الرشوة 

الكتاب : مصباح الفقاهة في المعاملات - المكاسب المحرمة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 7978


موضوع الرشوة وحقيقتها

قوله : الثامنة : الرشوة حرام(1).

أقول : لم نجد نصّاً من طرق الخاصّة ومن طرق العامّة يحقّق موضوع الرشوة ويبيّن حقيقتها ، غير أنه ورد في بعض الروايات أنّها تكون في الأحكام ، ولكنّها لم توضّح أنّ الرشوة هل هي بذل المال على مطلق الحكم ، أو على الحكم بالباطل ، بل لا يفهم منها الاختصاص بالأحكام ، وإلاّ لما صحّ إطلاقها في غيرها . وكيف كان فلابدّ في تحقيق مفهومها من الرجوع إلى العرف واللغة وكلمات الأصحاب .

ففي المستند أنّ مقتضى كلام الأكثر والمتفاهم في العرف أنّ الرشوة عامّة لكل ما يدفع من المال للحاكم ، سواء أكان لحق أم كان لباطل . وحكى ذلك عن تصريح والده ، ثم قال : وهو الظاهر من القاموس والكنز ومجمع البحرين . ويدل عليه استعمالها فيما أعطى للحق في الصحيح : « عن الرجل يرشو الرجل على أن يتحوّل عن منزله فيسكنه ؟ قال : لا بأس به »(2). فإنّ الأصل في الاستعمال إذا لم يعلم

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 1 : 239 .

(2) الوسائل 17 : 278 / أبواب ما يكتسب به ب85 ح2 .

ــ[407]ــ

الاستعمال في غيره الحقيقة كما حقّق في موضعه(1). انتهى ملخّص كلامه ، وسنذكر الرواية في البحث عن حكم الرشوة في غير الأحكام .

وعن حاشية الإرشاد أنّ الرشوة ما يبذله المتحاكمان(2). وفي كلمات جماعة أنّ الرشوة ما يبذله المحقّ ليحكم له بحقّ بحيث لو لم يبذله لأبطل حقّه ، ولحكم عليه بالباطل . إلى غير ذلك من كلمات الأصحاب بمضامين مختلفة .

والمتحصّل من كلمات الفقهاء (رضوان الله عليهم) ومن أهل العرف واللغة(3) مع ضمّ بعضها إلى بعض أنّ الرشوة ما يعطيه أحد الشخصين للآخر لإحقاق حقّ ، أو تمشية باطل ، أو للتملّق ، أو الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة ، أو في عمل لا يقابل بالاُجرة والجعل عند العرف والعقلاء وإن كان محطّاً لغرضهم ومورداً لنظرهم ، بل

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المستند 17 : 71 .

(2) حياة المحقّق الكركي وآثاره 9 (حاشية إرشاد الأذهان) : 320 .

(3) في مجمع البحرين ] 1 : 184 ، مادّة رشا [ : رشا ، في الحديث « لعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الراشي والمرتشي والرائش » يعني المعطي للرشوة والآخذ لها والساعي بينهما يزيد لهذا وينقص لهذا ، وهو الرائش . والرشوة بالكسر ما يعطيه الشخصُ الحاكمَ وغيره ليحكم له أو يحمله على ما يريد ... وقلّما تستعمل إلاّ فيما يتوصّل به إلى إبطال حقّ أو تمشية باطل . وكذلك ما عن المصباح ] 228 ، مادّة الرِشوة [ . وفي القاموس ] 4 : 334 مادّة الرُشْوَة [ : الرشوة ـ مثلّثة ـ الجعل ، الجمع رَشى بالفتح ، ورِشى بالكسر . وفي المنجد ] 262 ، مادّة رشا  [ : الرشوة ـ مثلّثة ـ ما يعطى لإبطال حقّ أو إحقاق باطل . وفي أقرب الموارد ] 1 : 406 مادّة رشو  [ راشاه مراشاة صانعه ، والرشوة ـ مثلّثة ـ ما يعطى لإبطال حقّ أو إحقاق باطل ، وما يعطى للتملّق . وعن النهاية ] 2 : 226 مادّة رشا [ : الرشوة الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة ، فالراشي من يعطي الذي يعينه ، فأمّا ما يعطى توصّلا إلى أخذ حقّ أو دفع ظلم فغير داخل فيه .

ــ[408]ــ

يفعلون ذلك العمل للتعاون والتعاضد فيما بينهم ، كإحقاق الحقّ ، وإبطال الباطل وترك الظلم والإيذاء أو دفعهما ، وتسليم الأوقاف من المدارس والمساجد والمعابد ونحوها ، إلى غيره ، كأن يرشو الرجل على أن يتحوّل عن منزله فيسكنه غيره ، أو يتحوّل عن مكان في المساجد فيجلس فيه غيره ، إلى غير ذلك من الموارد التي لم يتعارف أخذ الاُجرة عليها .

نعم ما ذكره في القاموس من تفسير الرشوة بمطلق الجعل محمول على التفسير بالأعم ، كما هو شأن اللغوي أحياناً ، وإلاّ لشمل الجعل في مثل قول القائل : من ردّ عبدي فله ألف درهم ، مع أنه لا يقول به أحد .

حرمة الرشوة

ما حكم الرشوة ؟ الظاهر بل الواقع لا خلاف بين الشيعة والسنّة(1) في حرمتها في الجملة للآخذ والمعطي ، بل عن جامع المقاصد أجمع أهل الإسلام على تحريم الرشا في الحكم ، سواء أكان الحكم لحقّ أم لباطل ، وسواء أكان للباذل أم عليه(2). وفي تجارة المسالك : على تحريمه إجماع المسلمين(3).

وتدل على حرمتها في الجملة الروايات المتظافرة ـ وسنذكرها في الحاشية ـ وقوله تعالى : (وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في سنن البيهقي 10 : 139 : عن عبدالله بن عمر قال : « لعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الراشي والمرتشي » . وفي حديث آخر : « عن السحت فقال : الرشا » .

وفي شرح فتح القدير 6 : 371 : يحرم قبول الهدية عند الخصومة .

(2) جامع المقاصد 4 : 35 .

(3) المسالك 3 : 136 .

ــ[409]ــ

فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالاِْثْمِ)(1).

