3 ـ اعتبار العجز عن التفصّي في الإكراه 

الكتاب : مصباح الفقاهة في المعاملات - المكاسب المحرمة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1656


حكم اعتبار العجز عن التفصّي في الإكراه

قوله : الثالث : أنّه قد ذكر بعض مشايخنا المعاصرين إلخ .

أقول : حاصل كلامه : أنّ بعض المعاصرين استظهر من كلمات الأصحاب في اعتبار العجز عن التخلّص أنّ لهم في ذلك أقوالا ثلاثة ، ثالثها التفصيل بين الإكراه على الولاية فلا يعتبر فيه العجز عن التخلّص ، وبين غيرها من المحرّمات فيعتبر فيه ذلك . ولعلّ منشأ الخلاف ما ذكره في المسالك(1) في شرح قول المحقّق : إذا أكرهه الجائر على الولاية جاز له الدخول ، والعمل بما يأمره مع عدم القدرة على التفصّي .

وحاصل ما ذكره في المسالك : أنّه يمكن أن يكون غرض المحقّق هو تعدّد الشرط والمشروط ، بأن تكون الولاية عن الجائر بنفسها مشروطة بالإكراه فقط ويكون العمل بما يأمره الجائر بانفراده مشروطاً بعدم قدرة المأمور على التفصّي .

ويرد عليه : أنّه لا وجه لاشتراط الولاية مطلقاً بالإكراه ، فإنّ جواز قبولها لا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المسالك 3 : 139 ـ 140 .

ــ[684]ــ

يتوقّف على الإكراه إذا انفردت عن العمل بما يأمره الجائر ، ولذا قد تكون مباحة وقد تكون مستحبّة ، وقد تكون مكروهة ، وقد تكون واجبة . وأمّا العمل بما يأمر به الجائر فقد صرّح الأصحاب في كتبهم أنّه مشروط بالإكراه خاصّة ، ولا يشترط فيه الإلجاء إليه بحيث لا يقدر على خلافه .

ويمكن أن يكون المشروط في كلام المحقّق أمراً وحدانياً مركباً من أمرين : الولاية ، والعمل بما يأمره الجائر ، ويكون مشروطاً بشرطين : الإكراه ، وعدم القدرة على التفصّي .

ويرد عليه أنّه يكفي الإكراه بانفراده في امتثال أمر الجائر مع خوف الضرر حتّى في فرض التمكّن من التخلّص ، فلا وجه للشرط الثاني .

وقد تجلّى من ذلك أنّ مرجع ما ذكره في المسالك إلى ثلاثة محتملات : الأول : أنّ الولاية عن الجائر غير مشروطة بالإكراه ، وإنّما المشروط به هو العمل بما يأمره الجائر . الثاني : أنّ المجموع المركّب من الأمرين مشروط بالإكراه فقط ، دون العجز عن التخلّص بحيث لا يقدر على خلافه . الثالث : التفصيل بين الولاية وبين العمل بما يأمره الجائر ، فيقيّد الأول بالإكراه ، والثاني بالإلجاء إليه والعجز عن التخلّص . وكأنّ المتوهّم جعل كل محتمل قولا برأسه .

أقول : يرد على هذا المتوهّم أوّلا : أنّ مجرّد الاحتمال لا يستلزم وجود القائل به . وثانياً : أنّا لا نعرف وجهاً صحيحاً للقول بالتفصيل ، فإنّ الظاهر من كلمات الفقهاء (رضوان الله عليهم) في باب الإكراه أنّه لا خلاف بينهم في اعتبار العجز عن التفصّي في ترتّب أحكام الإكراه ، أمّا إذا أمكن التفصّي فلا تترتّب تلك الأحكام إلاّ إذا كان التفصّي حرجيّاً . ولم يفرّقوا في ذلك بين الولاية المحرّمة ، وبين العمل بما يأمره الجائر من الأعمال المحرّمة المترتّبة على الولاية ، وبين بقيّة المحرّمات ، فإنّ أدلّة

ــ[685]ــ

المحرّمات محكمة ، ولا نحتمل أن يجوّز أحد شرب الخمر بمجرد الإكراه حتّى مع القدرة على التخلّص .

وكذلك لا خلاف بين الفقهاء أيضاً في أنّه لا يعتبر في باب الإكراه العجز عن التفصّي إذا كان في التفصّي ضرر كثير على المكره ، كما أنّهم لم يشترطوا في ترتّب الأحكام أن يلجأ إلى المكره عليه بحيث لا يقدر على خلافه كما صرّح به في المسالك فإنّ مرجع ذلك إلى العجز العقلي ، ولم يعتبره أحد في الإكراه جزماً .

نعم قد تترتّب على المعصية التي اُكره عليها مصلحة هي أهم منها ، ولا يعتبر في هذه الصورة العجز عن التفصّي ، ومثاله ما إذا أكره الجائر أحداً على معصية وكان المجبور متمكّناً من التخلّص منها بخروجه عن المكان الذي يعصي الله فيه ، إلاّ أنّ ارتكابه لتلك المعصية مع الظالم يتيح له الدخول في أمر يترتّب عليه حفظ الإسلام ، أو النفس المحترمة ، أو ما أشبه ذلك .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net