حرمة السحر 

الكتاب : مصباح الفقاهة في المعاملات - المكاسب المحرمة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 13695


ــ[438]ــ

حرمة السحر

قوله : العاشرة : السحر حرام في الجملة بلا خلاف(1).

أقول : لا خلاف في حرمة السحر في الجملة ، بل هي من ضروريات الدين وممّا قام عليه إجماع المسلمين ، وقد استفاضت بها الروايات من طرقنا(2) ومن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 1 : 257 .

(2) ففي الوسائل 11 : 373 / أبواب آداب السفر ب14 ح8 ، ومرآة العقول 26 : 465 في نهج البلاغة ] 96 الخطبة 79 [ : « المنجّم كالكاهن ، والكاهن كالساحر ، والساحر كالكافر والكافر في النار » وهي مرسلة .

وفي الوسائل 17 : 143 / أبواب ما يكتسب به ب24 ح7 . ومرآة العقول 26 : 471 عن الصدوق في رواية نصر (نضر) : « والساحر ملعون » وهي ضعيفة بالحسن بن علي الكوفي وإسحاق بن إبراهيم .

وقال « قال (عليه السلام) : المنجّم كالكاهن » إلى آخر ما تقدّم من النهج . وهي مرسلة .

وفي الكافي 7 : 260 / 1 ، والوسائل 28 : 365 / أبواب بقية الحدود ب1 ح1 ، والوافي 15 : 477 / 2 ، والتهذيب 10 : 147 / 583 عن السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام) « قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : ساحر المسلمين يقتل وساحر الكفّار لا يقتل ، قيل : يارسول الله ولِمَ لا يقتل ساحر الكفّار ؟ فقال  : لأنّ الكفر أعظم من السحر ، ولأنّ السحر والشرك مقرونان » . وهي ضعيفة بالنوفلي . وفي المستدرك 13 : 106 / أبواب ما يكتسب به ب22 ح4 ، 18 : 191 / أبواب بقية الحدود والتعزيرات ب1 ح1 عن الجعفريات : 215 / 821 مثله بتفاوت يسير . وهو مجهول بموسى بن إسماعيل .

وفي المصادر المتقدّمة من الكافي والتهذيب والوافي والوسائل 28 : 367 / ب3 عن زيد الشحّام عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « الساحر يضرب بالسيف ضربة واحدة على رأسه » وهي مجهولة بحبيب بن الحسن ، وبشّار .

وفي رواية اُخرى قال : « سئل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عن الساحر فقال : إذا جاء رجلان عدلان فشهدا عليه فقد حلّ دمه » وهي ضعيفة بالحسين بن علوان العامي .

وعن إسحاق بن عمّار : « إنّ علياً (عليه السلام) كان يقول : من تعلّم من السحر شيئاً كان آخر عهده بربّه ، وحدّه القتل ، إلاّ أن يتوب » وهي حسنة بإبراهيم بن هاشم .

وفي الوسائل 17 : 148 / أبواب ما يكتسب به ب25 ح7 عن قرب الإسناد ] 152 / 554 بتفاوت يسير [ مثله . وهي ضعيفة بأبي البختري .

وعن الخصال ] 179 / 243 [ : ثلاثة لا يدخلون الجنّة ، وعدّ منهم مدمن السحر . وهي مجهولة لجهالة أكثر رواتها .

وفي قصّة هاروت وماروت ما يدلّ على حرمة السحر وكفر الساحر ، ولكنّها ضعيفة السند ]  راجع الوسائل : المصدر المتقدّم ح4 [ .

وفي الكافي 2 : 285 / 24 ، والوافي 5 : 1054 / 10 ، والوسائل 15 : 318 / أبواب جهاد النفس ب46 ح2 في صحيحة عبدالعظيم الحسني عدّ السحر من الكبائر .

وفي المستدرك 13 : 106 / أبواب ما يكتسب به ب22 ح3 عن الجعفريات ] لاحظ ص299 : 1235 [ عن علي (عليه السلام) أنه قال : « من السحت ثمن الميتة ـ إلى أن قال  :  ـ وأجر الساحر » وهي مجهولة بموسى بن إسماعيل .

وفي المستدرك 18 : 191 / أبواب بقية الحدود ب1 ح2 عن الجعفريات : 215 / 822 : «  إنّ ابن أعصم سحر النبي (صلّى الله عليه وآله) فقتله » وهي مجهولة بموسى بن إسماعيل .

وغير ذلك من الروايات الكثيرة الصريحة في حرمة السحر ، وقد ذكرت هذه الأخبار الكثيرة في المصادر المزبورة وغيرها .

ــ[439]ــ

طرق العامّة(1) وهذا لا شبهة فيه ، وإنّما الكلام في تحقيق موضوع السحر وبيان

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ففي سنن البيهقي 8 : 135 ـ 136 عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : « من أتى عرّافاً أو كاهناً فصدّقه بما يقول فقد كفر بما اُنزل على محمّد ».

وفي رواية اُخرى : كتب عمر أن اقتلوا كل ساحر وساحرة ، وفي ثالثة : حدّ الساحر ضربة بالسيف  ، وغيرها من الأحاديث من طرق العامّة .

ــ[440]ــ

حقيقته .

وقد اختلفت كلمات أهل اللغة في ذلك(1)، فذكر بعضهم أنّه الخدعة والتمويه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في لسان العرب ] 4 : 348 ، مادّة سحر [ : ومن السحر الأخذة التي تأخذ العين حتى يظنّ أنّ الأمر كما يرى ، وليس الأصل على ما يرى . والسحر : الأخذة ، وكل ما لطف مأخذه ودقّ فهو سحر ... قال الأزهري : وأصل السحر صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره ، فكأنّ الساحر لمّا أرى الباطل في صورة الحقّ وخيّل الشيء على غير حقيقته قد سحر الشيء عن وجهه ، أي صرفه . وقال الفرّاء في قوله تعالى : (فَأَنَّى تُسْحَرُونَ) معناه : فأنّى تصرفون ... وقال يونس : تقول العرب للرجل : ما سحرك عن وجه كذا وكذا ؟ أي ما صرفك عنه .

