هل التورية من الكذب ؟ 

الكتاب : مصباح الفقاهة في المعاملات - المكاسب المحرمة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 5432


ــ[603]ــ

خروج التورية عن الكذب

قوله : وأمّا التورية وهو أن يريد بلفظ معنى مطابقاً للواقع .

أقول : المعروف بين أهل اللغة(1) وغيرهم أنّ الكذب نقيض الصدق ، فصدق الكلام بالمطابقة ، وكذبه بعدم المطابقة ، وإنّما الكلام في بيان معنى المطابق (بالكسر) ـ  وأنّه عبارة عمّا يظهر من كلام المتكلّم ، أو عبارة عن مراده منه ـ وبيان المطابَق (بالفتح) وأنّه عبارة عن الواقع والنسبة الخارجية ، أو عن اعتقاد المخبر ، أو عن كليهما .

فذهب المشهور إلى أنّ صدق الخبر مطابقته بظهوره للواقع ، وكذبه عدم مطابقته للواقع ، بدعوى أنّ هيئة الجملة الخبرية إنّما وضعت لتحقّق النسبة في الخارج سواء كانت النسبة ثبوتية أو سلبية ، كما أنّ ألفاظ أجزائها موضوعة للمعاني التصوّرية من الموضوع والمحمول ومتعلّقاتها ، فمطابقة الخبر لتلك النسبة الخارجية الواقعية صدق ، وعدمها كذب . فإذا قيل : زيد قائم ، فإنّ هذا القول يدلّ على تحقّق النسبة الخبرية في الخارج ، أعني اتّصاف زيد بالقيام ، فإن طابقها كان صادقاً ، وإن خالفها كان كاذباً .

وفيه أولا : أنه قد لا تكون للنسبة خارجية أصلا ، كقولنا شريك الباري ممتنع واجتماع النقيضين محال ، والدور أو التسلسل باطل ، وما سوى الله ممكن ، إذ لا وجود للامتناع والإمكان والبطلان في الخارج . إلاّ أن يقال : إنّ المراد بالخارج ما هو أعمّ منه ومن نفس الأمر ، ومن البيّن أنّ الأمثلة المذكورة مطابقة للنسبة في نفس الأمر ، وتفسير الخارج بذلك ظاهر المحقّق التفتازاني حيث قال في المطوّل بعد تفسيره الصدق بمطابقة الخبر للواقع ، والكذب بعدم مطابقته للواقع : وهذا معنى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المصباح المنير : 528 ، المنجد : 678 مادّة كذب .

ــ[604]ــ

مطابقة الكلام للواقع والخارج وما في نفس الأمر(1).

وثانياً : أنّ الالتزام المذكور لا يتّفق مع تعريف القضية بأنّها تحتمل الصدق والكذب ، فإنّ دلالة الجملة على وقوع النسبة في الخارج تقتضي الجزم بالوقوع ومقتضى التعريف المذكور هو الشكّ في ذلك ، وهما لا يجتمعان .

وثالثاً : لو كانت الجمل الخبرية بهيئاتها موضوعة للنسبة الخارجية لكانت دلالتها عليها قطعية ، كما أنّ دلالة الألفاظ المفردة على معانيها التصوّرية قطعية ، فإنّ الشكّ لا يتطرّق إلى الدلالة بعد العلم بالموضوع له وإرادة اللافظ ، مع أنّه لا يحصل للمخاطب بعد سماع الجمل الخبرية غير احتمال وقوع النسبة في الخارج ، وقد كان هذا الاحتمال حاصلا قبل سماعها .

لا يقال : قد يحصل العلم بوقوع النسبة في الخارج من إخبار المتكلّم ، لقوّة الوثوق به . فإنّه يقال : ليس موضع بحثنا إذا اشتملت الجملة الخبرية على قرائن خارجية تدلّ على صدقها ، بل مورد الكلام هو نفس الخبر العاري عن القرائن . على أنّه لا يتم إلاّ مع الوثوق بالمتكلّم ، ومورد البحث أعمّ من ذلك .

لا يقال : إنّ المخاطب يحصل له من سماع الخبر ما لم يحصل قبله من العلوم فكيف يسوغ القول بأنّ استماع الخبر لم يفده غير ما كان يعرفه أولا .

فإنّه يقال : إنّ ما يحصل للمخاطب من المعاني التصوّرية وغيرها فيما سنذكره غير مقصود للقائل بوضع الجمل الخبرية للنسب الخارجية ، وما هو مقصوده لا يحصل من ذلك .

