الكذب وحرمته بالأدلّة الأربعة 

الكتاب : مصباح الفقاهة في المعاملات - المكاسب المحرمة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 7170


ــ[588]ــ

حرمة الكذب

قوله : الثامنة عشرة : الكذب حرام بضرورة العقول والأديان ، ويدلّ عليه الأدلّة الأربعة(1).

أقول : لا شبهة في حرمة الكذب ، فإنّه من قبائح الذنوب ، وفواحش العيوب بل هو مفتاح الشرور ، ورأس الفجور ، ومن أشدّ الجرائم ، وأكبر الكبائر . وحرمته من ضروريات مذهب الإسلام ، بل جميع الأديان ، وقد استدلّ عليها المصنّف بالأدلّة الأربعة .

أمّا الكتاب والسنّة الواردة لدى الخاصّة(2) والعامّة(3) في ذلك فذكرهما ممّا لا يحصى . وأمّا الإجماع فمن المحتمل القريب بل المقطوع به أنه مستند إلى الكتاب والسنّة ، فلا يكون هنا إجماع تعبّدي ، كما هو واضح .

وأمّا العقل فإنّه لا يحكم بحرمة الكذب بعنوانه الأوّلي مع قطع النظر عن ترتّب المفسدة والمضرّة عليه، وكيف يحكم العقل بقبح الإخبار بالأخبار الكاذبة التي لا تترتّب عليها مفسدة دنيوية أو اُخروية، نعم إذا ترتّب عليه شيء من تلك المفاسد، كقتل النفوس المحترمة، وهتك الأعراض المحترمة، ونهب الأموال، أو إيذاء الناس وظلمهم، ونحوها من العناوين المحرّمة، فإنّ ذلك محرّم بضرورة العقل ولكنّه لايختصّ بالكذب، بل يجري في كل مااستلزم شيئاً من الاُمور المذكورةولوكان صدقاً.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 2 : 11 .

(2) راجع الكافي 2 : 338 / باب الكذب ، والوافي 5 : 927 ب156 (الكذب) . والوسائل 12  : 243 / أبواب أحكام العشرة ب138 ، والمستدرك 9 : 83 / أبواب أحكام العشرة ب120 .

(3) راجع سنن البيهقي 10 : 195 . وإحياء العلوم 3 : 133 وما بعدها .

ــ[589]ــ

الكذب من الكبائر

قوله : أحدهما : في أنّه من الكبائر .

أقول : قد عرفت في مبحث الغيبة(1) تحقيق الحال في كون معصية كبيرة . وقد استدلّ المصنّف على كون الكذب من الكبائر في الجملة بعدّة من الروايات :

منها : روايتا الأعمش وعيون الأخبار(2) حيث جعل الإمام (عليه السلام) الكذب من الكبائر في هاتين الروايتين . وفيه : أنّهما وإن كانتا ظاهرتين في المقصود ولكنّهما ضعيفتا السند(3).

ومنها : قوله (عليه السلام) في رواية عثمان بن عيسى : « إنّ الله جعل للشر أقفالا ، وجعل مفاتيح تلك الأقفال الشراب ، والكذب شرّ من الشراب »(4).

وفيه أولا : أنّها ضعيفة السند . وثانياً : أنّها مخالفة للضرورة ، إذ لا يلتزم فقيه بل ولا متفقّه بأنّ جميع أفراد الكذب شرّ من شرب الخمر ، فإذا دار الأمر في مقام الاضطرار بين ارتكاب طبيعي الكذب ـ ولو بأن يقول المكرَه (بالفتح) : إنّ عمر فلان مائة سنة مع أنّه ابن خمسين ـ وبين شرب الخمر فلا يحتمل أحد ترجيح شرب

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص493 .

(2) راجع الوسائل 15 : 331 / أبواب جهاد النفس ب46 ح36 ، 33 ، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2 : 127 / 1 .

(3) أمّا رواية العيون فلما تقدّم في ص370. وأمّا رواية الأعمش فبأحمد بن يحيى بن زكريا وغيره.

(4) وهي ضعيفة بعثمان بن عيسى . راجع الكافي 2 : 338 / 3 ، والوافي 5 : 927 / 3 ، والوسائل 12 : 244 / أبواب أحكام العشرة ب138 ح3.

ــ[590]ــ

الخمر على الكذب .