وفي أقرب الموارد ] 1 : 499 مادّة سحر [ : سحره سحراً عمل له السحر وخدعه . وسحر فلاناً عن الاُمور صرفه ، ويقال : سحرت الفضّة إذا طليتها بالذهب ، وقيل : السحر والتمويه يجريان مجرى واحداً .

وفي مجمع البحرين ] 3 : 324 مادّة سحر [ : (فَأَنَّى تُسْحَرُونَ) أي فكيف تخدعون عن توحيده ويموّه لكم . وسمّي السحر سحراً لأنّه صرف عن جهته .

وفي مفردات الراغب ] 401 مادّة سحر [ : (نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ) أي مصروفون عن معرفتنا بالسحر .

وفي المنجد ] 323 مادّة سحر [ : سحره خدعه . وسحره عن كذا صرفه وأبعده . وسحر الفضّة طلاها بالذهب .

وعن الطبرسي ] في مجمع البيان 1 : 331 [ عن صاحب العين : السحر عمل يقرّب إلى الشياطين . ومن السحر الأخذة التي تأخذ العين حتى يظنّ أنّ الأمر كماترى وليس الأمر كماترى ، فالسحر عمل خفي لخفاء سببه ، يصوّر الشيء بخلاف صورته ، ويقلبه عن جنسه في الظاهر ، ولا يقلبه عن جنسه في الحقيقة ، ألاترى إلى قول الله تعالى : (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى) .

 
 

ــ[441]ــ

وقال بعضهم : إنّه إظهار الباطل بصورة الحق ، وقيل : هو الأخذة في العين  ، وفي القاموس(1): إنّه ما لطف مأخذه ودقّ ، وقال بعضهم : إنّه صرف الشيء عن وجهه إلى غير حقيقته بالأسباب الخفيّة على سبيل الخدعة والتمويه ، إلى غير ذلك من التعاريف .

وقد وقع الخلاف بين الأصحاب في ذلك أيضاً ، فعن العلاّمة في القواعد أنّه كلام يتكلّم به أو يكتبه ، أو رقية ، أو يعمل شيئاً يؤثّر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة(2).

وعن المنتهى(3) أنّه زاد : أو عقد ، وفي المسالك(4) أنّه زاد : أو أقسام وعزائم يحدث بسببها ضرر على الغير ، وعن الدروس(5) أنّه زاد : الدخنة والتصوير والنفث وتصفية النفس ، إلى غير ذلك من كلماتهم .

والتحقيق : أنّ المتبادر عند أهل العرف من كلمة السحر ـ والظاهر من استقراء موارد استعمالها وما اشتقّ منها عند أهل اللسان ، والمتصيّد من مجموع كلمات اللغويين في تحديد معناها ـ هو صرف الشيء عن وجهه على سبيل الخدعة والتمويه ، بحيث إنّ الساحر يلبس الباطل لباس الحقّ ، ويظهره بصورة الواقع ، فيري

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) القاموس المحيط 2 : 45 مادّة السحر .

(2) القواعد 2 : 9 .

(3) المنتهى 2 : 1014 ، السطر 5 .

(4) المسالك 3 : 128 .

(5) الدروس 3 : 163 ـ 164 .

ــ[442]ــ

الناس الهياكل الغريبة والأشكال المعجبة المخوفة .

والوجه في ذلك : أنّ السحر عمل خفي يحصل بالأسباب الخفية ، ويصوّر الشيء على خلاف صورته الواقعية ، ويصرفه عن وجهه بالخدعة والتمويه ، ويقلبه من جنسه في الظاهر لا في الحقيقة ، بحيث إنّ الساحر يسحر الناظرين حتّى يتخيّلوا أنه يتصرّف في الاُمور التكوينية ، ويغيّرها عن حقيقتها إلى حقيقة اُخرى ، فيريهم البرّ بحراً عجاجاً تجري فيه السفن وتتلاطم فيه الأمواج ، من غير أن يلتفتوا إلى كونه خدعة وتمويهاً ، وإظهاراً للباطل بصورة الحقّ .

وقصّة السحرة مع موسى (عليه السلام) مذكورة في القرآن حين ألقوا ]  حبالهم  [ (فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى)(1).

لا يقال : قد تكون للسحر حقيقة واقعية كالتصرّف في عقل المسحور أو بدنه أو ما يرجع إليه ، وعليه فلا يتم تعريفه المذكور.

فإنّه يقال : ليست للسحر حقيقة واقعية ، ولكن قد يترتّب عليه أمر واقعي فقد يظهر الساحر للمسحور شيئاً مهولا فيخاف هذا ويصبح مجنوناً ، أو يريه بحراً وفيه سفينة جارية فيحاول المسحور أن يركبها فيقع من شاهق ويموت ، فإنّ الجنون والموت وإن كانا من الاُمور الواقعية ، إلاّ أنّهما ترتّبا على الأمر التخيّلي الذي هو السحر . ويقرب ما ذكرناه ما عن صاحب العين من أنّه يقلب الشيء من جنسه في الظاهر ، ولا يقلبه عن جنسه في الحقيقة(2). وقد اُشير إلى ما ذكرناه في خبر الاحتجاج حيث سئل الإمام (عليه السلام) عن الساحر أيقلب الواقع إلى واقع

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) طه 20 : 60 .

(2) لاحظ كتاب العين 3 : 135 ] الظاهر أنّه من كلام الطبرسي ، راجع ص440 ـ 441 [ .

ــ[443]ــ

آخر  ؟ فقال (عليه السلام) : هو أضعف من ذلك(1).

