خلف الوعد 

الكتاب : مصباح الفقاهة في المعاملات - المكاسب المحرمة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 6341


خلف الوعد

قد عرفت أنّ حقيقة الوعد إنّما تتحقّق بأحد اُمور ثلاثة ، وأمّا المراد من خلفه فهو نقض ما التزم به ، وترك ما وعده وعدم إنهائه وإتمامه ، فهل هذا حرام أم لا ؟ قد يقال بالحرمة ، بدعوى أنّه من أفراد الكذب ، فيكون مشمولا لعموم ما دلّ على حرمته .

ولكنّها دعوى جزافية ، فإنّ ما دلّ على حرمة الكذب يختص بالكذب الفعلي

ــ[598]ــ

الابتدائي ، فلا يشمل الكذب في مرحلة البقاء ، وإن شئت قلت : المحرّم إنّما هو إيجاد الكلام الكاذب ، لا إيجاد صفة الكذب في كلام سابق .

ونظير ذلك ما حقّقناه في كتاب الصلاة(1) في البحث عن معنى الزيادة في المكتوبة ، وقلنا : إنّ المراد بها هو الزيادة الابتدائية ، أي الشيء الذي لا يطابق المأمور به حين صدوره من الفاعل ، بحيث إذا وجد لم يوجد إلاّ بعنوان الزيادة وعليه فإذا أوجد المصلّي شيئاً في صلاته بعنوان الجزئية أو الشرطية ، ثم بدا له ما أخرجه عن عنوانه الأوّلي وألحقه بالزيادة لم يكن محكوماً بحكم الزيادة في الفريضة فلا يشمله قوله (عليه السلام) : « من زاد في صلاته فعليه الإعادة »(2).

وكذلك في المقام ، فإنّ ما دلّ على حرمة الكذب مختصّ بالكذب الابتدائي الفعلي المعنون بعنوان الكذب حين صدوره من المتكلّم ، أمّا إذا وجد كلام في الخارج وهو غير متّصف بالكذب ، ولكن عرض له ما ألحقه بالكذب بعد ذلك فلا يكون حراماً ، لانصراف ما دلّ على حرمة الكذب عنه ، وإن صدق عليه مفهوم الكذب حقيقة من حيث مخالفة المتكلّم لوعده وعدم جريه على وفق عهده ، ولذا يطلق عليه وعد كاذب ووعد مكذوب ، كما يطلق على الوفاء به وعد صادق ووعد غير مكذوب .

وقد استدلّ على حرمة مخالفة الوعد على وجه الإطلاق بالأخبار الكثيرة الدالّة على وجوب الوفاء به(3).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) شرح العروة الوثقى 14 : 430 ـ 486 .

(2) راجع الوسائل 8 : 231 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب19 ح2 .

(3) ففي الكافي 2 : 363 / 1 ، 2 ، والوافي 5 : 924 / 6 ، والوسائل 12 : 165 / أبواب أحكام العشرة ب109 ح3 ، 2 عن هشام بن سالم قال : « سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : عِدة المؤمن أخاه نذر لا كفّارة له ، فمن أخلف فبخلف الله بدأ ، ولمقته تعرّض وذلك قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ) إلخ . وهي حسنة بإبراهيم بن هاشم  . المقت الغضب .

وعن شعيب العقرقوفي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال « قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليف إذا وعد » وهي حسنة بإبراهيم .

وغير ذلك من الروايات المذكورة في المصدر المذكور من الوسائل والمستدرك 8 : 458 أبواب أحكام العشرة ب92 ، 9 : 39 / ب105 . والوسائل 12 : 203 / أبواب أحكام العشرة ب122 ح6 وغيره .

ــ[599]ــ

أقول : الروايات الواردة في هذا المقام كثيرة جدّاً ، وكلّها ظاهرة في وجوب الوفاء بالوعد ، وحرمة مخالفته ، ولم نجد منها ما يكون ظاهراً في الاستحباب . ولكن خلف الوعد حيث كان تعمّ به البلوى جميع الطبقات في جميع الأزمان ، فلو كان حراماً لاشتهر بين الفقهاء كاشتهار سائر المحرّمات بينهم ، مع ما عرفت من كثرة الروايات في ذلك ، وكونها بمرأى منهم ومسمع ، ومع ذلك كلّه فقد أفتوا باستحباب الوفاء به وكراهة مخالفته ، حتّى المحدّثين منهم كصاحبي الوسائل(1) والمستدرك(2)وغيرهما مع جمودهم على ظهور الروايات ، وذلك يدلّنا على أنّهم اطّلعوا في هذه الروايات على قرينة الاستحباب ، فأعرضوا عن ظاهرها .

ولكنّا قد حقّقنا في علم الاُصول(3) أنّ إعراض المشهور عن العمل بالرواية الصحيحة لا يوجب وهنها ، كما أنّ عملهم بالرواية الضعيفة لا يوجب اعتبارها ، إلاّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 12 : 164 / أبواب أحكام العشرة ب109 .

(2) المستدرك 8 : 458 / أبواب أحكام العشرة ب92 .

(3) مصباح الاُصول 2 (موسوعة الإمام الخوئي 47) : 235 ـ 236 ، 279 ـ 280 .

ــ[600]ــ

إذا رجع إعراضهم إلى تضعيف الرواية ، ورجع عملهم إلى توثيقها . إذن فلا وجه لرفع اليد عن ظهور الروايات المذكورة على كثرتها ، وحملها على الاستحباب .