وممّا ذكرناه ظهر الجواب عمّا دلّ على أنّ المؤمن إذا كذب بغير عذر كتب الله عليه بتلك الكذبة سبعين زنية أهونها كمن يزني مع اُمّه(1). ومن الواضح أنّ الزنا بالاُمّ من أكبر الكبائر ، فكذلك الكذب . على أنّ هذه الرواية أيضاً ضعيفة السند .

ويضاف إلى ذلك ما ذكرناه في مبحث الغيبة(2)، وهو أنّ كل واحد من الذنوب مشتمل غالباً على خصوصية لا توجد في غيره ، وكونه أشدّ من غيره في هذه الخصوصية لا يستلزم كونه أشدّ منه في جميع الجهات .

نعم قد يكون بعض أفراد الكذب أشدّ من شرب الخمر والزنا ، كالكذب على الله ، وعلى رسوله ، وكالكذب لقتل النفس المحترمة ، ولإثارة الفتنة ونحوها ، ولا مضايقة في جعله حينئذ من الكبائر .

ومنها : ما عن العسكري (عليه السلام) فإنّه قال : « جعلت الخبائث كلّها في بيت وجعل مفتاحها الكذب »(3) بدعوى أنّ ما يكون مفتاحاً للخبائث كلّها لابدّ وأن يكون كبيرة .

وفيه أوّلا : أنّ الرواية ضعيفة السند . وثانياً : لا ملازمة بين كون الشيء مفتاحاً للخبائث وبين كونه معصية ، فضلا عن كونه من الكبائر ، فإنّه قد يكون الشيء غير محرّم ومع ذلك يكون مفتاحاً للحرام ، كالشبهات ومقدّمات الحرام وعليه فشأن هذه الرواية شأن الروايات الآمرة بالاجتناب عن الشبهات ، فهي غير دالّة على حرمة الكذب فضلا عن كونه من الكبائر .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وهي مرسلة . راجع المستدرك 9 : 86 / أبواب أحكام العشرة ب120 ح15 .

(2) في ص496 .

(3) راجع البحار 69 : 263 / 48 .

ــ[591]ــ

قوله : ويمكن الاستدلال على كونه من الكبائر بقوله تعالى : (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ)(1).

أقول : وجه الدلالة أنّه تعالى جعل الكاذب غير مؤمن بآيات الله كافراً بها .

وفيه : أنّ الآية وإن كانت ظاهرة الدلالة على كون الكذب المذكور فيها من الكبائر ، ولكنّ الظاهر من ملاحظة الآية وما قبلها أنّ المراد بالكاذبين في الآية الشريفة هم الذين يفترون على الله وعلى رسوله في آيات الله ، كاليهود والمشركين لزعمهم أنّ ما جاء به النبي (صلّى الله عليه وآله) كلّه من تلقاء نفسه ومفتريات شخصه وقد ردّ الله كلامهم عليهم بقوله عزّ من قائل : (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ) وعلى هذا فالكذّابون المذكورون في الآية لم يؤمنوا بالله وبرسوله وبالمعاد من الأول ، لا أنّ الكذب أوجب خروجهم عن الإيمان لكي تدلّ الآية على مقصد المصنّف .

قوله : كونه من الكبائر من غير فرق بين أن يترتّب على الخبر الكاذب مفسدة وأن لا يترتّب عليه شيء أصلا .

أقول : ذهب المصنّف تبعاً لظاهر الفاضلين(2) والشهيد الثاني(3) إلى أنّ الكذب مطلقاً من الكبائر ، سواء ترتّبت عليه مفسدة أم لا ، واستند في رأيه هذا إلى الإطلاقات المتقدّمة التي استدلّ بها على كون الكذب من الكبائر ، ثم أيّده بقول النبي (صلّى الله عليه وآله) في وصيته لأبي ذرّ (رضوان الله عليه) : « ويل للذي يحدّث

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) النمل 27 : 107 .

(2) لم نعثر على ذلك في مظان كتبهما ، نعم ذكر في قواعد الأحكام 3 : 494 أنّ الكبيرة : ما توعّد الله تعالى فيها بالنار .

(3) الروضة البهية 3 : 129 .

ــ[592]ــ

فيكذب ليضحك به القوم ، ويل له ، ويل له ، ويل له »(1) بدعوى أنّ الأكاذيب المضحكة لا يترتّب عليها الإلقاء في المفسدة إلاّ نادراً .

والوجه في جعلها من المؤيّدات ما ذكره المصنّف في مبحث الكبائر من رسالته في العدالة(2) وهو أنّ من الموازين التي تعدّ به الخطيئة كبيرة ورود النصّ المعتبر على أنّها ممّا أوجب الله عليها النار . ومن الواضح أنّ الوصية المذكورة ضعيفة السند .

