اللهو وأدلّة حرمته في الجملة 

الكتاب : مصباح الفقاهة في المعاملات - المكاسب المحرمة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 3933


حرمة اللهو في الجملة

قوله : العشرون : اللهو حرام(1).

أقول : لا خلاف بين المسلمين قاطبة في حرمة اللهو في الجملة ، بل هي من ضروريات الإسلام ، وإنّما الكلام في حرمته على وجه الإطلاق . فظاهر جملة من الأصحاب ، بل صريح بعضهم وظاهر بعض العامّة أنّ اللهو حرام مطلقاً ، فعن المحقّق في المعتبر : قال علماؤنا : اللاهي بسفره كالمتنزّه بصيده بطراً لا يترخّص ... لنا أنّ اللهو حرام ، فالسفر له معصية(2).

وقال العلاّمة : حرّم الحلبي الرمي عن قوس الجلاهق ، والإطلاق ليس بجيّد بل ينبغي التقييد بطلب اللهو والبطر(3).

وفي كلمات غير واحد من الأصحاب : أنّ من سفر المعصية طلب الصيد للهو والبطر .

وفي الرياض قد استدلّ على حرمة المسابقة في غير الموارد المنصوصة بما دلّ على حرمة مطلق اللهو(4).

وعن المالكية : إن كان الغرض من المسابقة المغالبة والتلهّي فيكون

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 2 : 41 .

(2) المعتبر 2 : 471 .

(3) راجع المختلف 5 : 49 (نقل بتفاوت يسير) .

(4) الرياض 9 : 408 .

 
 

ــ[641]ــ

حراماً(1).

وقد استظهر المصنّف من الأخبار الكثيرة حرمة اللهو على وجه الإطلاق ، ثمّ قال : ولكن الإشكال في معنى اللهو ، فإن اُريد به مطلق اللهو ـ كما يظهر من الصحاح والقاموس ـ فالظاهر أنّ القول بحرمته شاذّ مخالف للمشهور والسيرة ، فإنّ اللعب هي الحركة لا لغرض عقلائي ، ولا خلاف ظاهراً في عدم حرمته على الإطلاق ، نعم لو خصّ اللهو بما يكون من بطر وفسّر بشدّة الفرح كان الأقوى تحريمه .

ولكن الأخبار لا دلالة لها على حرمة اللهو على وجه الإطلاق ، فإنّها على أربع طوائف :

الاُولى : هي الروايات الدالّة على وجوب الإتمام على المسافر إذا كان سفره للصيد اللهوي(2)، فقد يقال : إنّ هذه الطائفة تدلّ بالالتزام على حرمة اللهو أيضاً إذ لا نعرف وجهاً لإتمام الصلاة هنا إلاّ كون السفر معصية للصيد اللهوي .

ولكنّه ضعيف ، إذ غاية ما يستفاد من هذه الأخبار أنّ السفر للصيد اللهوي لا يوجب القصر ، فلا دلالة فيها على كون السفر معصية ، إذ لا ملازمة بين وجوب الإتمام في السفر وبين كونه معصية ، بل هو أعمّ من ذلك . وإلى هذا ذهب المحقّق البغدادي (رحمه الله)(3).

الثانية : ما دلّ على أنّ اللهو من الكبائر ، كما في حديث شرائع الدين عن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع الفقه على المذاهب الأربعة 2 : 50 .

(2) راجع الوافي 7 : 173 / ب19 (من كان سفره باطلا) والوسائل 8 : 478 / أبواب صلاة المسافر ب9 ، والتهذيب 3 : 217 / 537 وما بعده ، والمستدرك 6 : 532 / أبواب صلاة المسافر ب7 .

(3) حكاه عنه في الجواهر 14 : 263 .

ــ[642]ــ

الأعمش(1) قال المصنّف : حيث عدّ في الكبائر الاشتغال بالملاهي التي تصدّ عن ذكر الله ، كالغناء وضرب الأوتار ، فإنّ الملاهي جمع الملهى مصدراً أو الملهي وصفاً لا الملهاة آلة ، لأنّه لا يناسب التمثيل بالغناء .

ولكن يرد عليه أولا : أنّ هذه الرواية ضعيفة السند .

وثانياً : لا دلالة فيها على حرمة اللهو المطلق ، بل الظاهر منها أنّ الحرام هو اللهو الذي يصدّ عن ذكر الله ، كالغناء وضرب الأوتار ونحوهما .

وثالثاً : أنّ الظاهر من اللغة أنّ الملاهي اسم الآلات ، فالأمر يدور بين رفع اليد عن ظهوره وحملها على الفعل ، وبين رفع اليد عن ظهور الغناء وحمله على الغناء في آلة اللهو ، ولا وجه لترجيح أحدهما على الآخر ، فتكون الرواية مجملة . بل ربما يرجّح رفع اليد عن ظهور الغناء ، كما يدلّ عليه عطف ضرب الأوتار على الغناء .

