أخذ الاُجرة على الواجبات 

الكتاب : مصباح الفقاهة في المعاملات - المكاسب المحرمة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2426


ــ[697]ــ

أخذ الاُجرة على الواجبات

قوله : الخامس ممّا يحرم التكسّب به : ما يجب على الإنسان فعله ، عيناً أو كفاية ، تعبّداً أو توصّلا على المشهور(1).

أقول : اختلفت كلمات الأصحاب في هذه المسألة على أقوال :

الأول : ما ذكره المصنّف من المنع مطلقاً .

الثاني : ما حكاه المصنّف عن المصابيح(2) عن فخر المحقّقين من التفصيل بين التعبّدي فلا يجوز ، وبين التوصّلي فيجوز .

الثالث : ما نقله المصنّف عن فخر المحقّقين في الإيضاح(3) من التفصيل بين الكفائي التوصّلي فيجوز ، وبين غيره فلا يجوز .

الرابع : ما ذكره في متاجر الرياض(4) من التفصيل بين الواجبات التي تجب على الأجير عيناً أو كفاية وجوباً ذاتياً فلا يجوز ، وبين الواجبات الكفائية التوصّلية فيجوز ، كالصناعات الواجبة كفاية لانتظام المعاش .

الخامس : ما نسب إلى السيّد المرتضى من القول بالجواز في الكفائي كتهجيز الميّت ، وهذه النسبة موهونة بما ذكره المصنّف من أنّ السيد مخالف في وجوب تجهيز الميّت على غير الولي ، لا في حرمة أخذ الاُجرة على تقدير الوجوب عليه ، فهو مخالف في الموضوع ، لا في الحكم .

السادس : التفصيل بين ما كان الغرض الأهم منه الآخرة فلا يجوز ، وبين ما

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 2 : 125 .

(2) المصابيح (مخطوط) : 59 .

(3) إيضاح الفوائد 2 : 264 .

(4) الرياض 8 : 180 .

ــ[698]ــ

كان الغرض الأهم منه الدنيا فيجوز ، وقد ذهب إليه مفتاح الكرامة(1).

السابع : ما حكاه في البلغة(2) عن جدّه في المصابيح من التفصيل بين التعبّدي منه والتوصّلي ، فمنع في الأول مطلقاً ، وفصّل في الثاني بين الكفائي منه والعيني فجوّز في الأول مطلقاً ، وفصّل في الثاني بين ما كان وجوبه للضرورة أو لحفظ النظام وغيره ، فجوّز في الأول ، ومنع في الثاني مطلقاً ، سواء كان الواجب ذاتياً أم غيرياً .

الثامن : ما يظهر من المصنّف من التفصيل بين العيني التعييني والكفائي التعبّدي فلا يجوز ، وبين الكفائي التوصّلي والتخييري فيجوز ، ويظهر منه التردّد في التخييري التعبّدي .

التاسع : ما هو المختار عندنا من جواز أخذ الاُجرة على الواجب مطلقاً .

وقد وقع الخلاف أيضاً في هذه المسألة بين فقهاء العامّة(3).

ولا يخفى أنّ غير واحد من أرباب الأقوال المذكورة قد ادّعى الإجماع على

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مفتاح الكرامة 8 : 161 .

(2) بلغة الفقيه 2 : 12 .

(3) في الفقه على المذاهب الأربعة 3 : 114 عن الحنفية : لا يصحّ الاستئجار على كل طاعة يختصّ بها المسلم ، ولكن المتأخّرين منهم جوّزوا أخذ الاُجرة على الأذان وتعليم القرآن والإمامة والوعظ . وفي ص118 عن المالكية : لا يصحّ الاستئجار على طاعة مطلوبة من الأجير طلب عين إذا لم تقبل النيابة كالصلاة وإلاّ فيصحّ ، وأمّا الأعمال المطلوبة كفاية فتجوز الإجارة عليها بلا خلاف . وفي ص122 التزموا بجواز أخذ الاُجرة على الإمامة مع الأذان  . وفي ص125 ـ 126 عن الشافعية : لا تصحّ الإجارة على الطاعات ، وقد استثنى منها الإجارة على بعض الاُمور المستحبّة ، كالإمامة والتدريس والأذان وتعليم القرآن والفقه والحديث ] فلاحظ [ . وفي ص130 عن الحنابلة : لا تصحّ الإجارة على فعل قربي كالصلاة والأذان وغيرهما ، نعم يصحّ أخذ الجعل عليها بعنوان الجعالة .

ــ[699]ــ

رأيه ، ولكنّه ليس من الإجماع التعبّدي ، فإنّ من المحتمل القريب أنّ المجمعين قد استندوا في فتياهم بالحرمة إلى غير الإجماع من الوجوه المقرّرة في المسألة .

على أنّه يصعب على الفقيه دعوى الإجماع على نحو الموجبة الكلّية ، مع ما اطّلعت عليه من الاختلافات والتفاصيل ، نعم قد نُقل الإجماع تلويحاً أو تصريحاً في بعض الموارد الجزئية ، كالقضاء والشهادة وتعليم صيغة النكاح أو إلقائها على المتعاقدين .

مقدّمة نافعة في بيان موضوع أخذ الاُجرة على الواجب

قبل التعرّض لحكم المسألة ، وبيان الحقيقة فيها نقدّم أمراً لبيان موضوعها وإجماله : أنّ موضوع البحث في المقام إنّما هو جهة العبادة وجهة الوجوب فقط ومانعيتهما عن صحّة الإجارة وعدمها ، بعد الفراغ عن سائر الجهات والحيثيات التي اعتبرها الشارع المقدّس في عقد الإجارة ، كأن لا يكون العمل المستأجر عليه ممّا اعتبرت المجّانية فيه عند الشارع .