ووجه الدلالة : أنه تعالى نهى عن الإدلاء بالمال إلى الحكّام لإبطال الحق وإقامة الباطل حتّى يأكلوا بذلك فريقاً من أموال الناس بالإثم والعدوان ، وهذا هو معنى الرشوة ، وإذا حرم الإعطاء حرم الأخذ أيضاً ، للملازمة بينهما .

لا يقال : إنّ الآية إنّما نزلت في خصوص أموال اليتامى والوديعة والمال المتنازع فيه ، وقد نهى الله تعالى فيها عن إعطاء مقدار من تلك الأموال للقضاة والحكّام لأكل البقية بالإثم والعدوان ، وعلى هذا فهي أجنبية عن الرشوة .

فإنّه يقال : نعم قد فسّرت الآية الشريفة بكل واحد من الاُمور المذكورة(2)إلاّ أنّ هذه التفاسير من قبيل بيان المصداق ، والقرآن لا يختص بطائفة ولا بمصداق بل يجري كجري الشمس والقمر كما دلّت عليه جملة من الروايات ، وقد ذكرناها في مقدّمة التفسير(3). على أنّ في مجمع البحرين عن الصحاح أنّ قوله تعالى : (وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ) يعني الرشوة .

وقد يتوهّم أنّ الآية ليست لها تعرّض لحكم الرشوة ، فإنّ قوله تعالى : (وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ) ظاهر في أنّ المحرّم هو الإدلاء بأموال الناس إلى الحكّام

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البقرة 2 : 188 .

(2) ففي تفسير التبيان 2 : 138 قوله تعالى : (وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ) وقيل في معناه قولان أحدهما : قال ابن عبّاس والحسن وقتادة : إنّه الوديعة وما تقوم به بيّنة . الثاني : قال الجبائي في مال اليتيم الذي في يد الأوصياء .

وفي مجمع البحرين ] 1 : 145 ، مادّة دلا [ عن الصحاح : (وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ) يعني الرشوة .

(3) البيان في تفسير القرآن (موسوعة الإمام الخوئي 50) : 22 .

ــ[410]ــ

ليستعين بهؤلاء على أكل فريق آخر من أموال الناس بالإثم ، ومن المعلوم أنّ الرشوة هي ما يعطيها الراشي من مال نفسه لإبطال حقّ أو إحقاق باطل .

وفيه أولا : أنّ الرشوة في العرف واللغة أعم من ذلك كما تقدّم ، فلا وجه للتخصيص بقسم خاص .

وثانياً : أنّه لا ظهور في الآية المباركة في كون المدفوع إلى الحكّام مال الغير بل هي أعم من ذلك ، أو ظاهرة في كون المدفوع مال المعطي .

ومجمل القول : أنّ حرمة الرشوة في الجملة من ضروريات الدين ، وممّا قام عليه إجماع المسلمين ، فلا حاجة إلى الاستدلال عليها .

ثم إنّ تفصيل الكلام في أحكام الرشوة أنّ القاضي قد يأخذ الرشوة من شخص ليحكم له بالباطل مع العلم ببطلان الحكم ، وقد يأخذها ليحكم للباذل مع جهله ، سواء طابق حكمه الواقع أم لم يطابق ، وقد يأخذها ليحكم له بالحق مع العلم والهدى من الله تعالى .

أمّا الصورتان الاُوليان : فلا شبهة في حرمتهما ، فإنّ الحكم بالباطل والإفتاء والقضاء مع الجهل بالمطابقة للواقع محرّمان بضرورة الدين وإجماع المسلمين ، بل هما من الجرائم الموبقة والكبائر المهلكة . ويدلّ على حرمتهما أيضاً العقل والكتاب(1)والسنّة(2).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كقوله تعالى : (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة 5 : 44 ، وقوله تعالى: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ) الأنعام 6 : 116 ، وقوله تعالى : (إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً) يونس 10:36، النجم 53 : 28 ، وقوله تعالى : (قُلْ أَاللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ) يونس 10 : 59 ، وقوله تعالى : (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) الإسراء 17:36.

(2) راجع الوسائل 27 : 35 / أبواب صفات القاضي ب6 ، والكافي 7 : 407 / باب من حكم بغير ما أنزل الله ، والوافي 16 : 887 / ب121 (خطر الحكومة) ، 1 : 189 / ب13 (النهي عن القول بغير علم) . والمستدرك 17 : 252 / أبواب صفات القاضي ب6 .

ــ[411]ــ

وعلى هذا فمقتضى القاعدة حرمة الرشوة في كلتا الصورتين ، لما عرفت في أوائل الكتاب(1) من حرمة المعاملة على الأعمال المحرّمة وضعاً وتكليفاً ، على أنّ الروايات من الشيعة(2)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص37 .

(2) ففي الوسائل 17 : 94 / أبواب ما يكتسب به ب5 ح9 ، 12 ، 15 ، 16 عن الصدوق في وصية النبي (صلّى الله عليه وآله) قال : « ياعلي من السحت ثمن الميتة ... والرشوة في الحكم » أقول : رجال سند هذه الوصية مجاهيل ، لا طريق إلى الحكم بصحّتها واعتبارها من جهته .

وعن الخصال ] 265 / 26 [ باسناده عن عمّار بن مروان قال « قال أبو عبدالله (عليه السلام) : فأمّا الرشا ياعمّار في الأحكام فإنّ ذلك الكفر بالله العظيم وبرسوله (صلّى الله عليه وآله) » وهي صحيحة .

وعن الطبرسي في مجمع البيان ] 3 : 303 [ عن النبي (صلّى الله عليه وآله) : « إنّ السحت هو الرشوة في الحكم » وعن أبي عبدالله ـ إلى أن قال : ـ « فأمّا الرشا في الحكم فهو الكفر بالله » وهي مرسلة .

وفي الوسائل : المصدر المتقدّم ح1 ، والكافي 5 : 126 / 1 ، والوافي 17 : 280 / 14 عن أبي عبدالله (عليه السلام) : « فأمّا الرشا في الحكم فإنّ ذلك الكفر بالله العظيم جلّ اسمه وبرسوله  » وهي ضعيفة بسهل . ورواها الشيخ في التهذيب 6 : 368/1062 بسند صحيح .

وفي التهذيب 6 : 222 / 526 ، والكافي 7 : 409 / 2 ، والوسائل 27 : 222 / أبواب آداب القاضي ب8 ح3 عن سماعة عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « الرشا في الحكم هو الكفر بالله » وهي موثّقة بزرعة وسماعة .