أقول : قد عرفت أنّ الإطلاقات المتقدّمة لا تنهض لإثبات المطلوب ، إمّا لضعف السند فيها ، أو لضعف الدلالة ، وكذلك الشأن في رواية أبي ذرّ ، فهي وإن كانت ظاهرة في المقصود ، ولكن قد عرفت أنّها ضعيفة السند .

والتحقيق : أنّه لا دليل على جعل الكذب مطلقاً من الكبائر ، بل المذكور في رواية أبي خديجة : « الكذب على الله وعلى رسوله وعلى الأوصياء (صلّى الله عليهم) من الكبائر »(3) فإنّ الظاهر منها أنّها مسوقة للتحديد ، وبيان أنّ الكذب الذي يعدّ كبيرة إنّما هو الكذب الخاص ، وعليه فتقيّد بها المطلقات المتقدّمة الظاهرة في كون الكذب بمطلقه من الكبائر ، بناءً على صحّتها من حيث السند والدلالة . ولكن رواية أبي خديجة المذكورة ضعيفة السند .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع الوسائل 12 : 251 / أبواب أحكام العشرة ب140 ح4 ، والوافي 26 : 198 . وهي ضعيفة بأبي المفضل ، ورجاء ، وابن ميمون أو شمّون .

(2) رسالة في العدالة (ضمن رسائل فقهية) : 45 .

(3) وهي ضعيفة بمحمد بن علي . راجع الوافي 5 : 1056 / 12 ، والوسائل 15 : 327 / أبواب جهاد النفس ب46 ح25 .

وفي الوافي 5 : 929 / 9 ، والكافي 2 : 239 / 5 ، والوسائل 12 : 248 / أبواب أحكام العشرة ب139 ح3 بسند آخر عن أبي خديجة عن أبي عبدالله (عليه السلام) « الكذب على الله وعلى رسوله من الكبائر » وهي ضعيفة .

ــ[593]ــ

وفي مرسلة الفقيه : « من قال عليّ ما لم أقله فليتبوّأ مقعده من النار »(1) فإنّ الظاهر منها أنّ الكذب على الرسول من الكبائر ، بناءً على تفسير الكبيرة بما أوعد الله عليه النار في الكتاب العزيز أو في السنّة المعتبرة . وعليه فيدخل فيه الكذب على الله وعلى أوصيائه (عليهم السلام) لملازمتهما للكذب على النبي (صلّى الله عليه وآله) . ولكن الرواية ضعيفة السند .

وفي بعض الأحاديث أنّ شهادة الزور واليمين الغموس الكاذبة التي يتعمّدها صاحبها من الكبائر(2).

وممّا يؤيّد أنّ الكذب ليس مطلقاً من الكبائر ما ورد في مرسلة سيف بن عميرة من التحذير عن الكذب الصغير والكبير(3)، فإنّ انقسام الكذب إلى الصغير والكبير يدلّ على عدم كونه مطلقاً من الكبائر . إلاّ أنّ الرواية مرسلة .

وفي رواية ابن الحجّاج ما يشعر بعدم كون الكذب مطلقاً من الكبائر(4).

ولكن الذي يهوّن الخطب ما تقدّمت الإشارة إليه في مبحث الغيبة من أنّه لا أثر لهذه المباحث ، فإنّ الذنوب كلّها كبيرة وإن كان بعضها أكبر من بعض ، ولذا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع الفقيه 3 : 372 / 1756 ، والباب46 المتقدّم من الوسائل ح26 .

(2) راجع الباب46 المتقدّم من الوسائل ح2 ، 36 .

(3) راجع الكافي 2 : 338 / 2 ، والوافي 5 : 927 / 2 ، والوسائل 12 : 250 / أبواب أحكام العشرة ب140 ح1 .

(4) قال « قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : الكذّاب هو الذي يكذب في الشيء ؟ قال : لا ، ما من أحد إلاّ يكون ذلك منه ، ولكن المطبوع على الكذب » وهي حسنة بإبراهيم بن هاشم . راجع الكافي 2 : 340 / 12 . والوسائل 12 : 245 / أبواب أحكام العشرة ب138 ح9 .

أقول : المطبوع على الكذب : المجبول عليه ، بحيث صار عادة له ، ومن لا يكون كذلك لا يصدق عليه الكذّاب ، الذي هو من صيغ المبالغة ، وهو واضح .