وهذا لا يختصّ بالواجب ، بل يجري في المستحبّات أيضاً ، كاستئجار المؤذّن للأذان ، واستئجار المعلّم للتدريس ، واستئجار الفقيه للإفتاء ، واستئجار القارئ لقراءة القرآن . وقد يجري في المكروهات أيضاً ، كاستئجار فحل الضراب للطروقة  . وهذه الأمثلة مبنية على تعلّق غرض الشارع بمجانية الاُمور المذكورة وحرمة أخذ الاُجرة عليها أو كراهته .

ثم إنّ بعضهم ذكر أنّ من شرائط الإجارة أن تكون منفعة العين المستأجرة عائدة إلى المستأجر ، ورتّب عليه بطلان إجارة المكلّف لامتثال فرائضه من الصلاة والصوم والحجّ وغيرها ، وبطلان الإجارة للإتيان بالمستحبّات لنفسه ، كالنوافل اليومية والليلية ، وغير ذلك من الموارد التي يكون النفع فيها راجعاً إلى الأجير أو إلى شخص آخر غير المستأجر .

ــ[700]ــ

والوجه في ذلك : أنّ حقيقة الإجارة هي تبديل منفعة معلومة بعوض معلوم فلابدّ من وصول المنفعة إلى المستأجر ، لأنّه الدافع للعوض المعلوم ، وإلاّ انتفت حقيقة الإجارة ، إذ يعتبر في التبديل أن يقوم كل من العوض والمعوّض مكان الآخر بحيث يدخل كل منهما في المكان الذي خرج منه الآخر ، وسيأتي اعتبار ذلك أيضاً في حقيقة البيع .

وفي البلغة أنّ الإجارة بدون هذا الشرط سفهية ، وأكل للمال بالباطل ، ولذا لا تصحّ الإجارة على الأفعال العبثية ، وإبداء الحركات اللاغية ، كالذهاب إلى الأمكنة الموحشة ، ورفع الأحجار الثقيلة(1)، انتهى ملخّص كلامه .

والتحقيق أن يقال : إنّ حقيقة الإجارة لا تقتضي إلاّ دخول العمل في ملك المستأجر قضاءً لقانون المبادلة ، وأمّا كون المنفعة راجعة إليه فلا موجب له .

وأمّا حديث سفهية المعاملة فيرد عليه أولا : أنّك قد عرفت مراراً ، وستعرف في مبحث البيع إن شاء الله(2) أنّه لا دليل على بطلان المعاملة السفهية ، وإنّما الدليل على بطلان معاملة السفيه ، والدليل هو كونه محجور التصرّف في أمواله  .

وثانياً : قد تقدّم في البحث عن بيع الأبوال(3) وغيره ـ وسنعود إليه في مبحث البيع(4)ـ أنّ آية التجارة(5) غريبة عن شرائط العوضين ، بل هي راجعة إلى حصر أسباب المعاملة في الصحيح والباطل . هذا مع أنّ الدليل أخصّ من المدّعى ، فإنّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بلغة الفقيه 2 : 8 ـ 9 .

(2) الجزء الثاني من هذا الكتاب : 24 .

(3) في ص53 .

(4) الجزء الثاني من هذا الكتاب : 102 .

(5) النساء 4 : 29 .

 
 

ــ[701]ــ

المستأجر قد ينتفع بعود النفع إلى غيره ، كما إذا استأجر شخصاً على امتثال فرائض نفسه لكي يتعلّم المستأجر منه أحكام فرائضه ، أو كان المستأجر من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، وأراد باستئجار المكلّفين على امتثال فرائضهم إظهار عظمة الإسلام وإخضاع المتمرّدين والعاصين .

وعلى الجملة : إنّ البحث هنا يتمحّض لبيان أنّ صفة الوجوب أو صفة العبادية مانعة عن انعقاد الإجارة أم لا ، بعد الانتهاء عن سائر النواحي التي اعتبرت في عقد الإجارة .

إنّ صفة العبادية لا تنافي الإجارة

مقتضى القاعدة جواز أخذ الاُجرة على مطلق العبادات ، سواء أكان الأخذ بعنوان الإجارة أم بعنوان الجعالة ، إذا تمّ سائر الشروط المعتبرة فيهما ، ولا شبهة أنّ صفة العبادية لا تنافي الإجارة والجعالة . إذن فعمومات صحّة المعاملات محكمة .

وقد أُورد على هذا الرأي بوجوه :

الوجه الأول : أنّ العبادات لابدّ وأن تؤتى بقصد القربة ، وأخذ الاُجرة عليها ينافي القربة والإخلاص ، والوجه فيه : أنّ عقد الإجارة يوجب انقلاب داعي الإخلاص في العمل المستأجر عليه إلى داعي أخذ الاُجرة ، ومن الواضح أنّ قيد الإخلاص مأخوذ في العمل المستأجر عليه ، فيلزم من صحّة الإجارة فسادها .

وفيه : أنّ هذا الوجه لا يرجع عند التحقيق إلى محصّل ، وتوضيح ذلك : أنّه يدّعى تارةً أنّ العمل الخارجي إنّما يؤتى به بداعي تملّك الاُجرة وهو ينافي قصد الإخلاص  ، واُخرى يدّعى أنّه يؤتى به بداعي تسلّم الاُجرة خارجاً ، وثالثة يدّعى أنّه يؤتى به بداعي استحقاق مطالبتها .