إلى غير ذلك من الروايات المذكورة في المصادر المتقدّمة والمستدرك 13 : 70 / أبواب ما يكتسب به ب5 ح4 ، والبحار 100 : 53 / 19 ، وغير ذلك من المواضع .

ــ[412]ــ

والسنّة(1) قد أطبقت على حرمة الرشا في الحكم .

وأمّا الصورة الثالثة : فمقتضى القاعدة فيها جواز أخذ المال على القضاء والإفتاء ، فإنّ عمل المسلم محترم فلا يذهب هدراً . وأمّا الآية المتقدّمة فلا تشمل المقام ، لاختصاصها بالحكم بالباطل كما عرفت ، نعم الحرمة فيها هي مقتضى إطلاق الروايات المتقدّمة الدالّة على ذلك ، وهذا المعنى هو الذي تقتضيه مناسبة الحكم والموضوع ، فإنّ القضاء من المناصب الإلهية التي جعلها الله للرسول ، فلا ينبغي لمن يتفضّل عليه الله بهذا المنصب الرفيع أن يأخذ عليه الاُجرة .

ومع الإغضاء عن جميع ما ذكرناه ففي الروايات الدالّة على حرمة أخذ الاُجرة على القضاء غنى وكفاية ـ وسنتعرّض لهذه الروايات في البحث عن حكم أخذ الاُجرة على القضاء(2)ـ إذ الظاهر من الاُجرة فيها الجعل المأخوذ للقضاء دون الأجر المقرّر من قبل السلطان ولو كان جائراً ، فإنه لا شبهة في جواز أخذه إذا كان الدخول فيه بوجه محلّل كعلي بن يقطين والنجاشي وأمثالهما .

لا يقال : إنّ الرشوة في اللغة ما يؤخذ لإبطال حق أو إحقاق باطل ، فلا تصدق على ما يؤخذ للقضاء بما يحق .

فإنّه يقال : إنّ مفهوم الرشوة أعم من ذلك كما عرفت ، فلا وجه للحصر وتقييد المطلقات . على أنّ الاُمور التي يكون وضعها على المجّانية فإنّ أخذ الاُجرة عليها يعدّ رشوة في نظر العرف ، ومن هذا القبيل القضاوة والإفتاء ، نعم لو فرضنا قصور الأدلّة المتقدّمة عن إثبات الحرمة كان مقتضى أصالة الحل هو الإباحة ، بل هو مقتضى عمومات صحّة المعاملات ، كأوفوا بالعقود ، وتجارة عن تراض ، وأحلّ الله

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في سنن البيهقي 10 : 139 في جملة من الأحاديث : إنّ الرشا في الحكم هو الكفر .

(2) في ص730 الهامش رقم (2) .

ــ[413]ــ

البيع ، وغيرها .

قوله : وظاهر رواية حمزة بن حمران .

أقول : ربما يقال بجواز أخذ الاُجرة على القضاوة الحقّة ، لقوله (عليه السلام) في رواية حمزة بن حمران(1) عن المستأكلين بعلمهم : « إنّما ذلك الذي يفتي الناس بغير علم ولا هدى من الله ، ليبطل به الحقوق طمعاً في حطام الدنيا » فإنّ الظاهر منها حصر الاستيكال المذموم فيما كان لأجل الحكم بالباطل ، أو مع عدم معرفة الحق فيجوز الاستيكال مع العلم بالحق .

وقد يدعى كون الحصر إضافياً بالنسبة إلى الفرد الذي ذكره السائل ، فلا يدل إلاّ على عدم الذم على هذا الفرد المخصوص دون سائر الأفراد التي لا تدخل في الحصر . إلاّ أنّ هذه الدعوى خلاف الظاهر .

وفيه أولا : أنّ الرواية ضعيفة السند . وثانياً : أنّها مسوقة لدفع توهّم السائل أنّ من تحمّل علوم الأئمّة وبثّها في شيعتهم ووصل إليه منهم البرّ والإحسان بغير مطالبة كان من المستأكلين بعلمه ، فأجاب الإمام (عليه السلام) بأنّ هذا ليس من الاستيكال المذموم ، وإنّما المستأكلون الذين يفتون بغير علم لإبطال الحقوق ، وعلى هذا فمفهوم الحصر هو العقد السلبي المذكور في الرواية صريحاً ، وليس فيها تعرّض

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المروية في الوسائل 27 : 141 / أبواب صفات القاضي ب11 ح12 ، والوافي 1 : 215 / ذيل ب16 (المستأكل بعلمه) عن معاني الأخبار ] 181 / 1 ، بتفاوت يسير [ عن ابن حمران قال : «  سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : من استأكل بعلمه افتقر ، قلت : إنّ في شيعتك قوماً يتحمّلون علومكم ويبثّونها في شيعتكم فلا يعدمون منهم البرّ والصلة والإكرام ؟ فقال : ليس اُولئك بمستأكلين ، إنّما ذلك الذي يفتي بغير علم ولا هدى من الله ليبطل به الحقوق طمعاً في حطام الدنيا » وهي ضعيفة بمحمّد بن سنان ، وتميم بن بهلول ، وأبيه .

ــ[414]ــ

لأخذ الاُجرة على الحكم بالحق ، لا مفهوماً ولا منطوقاً .

وأمّا ما ذكره أخيراً من كون الحصر ليس إضافياً فهو متين ، ولكن لا من جهة كونه خلاف الظاهر ، بل من جهة أنه لا معنى للحصر الإضافي في قبال الحصر الحقيقي ، غاية الأمر أنّ دائرة الحصر تختلف سعة وضيقاً ، وقد تقدّم ذلك في أوّل الكتاب(1).

وقال العلاّمة في المختلف : إن تعيّن القضاء عليه إمّا بتعيين الإمام (عليه السلام) أو بعقد غيره أو بكونه الأفضل ، وكان متمكّناً لم يجز الأجر عليه ، وإن لم يتعيّن أو كان محتاجاً فالأقرب الكراهة . لنا الأصل الإباحة على التقدير الثاني ، ولأنّه فعل لا يجب عليه فجاز أخذ الأجر عليه . أمّا مع التعيين فلأنّه يؤدّي واجباً ، فلا يجوز أخذ الاُجرة عليه ، كغيره من العبادات الواجبة(2).

