تنبيهات \ 1 ـ حكم الإضرار بالناس مع الإكراه 

الكتاب : مصباح الفقاهة في المعاملات - المكاسب المحرمة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 3854


حكم الإضرار بالناس مع الإكراه

قوله : وينبغي التنبيه على اُمور : الأول .

أقول : قد عرفت أنّه لا شبهة في أنّ الإكراه يسوّغ الدخول في الولاية من قبل الجائر ، وكذلك لا شبهة في جواز العمل للمكرَه بما يأمره الجائر من المحرّمات ما عدا هراقة الدم ، فإنّ التقيّة إنّما شرعت لتحقن بها الدماء ، فإذا بلغت الدم فلا تقيّة فيه . وإنّما الإشكال في أنّه هل يجوز الإضرار بالناس إذا اُكره على الإضرار بهم  ، كنهب أموالهم ، وهتك أعراضهم ، وإيقاع النقص في شؤونهم وعظائم اُمورهم  ، سواء كان الضرر الذي توعد به المكرَه أقلّ من الضرر الذي يوجّهه إلى الغير أم أكثر ، أو لابدّ من الإقدام على أقل الضررين وترجيحه على الآخر .

ذكر المصنّف (رحمه الله) أنّه قد يقال بالأول ، استناداً إلى أدلّة الإكراه ، ولأنّ الضرورات تبيح المحظورات ، وقد يقال بالثاني : إذ المستفاد من أدلّة الإكراه أنّ تشريع ذلك إنّما هو لدفع الضرر ، وواضح أنّه لا يجوز لأحد أن يدفع الضرر عن نفسه بالإضرار بغيره حتّى فيما إذا كان ضرر الغير أقل ، فضلا عمّا إذا كان أعظم .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) النحل 16 : 106 .

(2) في ص615 .

(3) راجع الكافي 5 : 109 / باب شرط من اُذن له في أعمالهم ، والتهذيب 6 : 335 / 928 وغيره ، والوافي 17 : 157 / 10 وغيره ، والوسائل 17 : 201 / أبواب ما يكتسب به ب48 .

ــ[675]ــ

والوجه في ذلك : أنّ حديث رفع الإكراه والاضطرار مسوق للامتنان على الاُمّة ، ومن المعلوم أنّ دفع الضرر عن نفسه بالإضرار بغيره على خلاف الامتنان فلا يكون مشمولا للحديث ، ثم إنّه (رحمه الله) اختار الوجه الأول ، واستدلّ عليه بوجوه سنذكرها .

وتحقيق المقام يقع في ثلاث نواح :

الناحية الاُولى : أن يتوجّه الضرر ابتداءً إلى أحد من غير أن يكون لفعل الآخر مدخل فيه ، كتوجّه السيل إلى داره أو بستانه ، وكتوجّه الظلمة أو السرّاق إلى نهب أمواله أو هتك أعراضه . ولا شبهة في أنّ هذا القسم من الضرر لا يجوز دفعه بالإضرار بغيره تمسّكاً بأدلّة نفي الإكراه والضرر والحرج ، بداهة أنّها مسوقة للامتنان على جنس الاُمّة ، وبديهي أنّ دفع الضرر المتوجّه إلى أحد بالإضرار بغيره خلاف الامتنان على الاُمّة ، فلا يكون مشمولا للأدلّة المذكورة .

على أنّه لو جاز لأحد أن يدفع الضرر عن نفسه ولو بالإضرار بالغير لجاز للآخر ذلك أيضاً ، لشمول الأدلّة لهما معاً ، فيقع التعارض في مضمونها ، وحينئذ فالتمسّك بها لدفع الضرر عن أحد الطرفين بالإضرار بالآخر ترجيح بلا مرجّح وعليه فلابدّ من رفع اليد عن إطلاقها في مورد الاجتماع ، ويرجع فيه إلى أدلّة حرمة التصرّف في أموال الناس وأعراضهم وشؤونهم .

نعم إذا كان الضرر المتوجّه إلى الشخص ممّا يجب دفعه على كل أحد ، كقتل النفس المحترمة وما يشبهه ، وأمكن دفعه بالإضرار بالغير ، كان المقام حينئذ من صغريات باب التزاحم ، فيرجع إلى قواعده .

الناحية الثانية : أن يتوجّه الضرر ابتداءً إلى الغير ، على عكس الصورة السابقة . وقد ظهر حكم ذلك من الناحية الاُولى كما هو واضح .

الناحية الثالثة : أن يتوجّه الضرر إلى الغير ابتداءً ، وإلى المكرَه على تقدير

ــ[676]ــ

مخالفته لما أمر به الجائر ، وكان الضرر الذي توعّده المكرِه ـ بالكسر ـ أمراً مباحاً في نفسه ، كما إذا أكرهه الظالم على نهب مال غيره وجلبه إليه ، وإلاّ فيحمل أموال نفسه إليه . وفي هذه الصورة لابدّ للمكرَه من تحمّل الضرر بترك النهب ، ومن الواضح أنّ دفع المكرَه أمواله للجائر مباح في نفسه حتّى في غير حال الإكراه ، ونهب أموال الناس وجلبه إلى الجائر حرام في نفسه ، ولا يجوز رفع اليد عن المباح بالإقدام على الحرام .