أمّا الدعوى الاُولى : فهي واضحة البطلان ، ضرورة أنّ تملّك الاُجرة إنّما

ــ[702]ــ

يكون بنفس الإيجار ، لا بالعمل الخارجي ، فالعمل أجنبي عنه بالمرّة .

وأمّا الدعوى الثانية : فهي أيضاً كذلك ، ضرورة أنّه يتمكّن الأجير من التسلّم بغير العمل في بعض الموارد ، وبالعمل الخالي من قصد القربة في جميعها ، فلا يكون الداعي إلى العمل بما هو عبادي غير قصد القربة ، ولو من جهة خوفه من العذاب لأجل عدم تسليمه العمل إلى مالكه .

وأمّا الدعوى الثالثة : فهي وإن كانت صحيحة في بعض الموارد ، وهو ما إذا امتنع المستأجر من التسليم قبل العمل ، إلاّ أنّ الإتيان به لأجل ذلك ـ أي لأجل أن يستحقّ المطالبة شرعاً ـ لا ينفك عن قصد القربة في العمل ، وذلك من جهة تمكّن المكلّف من الإتيان به بغير قصد القربة وإلزامه المستأجر تسليم الاُجرة . فإتيانه بالعمل لأجل الاستحقاق شرعاً لا ينفك عن قصد القربة .

وعلى الجملة : بعد ما كان الأجير متمكّناً من المطالبة وتسلّم الاُجرة بغير العمل الصحيح ، فلا يكون داعيه إلى الإتيان بالعمل الصحيح غير قصد القربة . ولعلّه إلى ذلك نظر من أجاب عن الإشكال المزبور بأنّ دعوة أخذ الاُجرة في طول دعوة الأمر لغو من باب الداعي إلى الداعي .

الوجه الثاني : أنّه يعتبر في دواعي امتثال العبادات كونها جهات قربية بحيث تنتهي سلسلة العلل والدواعي فيها بجميع حلقاتها إلى الله تعالى ، ومتى كان فيها داع غير قربي خرج العمل عن العبادية وعن تمحّضه لله ، وإن لم يكن الداعي غير القربي في عرض الداعي الإلهي .

وفيه : أنّا قد حقّقنا في مبحث النيّة من كتاب الصلاة(1) أنّه يشذّ في العباد من

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع شرح العروة الوثقى 14 : 42 ـ 43 ، نعم ذكره مفصّلا في بحث الوضوء في الشرح المذكور 5 : 416 .

ــ[703]ــ

يأتي بالعبادة بجميع مقدماتها ومقارناتها ومؤخّراتها ودواعيها خالصة لوجه الله الكريم ، وطلباً لرضاه ، وكونه أهلا للعبادة والإطاعة ، بل يقصد غالب الناس في عباداتهم الجهات الراجعة إليهم من المنافع الدنيوية والاُخروية ، ولا تنافي هذه الدواعي الراجعة إليه عبادية العبادة ، إلاّ إذا دلّ دليل على إبطال بعضها للعبادة كما في الرياء ، فقد ورد في الأخبار المتظافرة أنّ الرياء لا يدخل عملا إلاّ وأفسده(1).

وتوضيح الجواب إجمالا : أنّ الغاية القصوى من العبادة قد تكون هي الله فقط ، من دون أن يشوبها غرض آخر من الأغراض الدنيوية أو الجهات الاُخروية  ، وضروري أنّ هذا النمط من الامتثال منحصر في الأئمّة الطاهرين (عليهم السلام) والأنبياء المرسلين (صلوات الله عليهم) . فقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : «  ما عبدتك خوفاً من نارك ، ولا طمعاً في جنّتك ، ولكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك  »(2).

وقد تكون الغاية من العبادة هي الله ، ولكن بداعي التملّق والخضوع لحفظ الجهات الدنيوية ، بأن يجعلها العبد وسيلة لازدياد النعمة والعزّة ، وسبباً لارتفاع الشأن والمنزلة ، وترساً لدفع النقمة والهلكة . وقد اُشير إلى هذا في الكتاب بقوله تعالى : (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لاََزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)(3).

وقد تكون الغاية من العبادة هي الله بداعي الخشية من غضبه ، والخوف من ناره التي اُعدّت للعاصين ، وبداعي التعرّض لرحمته الواسعة ، والوصول إلى الحور

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع الوسائل 1 : 70 / أبواب مقدّمة العبادات ب12 ، والمستدرك 1 : 109 / أبواب مقدّمة العبادات ب12 .

(2) راجع مرآة العقول 8 : 89 ، والبحار 67 : 234 .

(3) إبراهيم 14 : 7 .

ــ[704]ــ

والقصور ، والجنّة التي عرضها كعرض السماوات والأرض ، وهذه المرتبة أرقى من المرتبة الثانية . وقد أشار إلى هذا بقوله تعالى : (وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً)(1) وبقوله تعالى : (وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً)(2). وقد ورد في كثير من الأدعية كدعاء أبي حمزة الثمالي وغيره تعليل الإيمان بالله والعبادة له بالخوف والخشية والطمع ، وهذا واضح لا غبار عليه .

وقد تكون الغاية من العبادة هي التقرّب إلى الله ، وتحصيل رضاه ، من غير أن يقترن بها غرض آخر من الأغراض الدنيوية أو الاُخروية ، وهذه المرتبة أرقى من المرتبة الثانية والثالثة ، وهي مختصّة بالعارفين بالله والسالكين إليه ، ولا ينالها إلاّ القليل من الموحّدين ، كسلمان والمقداد وأبي ذرّ وفريق من الأكابر .