وعلى ما ذكرناه من المعنى قد استعملت كلمة السحر في مواضع شتّى من الكتاب العزيز(2) وأطلق المشركون صفة الساحر على النبي الصادق المصدّق ، فقد زعموا أنّ محمّداً (صلّى الله عليه وآله) يظهر الباطل بصورة الحقّ بكلمات فصيحة وخطب بليغة حتّى يسحر بها أعين الناظرين وقلوبهم ، ومن هنا أيضاً اُطلق السحر على البيان الجيّد(3) بلحاظ المدح والذمّ ، فإنّه يصرف حواسّ الحاضرين وآذان

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في الاحتجاج 2 : 221 ، والبحار 60 : 21 / 14 في احتجاج الصادق (عليه السلام) على الزنديق قال (لعنه الله) : أفيقدر الساحر أن يجعل الإنسان بسحره في صورة الكلب أو الحمار أو غير ذلك ؟ قال (عليه السلام) : « هو أعجز من ذلك ، وأضعف من أن يغيّر خلق الله ، إنّ من أبطل ما ركّبه الله وصوّره وغيّره فهو شريك الله في خلقه ، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً لو قدر الساحر على ما وصفت لدفع عن نفسه الهرم والآفة » الحديث . وهو مرسل .

(2) في مفردات الراغب ] 401 مادّة سحر [ (نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ) أي مصروفون . وفي لسان العرب ] 4 : 348 ، مادّة سحر [ (فَأَنَّى تُسْحَرُونَ) أي تصرفون . وفي مجمع البحرين ] 3 : 324 مادّة سحر [ : (إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلا مَسْحُوراً) أي مصروفاً عن الحقّ . وغير ذلك من الموارد  .

(3) في لسان العرب ] 4 : 348 ، مادّة سحر [ : السحر البيان في فطنة ، كما جاء في الحديث إلى أن قال : إنّ من البيان لسحراً . قال أبو عبيد : كأنّ المعنى أنّه يبلغ من ثنائه أنّه يمدح الإنسان فيصدق فيه حتّى يصرف القلوب إلى قوله ، ثم يذمّه فيصدق فيه حتّى يصرف القلوب إلى قوله الآخر ، فكأنّه قد سحر السامعين بذلك .

وفي البحار 56 : 278 ذكر الحديث ثم قال ما حاصله : وسمّى النبي (صلّى الله عليه وآله) بعض البيان سحراً لوجهين :

الأول : أنّه لدقّته ولطفه يستميل القلوب إلى المتكلّم .

والثاني : أنّ المقتدر على البيان يكون قادراً على تحسين ما يكون قبيحاً ، وتقبيح ما يكون حسناً ، فذلك يشبه السحر من هذا الوجه .

ــ[444]ــ

السامعين إلى المتكلّم . وبهذا الاعتبار أيضاً اُطلق السحر على تمويه الفضّة بالذهب .

وعلى الجملة : إنّ الناظر إلى كلمات أهل اللغة وموارد الاستعمال يقطع بأنّ السحر ليست له حقيقة واقعية ، وإنّما هو ما ذكرناه .

ومن جميع ما تقدّم ظهر ما هو المراد من الأخبار المتظافرة الدالّة على حرمة السحر ، وقد ذكرنا بعضها في الهامش  .

وأمّا ما ذكره في القاموس من أنّ السحر ما لطف مأخذه ودقّ ، فإنّه وإن انطبق على ما ذكرناه ، لأنّ صرف الشيء عن وجهه على سبيل التمويه له مأخذ دقيق جدّاً ، إلاّ أنه تعريف بالأعم ، فإنّ الاُمور التي يلطف مأخذها ـ وهي ليست من السحر في شيء ـ كثيرة جدّاً ، كالقوى الكهربائية ، والراديوات ، والطائرات وبعض أقسام أدوات الحرب ، وغير ذلك ممّا لا يعرفه أكثر الناس ، خصوصاً الصناعات المستحدثة .

وقد ظهر ممّا ذكرناه الفرق بين السحر وبين المعجزة والشعوذة ، فإنّك قد عرفت في البحث عن حرمة التصوير(1) إجمالا أنّ الإعجاز أمر حقيقي له واقعية إلاّ أنّه غير جار على السير الطبيعي ، بل هو أمر دفعي خارق للعادة ، وأمّا المقدّمات الطبيعية فكلّها مطوية فيه ، كجعل الحبوب أشجاراً وزروعاً ، والأحجار لؤلؤاً ويواقيت دفعة واحدة ، ومنه صيرورة عصا موسى (عليه السلام) ثعباناً ، وصيرورة الأسد المنقوش على البساط حيواناً مفترساً بأمر الإمام (عليه السلام) في مجلس الخليفة ، وقد تقدّم ذلك في المبحث المذكور ، وأمّا السحر فقد عرفت أنه ليست له

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص353 .

ــ[445]ــ

حقيقة واقعية أصلا .

وأمّا الشعوذة فسيأتي(1) أنّها عبارة عن الخفّة في اليد والسرعة في الحركة المعبّر عنها في اللغة الفارسية بكلمة (تردستي وتندكاري) فإنّ المشعوذ الحاذق يفعل الاُمور العادية والأفعال المتعارفة بتمام السرعة ، بحيث يشغل أذهان الناظرين بأشياء ويأخذ حواسّهم إليها ، ثم يعمل شيئاً آخر بسرعة شديدة وبحركة خفيفة فيظهر لهم غير ما انتظروه ، ويتعجّبون منه ، ولكن الصادر منه أمر واقعي ، كأخذ الأشياء من موضع ووضعها في موضع آخر بالسرعة التامّة حتّى يتخيّل الناظر إليها أنّها انتقلت بنفسها ، فالنقل والانتقال أمر حقيقي ، ولكن الناظر لا يلتفت إلى الناقل وهذا بخلاف السحر ، فإنّه أمر خيالي محض كما عرفت التنبيه عليه . ومن هنا اتّضح الفرق بين الشعوذة والمعجزة أيضاً .

وأمّا ما ذكره الأصحاب من بيان حقيقة السحر وأسبابه وأقسامه فكلّها تقريبية ، فإن انطبق على ما ذكرناه فهو ، وإلاّ فيرد إلى قائله ، وهو أعرف بمقاله .

أقسام السحر

ولا بأس بالتعرّض لما ذكره الأصحاب من أقسام السحر ، ليعلم هل أنّها مشمولة لما دلّ على حرمة السحر أم لا ، وقد تكلّم عنها العلاّمة المجلسي في البحار(2) وأطال الكلام فيها موضوعاً وحكماً ، نقضاً وإبراماً .