وقد استدلّ المصنّف (رحمه الله) على عدم وجوب تحمّل الضرر بوجوه :

الأول : أنّ دليل نفي الإكراه يعمّ جميع المحرّمات حتّى الإضرار بالغير ما لم يجر إلى إراقة الدم .

الثاني : أنّ تحمّل الضرر حرج عظيم ، وهو مرفوع في الشريعة المقدّسة . وجواب الوجهين يتّضح ممّا قدّمناه في الجهة الاُولى .

الثالث : الأخبار الدالّة على أنّ التقيّة إنما جعلت لتحقن بها الدماء ، فإذا بلغت الدم فلا تقيّة(1)، فإنّ ظاهرها جواز التقيّة في غير الدماء بلغت ما بلغت .

وفيه : أنّ الظاهر من هذه الأخبار أنّ التقيّة إنّما شرعت لحفظ بعض الجهات

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « إنّما جعلت التقيّة ليحقن بها الدم ، فإذا بلغ الدم فليس تقيّة » وهي صحيحة .

وعن الثمالي قال « قال أبو عبدالله (عليه السلام) : إنّما جعلت التقية ليحقن بها الدم ، فإذا بلغت التقيّة الدم فلا تقيّة » وهي موثّقة بابن فضّال .

راجع الوافي 5 : 695 / 23 ، والكافي 2 : 220 / 16 ، والوسائل 16 : 234 / أبواب الأمر والنهي ب31 ح1 ، 2 ، والبحار 72 : 399 / 36 ، 61 ، 79 ، 80 ، 96 .

وفي المستدرك 12 : 274 / كتاب الأمر بالمعروف ب29 ح1 عن الصدوق في الهداية ]  :  52  [ مرسلا : « والتقيّة في كل شيء حتّى يبلغ الدم ، فإذا بلغ الدم فلا تقيّة » .

ــ[677]ــ

المهمّة ، كالنفوس وما أشبهها ، فإذا أدّت إلى إتلاف ما شرعت لأجله فلا تقية ، لأنّ ما يلزم من وجوده عدمه فهو محال ، وليس مفاد الروايات المذكورة هو جواز التقية في غير تلف النفس لكي يترتّب عليه جواز إضرار الغير لدفع الضرر عن نفسه . والغرض من تشريع التقية قد يكون حفظ النفس ، وقد يكون حفظ العرض  ، وقد يكون حفظ المال ونحوه ، وحينئذ فلا يشرع بها هتك الأعراض ونهب الأموال لانتهاء آمادها بالوصول إلى هذه المراتب . وبعبارة اُخرى : المستفاد من الروايات المذكورة أنّ الغرض من التقية هو حفظ الدماء ، وإن توقّف ذلك على ارتكاب بعض المعاصي ، ما لم يصل إلى مرتبة قتل النفس .

على أنّه لو جازت التقيّة بنهب مال الغير وجلبه إلى الظالم لدفع الضرر عن نفسه لجاز للآخر ذلك أيضاً ، لشمول أدلّة التقيّة لهما معاً ، فيقع التعارض في مضمونها وحينئذ فلا يجوز الاستناد إليها في دفع الضرر عن أحد الطرفين بإيقاع النقص بالطرف الآخر ، لأنّه ترجيح بلا مرجّح ، وعليه فنرفع اليد عن إطلاقها في مورد الاجتماع ، ويرجع فيه إلى عموم حرمة التصرّف في مال الغير وشؤونه .

الرابع : ما ذكره من الفرق بين الإكراه والاضطرار ، حيث التزم بحرمة دفع الضرر عن نفسه بالإضرار بغيره في مورد الاضطرار ، دون الإكراه . وحاصل كلامه  : أنّ الضرر في موارد الاضطرار قد توجّه ابتداءً إلى الشخص نفسه ـ كما إذا توجّه السيل إلى داره ـ فلا يجوز له دفعه بالإضرار بغيره ، لأنّ دفع الضرر عن النفس بالإضرار بالغير قبيح . ولا يصحّ التمسّك بعموم رفع ما اضطرّوا إليه ، فإنّ حديث الرفع قد ورد في مورد الامتنان ، ولا شبهة أنّ صرف الضرر عن نفسه إلى غيره مناف له ، فيختصّ الحديث بغير الإضرار بالغير من المحرّمات .