وفيه : أنه لا وجه لذكر هذا التفصيل في المقام ، فإنّ حرمة الاُجرة على القضاء لكونه واجباً عينياً أو كفائياً من صغريات البحث عن أخذ الاُجرة على الواجب الذي سيأتي الكلام فيه(3)، وكلامنا هنا في حكم أخذ الرشوة على القضاء من حيث هي رشوة ، لا من جهات اُخر ، وعليه فمقتضى الإطلاقات الدالّة على حرمة أخذ الاُجرة على الحكم هو عدم الفرق بين صورتي الاحتياج إلى أخذ الاُجرة والانحصار وبين عدمهما ، كما هو واضح . ومن هنا ظهر أنه لا وجه لقول المصنّف : وأمّا اعتبار الحاجة فلظهور اختصاص أدلّة المنع بصورة الاستغناء .

ثم الظاهر أنه لا يجوز أخذ الاُجرة والرشوة على تبليغ الأحكام الشرعية

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ص12 .

(2) المختلف 5 : 48 .

(3) في ص697 وما بعدها .

ــ[415]ــ

وتعليم المسائل الدينية ، فقد عرفت فيما تقدّم أنّ منصب القضاوة والافتاء والتبليغ يقتضي المجّانية .

ويدلّ على الحرمة أيضاً ما في رواية يوسف بن جابر(1) من أنّه « لعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) رجلا احتاج الناس إليه لفقهه فسألهم الرشوة » . ولكن الرواية ضعيفة السند ، والعمدة في المقام التمسّك بالإطلاقات المتقدّمة الناهية عن أخذ الرشوة على الحكم .

جواز ارتزاق القاضي من بيت المال

قوله : وأمّا الارتزاق من بيت المال فلا إشكال في جوازه للقاضي .

أقول : الفرق بين الاُجرة والارتزاق أنّ الاُجرة تفتقر إلى تقدير العمل والعوض وضبط المدّة ، وأمّا الارتزاق من بيت المال فمنوط بنظر الحاكم من غير أن يقدّر بقدر خاص .

ولا إشكال في جواز ارتزاق القاضي من بيت المال في الجملة كما هو المشهور لأنّ بيت المال معدّ لمصالح المسلمين والقضاء من مهمّاتها ، ولما كتبه علي أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى مالك الأشتر في عهد طويل ، فقد ذكر (عليه السلام) فيه صفات القاضي ثم قال : « وافسح له في البذل ما يزيل علّته وتقلّ معه حاجته إلى الناس  »(2).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قال « قال أبو جعفر (عليه السلام) : لعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) رجلا احتاج الناس إليه لفقهه فسألهم الرشوة » وهي مجهولة بعبدالرحمن ، ويوسف بن جابر . راجع الوسائل 27 : 223 / أبواب آداب القاضي ب8 ح5 ، التهذيب 6 : 224 / 534 .

(2) راجع نهج البلاغة : 460 في العهد 53 الذي كتبه للأشتر النخعي . والوسائل 27 : 223 / أبواب آداب القاضي ب8 ح9 ، والمستدرك 13 : 165 / أبواب ما يكتسب به ب42 ح2 .

ــ[416]ــ

والعهد وإن نقل مرسلا إلاّ أنّ آثار الصدق منه لائحة كما لا يخفى للناظر إليه . ويدل على ذلك أيضاً بعض الفقرات من مرسلة حمّاد الطويلة(1).

ثم إنّ القاضي قد يكون جامعاً لشرائط القضاوة على النحو المقرّر في الشريعة ومنصوباً من قبل الإمام (عليه السلام) خاصّاً أو عاماً . وقد يكون جامعاً لشرائط القضاء ولكنّه كان منصوباً من قبل سلطان الجور ، ولم يكن له غرض في قبولها إلاّ التوادد والتحبّب إلى فقراء الشيعة وقضاء حوائجهم وإنفاذ اُمورهم وإنقاذهم من المهلكة والشدّة . وقد لا يكون جامعاً للشرائط ، سواء كان منصوباً من قبل الجائر أم  لا .

أمّا الأولان فلا شبهة في جواز ارتزاقهم من بيت المال ، لما عرفت من أنه معدّ لمصالح المسلمين والقضاء من مهمّاتها ، ولا مجال في هاتين الصورتين للبحث عن خصوصيات المسألة من أنه يجوز مطلقاً أو مع الاحتياج وعدم التعيين ، لأنّ الفرض أنّ القاضي أعرف بموارد مصرف بيت المال ، وعدالته المفروضة تمنعه عن الحيف .

وأمّا الثالث فيحرم ارتزاقه من بيت المال ، لعدم قابليته لمنصب القضاوة كخلفاء الجور ، فلا يكون من موارد المصرف لبيت المال .

وقد يستدل على حرمة ارتزاق القاضي بحسنة عبدالله بن سنان : « عن قاض

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في الكافي 1 : 541 / 4 ، والوافي 10 : 293 / 1 ، والوسائل 27 : 221 / أبواب آداب القاضي ب8 ح2 عن حمّاد عن بعض أصحابنا عن العبد الصالح ، إلى أن قال : « فيكون بعد ذلك أرزاق أعوانه على دين الله ، وفي مصلحة ما ينوبه من تقوية الإسلام وتقوية الدين في وجوه الجهاد ، وغير ذلك ممّا فيه مصلحة العامّة ، ليس لنفسه من ذلك قليل ولا كثير » وهي مرسلة .

ــ[417]ــ

بين قريتين يأخذ من السلطان على القضاء الرزق ؟ فقال : ذلك السحت  »(1).

وفيه : أنّ الرواية محمولة على الصورة الثالثة من عدم كونه قابلا للقضاوة لأنه إذا كان جامعاً للشرائط لا يحرم ارتزاقه من بيت المال أو من جوائز السلطان وهو واضح . ويمكن حملها على كون الرزق اُجرة على القضاء ، وقد عرفت أنّ أخذ الاُجرة على القضاء حرام .

جواز أخذ القاضي للهدية

قوله : وأمّا الهدية وهي ما يبذله على وجه الهبة .

أقول : قد عرفت حكم الرشوة والاُجرة على الحكم والقضاء ، وأمّا الهدية ففي حرمتها خلاف ، وهي ـ كما عن المصباح ـ العطية على سبيل الملاطفة(2).