وحاصل كلامه في تحقيق أقسام السحر : أنه على أنواع شتّى :

النوع الأول : سحر الكذّابين ـ أو الكلدانيين ـ الذين كانوا من قديم الدهر

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص459 .

(2) راجع البحار 56 : 278 ـ 297 .

ــ[446]ــ

وهم قوم يعبدون الكواكب ، ويزعمون كونها مدبّرة للعالم السفلي ، ومبادئ لصدور الخيرات والشرور ، وقد بعث الله إبراهيم (عليه السلام) مبطلا لمقالتهم وهدم أساس مذهبهم وهم على فرق ثلاث : فإنّ منهم من يزعم أنّ الكواكب هي الواجبة الخالقة للعالم ومنهم من يزعم أنّها قديمة لقدم العلّة المؤثّرة فيها ، ومنهم من يزعم أنّها حادثة مخلوقة ، ولكنّها فعّالة مختارة فوّض خالقها أمر العالم إليها .

والساحر من هذه الفرق الثلاثة من يعرف القوى العالية الفعّالة ، بسائطها ومركّباتها ، ويعرف ما يليق بالعالم السفلي وحوادثه ، ويعرف معدّات هذه الحوادث ليعدها ، وعوائقها ليرفعها بحسب الطاقة البشرية ، فيكون متمكّناً من استحداث ما يخرق العادة . انتهى ملخّص كلام المجلسي في النوع الأول .

أقول : قد عرفت أنّ السحر هو صرف الشيء عن وجهه على سبيل الخديعة والتمويه ، من دون أن يكون له واقعية ، فاستحداث الاُمور الخارقة للعادة ليس من السحر ، ولو تمكّن أحد من إحداث الاُمور الغريبة بواسطة القوّة النفسانية الحاصلة بالرياضة أو بصرف المقدّمات فلا يقال له إنّه ساحر ، بل لا دليل على حرمته ، فإنّ هذا شعار أهل الكرامة .

نعم لا شبهة في كفر الفرق المذكورة كما اعترف به المجلسي (رحمه الله) حتّى الفرقة الثالثة القائلة بتفويض أمر العالم إلى الكواكب ، فإنّ قولهم هذا مخالف لضرورة الدين ، فإنّ الله هو الذي يحيي ويميت ، ويهب لمن يشاء ذكوراً ، ويهب لمن يشاء إناثاً ، ويصوّر في الأرحام كيف يشاء .

النوع الثاني : سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية ، فقد ثبت بالوجوه العديدة إمكان تسلّط النفوس على جوارح الغير وأعضائه فتسخّره للقيام بحركات وتأدية أعمال على غير إرادة منه ، ومن دون وساطة شيء آخر . وهذه النفوس قد تكون لرياضاتها قوية صافية عن الكدورات البدنية ، فتستغني في تأثيرها عن

ــ[447]ــ

الاستعانة بأدوات من خارجها ، وتصدر عنها الاُمور الغريبة الخارقة للعادة ، وقد تكون ضعيفة وممزوجة بأوساخ المواد ، فتحتاج في إتمام تأثيرها إلى الاستعانة بأدوات سحرية اُخرى ، انتهى حاصل كلامه في النوع الثاني .

أقول : لا شبهة أنّ بعض النفوس لصفائها بالرياضات تؤثّر في الاُمور التكوينية ، وتصرفها عن وجهها صرفاً حقيقيّاً ، كإيقاف الماشي عن المشي ، والمياه الجارية عن الجريان ، بل قيل إنّ هذا المعنى مكنون في الأسد بحسب الغريزة والطبيعة ، فإنّه إذا نظر إلى حيوان أوقفه عن المشي والحركة . إلاّ أنه لا دليل على حرمته بعنوانه الأوّلي ما لم يترتّب عليه شيء من العناوين المحرّمة ، بل نمنع عن صدق السحر عليه ، وإنّما هو نحو من الكرامة إن كان بطريق حقّ ، ومن الكفر أو الفسق إن كان بطريق الباطل.

ولا نظن أن يتوهّم أحد أنّ تصفية النفس بالرياضات الحقّة حتّى تصير مؤثّرة في الاُمور التكوينية من المحرّمات ، بل هو مطلوب في الشريعة المقدّسة إذا كان بالإطاعة والتقوى ، ومن المعروف المشهور أنّ سلمان (رضي الله عنه) قد وصل بمجاهداته وتقواه وعظيم طاعته لمولاه إلى حد أن انقادت الاُمور التكوينية لإرادته  ، والتزمت فرض طاعته .

النوع الثالث من السحر : الاستعانة بالأرواح الأرضية ، واعلم أنّ القول بوجود الجنّ ممّا أنكره بعض المتأخّرين من الفلاسفة والمعتزلة ، وأمّا أكابر الفلاسفة فإنّهم لم ينكروا القول بوجود الجنّ ، ولكنّهم سمّوها بالأرواح الأرضية . وهي بأنفسها مختلفة الأصناف ، فإنّ منها خيّرة ، ومنها شريرة ، وقد شاهد أهل الصنعة والتجربة أنّ الاتّصال بها يحصل باُمور خفيفة وبأفعال سهلة لا مشقّة في إيجادها كالرقّ والدخن والتجريد ، وقد سمّوا هذا النوع بالعزائم وعمل تسخير الجنّ ، انتهى حاصل كلام المجلسي في النوع الثالث .

ــ[448]ــ

أقول : لا ريب في خروج هذا النوع أيضاً من السحر موضوعاً وحكماً تعليماً وتعلّماً ، بل لا دليل على حرمته في نفسه إلاّ إذا ترتّب عليه عنوان محرّم من إيذاء إنسان والإضرار به ، أو كانت مقدّماتها محرّمة ، فيحرم الاشتغال بها وإلاّ فلا يحرم استخدام الجنّ وكشف الغائبات بواسطتهم ، بل لا دليل على حرمة إيذاهم .