وأمّا في موارد الإكراه فإنّ الضرر قد توجّه إلى الغير ابتداءً بحسب إلزام الظالم وإكراهه ، ومن المعلوم أنّ مباشرة المكرَه ـ بالفتح ـ لإيقاع الضرر بالغير ليست مباشرة استقلالية ليترتّب عليها الضمان كما يترتّب على بقية الأفعال التوليدية

ــ[678]ــ

بل هي مباشرة تبعية ، وفاعلها بمنزلة الآلة ، فلا ينسب إليه الضرر ، نعم لو تحمّل الضرر ولم يضرّ بالغير فقد صرف الضرر عن الغير إلى نفسه عرفاً ، ولكنّ الشارع لم يوجب هذا .

ولكن ما أفاده المصنّف غير تام صغرى وكبرى ، أمّا عدم صحّة الصغرى فلأنّ الضرر في كلا الموردين إنّما توجّه إلى الشخص نفسه ابتداءً ، فإنّ الإكراه لا يسلب الاختيار عن المكرَه ليكون بمنزلة الآلة المحضة ، بل الفعل يصدر منه بإرادته واختياره ، ويكون فعله كالجزء الأخير من العلّة التامّة لنهب مال الغير مثلا ، حتّى أنّه لو لم يأخذه ولم يجلبه إلى الظالم لكان المال مصوناً ، وإن توجّه الضرر حينئذ إلى نفسه . فمباشرته للإضرار بالغير لدفع الضرر المتوعّد به عن نفسه مباشرة اختيارية فتترتّب عليها الأحكام الوضعية والتكليفية .

وبعبارة اُخرى : أنّ مرجع الإكراه إلى تخيير المكرَه بين نهب مال الغير وبين تحمّل الضرر في نفسه على فرض المخالفة ، وحيث كان الأوّل حراماً وضعاً وتكليفاً فتعيّن عليه الثاني . نعم لو كان الضرر متوجّهاً إلى الغير ابتداءً ، ولم يكن له مساس بالواسطة أصلا ، فلا يجب عليه دفعه عن الغير بإضرار نفسه . ومن هنا ظهر الجواب عمّا ذكره المصنّف أخيراً من أنّ الفارق بين المقامين هو أدلّة الحرج .

وأمّا عدم صحّة الكبرى فلأنّه لا وجه للمنع عن وجوب دفع الضرر عن الغير بإيقاعه بنفسه ، بل قد يجب ذلك فيما إذا أوعده الظالم بأمر مباح في نفسه وكان ما أكرهه عليه من إضرار الغير حراماً ، فإنّه حينئذ يجب دفع الضرر عن غيره بالإضرار بنفسه كما عرفته آنفاً ، لأنّه بعد سقوط أدلّة نفي الضرر والإكراه والحرج فأدلّة حرمة التصرّف في مال الغير بدون إذنه محكمة .

الخامس : ما أفاده المصنّف أيضاً من أنّ أدلّة نفي الحرج كافية في الفرق بين المقامين ، فإنّ الضرر إذا توجّه إلى المكلّف ابتداءً ، ولم يرخّص الشارع في دفعه عن نفسه بتوجيهه إلى غيره فإنّ هذا الحكم لا يكون حرجيّاً ، أمّا إذا توجّه الضرر إلى

ــ[679]ــ

الغير ابتداءً فإنّ إلزام الشارع بتحمّل الضرر لدفعه عن الغير حرجي قطعاً ، فيرتفع بأدلّة نفي الحرج .

وفيه : أنّه ظهر جوابه ممّا ذكرناه من المناقشة في الصغرى ، ووجه الظهور هو عدم الفارق بين توجّه الضرر إلى الغير ابتداءً وعدمه .

الناحية الرابعة : أن يتوجّه الضرر ابتداءً إلى الغير ، وإلى المكرَه على تقدير مخالفته حكم الظالم ، كما إذا أكرهه على أن يلجئ شخصاً آخر إلى فعل محرّم كالزنا وإلاّ أجبره على ارتكابه بنفسه ، وحينئذ فلا موضع لأدلّة نفي الإكراه والاضطرار والحرج والضرر ، بداهة أنّ الإضرار بأحد الطرفين ممّا لابدّ منه جزماً ، فدفعه عن أحدهما بالإضرار بالآخر ترجيح بلا مرجّح . إذن فتقع المزاحمة ، ويرجع إلى قواعد باب التزاحم .

الناحية الخامسة : أن يتوجّه الضرر إلى أحد شخصين ابتداءً ، وإلى المكرَه على فرض مخالفته الظالم ، ولكن فيما إذا كان الضرر المتوعّد به أعظم ممّا يترتّب على غيره ، كما إذا أكرهه على أن يأخذ له ألف دينار إمّا من زيد وإمّا من عمرو ، وإلاّ أجبره على إراقة دم محترم مثلا . وفي هذه الصورة يجب على المكرَه أن يدفع الضرر عن نفسه بالإضرار بأحد الشخصين ، فإنّ حفظ النفس المحترمة واجب على كل أحد ، ويدور الأمر بين الإضرار بأحد الشخصين ، ويرجع في ذلك إلى قواعد باب التزاحم .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net