ــ[594]ــ

اختلفت الأخبار في تعدادها . ولو سلّمنا انقسامها إلى الصغيرة والكبيرة فإنّ جميعها مضرّة بالعدالة ، فإنّ العدالة هي الاستقامة والاعتدال ، فأيّ ذنب ارتكبه المكلّف فإنّه يوجب الخروج عنها .

حرمة الكذب في الهزل والجدّ

هل يحرم الكذب مطلقاً وإن كان صادراً بعنوان الهزل ، أو تختصّ حرمته بالكذب الجدّي ؟ فنقول : إنّ الكذب المسوق للهزل على قسمين : فإنّه قد يكون الهازل بكذبه مخبراً عن الواقع ، ولكن بداعي المزاح والهزل ، من دون أن يكون إخباره مطابقاً للواقع ، كأن يخبر أحداً بقدوم مسافر له أو حدوث حادث أو وصول حاجة ليغترّ المخاطب بقوله ، فيرتّب عليه الأثر ، فيضحك منه الناس . وهذا لا شبهة في كونه من الكذب ، فإنّه عبارة عن الخبر غير الموافق للواقع . واختلاف الدواعي لا يخرجه عن واقعه وحقيقته . إذن فيكون مشمولا لما دلّ على حرمة الكذب .

وقد يكون الكلام بنفسه مصداقاً للهزل ، بحيث يقصد المتكلّم إنشاء بعض المعاني بداعي الهزل المحض ، من غير أن يقصد الحكاية عن واقع ليكون إخباراً ، ولا يستند إلى داع آخر من دواعي الإنشاء . ومثاله أن ينشئ المتكلّم وصفاً لأحد من حضّار مجلسه بداعي الهزل ، كإطلاق البطل على الجبان ، والذكي على الأبله ، والعالم على الجاهل .

وهذا لا دليل على حرمته مع نصب القرينة عليه كما استقربه المصنّف . والوجه في ذلك : هو أنّ الصدق والكذب إنّما يتّصف بهما الخبر الذي يحكي عن المخبر به ، وقد عرفت أنّ الصادر عن الهازل في المقام ليس إلاّ الإنشاء المحض ، فيخرج عن حدود الخبر .

وقد يقال بالحرمة هنا أيضاً ، لإطلاق جملة من الروايات ، منها : مرسلة سيف

ــ[595]ــ

المتقدّمة ، فإنّها ظاهرة في وجوب الاتّقاء عن صغير الكذب وكبيره ، في الجدّ والهزل على وجه الإطلاق .

وفيه : مضافاً إلى كونها ضعيفة السند ، أنّ إنشاء الهزل خارج عن الكذب موضوعاً كما عرفت ، فلا يشمله ما دلّ على حرمة الكذب .

ومن هنا ظهر الجواب عن التمسّك برواية أبي ذرّ المتقدّمة من إثبات الويل لمطلق الكاذب ، كما ظهر الجواب عن رواية الحارث الأعور(1)، على أنّ كلمة « لا يصلح » فيها ظاهرة في الكراهة المصطلحة دون الحرمة ، كما أنّ قوله (عليه السلام) في رواية الأصبغ : « لا يجد العبد طعم الإيمان حتّى يترك الكذب هزله وجدّه »(2) لا يستفاد منه أزيد من الكراهة ، فإنّ المكروهات مانعة أيضاً عن وجدان المؤمن طعم إيمانه . وكذلك ظهر الجواب عن رواية الخصال(3).

بيان حقيقة الوعد وأقسامه

قوله : وكيف كان ، فالظاهر عدم دخول خلف الوعد في الكذب .

أقول : لا بأس بتوضيح حقيقة الوعد ، وبيان حكم الخلف فيه . أمّا حقيقة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) عن علي (عليه السلام) قال : « لا يصلح من الكذب جدّ وهزل » وهي ضعيفة بأبي وكيع . راجع الوسائل 12 : 250 / أبواب أحكام العشرة ب140 ح3 .

(2) وهي مجهولة بالقاسم بن عروة . راجع الكافي 2 : 340 / 11 ، والوافي 5 : 927 / 1 ، والباب المتقدّم من الوسائل ح2 .

(3) عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال : « أنا زعيم بيت في ربض الجنّة وبيت في وسط الجنّة وبيت في أعلى الجنّة لمن ترك المراء وإن كان محقّاً ، ولمن ترك الكذب وإن كان هازلا ، ولمن حسن خُلقه » وهي مجهولة . راجع الخصال 1 : 144 / 170 ، والبحار 69 : 261 / 32 .