النوع الرابع ممّا ذكره المجلسي (رحمه الله) من أقسام السحر : التخيّلات والأخذ بالعيون ، وهذا النوع يتّضح باُمور :

الأول : وقوع الأغلاط في البصر كثيراً ، فإنّ الساكن قد يُرى متحرّكاً وبالعكس ، كما أنّ راكب السفينة إذا نظر إلى البحر يرى السفينة ساكنة ويرى الماء متحرّكاً ، والقطرة النازلة من السماء ترى خطّاً مستقيماً ، والشعلة الجوّالة ترى دائرة من النار ، والأشياء الصغيرة ترى في الماء كبيرة ، وغير ذلك من أغلاط البصر  .

الثاني : أنّ المحسوسات قد يختلط بعضها ببعض إذا كانت مدركة بسرعة النظر لأنّ القوّة الباصرة إذا وقفت على محسوس وقوفاً تامّاً في زمان معتدّ به أدركته على نحو لا يشتبه بغيره كثيراً ، وأمّا إذا أدركته في زمان قليل ثم أدركت محسوساً آخر وهكذا فإنّه يختلط بعضه ببعض .

الثالث : أنه قد تشغل النفس بشيء فلا تشعر حينئذ بشيء وإن كان حاضراً عند الإنسان ، كالوارد على السلطان ، فإنّه قد يلقاه شخص فيتكلّم معه ولكن لا يلتفت إليه ، والناظر في المرآة يرى القذارة في عينيه ولا يرى أكبر منها .

إذا عرفت هذه الاُمور اتّضح لك تصوير هذا النوع من السحر ، فإنّ المشعبذ الحاذق يشغل أذهان الناظرين باُمور ، ويأخذ بأبصارهم ، ثم يعمل شيئاً آخر بسرعة شديدة وبحركة خفيفة ، فيظهر لهم غير ما انتظروه ، فيتعجّبون منه .

ــ[449]ــ

أقول : هذا النوع هو المعروف بالشعوذة ، فلا يتربط بالسحر ، وسيأتي(1) أنه لا دليل على حرمتها ، فإنّها ليست إلاّ الحركة السريعة في الأعضاء ، فلا معنى لحرمتها في نفسها ، إلاّ إذا اقترنت بعناوين محرّمة . نعم اُطلق عليها السحر في خبر الاحتجاج ـ المتقدّم في الحاشية ـ(2) فإنّه قد ذكر الإمام (عليه السلام) فيه : « ونوع آخر منه خطفة وسرعة ومخاريق وخفّة » إلاّ أنّه على سبيل المجازية ، فقد عرفت(3) الفرق بين السحر والشعوذة ، وعدم صدق كل منهما على الآخر .

النوع الخامس الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب الآلات على النسب الهندسية ، كراقص يرقص ، وكفارسين يقتتلان ، وكراكب على فرسه وفي يده بوق كلّما مضى ساعة من النهار ضرب البوق من غير أن يمسّه أحد ، ومن هذا القبيل الصور المصنوعة لأهل الروم والهند بحيث يراها الناظر إليها إنساناً على كيفيات مختلفة ضاحكة وباكية حتّى يفرق فيها بين ضحك السرور وضحك الخجل وضحك الشامت ، فهذه الوجوه كلّها من لطائف التخاييل ، وكان سحر سحرة فرعون من هذا الضرب .

ومن ذلك أيضاً تركيب صندوق الساعات ، وعلم جرّ الأثقال والأجسام العظيمة بآلات خفيفة ، وهذا النوع في الحقيقة لا ينبغي أن يعدّ من السحر ، فإنّ لها أسباباً معلومة معيّنة ، ومن اطّلع عليها قدر على إيجادها ، وحيث لم يصل إليها إلاّ الفرد النادر لصعوبتها عدّها أهل الظاهر من السحر ، انتهى ملخّص كلامه .

أقول : إنّ إيجاد الصنائع المعجبة وتركيب الاُمور الغريبة ـ كما هو المعروف

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص460 .

(2) تقدّم مصدره في ص443 ، الهامش (1) .

(3) في ص444 ـ 445 .

ــ[450]ــ

كثيراً في العصر الحاضر ، كالطائرات والقطارات والسيارات وسائر أدوات النقل والآلات العجيبة المعدّة للحرب ـ ليس من المحرّمات بعناوينها الأوّلية ، إلاّ إذا انطبقت عليه عناوين محرّمة اُخرى ، وليس من مقولة السحر كما اعترف به المجلسي ولم يثبت كون سحر سحرة فرعون من هذا القبيل .

النوع السادس من السحر : الاستعانة بخواص الأدوية ، مثل أن تجعل في الطعام بعض الأدوية المبلدة ، أو المزيلة للعقل ، أو الدخن المسكر (البخور) أو عصارة البنج المجعول في الملبس . وهذا ممّا لا سبيل إلى إنكاره ، فإنّ أثر المقناطيس شاهد . انتهى ملخّص كلام المجلسي .

أقول : هذا النوع أيضاً خارج عن السحر موضوعاً وحكماً ، وإنّما هي أسرار يكتشفها علم الكيمياء ، وقد يستعان بها في علم الطب ، ولو كانت الاستعانة بالأدوية محرّمة للزم القول بحرمة علم الطب ، ولم يلتزم به أحد ، بل وجوبه من الضروريات عند الملل وعقلاء العالم .

النوع السابع من السحر : تعليق القلب ، وهو أن يدّعي الساحر علم الكيمياء وعلم الليميا والاسم الأعظم ، ويدّعي أنّ الجنّ يطيعونه ، فإذا كان السامع ضعيف العقل قليل التمييز اعتقد بذلك وتعلّق قلبه به ، ويلزم ذلك أن يحصل فيه الرعب والخوف ، ويفعل فيه الساحر ما يشاء ، مع أنّ تلك الدعاوي ليس لها أصل ، ومن جرّب هذا المعنى وأهله علم أنّ لتعليق القلب أثراً عظيماً من حيث الخوف والرجاء كليهما .

