي في مكارم الأخلاق ] 1 : 286 / 887 [ عن الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « قد اُهديت إليّ طنفسة من الشام فيها تماثيل طائر فأمرت به فغيّر رأسه فجعل كهيئة الشجر » وهي مرسلة . الطنفسة بالمثلّثة في الطاء والفاء : البساط والحصير والثوب ، الجمع طنافس . والكلمة من الدخيل .

(2) في ص247 .

ــ[371]ــ

الوجه التاسع : صحيحة محمد بن مسلم المتقدّمة(1) « عن تماثيل الشجر والشمس والقمر ، فقال : لا بأس ما لم يكن شيئاً من الحيوان » فإنّها ظاهرة في حرمة اقتناء الصور المحرّمة ، فإنّ التماثيل جمع تَمثال بالفتح ، ويجمع على تمثالات وعليه فالسؤال عن التماثيل إنّما هو سؤال عن الصور الموجودة في الخارج ، فلابدّ وأن يحمل على الاُمور المناسبة لها من البيع والشراء والاقتناء والتزيين ونحوها ، لا على نفس عمل الصور ، كما أنّ السؤال عن بقية الأشياء الخارجية ـ من المأكولات والمشروبات والمركوبات والمنكوحات ونحوها ـ سؤال عن الأفعال المناسبة لها والطارئة عليها بعد كونها موجودة في الخارج . إذن فالصحيحة دالّة على حرمة اقتناء الصور المحرّمة وبيعها وشرائها والتزيين بها كما هو واضح .

قال المحقّق الإيرواني : والجواب أمّا عن الصحيحة فبعد تسليم أنّ السؤال فيها عن حكم الاقتناء وكون اقتنائها من منافعها ، أنّ غاية ما يستفاد منها ثبوت البأس ، وهو أعمّ من التحريم(2).

وفيه : أنّ كلمة البأس ظاهرة في المنع ما لم يثبت الترخيص من القرائن الحالية أو المقالية ، كما أنّ مقابلها ـ أعني كلمة لا بأس ـ ظاهر في الجواز المطلق .

فالإنصاف : أنّها ظاهرة في التحريم ، إلاّ أنّها معارضة بما دلّ على جواز اقتناء الصور(3)، فلابدّ من حملها على الكراهة ، كغيرها من الأخبار المتقدّمة لو سلّمت

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص348 .

(2) حاشية المكاسب (الإيرواني) 1 : 135 .

(3) عن الحلبي قال « قال أبو عبدالله (عليه السلام) : ربما قمت فاُصلّي وبين يدي الوسادة وفيها تماثيل طير ، فجعلت عليها ثوباً » وهي صحيحة .

وعن محمّد بن مسلم قال « قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : اُصلّي والتماثيل قدّامي وأنا أنظر إليها ، قال : لا ، اطرح عليها ثوباً ، لا بأس بها إذا كانت عن يمينك أو شمالك أو خلفك أو تحت رجلك أو فوق رأسك ، وإن كانت في القبلة فألق عليها ثوباً وصلّ » وهي صحيحة . وأخرجها في الكافي 3 : 391 / 20 بتفاوت يسير . راجع التهذيب 2 : 226 / 892 ، 891 والوافي 7 : 464 / 22 ، 20 ، والوسائل 5 : 170 / أبواب مكان المصلّي ب32 ح2 ، 1.

وعن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « لا بأس أن تصلّي على كل التماثيل إذا جعلتها تحتك » وهي صحيحة .

وعنه قال : « سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يصلّي وفي ثوبه دراهم فيها تماثيل فقال : لا بأس بذلك » وهي صحيحة .

وعن حمّاد بن عثمان قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الدراهم السود فيها التماثيل أيصلّي الرجل وهي معه ؟ فقال : لا بأس بذلك إذا كانت مواراة » وهي صحيحة . وأخرجها في الكافي 3 : 402 / 20 ، ولكن لم يذكر كلمة « بذلك » .