ثمّ إنّ رواية الأعمش لم يذكر فيها إلاّ عدّ الملاهي التي تصدّ عن ذكر الله من الكبائر . وأمّا زيادة كلمة (الاشتغال) قبل كلمة الملاهي فهي من سهو قلم المصنّف (رحمه الله) ، ولو كانت النسخة كما ذكره لما كان له حمل الملاهي على نفس الفعل ، فإنّ الاشتغال بالملاهي من أظهر مصاديق الغناء(2) .

الثالثة : الأخبار المستفيضة بل المتواترة الدالّة على حرمة استعمال الملاهي والمعازف ، وفي رواية العيون عدّ الاشتغال بها من الكبائر(3). وفي رواية عنبسة :

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وهي ضعيفة ببكر بن عبدالله بن حبيب . ومجهولة بأحمد بن يحيى بن زكريا القطّان ، وغيره من رجال السند . راجع الوسائل 15 : 331 / أبواب جهاد النفس ب46 ح36 .

(2) ] ولعلّ المراد : فإنّ الاشتغال بالملاهي يمكن أن يكون الاشتغال بآلة اللهو ، ومن أظهر مصاديقه الغناء في آلة اللهو [ .

(3) وهي ضعيفة كما تقدّم في ص377 . راجع المصدر المزبور من الوسائل ح33 .

ــ[643]ــ

«  استماع اللهو والغناء ينبت النفاق كما ينبت الماء الزرع » . وقد تقدّمت الإشارة إلى جملة منها ، وإلى مصادرها في مبحث حرمة الغناء(1).

وفيه : أنّ هذه الروايات إنّما تدلّ على حرمة قسم خاصّ من اللهو ، أعني الاشتغال بالملاهي والمعازف واستعمالها ، ولا نزاع في ذلك ، بل حرمة هذا القسم من ضروريات الدين ، بحيث يعدّ منكرها خارجاً عن زمرة المسلمين ، وإنّما الكلام في حرمة اللهو على وجه الإطلاق ، وواضح أنّ هذه الأخبار لا تدلّ على ذلك .

الرابعة : الأخبار الظاهرة ظهوراً بدويّاً في حرمة اللهو مطلقاً ، كقوله (عليه السلام) في خبر العيّاشي : « كل ما ألهى عن ذكر الله فهو من الميسر » وفي بعض روايات المسابقة : « كلّ لهو المؤمن باطل إلاّ في ثلاث »(2) وفي رواية أبي عباد : إنّ السماع في حيّز الباطل واللهو ، وسنذكرها . وفي رواية عبدالأعلى(3) في ردّ من زعم أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) رخّص في أن يقال : جئناكم إلخ : « كذبوا ، إنّ الله يقول : (لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاَتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا) إلخ . وفي جملة من روايات الغناء أيضاً ما يدلّ على أنّ اللهو من الباطل ، فإذا ضممنا ذلك إلى ما يظهر من الأدلّة من حرمة الباطل ، كجملة من الروايات الدالّة على حرمة الغناء(4) كانت النتيجة حرمة اللهو مطلقاً .

ويرد عليه : أنّ الضرورة دلّت على جواز اللهو في الجملة ، وكونه من الاُمور المباحة ، كاللعب بالسبحة أو اللحية أو الحبل أو الأحجار ونحوها ، فلا يمكن العمل

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص473 .

(2) قد تقدّما في ص566 ، 567 ] وقد نقل الأول عن أمالي الطوسي ، وأمّا خبر العياشي فغيره ، راجع الوسائل 17 : 167 / أبواب ما يكتسب به 35 ح11 [ .

(3) قد تقدّم في ص482 ، الهامش رقم (2) .

(4) قد أشرنا إلى مصادرها في ص473 .

ــ[644]ــ

بإطلاق هذه الروايات على تقدير صحّتها ، وقد أشرنا إليه في مبحث حرمة القمار(1)وعليه فلابدّ من حملها على قسم خاصّ من اللهو ـ أعني الغناء ونحوه ـ كما هو الظاهر ، أو حملها على وصول الاشتغال بالاُمور اللاهية إلى مرتبة يصدّ فاعله عن ذكر الله ، فإنّه حينئذ يكون من المحرّمات الإلهية .

والحاصل : أنّه لا دليل على حرمة اللهو على وجه الإطلاق .

وممّا ذكرناه ظهر أيضاً أنّا لا نعرف وجهاً صحيحاً لما ذكره المصنّف (رحمه الله) من تقوية حرمة الفرح الشديد .

اللعب واللغو

قوله : واعلم أنّ هنا عنوانين .

أقول : قد فرّق جمع من أهل الفروق بين اللهو واللعب ، ولا يهمّنا التعرّض لذلك ، وإنّما المهم هو التعرّض لحكمهما ، وقد عرفت أنّه لا دليل على حرمة مطلق اللهو ، وأمّا اللعب فإن كان متّحداً في المفهوم مع اللهو فحكمه هو ذلك ، وإن كانا مختلفين مفهوماً فلابدّ من ملاحظة الأدلّة الشرعية ، فإن كان فيها ما يدلّ على حرمة اللعب اُخذ به ، وإلاّ فيرجع إلى الاُصول العملية .