ثم إنّها قد تكون للملاطفة والتودّد فقط ، بحيث لا مساس لها للدواعي الاُخرى . وقد تكون على وجه الهبة لتورث المودّة التي توجب الحكم له حقّاً كان أم باطلا ، إذا علم المبذول له أنّ ذلك من قصد الباذل وإن لم يقصد هو إلاّ الحكم بالحق . وقد تكون لأجل الحكم للباذل ولو باطلا ، ولكن المبذول له لم يكن ملتفتاً إلى ذلك وإلاّ لكان رشوة محرّمة . وقد تكون متأخّرة عن الفعل المحرّم ولكنّها بداعي المجازاة وأداء الشكر .

ومقتضى القاعدة جواز أخذها للقاضي في جميع الصور وإن حرم الدفع على المعطي إذا كان غرضه الحكم له ، وقد استدل على حرمة الأخذ بوجوه :

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع الكافي 7 : 409 / 1 ، والوافي 16 : 908 / 5 ، والوسائل 27 : 221 / أبواب آداب القاضي ب8 ح1 .

(2) لاحظ المصباح المنير : 636 .

ــ[418]ــ

الأول : قوله (عليه السلام) في رواية الأصبغ : « وإن أخذ هدية كان غلولا  »(1).

وفيه أولا : أنّ الرواية ضعيفة السند .

وثانياً : أنّها واردة في هدايا الولاة دون القضاة ، فتكون أجنبية عن المقام وبما أنّ الهدية إلى الولاة جائزة فلابدّ من حمل الرواية على غير ذلك من الوجوه الممكنة :

الأول : أن تحمل على الكراهة ، لأنّ إهداء الهدية إلى الوالي قد يحبّب إليه أخذ الرشوة المحرّمة .

الثاني : أن تحمل على ظاهرها ولكن يقيّد الإعطاء بكونه لدفع الظلم ، أو إنقاذ الحقّ ، أو لأجل أن يظلم غيره ، فإنّها في هذه الصور كلّها محرّمة على الوالي وفي الصورة الأخيرة محرّمة على المعطي أيضاً .

الثالث : أن تحمل على كون ولايتهم من قبل السلطان مشروطة بعدم أخذ شيء من الرعية ، لأنّهم يرتزقون منه . وعلى الجملة : لا يمكن الاستدلال بها على المطلوب .

الوجه الثاني : ما ورد من أنّ هدايا العمّال أو الاُمراء غلول أو سحت(2).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ففي الوسائل 17 : 94 / أبواب ما يكتسب به ب5 ح10 عن أمير المؤمنين (عليه السلام)  : « أيّما وال احتجب عن حوائج الناس احتجب الله عنه يوم القيامة وعن حوائجه وإن أخذ هدية كان غلولا ، وإن أخذ الاُجرة فهو مشرك » وهي ضعيفة بأبي الجارود وسعد الإسكاف  .

(2) في سنن البيهقي 10 : 138 عن أبي حميد الساعدي قال « قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله)  : هدايا الاُمراء غلول » .

وفي آداب القاضي من المبسوط للطوسي ] 8 : 151 [ عن النبي (صلّى الله عليه وآله) أنه قال  : « هدية العمّال غلول » وفي بعضها : « هدية العمّال سحت » وهي مرسلة .

ــ[419]ــ

وفيه أولا : أنه ضعيف السند .

وثانياً : أنه أجنبي عمّا نحن فيه ، لوروده في هدايا العمّال ، وهم غير القضاة . ووجه كونها محرّمة قد علم من الوجوه المتقدّمة .

وثالثاً : أنه يمكن أن يراد من إضافة الهدايا إلى العمّال إضافة المصدر إلى الفاعل دون المفعول ، بمعنى أنّ الهدايا التي تصل إلى الرعية من عمّال سلاطين الجور غلول ، فتكون الرواية راجعة إلى جوائز السلطان وعمّاله ، وسنتكلّم عنها .

وهذا الوجه الأخير وإن كان في نفسه جيداً ، إلاّ أنّه إنّما يتم فيما إذا علم كون الهدية من الأموال المحرّمة ، وإلاّ فلا وجه لكونها غلولا . على أنه بعيد عن ظاهر الرواية .

الوجه الثالث : ما استدلّ به في المستند(1) على حرمة أخذ القاضي للهدية من أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) زجر عمّال الصدقة عن أخذهم الهدايا .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) عن أبي حميد الأنصاري ثم الساعدي أنه أخبره : « أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) استعمل عاملا على الصدقة فجاءه العامل حين فرغ من عمله فقال : يارسول الله (صلّى الله عليه وآله) هذا الذي لكم وهذا الذي اُهدي إليّ ، إلى أن قام فصعد المنبر ثم قال : أمّا بعد ، فما بال العامل نستعمله فيأتينا فيقول : هذا من عملكم وهذا الذي اُهدي لي ، فهلاّ قعد في بيت أبيه واُمّه فنظر هل يهدى له أم لا ؟ والذي نفسي بيده لا يقبل أحد منكم منها شيئاً إلاّ جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه » وهو نبوي ضعيف . راجع المستند 17 : 73 ، والمبسوط للشيخ الطوسي 8 : 151 ] مع اختلاف واضح [ ، وسنن البيهقي لأبي بكر الشافعي 10 : 138 .

ــ[420]ــ

وفيه أولا : أنّ الرواية ضعيفة السند ، لكونها منقولة من طرق العامّة . وثانياً  : أنّها وردت في عمّال الصدقة فلا ترتبط بما نحن فيه ، ولعلّ حرمتها عليهم من جهة الوجوه التي ذكرناها في حرمتها على الولاة .

الوجه الرابع : ما تقدّم فيما سبق(1) عن الرضا عن آبائه عن علي (عليه السلام) « في قوله تعالى : (أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ)(2) قال : هو الرجل يقضي لأخيه الحاجة ثم يقبل هديته » .

وفيه أولا : أنّ الرواية مجهولة . وثانياً : أنّها وردت في خصوص الهدية بعد قضاء حاجة المؤمن ، ولم يقل أحد بحرمتها هناك ، لما دلّ على جواز قبول الهدية من المؤمن بل من الكافر ، ولما دل على استحباب الإهداء إلى المسلم . إذن فلابدّ من حمل الرواية على الكراهة ، ورجحان التجنّب عن قبول الهدايا من أهل الحاجة إليه لئلاّ يقع يوماً في الرشوة .