وتدل على ذلك رواية ليث المرادي ، ولكنّها ضعيفة السند بمحمد بن سنان . راجع التهذيب 2  : 363 / 1505 ، 1507 ، 1508 ، 1504 . والوافي 7 : 464 / 24 ، 429 / 4 ، 1 . والوسائل 4 : 439 / أبواب لباس المصلّي ب45 ح10 ، 9 ، 8 ، 11 .

وفي هذه المصادر من التهذيب والوافي ]465 / 26 [ والوسائل ، والكافي 3 : 392 / 22 عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبدالله (عليه السلام) « سألته عن التمثال تكون في البساط فتقع عينك عليه وأنت تصلّي ؟ قال : إن كان بعين واحدة فلا بأس ، وإن كان له عينان فلا  » وهي مرسلة .

أقول : قد اشتهر بين الأصحاب قديماً وحديثاً أنّ مرسلات ابن أبي عمير من الأمارات المعتبرة التي يجب العمل بها كسائر الأمارات المعتبرة .

ولكن يرد عليه أولا : أنّا نرى بالعيان ونشاهد بالوجدان أنّ في مسندات ابن أبي عمير رجالا ضعفاء ، كما يتّضح ذلك جلياً لمن يلاحظ اُصول الحديث وكتب الرجال ، فنستكشف من ذلك أنّ مرسلاته أيضاً على هذا النهج . ودعوى أنه لم يرسل إلاّ عن الثقة دعوى جزافية إذ لم يثبت لنا ذلك من العقل والنقل .

وثانياً : لو سلّمنا أنه لم يرسل إلاّ عن الثقة ، ولكن ثبوت الصحة عنده لا يوجب ثبوتها عندنا ، لاحتمال اكتفائه في تصحيح الرواية بما لا نكتفي به نحن ، ولعلّنا نعتبر شيئاً في رواة الحديث لم يعتبره ابن أبي عمير في هؤلاء . ولا يقاس ذلك بتوثيق النجاشي وأمثاله ، وهو واضح . ] لا يخفى عدم ورود الإشكال الثاني ، فإنّ الشروط المعتبرة في الرواة إنّما تعتبر في حجّية الرواية لا في معنى الوثاقة [ .

وفي الوسائل 5 : 309 / أبواب أحكام المساكن ب4 ح6 عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال « قال له رجل : رحمك الله ما هذه التماثيل التي أراها في بيوتكم ؟ فقال : هذا للنساء أو بيوت النساء » وهي صحيحة .

وفي رواية جعفر بن بشير : « كانت لعلي بن الحسين (عليه السلام) وسائد وأنماط فيها تماثيل يجلس عليها » وهي مرسلة . إلى غير ذلك من الروايات المذكورة في الأبواب المزبورة وغيرها .

ــ[372]ــ

ــ[373]ــ

دلالتها على الحرمة ، بل الظاهر من بعضها أنّ النهي عن اقتناء الصور في البيوت إنّما هو من جهة كراهة الصلاة إليها ، وعليه فلا يكره الاقتناء في غير بيوت الصلاة . وقد ذكر المصنّف هنا جملة من الروايات(1) ولكنّها ضعيفة السند .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قوله : ورواية أبي بصير قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الوسادة ... » أقول : هي ضعيفة بعثمان بن عيسى . راجع الكافي 6 : 527 / 6 ، والوافي 20 : 805 / 7 ، والوسائل 5 : 308 / أبواب أحكام المساكن ب4 ح2 .

قوله : ورواية اُخرى لأبي بصير قال « قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : إنّا نبسط عندنا الوسائد  ... » .

أقول : وهي ضعيفة بعلي بن أبي حمزة البطائني . راجع الوافي 20 : 806 / 9 .

قوله : ورواية علي بن جعفر عن أخيه عن الخاتم الخ ، وقوله : وعنه عن أخيه (عليه السلام) عن البيت الخ ، وقوله : وعن قرب الإسناد عن علي بن جعفر الخ.

أقول : كلّها مجهولة بعبدالله بن الحسن . راجع الوسائل 4 : 442 / أبواب لباس المصلّي ب45 ح23 ، 18 ، 20 ، قرب الإسناد : 211 / 827 ، 186 / 690 ، 692 .