وفيه : أنه لا وجه لجعله من أقسام السحر ، وإنّما هو قسم من الكذب إذا لم يكن له واقع ، على أنّ تعليق القلب لو كان سحراً لكانت الاستمالة بمطلقها سحراً محرّماً ، سواء كانت بالاُمور الواقعية أم بغيرها .

النوع الثامن : السعي بالنميمة . وفيه : أنّها وإن كانت محرّمة بالضرورة عند

ــ[451]ــ

الفريقين ، بل عند العقلاء ، إلاّ أنّها أجنبية عن السحر وعن مورد الأخبار الدالّة على كفر الساحر ووجوب قتله(1)، فإنّ من البديهي أنّ النمّام ليس بكافر ، ولا يجوز قتله  .

وعلى الجملة : لم يتحصّل لنا من الأقسام المذكورة ما يكون سحراً ومحرّماً بعنوانه ، فانحصر السحر المحرّم بما ذكرناه ، أعني صرف الشيء عن وجهه على سبيل الخدعة والتمويه . وقد تقدّم أنّ هذا هو المورد للأخبار الدالّة على حرمة السحر .

ثم إنّه ورد في جملة من الروايات المتقدّمة ما دلّ على كفر الساحر ، وفي الروايات الاُخرى المتقدّمة في الحاشية أنه يقتل .

أمّا الحكم بالكفر فلا يمكن أن يراد به الكفر المصطلح في الشريعة المقدّسة ضرورة عدم جريان أحكام الكفر عليه ـ من قسمة الأموال وبينونة زوجته والحكم بنجاسته ـ فيشمله ما دلّ على إسلام من أقرّ بالشهادتين والمعاد . على أنّا لم نر ولم نسمع من يعامل الساحر معاملة الكافر حتّى في زمن النبي (صلّى الله عليه وآله) والأئمّة .

ويؤيّد ما ذكرناه ما سيأتي(2) في البحث عن جواز دفع السحر بالسحر من قوله (عليه السلام) للساحر الذي أخذ السحر صناعة لنفسه : « حل ولا تعقد » فلو كان السحر موجباً للكفر لحكم أبوعبدالله (عليه السلام) بكفره، ولكن الرواية مجهولة .

وكيف كان ، فما دلّ على كفر الساحر لابدّ من حمله إمّا على مستحل السحر وإمّا على من يعارض به القرآن والنبوّة ، ويدّعي به الرسالة أو الإمامة ، أو يدّعي ما لا يقدر عليه إلاّ الله . ويدلّ على الأخير ما في رواية العسكري (عليه السلام) في قصّة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وقد تقدّم بعضها في ص438 ـ 439 .

(2) في ص457 .

ــ[452]ــ

هاروت وماروت من قوله (عليه السلام) : « فلا تكفر باستعمال هذا السحر ، وطلب الإضرار به ، ودعاء الناس إلى أن يعتقدوا أنّك تحيي وتميت ، وتفعل ما لا يقدر عليه إلاّ الله ، فإنّ ذلك كفر »(1). ولكن الرواية ضعيفة السند ، وسنتعرّض لها في البحث عن جواز دفع السحر بالسحر .

وأمّا الحكم بقتله فهو المشهور بين الأصحاب ، بل في كلمات غير واحد منهم دعوى الإجماع عليه ، من دون فرق بين المستحل وغيره .

وفي حدود الرياض : يقتل الساحر إذا كان مسلماً ، ويعزّر إذا كان كافراً ، بلا خلاف فتوى ونصّاً ، ثم قال : إنّ مقتضى إطلاق النصّ والفتوى بقتله عدم الفرق فيه بين كونه مستحلا أم لا ، وبه صرّح بعض الأصحاب ، وحكى آخر من متأخّري المتأخّرين قولا بتقييده بالأول ، ووجهه غير واضح(2).

أقول : قد ورد في الروايات العديدة المتقدّمة في أوّل المسألة أنّ حدّ الساحر هو القتل ، إلاّ أنّها روايات ضعيفة(3)، وغير منجبرة بالشهرة الفتوائية ، فقد عرفت مراراً أنّها لا تجبر ضعف الرواية . وعليه فإن تمّ الإجماع والتسالم على ذلك اُخذ به وإلاّ فعمومات ما دلّ على حرمة قتل النفس محكمة .

نعم إذا كان الساحر مستحلا للسحر ، أو كان يعارض به بعض المناصب الإلهية وجب قتله ، إلاّ أنّ القتل لم يجب عليه بما أنّه ساحر ، بل بما أنّه منكر لما هو من ضروريات الإسلام .

قوله : وبعضها قد ذكر فيما ذكره في الاحتجاج . أقول : قد ظهر ممّا تقدّم أنّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 17 : 147 / أبواب ما يكتسب به ب25 ح4 .

(2) الرياض 16 : 58 ـ 59 .

(3) ] لكن رواية إسحاق بن عمّار حسنة كما تقدّم ، لاحظ ص439 [ .

ــ[453]ــ

إطلاق السحر على بعض الاُمور المذكورة في خبر الاحتجاج ـ كالسرعة والخفّة والنميمة ـ إنّما هو بنحو من العناية والمجاز ، على أنّ الرواية ضعيفة السند ، وغير منجبرة بشيء .

قوله : أمّا الأقسام الأربعة المتقدّمة من الإيضاح الخ .

أقول : قال في محكي الإيضاح : إنّ استحداث الخوارق إمّا بمجرد التأثيرات النفسانية وهو السحر ، أو بالاستعانة بالفلكيات فقط وهو دعوة الكواكب ، أو بتمزيج القوى السماوية بالقوى الأرضية وهي الطلسمات ، أو على سبيل الاستعانة بالأرواح الساذجة وهي العزائم ، ويدخل فيه النيرنجات ، والكل حرام في شريعة الإسلام ، ومستحلّه كافر(1).

وتبعه المصنّف في ذلك لوجهين :

الأول : شهادة المجلسي (رحمه الله) في البحار بدخولها في السحر عند أهل الشرع ، فتشملها الإطلاقات .