الوجه الخامس : أنّ المناط في حرمة الرشوة للقاضي هو صرفه عن الحكم بالحقّ إلى الحكم بالباطل ، وهو موجود في الهدية أيضاً ، فتكون محرّمة .

وفيه : أنّ غاية ما يحصل من تنقيح المناط هو الظنّ بذلك ، والظن لا يغني من الحقّ شيئاً .

الرشوة في غير الأحكام

قوله : وهل تحرم الرشوة في غير الحكم .

أقول : الرشوة في غير الأحكام قد تكون لإتمام أمر محرّم ، وقد تكون

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص71 .

(2) المائدة 5 : 42 .

 
 

ــ[421]ــ

لإصلاح أمر مباح ، وقد تكون لإنهاء أمر مشترك الجهة بين المحلّل والمحرّم .

أمّا الأول : فلا شبهة في حرمته من غير احتياج إلى أدلّة حرمة الرشوة ، لما عرفت من حرمة أخذ المال على عمل محرّم(1).

وأمّا الثاني: فلا شبهة في جوازه ، لعدم الدليل على الحرمة مع كون العمل سائغاً في نفسه وصالحاً لأن يقابل بالمال، وإن كان كثيرون يفعلونه للتعاضد والتعاون ، ولا يأخذون عليه مالا .

وأمّا الثالث : فإن قصدت به الجهة المحرّمة فهو حرام ، وإن قصدت به الجهة المحلّلة فهو حلال ، وإن بذل المال على إصلاح أمره حلالا أم حراماً فقد استظهر المصنّف حرمته لوجهين :

الوجه الأول : أنّه أكل للمال بالباطل ، فيكون حراماً .

وفيه : أنّ أخذ المال على الجهة المشتركة بين المحلّل والمحرّم ليس من أكل المال بالباطل ، فإنّ أكل المال إنّما يكون باطلا إذا كان بالأسباب التي علم بطلانها في الشريعة ، كالقمار والغزو ونحوهما ، ولم يعلم بطلان أخذ المال على العمل المشترك بين الحلال والحرام ، فلا يكون من مصاديق أكل المال بالباطل .

الوجه الثاني : إطلاق فحوى ما تقدّم في هدية الولاة والعمّال .

وفيه أولا : أنّ الروايات المتقدّمة(2) في هدية الولاة والعمّال ضعيفة السند وقد عرفت ذلك آنفاً . وثانياً : أنّ حرمة الهدية لهما إنّما تقتضي حرمة إعطاء الرشوة لهما  ، ولا دلالة لهما على حرمة الرشوة لغيرهما من الناس .

وقد يقال بحرمة الرشوة مطلقاً حتى في غير الأحكام ، لإطلاق بعض

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع ص37 .

(2) في ص418 .

ــ[422]ــ

الروايات المتقدّمة في الحاشية من طرق الخاصة ومن طرق العامّة .

وفيه أولا : أنّها ضعيفة السند ، وقد عرفت ذلك آنفاً . وثانياً : أنّها منصرفة إلى الرشا في الحكم كما في المتن . وثالثاً : أنّها مقيّدة بما دلّ على جواز الرشوة لأمر مباح(1) وللتحوّل عن المنزل المشترك ، كالأوقاف العامّة(2).

وقد يتوهّم أنّ موضوع الرشوة مختص بالأحكام ، لما ورد في جملة من الروايات الماضية من أنّ الرشا في الحكم حرام ، أو كفر ، أو سحت .

وفيه أولا : أنّ المستفاد منها ليس إلاّ حرمة الرشوة في الحكم ، لا اختصاص موضوعها به ، وهو واضح ، بل قد يدّعى أنّها مشعرة بعموم مفهوم الرشوة لغير

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كرواية حكم بن حكيم الصيرفي قال : « سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) وسأله حفص الأعور فقال : إنّ السلطان يشترون منّا القرب والأداوى فيوكلون الوكيل حتى يستوفيه منّا ونرشوه حتّى لا يظلمنا ، فقال : لا بأس ما تصلح به مالك ، ثم سكت ساعة ثم قال : أرأيت إذا أنت رشوته يأخذ أقل من الشرط ؟ قال : نعم ، قال : فسدت رشوتك » وهي ضعيفة بإسماعيل بن أبي سمّاك (سمال) . راجع الوافي 17 : 86 / 21 ، والوسائل 18 : 96 / أبواب أحكام العقود ب37 ح1 .

أقول : القِرب بكسر القاف جمع القربة ، وهي ما يستقى فيه الماء . الأداوى جمع الإداوة ، وهي إناء صغير من جلد ، وتسمّى المطهرة . ثم إنّه نقل المصنّف الرواية عن أبي الحسن (عليه السلام) وذكر الأداوة بدل الأداوى ، وكلاهما من سهو القلم ، ولعلّه تبع في ذلك صاحب الوسائل .

(2) ففي الوسائل 17 : 278 / أبواب ما يكتسب به ب85 ح2 والموضع المزبور من الوافي عن محمد بن مسلم قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الرجل يرشو الرشوة على أن يتحوّله عن (من) منزله فيسكنه ؟ قال : لا بأس » وهي صحيحة .

ــ[423]ــ

الأحكام ، وإلاّ للزم إلغاء التقييد في قوله (عليه السلام)(1): « وأمّا الرشا في الحكم فهو الكفر بالله العظيم » .

وثانياً : أنّ مفهوم الرشوة في اللغة(2) غير مختص بما يؤخذ في الحكم ، بل هو أعم من ذلك .

من الرشوة في الحكم المعاملة المحاباتية مع القاضي

قوله : وممّا يعدّ من الرشوة أو يلحق بها المعاملة المشتملة على المحاباة .

أقول : الكلام في المعاملة المشتملة على المحاباة بعينه هو الكلام فيما تقدّم من الرشوة ، فإذا باع من القاضي ما يساوي عشرة دراهم بدرهم كان الناقص من الرشا المحرّم ، وإن كان غرضه من ذلك تعظيم القاضي أو التودّد المحض أو التقرّب إلى الله فلا وجه للحرمة .

ثم إنّ في حكم بذل العين له بذل المنافع كسكنى الدار وركوب المراكب ونحوهما من المنافع كما لا يخفى ، وأمّا ما يرجع إلى الأقوال كمدح القاضي والثناء عليه فلا يعد رشوة ، فضلا عن كونه محرّماً لذلك ، نعم لو كان ذلك إعانة على الظلم كان حراماً من هذه الجهة .