وقد اتّضح ممّا ذكرنا أنّ الغرض من العبادة في هذه الدرجات الثلاث الأخيرة هو انتفاع العبد ، حتّى في الدرجة الأخيرة ـ أعني المرتبة الرابعة ـ فإنّ مآل تحصيل رضى الله والتقرّب إليه هو صيرورة العبد محبوباً لدى الله ، لكي يجيب دعوته ويدفع شدّته ويقضي حوائجه .

وعلى هذه المناهج المذكورة في السير إلى الله والتوجّه إلى رحمته وغفرانه والفوز بنعمه ورضوانه لا تخلو عبادة إلاّ وقد قصد العبد فيها أن يصل إليه نفع من المنافع حسب اختلافها باختلاف الأغراض ، وقد عرفتها . نعم الدرجة الاُولى ـ  وهي عبادة الأئمّة ـ خالية عن هذا القصد ، ولكنّها مختصّة بهم (عليهم السلام) .

وقد انجلى أنّ رجوع شيء من دواعي العبادة لغير الله لا ينافي الإخلاص فيها والتقرّب إلى الله بها .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الأعراف 7 : 56 .

(2) الأنبياء 21 : 90 .

ــ[705]ــ

ويشير إلى ما ذكرناه ما رواه الكليني عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : «  العباد ثلاثة : قوم عبدوا الله عزّوجلّ خوفاً فتلك عبادة العبيد ، وقوم عبدوا الله تبارك وتعالى طلب الثواب فتلك عبادة الاُجراء ، وقوم عبدوا الله حبّاً له فتلك عبادة الأحرار ، وهي أفضل العبادة »(1). ومن هنا اتّضح بطلان ما ذهب إليه بعضهم من فساد العبادة المأتي بها لأجل الثواب ودفع العقاب(2).

الوجه الثالث : أنّ دليل صحّة الإجارة هو عموم أوفوا بالعقود ، ويستحيل شموله للمقام ، لأنّ الوفاء بالشيء عبارة عن إتمامه وإنهائه ، فالوفاء بعقد الإجارة هو الإتيان بالعمل المستأجر عليه أداء لحقّ المستأجر ، وواضح أنّ هذا لا يجتمع مع الإتيان به أداء لحقّ الله وامتثالا لأمره . إذن فلابدّ من قصد أحد الأمرين : إمّا الوفاء بالعقد ، أو الامتثال لأمر المولى ، وحيث لا يعقل اجتماعهما في محلّ واحد فلابدّ من رفع اليد من الأمر بالوفاء ، فتصبح الإجارة بلا دليل على الصحّة .

وفيه أولا : أنّ الوفاء بالعقد وإن كان عبارة عن إتمامه وإنهائه ، إلاّ أنّ هذا المعنى لا يتوقّف على عنوان خاصّ ، بل يكفي فيه إيجاد متعلّق العقد فقط في الخارج بأي نحو اتّفق ، وعليه فلا مانع في كون العمل الواحد الذي تعلّقت به الإجارة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وهي حسنة بإبراهيم بن هاشم . راجع الكافي 2 : 84 / 5 ، والوافي 4 : 366 / 4 ، والوسائل 1 : 62 / أبواب مقدّمة العبادات ب9 ح1 .

(2) ففي البحار 67 : 234 عن الفخر الرازي في تفسيره الكبير أنّه نقل اتّفاق المتكلّمين على أنّ من عبد الله لأجل الخوف من العقاب أو الطمع في الثواب لم تصح عبادته ، أورده عند تفسير قوله تعالى : (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً) . وعن المحقّق البهائي أنّه ذهب كثير من العلماء الخاصّة والعامّة إلى بطلان العبادة إذا قصد بفعلها تحصيل الثواب أو الخلاص من العقاب وقالوا إنّ هذا مناف للإخلاص .

ــ[706]ــ

مصداقاً لعنواني العبادة والعمل المستأجر عليه معاً ، نعم لو كان الظاهر من دليل وجوب الوفاء بالعقد هو إيجاد العمل المستأجر عليه في الخارج بداعي اختصاصه بالمستأجر من جميع الجهات ، لاستحال اجتماع قصد الوفاء بالعقد مع قصد التقرّب إلى الله ، ولكنّه دعوى جزافية .

وثانياً : أنّ دليل صحّة الإجارة لا ينحصر بآية الوفاء بالعقد لكي يلزم من عدم شمولها للمقام بقاؤه خالياً عن دليل الصحّة ، بل في آية التجارة عن تراض غنى وكفاية .

فإن قيل : إنّ الأمر الإجاري المتعلّق بالفعل المستأجر عليه توصّلي ، والأمر العبادي المتعلّق به عبادي ، وعليه فيلزم أن يكون فعل واحد مأموراً به بأمرين متخالفين ، وهو محال .

قلنا : إنّ الأمر الإجاري المتعلّق بالعبادة أيضاً أمر عبادي ، فإنّ وجوب تسليم العمل المستأجر عليه إلى مالكه حكم كلّي انحلالي ، من غير أن يكون له شأن من التعبّدية أو التوصّلية ، بل يتّصف بهما بلحاظ وصف متعلّقه ، وعليه فإن كان متعلّق الأمر الإجاري توصّلياً فهو توصّلي ، وإن كان تعبّدياً فهو تعبّدي ، وعلى هذا فإذا تعلّقت الإجارة بعبادة كان الأمر الناشئ منها عبادياً أيضاً ، فأصبح مؤكّداً للأمر العبادي المتعلّق بها في نفسها مع قطع النظر عن الإيجار ، كما ذهب إليه كاشف الغطاء(1) وتلميذه صاحب الجواهر(2).