الثاني : دعوى فخر الدين في الإيضاح كون حرمتها من ضروريات الدين وهذا الوجه يوجب الاطمئنان بالحكم ، وباتّفاق العلماء عليه في جميع الأعصار .

أمّا الوجه الأول : فيرد عليه أولا : أنه لا حجّية في شهادة المجلسي ، لاستناده إلى اجتهاده ، وقد اعترف به المصنّف أيضاً فيما سيأتي ، فقد قال : لكن الظاهر استناد شهادتهم إلى الاجتهاد(2).

وثانياً : أنّا لم نجد في كلام المجلسي شهادة على كون الأقسام المذكورة من السحر عند عرف الشارع ، فإنّه قال : إنّ لفظ السحر في عرف الشرع مختص بكل

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الإيضاح 1 : 405 ] لم ترد جملة (ويدخل فيه النيرنجات) في المصدر [ .

(2) المكاسب 1 : 268 .

ــ[454]ــ

أمر مخفي سببه ، ويتخيّل على غير حقيقته ، ويجري مجرى التمويه والخداع(1). ثم ذكر الأنواع المتقدّمة ، وأي شهادة في ذلك على مقصود المصنّف !

وثالثاً : أنّك قد عرفت خروج كثير من الأقسام المزبورة بل كلّها عن حقيقة السحر ، بل يكفي الشك في منع شمول الإطلاقات لها ، لعدم جواز التمسّك بها عند الشك في الصدق .

ورابعاً : ما ذكره المصنّف فيما سيأتي من معارضة شهادة المجلسي بما ذكره الفخر(2) من إخراج علمي الخواص والحيل من السحر ، وبما ذكره صاحب المسالك(3) وغيره من تخصيصهم السحر بما يحدث ضرراً ، وبما ذكره العلاّمة(4) من تخصيصه السحر بما يؤثّر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله ، وهذه الشهادات من هؤلاء الأعيان تكشف عن عدم العموم في لفظ السحر لجميع ما تقدّم ، وعن كون الإطلاق في جملة منها مجازاً .

ومن هنا ظهر الجواب عن الوجه الثاني أيضاً ، على أنّ الدعوى المذكورة لا توجب الاطمئنان بالحكم إلاّ في المورد المتيقّن ، كالإضرار بالمسحور في عقله أو بدنه أو ماله أو ما يرجع إليه من شؤونه ، وأمّا في غير الموارد المتيقّنة فإنّه لا دليل على حرمة الاستعانة بالاُمور المتقدّمة ، بل ربما تكون مطلوبة لإبطال سحر مدّعي النبوّة والإمامة ، ومع الشكّ فيه فأصالة البراءة محكمة .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البحار 56 : 277 / الوجه الثاني .

(2) الإيضاح 1 : 405 .

(3) المسالك 3 : 128 .

(4) القواعد 2 : 9 .

ــ[455]ــ

عدم اختصاص حرمة السحر بالمضرّ منه

هل تختص حرمة السحر بالمضرّ منه أو تعم غير المضرّ أيضاً ؟ فيه خلاف فالمحكي عن الشهيدين في الدروس(1) والمسالك(2) أنّ المعتبر في السحر الإضرار  . وعن شارح النخبة(3) أنّ ما كان من الطلسمات مشتملا على إضرار أو تمويه على المسلمين أو الاستهانة بشيء من حرمات الله فهو حرام ، سواء عدّ من السحر أم لا . وعن جملة من الأكابر أنّه حرام مطلقاً ، سواء أكان مضرّاً أم لا ، تمسّكاً بظاهر الإطلاقات المتقدّمة ، ومن هنا ظهر أنه لا وجه لتقييد السحر بما كان مؤثّراً في بدن المسحور أو عقله أو قلبه من غير مباشرة ، كما عرفته عن العلاّمة في القواعد .

وقد يستدل على اختصاص حرمة السحر بالمضرّ منه ببعض الروايات الواردة في قصة هاروت وماروت ، وسيأتي ذكرها .

وفيه أولا : أنّ هذه الروايات ضعيفة السند . وثانياً : أنه لا تنافي بينها وبين المطلقات الدالّة على حرمة السحر مطلقاً .

قوله : فمثل إحداث حبّ مفرط في الشخص يعدّ سحراً .

أقول : الوجه فيه ما ورد في بعض الأحاديث(4) من تشديد النبي (صلّى الله

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الدروس 3 : 164 .

(2) المسالك 3 : 128 .

(3) وهو السيّد عبدالله حفيد السيّد نعمة الله الجزائري . لم نعثر على الشرح .

(4) ففي الوسائل 20 : 247 / أبواب مقدّمات النكاح ب144 ح1 ، عن الصدوق باسناده عن إسماعيل بن مسلم عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) قال « قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لامرأة سألته إنّ لي زوجاً وبه عليّ غلظة ، وإنّي صنعت شيئاً لأعطفه عليّ ، فقال لها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : اُفّ لك ، كدّرت البحار ، وكدّرت الطين ، ولعنتك الملائكة الأخيار ، وملائكة السماوات والأرض ، قال : فصامت المرأة نهارها ، وقامت ليلها ، وحلقت رأسها ، ولبست المسوح ، فبلغ ذلك النبي (صلّى الله عليه وآله) فقال : إنّ ذلك لا يقبل منها » وهي ضعيفة بالنوفلي . وقريب منها ما في المستدرك 13 : 105 / أبواب ما يكتسب به ب22 ح2 . وهي مجهولة بموسى بن إسماعيل .

أقول : المسح ـ بكسر الميم ـ البلاس يقعد عليه ، والكساء من شعر ، وما يلبس من نسيج الشعر على البدن تقشّفاً وقهراً ، الجمع أمساح ومسوح ] راجع المنجد : 760 مادّة مسح [ .

ــ[456]ــ

عليه وآله) على المرأة التي صنعت ذلك لزوجها ، واستقباله إيّاها باللعن والتوبيخ وحكمه عليها بعدم قبول التوبة .

وفيه أولا : أنه ليس في الرواية ما يدلّ على كون المصنوع سحراً .