قوله : وفي فساد المعاملة المحابى فيها وجه قوي .

أقول : لا وجه لفساد المعاملة المشتملة على المحاباة المحرّمة ، إلاّ إذا كان الحكم للمحابي شرطاً فيها وقلنا بأنّ الشرط الفاسد مفسد للعقد ، فيحكم بالبطلان .

فائدة : الظاهر من الأخبار المتقدّمة أنّ منزلة الرشوة منزلة الربا ، فكما أنّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المتقدّم في ص411 ، الهامش رقم (2) .

(2) كما تقدّم في ص407 ، الهامش رقم (3) .

ــ[424]ــ

الربا حرام على كل من المعطي والآخذ والساعي بينهما فكذلك الرشوة ، فإنّها محرّمة على الراشي والمرتشي والرائش ، أي الساعي بينهما يستزيد لهذا ويستنقص لذاك .

نعم لا بأس باعطائها إذا كان الراشي محقّاً في دعواه ، ولا يمكن له الوصول إلى حقّه إلاّ بالرشوة ، كما استحسنه في المستند(1) لمعارضة إطلاقات تحريمها مع أدلّة نفي الضرر ، فيرجع إلى الأصل لو لم يرجح الثاني . بل يتعيّن ترجيحه ، لحكومة أدلّة نفي الضرر على أدلّة الأحكام بعناوينها الأوّلية كما هو واضح .

حكم الرشوة وضعاً

قوله : ثم إنّ كل ما حكم بحرمة أخذه وجب على الآخذ ردّه وردّ بدله مع التلف .

أقول : قد ذكرنا أنّ الباذل قد يعطي الرشوة للقاضي أو غيره ليحكم له على خصمه ، وقد يحابيه في معاملة ليحكم له في الخصومات والدعاوي ، وقد يرسل إليه هدية بداعي الحكم له .

أمّا الأول : فلا شبهة في ضمان القابض المال الذي أخذه من الدافع بعنوان الرشوة ، كما لا شبهة في الحرمة عليهما تكليفاً ، فيجب على الآخذ ردّ المال أو ردّ بدله من المثل أو القيمة مع التلف .

قال في الجواهر : لا خلاف ولا إشكال في بقاء الرشوة على ملك المالك ، كما هو مقتضى قوله (عليه السلام) : إنّها سحت ، وغيره من النصوص الدالّة على ذلك ـ  إلى أن قال ـ : فإذا أخذ ما لم ينتقل إليه من مال غيره كان ضامناً(2).

ووجه الضمان : أنّ الرشوة في هذه الصورة إنّما وقعت في مقابل الحكم ، فتكون

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المستند 17 : 72 .

(2) لاحظ الجواهر 22 : 149 .

ــ[425]ــ

في الحقيقة إجارة فاسدة أو شبيهة بها ، فيحكم بالضمان ، لكونها من صغريات كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده ، وهذه القاعدة وإن لم يرد عليها نص بالخصوص ، ولكنّها متصيّدة من الأخبار الواردة في موارد الضمان ، فتكون حجّة وسيأتي ذكرها في محلّها(1). ومن هنا ظهر بطلان القول بعدم الضمان إذا علم الدافع بالحرمة ، لكون التسليط حينئذ مجانياً .

وأمّا الثاني : فهو كالأول من حيث الحرمة التكليفية ، ولكن لا وجه للضمان لما نقص من القيمة ، فإنّ غاية الأمر أنّ المعاملة كانت مشروطة بالشرط الفاسد ، وقد عرفت إجمالا وستعرف تفصيلا(2) أنّ الشروط مطلقاً لا تقابل بجزء من الثمن ، وأنّ الفاسد منها لا يوجب فساد المعاملة ، وإنّما يثبت الخيار فقط للمشروط له .

وأمّا الثالث : فالظاهر أنه لا ضمان فيه أيضاً ، لأنّ الدافع لم يقصد المقابلة بين الحكم والمال المبذول للقاضي ، وإنّما أعطاه مجّاناً ليحكم له ، فيكون مرجعه إلى هبة مجانية فاسدة ، لأنّ الداعي ليس قابلا للعوضية ، ولا مؤثّراً في الحكم الشرعي وضعاً ولا تكليفاً ، وعليه فيكون المورد من صغريات الضابطة الكلّية : كل عقد لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده .

وقد يقال بالضمان لقاعدة الضمان باليد . وفيه : أنّ عموم على اليد مختص بغير اليد المتفرّعة على التسليط المجّاني ، ولذا لا يضمن بالهبة الفاسدة في غير هذا المقام .

قوله : وفي كلام بعض المعاصرين أنّ احتمال عدم الضمان في الرشوة مطلقاً غير بعيد .

أقول : علّله القائل في محكي كلامه بوجهين ، الأول : أنّ المالك قد سلّطه عليها

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لاحظ الجزء الثالث من هذا الكتاب : 87 وما بعدها .

(2) راجع الجزء السابع من هذا الكتاب : 383 .

ــ[426]ــ

تسليطاً مجانياً ، فلا موجب للضمان . والثاني : أنّها تشبه المعاوضة ، وما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده .

أمّا الأول : فيرد عليه أنّ التسليط في المقام ليس بمجاني ، بل هو في مقابل الحكم للباذل كما عرفت .

وأمّا الثاني : فيرد عليه أنّ عملهم هذا إمّا إجارة فاسدة أو شبيهة بها ، وعلى أي حال يكون موجباً للضمان ، لقاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده .

اختلاف الدافع والقابض

قوله : فروع في اختلاف الدافع والقابض .

أقول : ذكر المصنّف هنا فروعاً ثلاثة ، وتعرّض لحكمها . وتحقيق الكلام في مسألة المترافعين في الدفع والقبض وبيان الضابطة الكلّية فيها أنّ الصور المتصوّرة فيها أربع ، كلّها تنطبق على المقام غير الصورة الرابعة . ولعلّ المصنّف لذلك أهملها .

الصورة الاُولى : أن يتوافق المترافعان على فساد الأخذ والإعطاء ، ولكن الدافع يدعي كون المدفوع رشوة على سبيل الإجارة والجعالة ، فتكون موجبة للضمان ، لأنّ الإجارة الصحيحة توجب الضمان فكذلك الإجارة الفاسدة ، والقابض يدّعي أنّه على سبيل الهدية إلاّ أنّها فاسدة ، فلا تكون موجبة للضمان ، لأنّ الهبة الصحيحة لا ضمان فيها فكذا الهبة الفاسدة .