وعن النظّام(2) ومن تابعه : أنّ صدق الخبر مطابقته لاعتقاد المخبر ، وكذبه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المطوّل : 38 .

(2) حكاه عنه في المطوّل : 39 .

ــ[605]ــ

عدمها وإن كان الاعتقاد خطأ ، واستدلّ عليه بآية المنافقين(1) بدعوى أنّ الله سجّل عليهم بأنّهم لكاذبون في قولهم إنّك لرسول الله ، لعدم اعتقادهم بالرسالة المحمّدية وإن كان قولهم مطابقاً للواقع .

وأجابوا عنه بأنّ المنافقين لكاذبون في شهادتهم بالرسالة ، لعدم كونها عن خلوص الاعتقاد . وتوضيح ذلك يحتاج إلى مقدّمتين:

الاُولى : أنّ الشهادة في العرف واللغة(2) بمعنى الحضور ، سواء كان حضوراً خارجياً ـ كقوله تعالى : (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)(3) وكقول المسافر : شاهدت البلدة الفلانية وأقمت فيها ـ أم حضوراً ذهنياً ، كحضور الواقعة في ذهن الشاهد .

الثانية : أنّ المخبَر به قد يكون أمراً خارجياً ، وقد يكون أمراً اعتبارياً ، وقد يكون أمراً ذهنياً ، كالإخبار عن الصور النفسانية.

فيتجلّى من هاتين المقدّمتين أنّ الإخبار عن الشهادة بالرسالة مبني على حضور المخبَر به والمشهود به في صقع الذهن ، لأنّ الشهادة ليست من الأعيان الخارجية ، وحيث إنّ المنافقين غير معتقدين بالرسالة ، ولم يكن المخبَر به وهو الاعتقاد بالنبوّة موجوداً في أذهانهم فرماهم الله إلى الكذب والفرية . فلا دلالة في الآية على مقصود النظام .

ويضاف إلى ذلك أنّه لو أخبر أحد عن قضية لم يعتقد بوقوعها في الخارج وهي واقعة فيه ، فإنّه على مسلك النظام خبر كاذب ، مع أنّه صادق بالضرورة .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المنافقون 63 : 1 .

(2) في المنجد ] 409 مادّة شهد [ : شهد المجلس : حضره .

(3) البقرة 2 : 185 .

ــ[606]ــ

وعن الجاحظ(1) أنّ صدق الخبر مطابقته للواقع والاعتقاد معاً ، وكذبه عدم مطابقته لهما معاً ، وغير ذلك لا صدق ولا كذب ، واستدلّ على رأيه هذا بقوله تعالى  : (أَفْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ)(2) فإنّ الإخبار حال الجنّة غير الكذب لأنّهم جعلوه قسيماً للافتراء وغير الصدق ، لعدم مطابقته للواقع في عقيدتهم .

وفيه : أنّا نرى بالعيان ، ونشاهد بالوجدان وبحكم الضرورة انحصار الخبر بالصدق والكذب ، وعدم الواسطة بينهما . وأمّا الآية المذكورة فهي غريبة عن مقصود الجاحظ ، لأنّ الظاهر منها أنّ المشركين نسبوا إخبار النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى الافتراء الذي هو كذب خاصّ ، أو إلى الإخبار حال الجنّة الذي لا أثر له عند العقلاء .

والتحقيق : أنّ الجمل بأجمعها خبرية كانت أم إنشائية قد وضعت بهيئاتها النوعية لإبراز الصور الذهنية ، وإظهار الدعاوي النفسانية ـ ما شئت فعبّر ـ فإنّ الواضع أيّ شخص كان إنّما تعهّد ـ وتابعه بقية الناس ـ بأنّه متى أراد أن يبرز شيئاً من دعاويه ومقاصده أن يتكلّم بجملة مشتملة على هيئة خاصّة تفي بمراده وأداء دعواه في مقام المحادثة والمحاورة ، وهذه الجهة ـ أعني إبراز المقاصد النفسانية بمظهر  ـ إنّما هي في مرحلة دلالة اللفظ على معناه الموضوع له ، فيشترك فيها جميع الجمل خبرية كانت أم إنشائية ، بل يشترك فيها جميع الألفاظ الموضوعة ، مفردة كانت أم مركّبة .