وتوضيح ذلك : أنّا قد ذكرنا في البحث عن التعبّدي والتوصّلي من علم

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) شرح القواعد 1 : 279 .

(2) الجواهر 22 : 117 .

ــ[707]ــ

الاُصول(1) أنّ قصد القربة مأخوذ في متعلّق الأمر الأول على ما قوّيناه ، وفي متعلّق الأمر الثاني على ما اختاره شيخنا الاُستاذ(2)، وعلى كل حال فالأمر قد تعلّق بامتثال العمل بقصد القربة ، ومن الواضح أنّ الأمر الإجاري قد تعلّق بهذا أيضاً ، إذ المفروض كون العمل المذكور مورداً للإجارة ، فمتعلّق الأمرين شيء واحد  ، فلا محالة يندكّ أحدهما في الآخر ، ويكون الوجوب مؤكّداً كما في غير المقام  .

وقد اتّضح ممّا ذكرناه أنّه لا وجه لما ذكره بعض مشايخنا المحقّقين(3) من استحالة التأكّد حتّى في النذر ونحوه ، وحاصل ما ذكره : أنّ الأمر الصلاتي متعلّق بذات العمل ، والأمر الإجاري أو النذري أو نحوهما متعلّق بالعمل الواجب المقيّد بقصد القربة والامتثال ، ومن الواضح أنّه لا يعقل التأكّد في ذلك ـ الذي معناه خروج الطلب في موضوعه عن مرتبة الضعف إلى مرتبة الشدّة ـ لأنّ الالتزام به يستلزم تعلّق الأمر بالوفاء بما هو غير وفاء ، بداهة أنّه لا يعقل أن يكون الأمر الإجاري بمنزلة صلّ ، بل هو بمنزلة صلّ عن قصد القربة ، فيكون توصّلياً دائماً .

ويدلّ على ما اخترناه من صحّة تعلّق الإجارة بالعبادة اُمور :

الأول : أنّ المؤجر ـ كما عرفت ـ إنّما يملك الاُجرة بعقد الإجارة ، من غير أن يتوقّف ذلك على إيجاد العمل المستأجر عليه في الخارج ، وإنّما اشتغلت ذمّة الأجير بإيجاد متعلّق الإجارة . ولو كان الغرض في الإتيان بالعمل المستأجر عليه هو تملّك الاُجرة فقط ، لكان إيجاد العمل لأجل ذلك تحصيلا للحاصل .

وعليه فالداعي إلى الإتيان بما اشتغلت به ذمّة الأجير من العبادة ليس إلاّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) محاضرات في أُصول الفقه 1 (موسوعة الإمام الخوئي 43) : 522 ، 537 .

(2) أجود التقريرات 1 : 173 .

(3) وهو المحقّق الإصفهاني في كتاب الإجارة (بحوث في الفقه) : 223 .

ــ[708]ــ

أمر المولى والخوف الإلهي ، دون تملّك الاُجرة . ولا يفرق في ذلك بين مراقبة المستأجرِ الأجيرَ للإتيان بالعمل وعدم مراقبته إيّاه ، فإنّ شأن العبادات ليس شأن الأفعال الخارجية المحضة ، كالخبازة والبناية والنجارة ونحوها ، لكي يكون حضور المستأجر دخيلا في تحقّق العمل واتقانه ، بل العبادات مشروطة بالنيّة ، وهي أمر قلبي لا يطلع عليها في اُفق النفس إلاّ علاّم الغيوب ، أو من ارتضاه لغيبه .

الثاني : أنّه لا شبهة في صحّة تعلّق النذر أو العهد أو اليمين بالنوافل وصيرورتها لازمة بذلك ، كما لا شبهة في صحة اشتراطها في العقود اللازمة وكونها واجبة بذلك ، ولم يستشكل أحد في كون هذه الأوامر الطارئة عليها منافية للإخلاص المعتبر فيها ، وواضح أنّه لا فارق بين ذلك وبين ما نحن فيه .

الثالث : قد ورد في الأخبار المستفيضة بل المتواترة الترغيب إلى العبادات بذكر فوائدها ومثوباتها ، والترهيب عن تركها بذكر مستتبعاتها من الهلكة والعقوبة ويتجلّى لك من هذه الأخبار أنّه لا بأس بامتثال العبادات لجلب المنافع المترتّبة على فعلها ، ودفع المضرّات المترتّبة على تركها ، ولا فرق في هذه الجهة بين المقام وبينها .

ومن هذا القبيل ما وردت في الشريعة المقدّسة من عبادات من الأدعية والنوافل لشتّى الأغراض الدنيوية ، كسعة الرزق ، وقضاء الحوائج ، وأداء الدَين وارتزاق الولد ، ودفع الشرور ، وعلاج المصاب ، وغيرها من الجهات الدنيوية . ولم يتوهّم أحد منافاتها للإخلاص ، مع أنّها من المنافع الدنيوية . والظاهر أنّه لا فارق بينها وبين المقام .

وقد أشكل عليه المصنّف (رحمه الله) بأنّه فرق بين الغرض الدنيوي المطلوب من الخالق الذي يتقرّب إليه بالعمل ، وبين الغرض الحاصل من غيره ، وهو استحقاق الاُجرة ، فإنّ طلب الحاجة من الله سبحانه ولو كانت دنيوية محبوب عند الله ، فلا يقدح في العبادة ، بل ربما يؤكّدها . وقد سجّل هذا الإشكال غير واحد من

ــ[709]ــ

الأعاظم كصاحب البلغة(1) وغيره .