وقد رجّح المصنّف القول الأول قائلا : لأنّ عموم خبر « على اليد »(1) يقضي بالضمان ، إلاّ مع تسليط المالك مجّاناً ، والأصل عدم تحقّقه ، وهذا حاكم على أصالة عدم سبب الضمان ، فافهم .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المستدرك 14 : 7 / كتاب الوديعة ب1 ح12 .

ــ[427]ــ

وفيه : أنّ موضوع قاعدة الضمان باليد إنّما هو التسليط غير المجّاني ، والتسليط هنا محرز بالوجدان ، وعدم كونه مجانياً محرز بالأصل ، فيلتئم الموضوع بضم الوجدان إلى الأصل ، ويترتّب عليه الحكم ، ولا يلزم المحذور المذكور . نعم يرد عليه أنّ خبر « على اليد » ضعيف السند ، وغير منجبر بشيء ، فلا يجوز الاستناد إليه وقد عرفته فيما سبق(1) ويأتي التعرّض له في أحكام الضمان(2).

والتحقيق : أنه ثبت في الشريعة المقدّسة عدم جواز التصرف في مال امرئ مسلم إلاّ بطيب نفسه ـ وقد تقدّمت الإشارة إليه فيما سبق(3) ـ وثبت فيها أيضاً أنّ وضع اليد على مال الغير بدون رضى مالكه موجب للضمان ، للسيرة القطعية ، ومن الواضح جدّاً أنّ وضع اليد على مال الغير في المقام محرز بالوجدان ، فإذا ضممنا إليه أصالة عدم رضى المالك بالتصرّف المجّاني تألّف الموضوع من الوجدان والأصل وحكم بالضمان ، ولا يلزم شيء من المحاذير . وليس المراد من الأصل المذكور استصحاب العدم الأزلي ليرد عليه ما أوردوه في علم الاُصول ، بل المراد به استصحاب العدم المحمولي ، وهو واضح ، وإن قلنا بحجّية الأول أيضاً .

الصورة الثانية : أن يتسالم المترافعان على شيء واحد ، ولكن القابض يدّعي صحّته على وجه لا يمكن معه الرجوع ، ويدّعي الباذل فساده ، كما إذا ادّعى الباذل كون المبذول هدية على سبيل الرشوة ، وادّعى القابض كونها هبة صحيحة لازمة .

وهذا النزاع إنّما يكون له أثر فيما إذا كانت الدعوى قبل تلف العين ، مع كون الهبة لذي رحم أو على وجه قربي ، فإنّه يترتّب على النزاع حينئذ استرجاع العين

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ص308 .

(2) الجزء الثالث من هذا الكتاب : 87 .

(3) في ص225 .

ــ[428]ــ

من الموهوب له .

وأمّا إذا كان النزاع بعد التلف فلا أثر له بوجه ، فإنه لا ضمان للهبة بعد التلف سواء أكانت فاسدة أم صحيحة ، وعليه فلا وجه لما ذكره المصنّف (رحمه الله) من قوله  : ولأصالة الضمان في اليد إذا كانت الدعوى بعد التلف .

وقد يقال هنا بالضمان ، لعموم قاعدة على اليد ، لأنّ وضع القابض يده على مال الدافع محرز بالوجدان ، وعدم كونه بالهبة الصحيحة الناقلة محرز بالأصل فيلتئم الموضوع منهما ، ويترتّب عليه الحكم بالضمان . ولا يعارض ذلك الأصل بأصالة عدم الهبة الفاسدة . لأنّها لا أثر لها .

والتحقيق هو القول بعدم الضمان ، لأنّ أصالة الصحّة في العقود تتقدّم على جميع الاُصول الموضوعية ، وعليه اتّفاق كافة العلماء وبناء العقلاء .

لا يقال : الدافع إنّما يدّعي ما لا يعلم إلاّ من قبله فيقدّم قوله في دعواه ، لأنه أعرف بضميره .

فإنه يقال : لا دليل على ثبوت هذه القاعدة في غير الموارد الخاصّة  ، كإخبار المرأة عن الحمل أو الحيض أو الطهر ، فلا يجوز التعدّي إلى غيرها  .

الصورة الثالثة : أن يكون مصبّ الدعوى أمراً مختلفاً ، كما إذا ادّعى الباذل أنّها رشوة محرّمة أو اُجرة على الحرام ، وادّعى القابض كونها هبة صحيحة . والظاهر هنا تقديم قول الدافع ، لأصالة عدم تحقّق الهبة الصحيحة الناقلة ، فإنّها أمر وجودي وموضوع للأثر ، والأصل عدمها . ولا تعارضها أصالة عدم تحقّق الرشوة المحرّمة أو الإجارة الفاسدة ، لأنّهما لا أثر لهما ، وإنّما الأثر مترتّب على عدم تحقّق السبب الناقل سواء تحقّق معه شيء من الأسباب الفاسدة أم لم يتحقّق .

وربما يقال بتقديم أصالة الصحّة على الاُصول الموضوعية ، لحكومتها عليها في باب المعاملات على حذو ما تقدّم .

ــ[429]ــ

وفيه : أنّ مدرك أصالة الصحة هو الإجماع وبناء العقلاء كما عرفت ، وهما من الأدلّة اللبّية ، فلابدّ من الأخذ بالقدر المتيقّن ، وهو ما كان مصبّ الدعوى أمراً واحداً معلوماً للمترافعين وكان الاختلاف في الخصوصيات ، وقد فرضنا أنّ المقام ليس كذلك .

الصورة الرابعة : أن يدّعي كل منهما عنواناً صحيحاً غير ما يدّعيه الآخر كأن يدّعي الباذل كونه بيعاً ليتحقّق فيه الضمان ، ويدّعي القابض كونه هبة مجّانية لكي لا يتحقّق فيه الضمان ، فإن أقام أحدهما بيّنة أو حلف مع نكول الآخر حكم له وإلاّ وجب التحالف ، وينفسخ العقد ، وعليه فيجب على القابض ردّ العين مع البقاء أو بدلها مع التلف . وهذه الصورة لا تنطبق على ما نحن فيه .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net