وأمّا اللغو فذكر المصنّف (رحمه الله) أنّه إن اُريد به ما يرادف اللهو كما يظهر من بعض الأخبار(2) كان في حكمه ، وإن اُريد به مطلق الحركات اللاغية فالأقوى فيها

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص566 ، 567 .

(2) ففي الوسائل 17 : 308 / أبواب ما يكتسب به ب99 ح19 في رواية محمّد بن أبي عبّاد وكان مشتهراً بالسماع ويشرب النبيذ قال : « سألت الرضا (عليه السلام) عن السماع ؟ فقال : لأهل الحجاز فيه رأي ، وهو في حيّز الباطل واللهو ، أما سمعت الله يقول : (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً) وهي ضعيفة بابن أبي عبّاد وغيره .

ويقرب من ذلك ما في الوسائل 17 : 316 / أبواب ما يكتسب به ب101 ح2 عن أبي أيّوب الخزاز . وهو ضعيف بسهل .

ــ[645]ــ

الكراهة .

أقول : لا دليل على حرمة مطلق اللغو ، سواء قلنا بكونه مرادفاً للهو والباطل كما هو الظاهر من أهل اللغة(1) أم لا ، لما عرفت من عدم الدليل على حرمة اللهو على وجه الإطلاق . وأمّا ما ذكره من ظهور الروايات في مرادفة اللغو مع اللهو ففيه  : أنّ الروايات المذكورة ناظرة إلى اتّحاد قسم خاص من اللغو مع قسم خاص من اللهو ، وهو القسم المحرّم ، فلا دلالة فيها على اتّحاد مفهومهما مطلقاً . على أنّها ضعيفة السند .

وقد يقال بحرمة اللغو على وجه الإطلاق ، لرواية الكابلي(2) فإنّ الإمام (عليه السلام) جعل فيها اللغو المضحك من جملة الذنوب التي تهتك العصم .

وفيه أولا : أنّها ضعيفة السند ، ومجهولة الرواة . وثانياً : أنّ موضوع التحريم فيها هو اللغو الذي يكون موجباً لهتك عصم الناس وأعراضهم ، من الاستهزاء

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع مجمع البحرين 1 : 375 ، لسان العرب 15 : 250 مادّة لغا .

(2) في الوسائل 16 : 281 / أبواب الأمر والنهي ب41 ح8 عن زين العابدين (عليه السلام) «  والذنوب التي تهتك العصم شرب الخمر ، واللعب بالقمار ، وتعاطي ما يضحك الناس من اللغو والمزاح » وهي مجهولة بأحمد بن الحسن القطّان وأحمد بن يحيى ، وضعيفة ببكر بن عبدالله بن حبيب .

ــ[646]ــ

والسخرية والتعيير والهجاء ونحوها من العناوين المحرّمة . على أنّه لا دليل على حرمة إضحاك الناس وإدخال السرور في قلوبهم بالاُمور المباحة والجهات السائغة بل هو من المستحبّات الشرعية والأخلاق المرضية ، فضلا عن كونه موجباً لهتك العصم ، وإثارة للعداوة والبغضاء .

وقد ذكر ابن أبي الحديد في مقدّمة شرح النهج في علي بن أبي طالب (عليه السلام) : وأمّا سجاحة الأخلاق وبشر الوجه وطلاقة المحيّا والتبسّم فهو المضروب به المثل فيه ، حتّى عابه بذلك أعداؤه(1). وكان الأصل في هذا التعييب عمر بن الخطاب وعمرو بن العاص .

وقد ظهر ممّا ذكرناه أنّه لا يمكن الاستدلال على حرمة اللغو مطلقاً بوصية النبي (صلّى الله عليه وآله) لأبي ذرّ(2).

ثمّ إنّ رواية الكابلي عدّت شرب الخمر واللعب بالقمار من جملة الذنوب التي تهتك العصم . أمّا الأول فلأنّه يجرّ إلى التعرّض لأعراض الناس ، بل نفوسهم ، فإنّ شارب الخمر في حال سكره كالمجنون الذي لا يبالي في أفعاله وحركاته . وأمّا اللعب بالقمار فلأنّه يورث العداوة بين الناس ، حيث تؤخذ به أموالهم بغير عوض واستحقاق . وقد اُشير إلى كلا الأمرين في الآية(3).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) شرح نهج البلاغة 1 : 25 .

(2) « ياأبا ذرّ وأنّ الرجل يتكلّم بالكلمة في المجلس ليضحكهم بها فيهوي في جهنّم ما بين السماء والأرض » وهي ضعيفة ، لما تقدّم في ص592 . راجع الوافي 26 : 198 .

(3) (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ) إلخ . وقد تقدّمت في ص564 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net