وفيه : أنّ غرض المكلّف من الإتيان بالصلاة مثلا قد يكون سعة الرزق وغيرها ، بحيث لا يتوسّط التقرّب في البين أصلا ، ولا شبهة في بطلان هذا النحو من العبادة ، من غير فرق بين ما نحن فيه وبين العبادات ذات النتائج الدنيوية ، كصلاة جعفر (عليه السلام) وغيرها . وقد تكون غاية المكلّف غاية من العبادة والتقرّب من الله ، بحيث يكون طالباً لها بعبادته وتقرّبه من المولى ، وهذا لا ينافي العبادية ، وما نحن فيه من هذا القبيل ، وعليه فلا فارق بين المقامين .

وقد يتوهّم أنّ قصد التقرّب إنّما يتمشّى في خصوص الإجارة لأنّك قد عرفت أنّ الاُجرة فيها تملك بمجرد العقد ، وأنّ امتثال العبادات المستأجر عليها يستند إلى أمر المولى . إلاّ أنّ ذلك لا يجري في الجعالة ، إذ العامل فيها لا يستحقّ الجعل ، ولا يملكه إلاّ باتمام العمل ، فيستند امتثال العبادة إلى داعي تحصيل الجعل ، وهو مناف للإخلاص فيها .

وجوابه يظهر ممّا تقدّم ، فإنّ تحصيل الجعل وإن كان داعياً إلى الامتثال ولكن الداعي إلى الإتيان بالعبادة على وجهها الصحيح هو أمر الشارع ، والخوف الإلهي ، إذ لولا ذلك فإنّ العامل يمكنه أن يأتي بالعمل خالياً عن بعض الشرائط التي لا يطلع عليها غير علاّم الغيوب ، ويخيّل إلى الجاعل أنّه امتثله على وجه صحيح .

وعلى الجملة : لا نعرف وجهاً صحيحاً لبطلان العبادات التي تنتهي بالأخرة إلى استحقاق الاُجرة ، ولا نرى فيها جهة مخالفة للإخلاص والتقرّب .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بلغة الفقيه 2 : 23 .

ــ[710]ــ

إنّ صفة الوجوب لا تنافي الإجارة

ينقسم الواجب إلى تخييري ، وكفائي ، وعيني ، فإن وقع أحد القسمين الأوّلين موضوعاً للإجارة أو الجعالة ، وكان مصبّ الإجارة أو الجعالة هو مصبّ الوجوب ، كان المقام من صغريات أخذ الاُجرة على الواجب ، وسيتّضح لك حكمه  . وإن كان مصبّ الإجارة أو الجعالة هو خصوص الفرد ، بحيث يعيّن فرد من أفراد التخييري أو شخص من أشخاص المكلّفين للامتثال ، فإنّه لا شبهة في جواز أخذ الاُجرة والجعل عليه ، بل هو خارج عن موضوع أخذ الاُجرة على الواجب .

والوجه في ذلك : أنّ ما تعلّق به الوجوب في الواجبين التخييري والكفائي إنّما هو الجامع ، أعني عنوان أحد الأفراد في الأول ، وعنوان أحد المكلّفين في الثاني ومن الواضح أنّ إيقاع الإجارة أو الجعالة على الإتيان بفرد خاصّ أو على مباشرة شخص معيّن ، وأخذ الاُجرة أو الجعل على تلك الخصوصية ليس من قبيل أخذ الاُجرة على الواجب ، فإنّ ما اُخذت عليه الاُجرة ليس بواجب ، وما هو واجب لم تؤخذ عليه الاُجرة .

وبما ذكرناه يظهر الحال فيما إذا انحصر الواجب الكفائي في شخص أو الواجب التخييري في نوع ، فإنّهما وإن تعيّنا في ذلك النوع أو على ذلك الشخص حينئذ ولكن الواجب على المكلّف هو طبيعي الدفن مثلا في الكفائي ، وطبيعي العتق مثلا في التخييري ، بحيث له أن يدفن الميّت في أي مكان يريد ، وله أن يعتق أي فرد من أفراد الرقاب ، فإذا وقعت الإجارة أو الجعالة على تعيين فرد خاصّ منهما صحّ ذلك  ، ولم يكن أخذ الاُجرة عليه من قبيل أخذ الاُجرة على الواجب .

ثم إنّه لا فارق فيما ذكرناه بين كونهما تعبّديين وكونهما توصّليين ، وقد اتّضح من ذلك كلّه أنّه لا جدوى لتطويل الكلام في تحقيق الواجبين التخييري والكفائي

ــ[711]ــ

كما فعله بعض مشايخنا المحقّقين(1) وغيره .

وقد يقال : إنّ الخصوصيات الفردية وإن لم تكن واجبة بالأصالة على الفرض إلاّ أنّها واجبة بوجوب تبعي مقدّمي ، فيكون أخذ الاُجرة عليها من قبيل أخذ الاُجرة على الواجب .

وفيه : أنّا قد حقّقنا في علم الاُصول(2) أنّ وجوب المقدّمة إنّما هو وجوب عقلي ، فلا يقاس بالوجوب الشرعي ، ويضاف إلى ذلك أنّ مقدّمية الفرد للكلّي ليست من المقدّمية المصطلحة كما هو واضح .

وأمّا الواجب العيني : فإن كان مصبّ الإجارة أو الجعالة فيه الخصوصية الفردية صحّ ذلك بلا شبهة ، وقد تقدّم نظيره في الواجبين التخييري والكفائي . وإن كان مصبّهما مصبّ الوجوب فقد علمت اختلاف فقهائنا وفقهاء العامّة في حكم أخذ الاُجرة على الواجب ، فمقتضى القاعدة هو الجواز مطلقاً ، للعمومات الدالّة على صحّة العقود والمعاملات .