ولكن الذي يسهل الخطب أنّ السيرة القطعيّة بين المتشرّعة قائمة على جواز خلف الوعد ، وعلى عدم معاملة من أخلف بوعده معاملة الفسّاق . ولم نعهد من أعاظم الأصحاب أن ينكروا على مخالفة الوعد كانكارهم على مخالفة الواجب وارتكاب الحرام ، فهذه السيرة القطعية تكون قرينة على حمل الأخبار المذكورة على استحباب الوفاء بالوعد ، وكراهة مخالفته . نعم الوفاء به والجري على طبقه من مهمّات الجهات الأخلاقية ، بل ربما توجب مخالفته سقوط الشخص عن الاعتبار في الأنظار ، لحكم العقل والعقلاء على مرجوحيته .

ومع ذلك كلّه فرفع اليد عن ظهور الروايات ، وحملها على الاستحباب يحتاج إلى الجرأة . والأوفق بالاحتياط هو الوفاء بالوعد.

وقد يستدلّ على الحرمة أيضاً بقوله تعالى : (لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ)(1). حيث قيل(2): كبر أن تعدوا من أنفسكم ما لا تفون به مقتاً عند الله . وقداستشهد الإمام (عليه السلام) بهذه الآية أيضاً على ذلك في بعض الروايات المتقدّمة في الحاشية .

وفيه : أنّ الآية أجنبية عن حرمة مخالفة الوعد ، فإنّها راجعة إلى ذمّ القول بغير العمل ، وعليه فموردها أحد الأمرين على سبيل مانعة الخلو .

الأول : أن يتكلّم الإنسان بالأقاويل الكاذبة ، بأن يخبر عن أشياء مع علمه بكذبها وعدم موافقتها للواقع ونفس الأمر ، فإنّ هذا حرام بضرورة الإسلام كما

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الصف 61 : 2 ـ 3 .

(2) مجمع البيان 9 : 418 .

 
 

ــ[601]ــ

تقدّم .

الثاني : موارد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، بأن يأمر الناس بالمعروف ويتركه هو ، وينهاهم عن المنكر ويرتكبه ، وهذا هو الظاهر من الآية ، ومن الطبرسي في تفسيرها(1).

وعليه فشأن الآية شأن قوله تعالى : (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ)(2). وهذا أيضاً حرام بالضرورة ، بل هو أقوى من الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف بالقول ، لكونه ترويجاً للباطل بالعمل ، ومن البديهي أنّ تأثيره في الترويج أقوى من تأثير القول فيه .

وأمّا الوعيد فمن حيث القاعدة يجري فيه ما جرى في الوعد إنشاءً وإخباراً وأمّا من حيث الروايات فلا تشمله الأحاديث المتقدّمة في الحاشية الظاهرة في الوجوب ، بداهة أنّه لا يجب الوفاء بالوعيد قطعاً ، بل قد يحرم ذلك في بعض الموارد جزماً .

خروج المبالغة عن الكذب موضوعاً

قوله : ثم إنّه لا ينبغي الإشكال في أنّ المبالغة في الادّعاء وإن بلغت ما بلغت ليست من الكذب .

أقول : إذا كانت المبالغة بالزيادة على الواقع كانت كذباً حقيقة ، كما إذا أعطى زيداً درهماً . فيقول : أعطيته عشرة دراهم ، أو إذا زار الحسين (عليه السلام) أو بقيّة المشاهد المشرّفة أو الكعبة المكرّمة مرّة واحدة فيقول : زرت عشرين مرّة . ومن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مجمع البيان 9 : 418 .

(2) البقرة 2 : 44 .

ــ[602]ــ

هذا القبيل تأدية المعنى بلفظ واحد موضوع للكثرة والمبالغة ، كإطلاق الضراب على الضارب ، فإنّه إخبار عن الكثرة بالهيئة . نعم لو قامت قرينة خارجية على إرادة الواقع ، وكون استعمال اللفظ فيه لأجل المبالغة فقط لما كان كذباً .

ومثله ما هو متعارف بين المتحاورين من استعمال بعض الفصول من الأعداد في مقام التكثير والاهتمام ، كلفظ سبع أو سبعين أو ألف ، فيقول المولى لعبده مثلا : لو اعتذرت منّي ألف مرّة لما قبلت عذرك ، ومن ذلك قوله تعالى : (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ)(1) كما ذكره الطبرسي(2)، فإنّ الغرض من الآية هو نفي الغفران رأساً .

وتجوز المبالغة أيضاً بالتشبيه والاستعارة ، كتشبيه الرجل العالم بالبحر الموّاج وتشبيه الوجه الحسن بفلقة القمر ، وكالكناية عن الجود بكثرة الرماد ، وهزال الفصيل وجبن الكلب ، واستعارة الأسد والسيف البتّار للرجل الشجاع . ولا يعدّ شيء منها كذباً ، كيف والقرآن الكريم وخطب الأئمّة وكلمات الفصحاء مشحونة بذلك ، بل ربما تكون هذه الخصوصيات وأمثالها موجبة لقوّة الكلام ، ووصوله إلى حدّ الإعجاز أو ما يقرب منه .

والوجه في خروج المبالغة بأقسامها عن الكذب هو أنّ المتكلّم إنّما قصد الإخبار عن لبّ الواقع فقط ، إلاّ أنّه بالغ في كيفية الأداء ، فتخرج عن الكذب موضوعاً ، نعم إذا انتفى ما هو ملاك المبالغة من وجه الشبه ونحوه كان الكلام كاذباً .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التوبة 9 : 80 .

(2) في مجمع البيان 5 : 84 : الوجه في تعليق الاستغفار بسبعين مرّة المبالغة ، لا العدد المخصوص والمراد بذلك نفي الغفران جملة . وقيل : إنّ العرب تبالغ بالسبعة والسبعين ، ولهذا قيل للأسد : السبع ، لأنّهم تأوّلوا فيه لقوّته أنّها ضوعفت له سبع مرّات .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net