ــ[374]ــ

ثم إنّ مقتضى العمومات الدالّة على حلّية البيع ونفوذه هو جواز بيع الصور وإن كان عملها حراماً ، لعدم الدليل على حرمة بيعها وضعاً وتكليفاً ، بل الظاهر من بعض الأحاديث الدالّة على جواز إبقاء الصور هو جواز بيعها ، فإنّ المذكور فيها جواز اقتناء الثياب والبسط والوسائد التي فيها الصور ، ومن الواضح جدّاً أنها تبتاع من السوق غالباً ، وقد ذكرنا جملة منها في الحاشية .

والمتحصّل من جميع ما ذكرناه : أنّ المحرّم هو خصوص تصوير الصور لذوات الأرواح فقط ، وأمّا اقتناؤها وتزيين البيوت بها وبيعها وشراؤها فلا إشكال في جوازها .

قوله : ويؤيّد الكراهة الجمع بين اقتناء الصور والتماثيل في البيت .

أقول : قد عرفت أنه لا دليل على حرمة اقتناء الصور المحرّمة ، وأنّ مقتضى الجمع بين ما دلّ على جواز الاقتناء وبين ما دلّ على الحرمة هو حمل الثاني على الكراهة .

ويؤيّد ذلك أيضاً الأخبار المستفيضة(1) المصرّحة بأنّ الملائكة لا تدخل بيتاً

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ففي الكافي 6 : 526 / 2 ، 12 ، والتهذيب 2 : 377 / 1570 ، 1569 ، والوافي 20 : 797 / 2 ، 3  ، والوسائل 5 : 174 / أبواب مكان المصلّي ب5 ح1 ، 3 عن ابن مروان عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال « قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : إنّ جبرئيل أتاني فقال : إنّا معاشر الملائكة لا ندخل بيتاً فيه كلب ، ولا تمثال جسد ، ولا إناء يبال فيه » وهي مجهولة بابن مروان .

وفي رواية عمرو بن خالد : « إنّا لا ندخل بيتاً فيه صورة إنسان » وهي مرسلة . ورواها في الكافي 3 : 393 / 26 بطريق آخر ضعيف بمعلّى بن محمد . ورواها في الموضع المتقدّم من الوسائل عن المحاسن ] 2 : 454 / 40 [ بطريق معتبر .

وفي الكافي 6 : 528 / 13 ، والوافي 20 : 799 / 5 ، والوسائل 5 : 309 / أبواب أحكام المساكن ب4 ح5 عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) « قال جبرئيل : إنّا لا ندخل بيتاً فيه تمثال لا يوطأ » الحديث مختصر . وهو ضعيف بعمرو بن شمر ، وعبدالله بن يحيى وأبيه . وغير ذلك من الروايات الكثيرة .

ــ[375]ــ

فيه صورة أو كلب أو إناء يبال فيه ، وفي بعض أحاديث العامّة(1): « لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة تماثيل » . وفي بعض أحاديثنا(2) إضافة الجنب إلى الاُمور المذكورة .

ووجه التأييد : أنّ وجود الجنب والكلب والإناء الذي يبال فيه في البيوت ليس من الاُمور المحرّمة في الشريعة المقدّسة ، بل هو مكروه ، واتّحاد السياق يقتضي كون اقتناء الصور فيها أيضاً مكروهاً .

ثم إنه لا فرق فيما ذكرناه من جواز اقتناء الصور وبيعها وشرائها بين كونها مجسّمة وغير مجسّمة ، لاتّحاد الأدلّة نفياً وإثباتاً كما عرفت .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع سنن البيهقي 7 : 268 .

(2) ففي الوسائل 5 : 176 / أبواب مكان المصلّي ب33 ح6 عن المحاسن ] 2 : 454 / 2568 [ عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في حديث : « إنّ جبرئيل (عليه السلام) قال : إنّا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا جنب ولا تمثال يوطأ » ] في المحاسن : لا يوطأ [ وهي ضعيفة بعمرو بن شمر ، وعبدالله بن يحيى ، وأبيه . الظاهر أنّ النسخة الصحيحة  : ولا تمثال لا يوطأ .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net