والوجه فيه : أنّ دلالة اللفظ على معناه بحسب العلقة الوضعية أمر ضروري فلا يعقل الانفكاك بينهما في مرحلة الاستعمال ، إلاّ بانسلاخ اللفظ عن معناه بالقرائن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) حكاه عنه في المطوّل : 40 ـ 41 .

(2) سبأ 34 : 8 .

ــ[607]ــ

الخارجية .

وهذه الدعاوي النفسانية على قسمين :

الأول : أن تكون أمراً اعتبارياً محضاً وقائماً بنفس المعتبر ، بأن يعتبر في نفسه شيئاً ثم يظهره في الخارج بمبرز من لفظ أو غيره ، من دون قصد للحكاية عن شيء وهذا يسمّى إنشاء ، ولا يتّصف بالصدق والكذب بوجه ، لأنّه شيء يقوم بالاعتبار الساذج كما عرفت .

الثاني : أن تكون حاكية عن شيء آخر ، سواء كان هذا المحكي من القضايا الخارجية كقيام زيد في الخارج ، أم من الأوصاف النفسانية كالعلم والشجاعة والسخاوة ونحوها ، وهذه الحكاية إن طابقت الواقع المحكي اتّصفت الدعاوي المذكورة بالصدق ، وإلاّ فهي كاذبة . وأمّا اتّصاف الجمل الخبرية بهما فمن قبيل اتّصاف الشيء بحال متعلّقه ، كرجل منيع جاره ، ومؤدّب خدّامه ، ورحب فناؤه .

فتحصّل من جميع ما ذكرناه : أنّ المراد من المطابِق ـ بالكسر ـ هو مراد المتكلّم أي الدعاوي النفسانية ، لا ظهور كلامه كما توهّم ، وأنّ المراد من المطابَق ـ  بالفتح ـ هو الواقع ونفس الأمر المحكي بالدعاوي النفسانية .

إذا عرفت ما تلوناه عليك فنقول : لا شبهة في خروج التورية عن الكذب موضوعاً ، فإنّها في اللغة(1) بمعنى الستر ، فكأنّ المتكلّم وارى مراده عن المخاطب بإظهار غيره ، وخيّل إليه أنّه أراد ظاهر كلامه ، وقد عرفت آنفاً أنّ الكذب هو مخالفة الدعاوي النفسانية للواقع ، لا مخالفة ظاهر الكلام له ، ويتفرّع على هذا أنّ جواز التورية لا يختصّ بمورد الاضطرار ونحوه ، لأنّها ليست من مستثنيات الكذب

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في مجمع البحرين ] 1 : 436 مادّة ورا [ : وريت الخبر ـ بالتشديد ـ تورية إذا سترته وأظهرت غيره ، حيث يكون للفظ معنيان ، أحدهما أشيع من الآخر وتنطق به وتريد الخفي .

ــ[608]ــ

بل هي خارجة عنه موضوعاً ، ومن هنا ذهب الأصحاب ـ فيما سيأتي من جواز الكذب عند الضرورة ـ إلى وجوب التورية مع التمكّن منها ، وعلّلوا ذلك بتمكّن المتكلّم ممّا يخرج به كلامه عن الكذب .

ثم إنّ الكلام الذي يورّى به قد يكون ظاهراً في بيان مراد المتكلّم ، ولكن المخاطب لغباوته وقصور فهمه لا يلتفت إليه ، وهذا خارج عن التورية ، بل هو كسائر الخطابات الصادرة من المتكلّم في مقام المحادثة والمحاورة ، ومن هذا القبيل ما نقل عن بعض الأجلّة أنّ شخصاً اقترح عليه أن يعطيه شيئاً من الدراهم ، وكان يراه غير مستحقّ لذلك ، فألقى السبحة من يده ، وقال : والله إنّ يدي خالية ، وتخيّل السائل من كلامه أنّه غير متمكّن من ذلك .

وقد يكون الكلام ظاهراً في غير ما أراده المتكلّم ، وهو مورد التورية ، كما إذا أراد أحد أن ينكر مقالته الصادرة منه فيقول : علم الله ما قلته ، ويُظهر كلمة الموصول على صورة أداة النفي ، ويخيّل إلى السامع أنه ينكر كلامه .