ولكن أُشكل عليه بوجوه :

الأول : أنّ عمل الحرّ في حدّ ذاته ليس بمال ، وإنّما يقابل بالمال لاحترام عمل المسلم ، ومع الوجوب يسقط عن الاحترام .

ولكنّك قد عرفت في أوّل الكتاب(3) أنّ أعمال كل شخص مملوكة له ملكية ذاتية تكوينية ، وله واجدية له فوق مرتبة الواجدية الاعتبارية ، ودون مرتبة الواجدية الحقيقية لمكوّن الموجودات ، وعليه فدعوى أنّ عمل الحرّ ليس بملك

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وهو المحقّق الإصفهاني في كتاب الإجارة (بحوث في الفقه) : 202 ، 206 .

(2) محاضرات في اُصول الفقه 2 (موسوعة الإمام الخوئي 44) : 281 ـ 282 .

(3) في ص14 .

ــ[712]ــ

دعوى جزافية ، ولا شبهة أنّ هذه الأعمال المضافة إلى الحرّ موضع لرغبات العقلاء ومنافساتهم ، فتكون أموالا في نفسها ، وتجوز مقابلتها بالمال .

ومع الإغضاء عن ذلك فإنّها تكون أموالا بمجرّد وقوع المعاملة عليها وشأنها حينئذ شأن الكلّي ، إذ الكلّي قبل إضافته إلى شخص خاصّ لا يتّصف بالمملوكية والمالية كلتيهما ، وإذا اُضيف إليه ولو حين قوله بعتك منّاً من الحنطة مثلا اتّصف الكلّي بالمالية والملكية ، ومن هنا يجوز بيع الكلّي في الذمّة ، ويحكم بضمان عمل الحرّ إذا فوّته أحد بعد أن ملكه الغير بالإجارة وغيرها .

الثاني : ما ذكره المصنّف من أنّ عمل الحرّ وإن كان مالا ، ولكن الإنسان إذا تكلّف بذلك العمل من قبل الشارع فقد زال احترامه ، لأنّ عامله مقهور على إيجاده فيكون أخذ الاُجرة عليه أكلا للمال بالباطل .

وفيه أولا : أنّ آية النهي عن أكل المال بالباطل غريبة عن شرائط العوضين وقد تقدّم بيان ذلك مراراً عديدة .

وثانياً : أنّ المقهورية على الفعل من قبل الشارع وكونه واجباً بأمره لا تنافي المقهورية عليه من قبل الإجارة أيضاً ، فيكون لازم الامتثال من ناحيتين ، وهذا نظير شرط امتثال الواجب في ضمن العقد . وتظهر الثمرة فيما إذا خالف الأجير أمر ربّه ولم يمتثل الواجب ، ولم يمكن إجباره على الامتثال من ناحية الأمر بالمعروف فإنّه يجوز للمستأجر أن يجبره على الامتثال ولو بمراجعة المحاكم المختصّة .

الثالث : ما أفاده شيخنا الاُستاذ(1) من أنّ الإجارة والجعالة قد اعتبر فيهما أن لا يكون العامل أو الأجير مسلوب الاختيار بإيجاب أو تحريم شرعي ، بل لابدّ من أن يكون الفعل أو الترك تحت سلطنته واختياره ، وإلاّ فلا يكون مالا في نظر

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) منية الطالب 1 : 45 .

ــ[713]ــ

العرف .

ولكنّك قد عرفت في البحث عن معنى حرمة البيع(1) أنّه لا تجوز المعاملة على الأفعال المحرّمة ، كالكذب والغيبة والزنا وغيرها ، فإنّ الأدلّة الدالّة على حرمتها لا تجتمع مع العمومات الدالّة على صحّة المعاملات ولزومها ، فإنّ مقتضى هذه العمومات نفوذ المعاملة الواقعة على الأفعال المحرّمة ولزومها ، وأدلّة المحرّمات تقتضي المنع عن إيجادها في الخارج ، فهما متناقضان . ومع الإغضاء عن ذلك فهما لا يجتمعان في نظر العرف .

وهذا المحذور لا يجري في الواجبات ، فإنّه لا تنافي بينها وبين العمومات المذكورة ، كما لا منافاة بينها وبين الأوامر العبادية ، وقد أوضحنا ذلك آنفاً ، وعليه فالتكاليف التحريمية وإن كانت تسلب القدرة الشرعية عن المكلّف ، ولكن التكاليف الوجوبية لا تنافيها ، بل تساعدها وتضاعفها .

وقد يتوهّم أنّه لا فارق في عدم القدرة على التسليم بين تعلّق الإجارة بالمحرّمات والواجبات ، فإنّ المكلّف في كليهما يكون عاجزاً شرعاً عن إيجاد متعلّق التكليف ، إذ القدرة لابدّ وأن تكون متساوية النسبة إلى الطرفين : الفعل أو الترك .

وفيه : أنّ اعتبار القدرة على التسليم إن كان مدركه الإجماع فإنّ المتيقّن منه ـ  على فرض تحقّقه ـ إمكان وصول العمل المستأجر عليه إلى المستأجر ، فلا يدلّ على اشتراط كونه تحت اختيار الأجير فعلا وتركاً . وإن كان مدركه اقتضاء العقد بداهة وجوب الوفاء بتسليم العمل ، فقد عرفت أنّ الوجوب لا ينافيه ، بل يتأكّد كلّ منهما بالآخر . وإن كان مدركه النبوي المشهور « نهى النبي عن بيع الغرر  »(2). ففيه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص37 .

(2) الوسائل 17 : 448 / أبواب آداب التجارة ب40 ح3 .

