2 ـ قبول الولاية لدفع الضرر عن الغير 

الكتاب : مصباح الفقاهة في المعاملات - المكاسب المحرمة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1681


جواز قبول الولاية من الجائر لدفع الضرر عن الغير

قوله : الثاني : أنّ الإكراه يتحقّق بالتوعّد بالضرر .

أقول : الكراهة في اللغة(1) هي ضدّ الحبّ ، والإكراه هو حمل الرجل على ما

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المصباح المنير : 532 ، المنجد : 682 مادّة كره .

ــ[680]ــ

يكرهه ، وهذا المعنى يتحقّق بحمل الشخص على كل ما يكرهه بحيث يترتّب على تركه ضرر عليه ، أو على عشيرته ، أو على الأجانب من المؤمنين ، وإذا انتفى التوعّد بما يكرهه انتفى الإكراه ، وعليه فلا نعرف وجهاً صحيحاً لما ذكره المصنّف من تخصيص الإكراه ببعض ما ذكرناه ، قال : إنّ الإكراه يتحقّق بالتوعّد بالضرر على ترك المكرَه عليه ضرراً متعلّقاً بنفسه ، أو ماله ، أو عرضه ، أو بأهله ممّن يكون ضرره راجعاً إلى تضرّره وتألمّه . وأمّا إذا لم يترتّب على ترك المكرَه عليه إلاّ الضرر على بعض المؤمنين ممّن يعدّ أجنبياً من المكرَه ـ بالفتح ـ فالظاهر أنّه لا يعدّ ذلك إكراهاً عرفاً ، إذ لا خوف له يحمله على فعل ما اُمر به .

نعم يختلف موضوع الكراهة باختلاف الأشخاص والحالات ، فإنّ بعض الأشخاص يكره مخالفة أي حكم من الأحكام الإلهية في جميع الحالات ، وبعضهم يكره ذلك في الجهر دون الخفاء ، وبعضهم يكره مخالفة التكاليف المحرّمة دون الواجبات ، وبعضهم بالعكس ، وبعضهم لا يكره شيئاً من مخالفة التكاليف حتّى قتل النفوس فضلا عن غيره .

ثمّ إنّ الفارق بين الأمرين أنّ الضرر المتوعّد به متوجّه إلى المكرَه ـ بالفتح ـ في الأول ، وإلى غيره من الأجانب في الثاني ، الذي أنكر المصنّف (رحمه الله) تحقّق مفهوم الإكراه فيه .

وتحقيق الكلام هنا في جهات ثلاث ، كلّها مشتركة في عدم ترتّب الضرر على المكرَه لو ترك ما اُكره عليه ، ولايةً أم غيرها .

الجهة الاُولى : أن يخشى من توجّه الضرر إلى بعض المؤمنين ، ويتوقّف دفعه على قبول الولاية من الجائرين ، والدخول في أعمالهم ، والحشر في زمرتهم للتقيّة فقط ، من دون أن يكون هناك إكراه على قبول الولاية ، ولا ضرر يتوجّه إليه لو لم يقبلها ، ومن دون أن يتوقّف دفع الضرر عن المؤمنين على ارتكاب أمر محرّم .

 
 

ــ[681]ــ

والظاهر أنّه لا شبهة في جواز الولاية عن الجائر حينئذ تقية ، فإنّ التقيّة شرعت لحفظ المؤمنين عن المهالك والمضرّات ، بل تعدّ التقيّة في مواردها من جملة العبادات التي يترتّب عليها الثواب ، ولا ريب أنّ تلك الغاية حاصلة في المقام . وممّا يدلّ على جواز الولاية هنا لأجل التقيّة الروايات الكثيرة(1) الآمرة بالتقيّة صوناً لنفوس المؤمنين وأعراضهم وأموالهم عن التلف ، بل ورد في عدّة من الروايات(2)جواز التقيّة بالتبرّي عن الأئمّة (عليهم السلام) لساناً إذا كان القلب مطمئناً بالإيمان . وممّا يدلّ على ذلك أيضاً تجويز الأئمّة (عليهم السلام) في جملة من الأحاديث(3) لعلي ابن يقطين وغيره أن يتقبلوا الولاية عن الجائر تقيّة لإصلاح اُمور المؤمنين ودفع الضرر عنهم .