ومن هذا القبيل ما ذكره سلطان المحقّقين في حاشية المعالم(1) في البحث عن المجمل من أنّه سئل أحد العلماء عن علي (عليه السلام) وأبي بكر أيّهما خليفة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال : من بنته في بيته ، ومنه قول عقيل (عليه السلام) أمرني معاوية أن ألعن علياً ألا فالعنوه .

ومن هذا القبيل أيضاً ما سئل بعض الشيعة عن عدد الخلفاء فقال : أربعة أربعة أربعة . وإنّما قصد منها الأئمّة الاثنىْ عشر ، وزعم السائل أنّه أراد الخلفاء الأربعة .

وممّا يدلّ على جواز التورية وخروجها عن الكذب اُمور :

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) معالم الدين وملاذ المجتهدين : 157 .

ــ[609]ــ

الأول : نقل ابن إدريس في آخر السرائر من كتاب عبدالله بن بكير عن أبي عبدالله (عليه السلام) « في الرجل يُستأذن عليه فيقول للجارية : قولي ليس هو ههنا ؟ قال : لا بأس ، ليس بكذب »(1).

الثاني : روى سويد بن حنظلة : « قال : خرجنا ومعنا وابل بن حجر يريد النبي (صلّى الله عليه وآله) فأخذه أعداء له فخرج القوم أن يحلفوا وحلفت بالله أنّه أخي فخلّى عنه العدو ، فذكرت ذلك للنبي (صلّى الله عليه وآله) فقال : صدقت ، المسلم أخو المسلم »(2). وهي وإن كانت ظاهرة الدلالة على جواز التورية ، وعدم كونها من الكذب ، ولكنّها ضعيفة السند .

الثالث : ما ورد(3) من نفي الكذب عن قول إبراهيم (عليه السلام) : (بَلْ فَعَلَهُ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع الوسائل 12 : 254 / أبواب أحكام العشرة ب141 ح8 ، السرائر 3 : 632 .

(2) وهي مرسلة وضعيفة بسويد . راجع الخلاف 4 : 490 / باب الحيل آخر الطلاق ، والمبسوط 5  : 95 / باب الحيل آخر الطلاق .

(3) في الكافي 2 : 341 / 17 ، 22 ، والوافي 5 : 934 / 20 ، 18 ، والوسائل 12 : 253 / أبواب أحكام العشرة ب141 ح4 ، 7 عن الحسن الصيقل قال « قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : إنّا قد روينا عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول يوسف (عليه السلام) : (أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ) قال : والله ما سرقوا وما كذب . وقال إبراهيم (عليه السلام) : (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ) فقال : والله ما فعلوا وما كذب ـ إلى أن قال أبو عبدالله (عليه السلام) : ـ إنّ إبراهيم (عليه السلام) إنّما قال : (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا) إرادة الإصلاح ... وقال يوسف (عليه السلام) إرادة الإصلاح » . وهي مجهولة بالحسن الصيقل .

وعن عطاء عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال « قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : لا كذب على مصلح ، ثمّ تلا : (أَيَّتُهَا الْعِيرُ) ، ثمّ قال : والله ما سرقوا وما كذب ، ثمّ تلا (بَلْ فَعَلَهُ) الخ ، ثمّ قال  : والله ما فعلوه وما كذب » وهي مجهولة بمعمّر بن عمرو وعطاء .

وفي الوافي ] المصدر المتقدّم ح19 [ في رواية أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) : ولقد قال إبراهيم (عليه السلام) : (إِنِّي سَقِيمٌ) وما كان سقيماً وما كذب ، ولقد قال إبراهيم (عليه السلام) : (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا) وما فعله وما كذب ، ولقد قال يوسف (عليه السلام) : (أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ) والله ما كانوا سارقين وما كذب » . وهي ضعيفة بمعلّى بن محمد . وغير ذلك من الروايات المذكورة في المستدرك 9 : 95 / أبواب أحكام العشرة ب122 ] أي ح6 [ وسيأتي في رواية الاحتجاج ما يدلّ على ذلك .

ــ[610]ــ

كَبِيرُهُمْ هَذَا) مع أنّ كبيرهم لم يفعله ، وعن قوله (عليه السلام) : (إِنِّي سَقِيمٌ) وما كان سقيماً ، وعن قول يوسف (أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ) وما كانوا سرّاقاً ، فيدلّ ذلك كلّه على كون الأقوال المذكورة من التورية ، وأنّ التورية خارجة عن الكذب موضوعاً .