ــ[596]ــ

الوعد فإنّه يتحقّق بأحد اُمور ثلاثة :

الأول : أن يخبر المتكلّم عن عزمه على الوفاء بشيء ، كأن يقول لواحد : إنّي عازم على أن أعطيك درهماً ، أو إنّي ملتزم بالمجيء إلى ضيافتك ، أو على إعظامك وإكرامك . ولا شبهة في كون هذا من أفراد الخبر ، غاية الأمر أنّ المخبَر به من الأفعال النفسانية ، أعني العزم على الفعل الخارجي ، نظير الإخبار عن سائر الاُمور النفسانية من العلم والظنّ والشكّ والوهم . وعليه فإن كان حين الإخبار عازماً فهو صادق ، وإلاّ فهو كاذب ، فتشمله أدلّة حرمة الكذب ، ويكون خارجاً عن المقام .

الثاني : أن ينشئ المتكلّم ما التزمه بنفس العلّة التي تكلّم بها بأن يقول : لك عليّ كذا درهماً أو ديناراً أو ثوباً ، ونظيره صيغ النذر والعهد كقولك : لله عليَّ أن أفعل كذا . ولا ريب أنّ مثل هذه الجمل إنشائية محضة ، فلا تتّصف بالصدق ولا بالكذب بالمعنى المتعارف ، بل الصدق والكذب في ذلك بمعنى الوفاء بهذا الالتزام وعدم الوفاء به .

الثالث : أن يخبر المتكلّم عن الوفاء بأمر مستقبل ، كقوله : أجيئك غداً ، أو اُعطيك درهماً بعد ساعة ، أو أدعوك إلى ضيافتي بعد شهر . وهذه جمل خبرية بالحمل الشائع ، ولكنّها مخبرة عن اُمور مستقبلة ، كسائر الجمل الخبرية الحاكية عن الحوادث الآتية ، كالإخبار عن قدوم المسافر غداً ، وعن نزول الضيف يوم الجمعة وعن وقوع الحرب بين السلاطين بعد شهر . ولا شبهة في اتّصاف هذا القسم من الوعد بالصدق والكذب ، فإنّها عبارة عن موافقة الخبر للواقع وعدم موافقته له من غير فرق بين أنواع الخبر ، وهو واضح .

وأمّا حرمة الكذب هنا فإنّ تنجّزها يتوقّف على عدم إحراز تحقّق المخبَر به في ظرفه ، فيكون النهي عنه منجّزاً حينئذ . وأمّا لو أحرز حين الإخبار تحقّق الوفاء بوعده في ظرفه ، ولكن بدا له ، أو حصل له المانع من باب الاتّفاق ، وأصبح مسلوب

ــ[597]ــ

الاختيار عن الإتمام والإنهاء ، لم تكن الحرمة منجّزة ، وإن كان إخباره هذا في الواقع كذباً . وأمّا حكم المقام من حيث خلف الوعد فسيأتي التكلّم فيه .

ومن هنا اتّضح أنّ النسبة بين حرمة الكذب وبين خلف الوعد هي العموم من وجه ، فإنّه قد يتحقّق الكذب المحرّم حيث لا مورد لخلف الوعد ، وقد يوجد خلف الوعد حيث لا يوجد الكذب المحرّم ، وقد يجتمعان .

وقد ظهر من مطاوي ما ذكرناه أنّ الإخبار إذا كان عن الاُمور المستقبلة كان صدق الخبر وكذبه منوطين بتحقّق المخبر به في ظرفه على نحو الشرط المتأخّر وعدم تحقّقه فيه . وعليه فإذا كان عازماً على الوفاء بوعده حين الإخبار فهل يجب عليه البقاء على عزمه هذا ما لم يطرأ عليه العجز ، صوناً لكلامه عن الاتّصاف بالكذب أو لا يجب عليه ذلك ؟ الظاهر هو الثاني ، فإنّه لا دليل على وجوب إتمام العزم وعلى حرمة العدول عنه لكي لا يتّصف كلامه السابق بالكذب ، ونظير ذلك الإخبار عن عزمه على إيجاد فعل في الخارج ، كإرادة السفر ونحوه ، ولم يتوهّم أحد وجوب البقاء على عزمه السابق لئلاّ يتّصف كلامه بالكذب على نحو الشرط المتأخّر  . وأمّا الأدلّة الناهية عن الكذب فهي مختصّة بالكذب الفعلي ، فلا تشمل غيره كما سيأتي .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net