وثانياً : أنّ العمل بها يقتضي حرمة إدخال الزوجة حبّها في قلب الزوج وإن كان ذلك بالأخلاق الحسنة والأفعال المرضية ، مع أنّه مطلوب في الشريعة المقدّسة وقد أُمر به في الأخبار المتظافرة ، بل المتواترة المذكورة في أبواب مقدّمات النكاح وعليه فلابدّ من حمل الرواية على كون المصنوع أمراً غير مشروع يوجب تكدّر البحار والطين ، واستحقاق المرأة اللعن .

وثالثاً : أنّ الرواية مخالفة للقواعد ، فإنّها مشتملة على عدم قبول التوبة من المرأة التي صنعت لزوجها شيئاً يوجب المحبّة والعطف ، مع أنّ الثابت في الإسلام جواز توبة المرأة المرتدّة ، سواء أكانت فطرية أم ملّية ، ومن المقطوع به أنّ سحرها لا يزيد على الارتداد ، ويضاف إلى جميع ما ذكرناه أنّ الرواية ضعيفة السند .

جواز دفع ضرر السحر بالسحر

قوله : بقي الكلام في جواز دفع ضرر السحر بالسحر . أقول : وقد يستدلّ على

ــ[457]ــ

الجواز بالروايات الواردة في قصّة هاروت وماروت وغيرها(1)، فإنّها تدل على جواز دفع ضرر السحر بالسحر .

وفيه : أنّها وإن كانت ظاهرة الدلالة على ذلك ، ولكنّها ضعيفة السند ، فلا يمكن الاستناد إليها .

نعم يمكن الاستدلال على الجواز بالآية الواردة في قصّة هاروت وماروت(2)بتقريب : أنّ السحر لو لم يكن جائز الاستعمال حتّى في مقام دفع الضرر لم يجز تعليمه أصلا ، فجواز التعليم يدلّ على جواز العمل به في الجملة ، والقدر المتيقّن منه هو

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ففي التهذيب 6 : 364 / 1043 / والكافي 5 : 115 / 7 ، والوافي 17 : 184 / 8 علي عن أبيه قال : « حدّثني شيخ من أصحابنا قال : دخل عيسى بن سيفي (وفي نسخة الكافي : شفقي) على أبي عبدالله (عليه السلام) وكان ساحراً ـ يأتيه الناس ويأخذ على ذلك الأجر وسأله عن ذلك ـ قال (عليه السلام) : حل ولا تعقد » . وهي مرسلة .

أقول : ظاهر الرواية أنّ الحل والعقد كليهما بالسحر ، فحمل الحل على ما كان بغير السحر من الأدعية ونحوها بعيد عنها .

وفي البحار 60 : 21 / 14 والاحتجاج 2 : 221 في قصّة الملكين ما يدلّ على جواز دفع ضرر السحر بالسحر ، ولكن الرواية مرسلة .

وفي الوسائل 17 : 147 / أبواب ما يكتسب به ب25 ح4 عن العيون ] 1 : 266 / 1 [ في رواية العسكري (عليه السلام) ما يدلّ على ذلك . ولكنّها مجهولة .

وفي رواية علي بن الجهم عن الرضا (عليه السلام) في حديث قال : « وأمّا هاروت وماروت فكانا ملكين ، علّما الناس السحر ليحترزوا به سحر السحرة ويبطلوا به كيدهم » الحديث . وهو مجهول  . راجع المصدر المتقدّم ح5 .

(2) وهي قوله تعالى : (وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَد حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ) البقرة 2 : 102 .

ــ[458]ــ

صورة دفع ضرر الساحر .

وكيف كان ، فلا ريب في أنّه قد يجب إذا توقّفت عليه مصلحة ملزمة ، كما إذا ادّعى الساحر منصباً من المناصب الإلهية ، كالنبوّة والإمامة .

التسخير ليس من السحر

وقد يقال بأنّ من السحر التسخيرات بأقسامها حتّى تسخير الحيوانات بدعوى أنّ تعاريف السحر صادقة عليها ، حتّى أنّ الشهيدين(1) مع أخذهما الإضرار في تحريم السحر ذكرا أنّ استخدام الملائكة والجن من السحر ، وعليه فتشملها الإطلاقات المتقدّمة الدالّة على حرمة السحر بجميع شؤونه .

وفيه : أنّك قد عرفت(2) خروج الاستعانة بالأرواح الأرضية واستخدام الجن من السحر موضوعاً وحكماً ، وحينئذ فإن انطبق على ذلك شيء من العناوين المحرّمة حكم عليه بالحرمة لتلك الجهة المحرّمة ، لا لكونه سحراً ، كما إذا اشتملت التسخيرات على المقدّمات المحرّمة ، أو كان المسخّر ـ بالكسر ـ لعمله ذلك معرضاً للتضرّر أو التلف أو الجنون ، أو لارتكاب شيء آخر من الاُمور غير المشروعة ، أو كان المسخَّر ـ بالفتح ـ مؤمناً من الإنس أو مَلَكاً ، وكان التسخير ظلماً عليهم . ومع انتفاء العناوين المحرّمة فلا وجه للحرمة ، كتسخير الكفّار من الإنس والجنّ ، وإن اشتمل ذلك على إيذائهم ، وإلاّ لما جاز قتل الكفّار ، وأخذ الجزية منهم وهم صاغرون .

وكذلك يجوز تسخير الحيوانات مطلقاً ، خصوصاً المؤذيات منها كالعقارب

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الدروس 3 : 164 ، المسالك 3 : 128 .

(2) في ص453 .

ــ[459]ــ

والحيّات والسباع ، وإلاّ لما جاز استخدام الحمولة ، وقتل المؤذيات منها . وقد أجاد المحقّق الإيرواني حيث قال : فالأمر في تسخير الحيوانات أوضح ، فهل يمكن الالتزام بجواز تسخير الحيوانات بالقهر والغلبة والضرب ، ومع ذلك لا يجوز تسخيرها بما يوجب دخولها تحت الخدمة طوعاً(1).
ـــــــــــــــ

(1) حاشية المكاسب (الإيرواني) 1 : 172 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net