نعم يمكن أن يقال : إنّ نفي الكذب عن قول إبراهيم ويوسف (عليهما السلام) إنّما هو بلحاظ نفي الحكم ، وأنّهما قد ارتكبا الكذب لإرادة الإصلاح .

ويدلّ عليه قوله (عليه السلام) في رواية الصيقل : « إنّ إبراهيم إنّما قال : (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا) إرادة الإصلاح ، وقال يوسف إرادة الإصلاح » . وقوله (عليه السلام) في رواية عطاء : « لا كذب على مصلح ، ثمّ تلا : (أَيَّتُهَا الْعِيرُ) الخ . وقد ذكرت الروايتان في الحاشية .

ويؤيّده ما في بعض أحاديث العامّة(1): « إنّ إبراهيم كذب ثلاث كذبات قوله : إنّي سقيم ، وقوله : بل فعله كبيرهم هذا ، وقوله في سارة : إنّها اُختي » .

ولكن الروايات المذكورة كلّها ضعيفة السند ، كما أنّ بقية الأحاديث التي اطّلعت عليها في القصص المزبورة مشتملة على ضعف السند أيضاً وجهالة في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع سنن البيهقي 10 : 198 . ومجمع البيان 7 : 86 .

ــ[611]ــ

الراوي ، فلا يمكن الاستناد إليها بوجه .

رفع غشاوة

قد يتوهّم أنّه لا محيص أن تكون أقوال إبراهيم ويوسف المذكورة كاذبة غاية الأمر أنّها من الأكاذيب الجائزة ، أمّا قول إبراهيم (عليه السلام) : (إِنِّي سَقِيمٌ)وقول يوسف (عليه السلام) : (أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ) فصدق الكذب عليهما واضح .

وأمّا قول إبراهيم (عليه السلام) : (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ) فلأنّ الشرط فيه إمّا أن يرجع إلى السؤال المذكور فيه ، وإمّا أن يرجع إلى الفعل . فإن كان راجعاً إلى السؤال انحلّت الآية الكريمة إلى قضيتين : إحداهما حملية وهي قوله تعالى : (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا) والثانية إنشائية مشروطة ، وهي قوله تعالى : (فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ) أمّا القضية الاُولى فهي كاذبة ، لكونها غير مطابقة للواقع . وأمّا القضية الثانية فهي إنشائية لا تتّصف بالصدق والكذب .

وإن كان راجعاً إلى الفعل الذي نسبه إلى كبيرهم كانت الآية مسوقة لبيان قضية شرطية ، تاليها قوله تعالى : (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا) ومقدّمها قوله تعالى : (كَانُوا يَنطِقُونَ) فقد دخلت عليها أداة الشرط ، وجعلتهما قضيّة واحدة شرطية ومن البديهي أنّها أيضاً كاذبة ، فإنّ الصدق والكذب في القضايا الشرطية يدوران مدار صحّة الملازمة وفسادها ، ولا شبهة أنّها منتفية في المقام ، بداهة أنّه لا ملازمة بين نطق كبير الأصنام وبين صدور الفعل منه ، بل الفعل قد صدر من إبراهيم على كل تقدير ، سواء نطق كبيرهم أم لم ينطق .

أقول : أمّا رمي قول إبراهيم : (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا) بالكذب فجوابه أنّا قد

ــ[612]ــ

حقّقنا في مبحث الواجب المشروط من علم الاُصول(1) أنّ الشروط في الواجبات المشروطة إمّا أن ترجع إلى الإنشاء ، أعني به إبراز الاعتبار النفساني . وإمّا أن ترجع إلى متعلّق الوجوب ، أي المادّة المحضة ، كما في الواجب المعلّق على ما نسب إلى المصنّف في التقريرات(2). وإمّا أن ترجع إلى المنشأ ، وهو ما اعتبره في النفس ثمّ أبرزه بالإنشاء ، فيكون مرجع القيد في قولنا : إن جاءك زيد فأكرمه ، هو وجوب الإكرام ، فيصير مقيّداً بمجيء زيد .

أمّا الأول فهو محال ، لأنّ الإنشاء من الاُمور التكوينية التي يدور أمرها بين الوجود والعدم ، فإذا أوجده المتكلّم استحال أن يتوقّف وجوده على شيء آخر لاستحالة انقلاب الشيء عمّا هو عليه .