ويضاف إلى ذلك كلّه أنّ ظاهر غير واحدة من الروايات مشروعية التقيّة لمطلق التوادد والتحبّب وإن لم يترتّب عليها دفع الضرر عن نفسه أو عن غيره فيدلّ بطريق الأولوية على جواز الولاية عن الجائر تقيّة لدفع الضرر عن المؤمنين .

قوله : لكن لا يخفى أنّه لا يباح بهذا النحو من التقيّة الإضرار بالغير .

أقول : الوجه فيه هو ما تقدّم آنفاً من كون الأدلّة الواردة في نفي الإكراه وشبهه واردة في مقام الامتنان على الاُمّة بعمومها ، فلا يصحّ التمسّك بها لدفع الضرر عن أحد بتوجيه الضرر إلى غيره ، لأنّ ذلك على خلاف الامتنان في حقّ ذلك الغير  . وليس الوجه فيه هو ما ذكره المصنّف من عدم تحقّق الإكراه إذا لم يتوجّه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قد تقدّمت الإشارة إلى مصادرها في ص666 وما بعدها .

(2) راجع الوسائل 16 : 225 / أبواب الأمر والنهي ب29 .

(3) قد تقدّمت الإشارة إليها وإلى مصادرها في ص666 وما بعدها .

ــ[682]ــ

الضرر على المكرَه ، فقد عرفت أنّ مفهوم الإكراه أوسع من ذلك .

الجهة الثانية : أن يكون قبول الولاية من الجائر عاصماً عن توجّه الضرر إلى المؤمنين ، وسبباً لنجاح المكروبين منهم ، من دون أن يلحق المكرَه ضرر لو لم يقبلها . ومثاله ما لو أكره الجائر على قبول الولاية من قبله ، وأوعده على تركها بإضرار المؤمنين وهتكهم والتنكيل بهم وما أشبه ذلك ، ولا شبهة هنا أيضاً في جواز الولاية عن الجائر لدفع الضرر عن المؤمنين .

وتدلّ على ذلك الروايات المتقدّمة الدالّة على جواز الولاية عن الجائر لإصلاح اُمور المؤمنين ، بل دلالتها على الجواز هنا أولى من وجهين ، الأول : وجود الإكراه . والثاني : القطع بتوجّه الضرر على المؤمنين مع ردّ الولاية .

الجهة الثالثة : أن يكره الظالم أحداً على ارتكاب شيء من المحرّمات الإلهية سواء كانت هي الولاية أم غيرها ، من غير أن يترتّب عليه في تركها ضرر أصلا ولكن الظالم أوعده على ترك ذلك العمل بإجبار غيره على معصية من حرمات الله . ومرجع ذلك في الحقيقة إلى دوران الأمر بين إقدام المكرَه ـ بالفتح ـ على معصية لا يتضرّر بتركها ، وبين إقدام شخص آخر عليها . ومثاله ما إذا أكرهه الجائر على شرب الخمر ، وإلاّ أكره غيره عليه .

والظاهر أنّه لا ريب في حرمة ارتكاب المعصية في هذه الصورة ، فإنّه لا مجوّز للإقدام عليها من الأدلّة العقلية والنقلية ، إلاّ أن يترتّب على ارتكاب المعصية حفظ ما هو أهمّ منها ، كصيانة النفس عن التلف وما أشبه ذلك ، وحينئذ يكون المقام من صغريات باب التزاحم ، فتجري فيه قواعده .

قوله : وكيف كان فهنا عنوانان : الإكراه ودفع الضرر المخوف إلخ .

أقول : توضيح كلامه : أنّ الشارع المقدّس قد جعل الإكراه موضوعاً لرفع

ــ[683]ــ

كل محرّم عدا إتلاف النفوس المحترمة كما تقدّم ، بخلاف دفع الضرر المخوف على نفسه أو على غيره من المؤمنين ، فإنّه من صغريات باب التزاحم ، ولكنّك قد عرفت أنّ دليل الإكراه لا يسوغ دفع الضرر عن النفس بالإضرار بغيره ، وعليه فكلا العنوانين من صغريات باب التزاحم . وعلى كل حال فتجوز الولاية عن الجائر في كلا المقامين لدفع الضرر عن نفسه وعن سائر المؤمنين .

وأمّا إحراز ملاكات الأحكام وكشف أهمية بعضها من بعض فيحتاج إلى الإطّلاع على أبواب الفقه ، والإحاطة بفروعه وأدلّته ، وقد تعرّض الفقهاء (رضوان الله عليهم) لعدّة من فروع المزاحمة في الموارد المناسبة ، ولا يناسب المقام ذكره .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net