وأمّا الثاني فهو وإن كان ممكناً في مرحلة الثبوت ، ولكنّه خلاف ظاهر الأدلّة في مقام الإثبات ، ولا يمكن المصير إليه بدون دليل وقرينة . إذن فيتعيّن الاحتمال الثالث .

وهذا الكلام بعينه جار في القضايا المشروطة من الجمل الخبرية أيضاً ، فإنّ إرجاع القيد فيها إلى نفس الإخبار ـ أي الألفاظ المظهرة للدعاوي النفسانية ـ غير معقول ، لتحقّقه بمجرد التكلّم بالقضية الشرطية ، ولا يعقل بعد ذلك أن تكون موقوفة على حصول قيد أو شرط .

وأمّا إرجاعه إلى متعلّق الخبر وهو وإن كان سائغاً في نفسه ، ولكنّه خلاف ظاهر القضايا الشرطية . وحينئذ فيتعيّن إرجاعه إلى المخبر به ، وهو الدعاوي النفسانية . مثلا إذا قال أحد : إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود ، فإنّ معناه أنّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) محاضرات في اُصول الفقه 2 (موسوعة الإمام الخوئي 44) : 146 وما بعدها .

(2) مطارح الأنظار : 45 ، 46 ، 52 .

ــ[613]ــ

دعوى تحقّق النهار مقيّدة بطلوع الشمس ، ومع عدم طلوعها فالدعوى منتفية .

وعليه فتقدير الآية : بل فعله كبيرهم إن نطقوا فاسألوهم . فقد علّقت الدعوى على نطقهم ، ولمّا استحال نطقهم انتفت الدعوى ، فلا تكون كاذبة . ونظير ذلك قولك : فلان صادق فيما يقول إن لم يكن فوقنا سماء ، وكقولك أيضاً : لا أعتقد إلهاً إن كان له شريك ، ولا أعتقد خليفة للرسول (صلّى الله عليه وآله) إن لم يكن منصوباً من الله . هذا فاغتنم .

ويؤيّد ما ذكرناه خبر الاحتجاج(1) عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال : « ما فعله كبيرهم وما كذب إبراهيم ، قيل : وكيف ذلك ؟ فقال : إنّما قال إبراهيم : إن كانوا ينطقون ، فإن نطقوا فكبيرهم فعل ، وإن لم ينطقوا فلم يفعل كبيرهم شيئاً ، فما نطقوا وما كذب إبراهيم » . وقد ذكر المفسّرون وجوهاً لتفسير الآية(2) فراجع .

وأمّا رمي قول إبراهيم : « إنّي سقيم » بالكذب فجوابه أنّ المراد به كونه سقيماً في دينه ، أي مرتاداً وطالباً في دينه . ويؤيّده ما في خبر الاحتجاج المتقدّم عن الصادق (عليه السلام) من قوله « ما كان إبراهيم سقيماً ، وما كذب ، وإنّما عنى سقيماً في دينه ، أي مرتاداً » . ومعنى المرتاد في اللغة(3) هو الطلب والميل ، أي أنّي طالب في ديني ومجدّ لتحصيل الاعتقاد بالمبدأ والمعاد ، فقد خيّل بذلك إلى عبدة الأصنام والنجوم أنّه مريض لا يقدر على التكلّم ، فتولّوا عنه مدبرين ، وأخّروا المحاكمة إلى وقت آخر . وللعلماء فيه وجوه اُخرى قد ذكرها المفسّرون في تفاسيرهم .

وأمّا رمي قول يوسف (عليه السلام) : (أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ) بالكذب

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وهي مرسلة . راجع الاحتجاج 2 : 256 / 228 .

(2) راجع مجمع البيان 7 : 85 .

(3) المنجد : 286 مادّة راد .

ــ[614]ــ

فقد ذكروا في الجواب عنه وجوهاً : أظهرها أنّ المؤذّن لم يقل : أيّتها العير إنّكم لسرقتم صواع الملك ، بل قال : إنّكم لسارقون . ولعلّ مراده أنّكم سرقتم يوسف من أبيه ، ألا ترى أنّهم لمّا سألوا : ماذا تفقدون ؟ قالوا لهم : نفقد صواع الملك ، ولم يقولوا  : سرقتم ذلك .

ويؤيّده ما في خبر الاحتجاج المتقدّم عن الصادق (عليه السلام) من قوله : «  إنّهم سرقوا يوسف من أبيه ، ألا ترى » إلخ .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net