ــ[714]ــ

أولا : أنّ الاستدلال به غير تام من حيث السند والدلالة ، وسيأتي بيان ذلك في البحث عن بيع الغرر(1).

وثانياً : أنّه لا غرر في المقام ، لأنّ العمل ممكن الوصول إلى المستأجر ، ولا دليل على اعتبار القدرة على التسليم أزيد من ذلك.

الرابع : ما نسب إلى شيخ المشايخ كاشف الغطاء في شرحه على القواعد(2) من أنّ التنافي بين صفة الوجوب وأخذ العوض على الواجب ذاتي ، لأنّ العمل الواجب مملوك لله ، كالعمل المملوك للغير ، فلا يصحّ أن يكون مورداً للإجارة ، لأنّ تمليك المملوك ثانياً غير معقول ، ولذا لا يجوز أخذ الاُجرة على عمل خاصّ قد وقعت عليه الإجارة قبل ذلك .

وفيه : أنّا لو سلّمنا استحالة توارد الملكين على مملوك واحد فإنّما هي في الملكيتين العرضيتين ، بأن يكون شيء واحد مملوكاً لاثنين في زمان واحد على نحو الاستقلال ، ولا تجري هذه الاستحالة في الملكيتين الطوليتين ، بأن تكون سلطنة أحد الشخصين في طول سلطنة الآخر ، فإنّ هذا لا محذور فيه ، بل هو واقع في الشريعة المقدّسة ، كسلطنة الأولياء والأوصياء والوكلاء على التصرّف في مال المولّى عليهم والصغار والموكّلين ، فإنّ ملكية هؤلاء في طول ملكية الملاك . ومن هذا القبيل مالكية العبيد لأموالهم بناء على جواز تملّك العبد ، فإنّ مالكيتهم في طول مالكية مواليهم .

وكذلك في المقام ، فإنّ مالكية المستأجر للعمل المستأجر عليه في طول مالكيته تعالى لها ، بل مالكية الملاك لأموالهم في طول مالكيته تعالى لها ، فإنّه تعالى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الجزء الخامس من هذا الكتاب : 256 .

(2) راجع شرح القواعد 1 : 279 ، 284 .

ــ[715]ــ

مالك لجميع الموجودات ملكية تكوينية إيجادية ، وهي المعبّر عنها في اصطلاح الفلاسفة بالإضافة الإشراقية ، وقد سلّط الإنسان على سائر الموجودات ، وجعله مالكاً لها ، إمّا مالكية ذاتية كملك الشخص لأعماله وذمّته ، وإمّا مالكية اعتبارية كمالكيته لأمواله . ولعلّ إلى ما ذكرناه يرجع ما أفاده المصنّف (رحمه الله) من أنّه : ليس استحقاق الشارع للفعل وتملّكه المنتزع من طلبه من قبيل استحقاق الآدمي وتملّكه الذي ينافي تملّك الغير واستحقاقه .

الخامس : ما نسب إلى الشيخ الكبير(1) أيضاً ، وهو أنّ من لوازم الإجارة أن يملك المستأجر العمل المستأجر عليه ، بحيث يكون له الإبراء والإقالة والتأجيل لدليل السلطنة ، وكل ذلك مناف لوجوب العمل المستأجر عليه .

وفيه : أنّك قد عرفت من مطاوي ما ذكرناه أنّ للواجب المستأجر عليه ناحيتين ، إحداهما : حيثية وجوبه من قبل الله بأمر مولوي تكليفي ، وثانيتهما : حيثية تعلّق الأمر الإجاري به ، ومن المقطوع به أنّ عدم صحّة الإقالة والإبراء والتأجيل في الواجب إنّما هو من ناحيته الاُولى ، ولا ينافي ذلك أن تجري فيه تلك الاُمور من ناحيته الثانية .

السادس : ما ذكره شيخنا الاُستاذ(2) ثانياً من أنّ الإجارة أو الجعالة الواقعة على الواجب العيني من المعاملات السفهية ، فتكون باطلة من هذه الجهة ، فإنّ من شرائط الإجارة أو الجعالة أن يكون العمل ممكن الحصول للمستأجر ، وفي الواجب العيني ليس كذلك .

ولكنّك قد عرفت مراراً أنّه لا دليل على بطلان المعاملة السفهية ، فتكون

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) شرح القواعد 1 : 279 ـ 280 .

(2) منية الطالب 1 : 45 ـ 46 .

ــ[716]ــ

العمومات محكمة ، على أنّه لا شبهة في إمكان الانتفاع بالواجب المستأجر عليه . إذن فتخرج المعاملة عن السفهية ، وقد تقدّم بيان ذلك في المقدّمة التي مهّدناها للبحث عن أخذ الاُجرة على الواجب .

السابع : ما احتمله بعض مشايخنا المحقّقين(1) ونسبه إلى اُستاذه في مبحث القضاء ، وهو أنّ بذل العوض بازاء ما تعيّن فعله على الأجير لغو محض ، فلا يكون مشمولا للعمومات .

الثامن : ما نسبه إلى بعض الأعلام(2) من أنّ الإيجاب ينبعث عن مصلحة تعود إلى المكلّف ، وأخذ الاُجرة على ما يعود نفعه إليه أكل للمال بالباطل . وقد ظهر جواب هذين الوجهين من الأجوبة المتقدّمة .

وقد تجلّى ممّا حقّقناه أنّ الإشكالات المذكورة لا ترجع إلى معنى محصّل تركن إليه النفس . والعجب من هؤلاء الأعلام ، فإنّهم ناقشوا في جواز أخذ الاُجرة على الواجب ، وأضافوا إليه شبهة بعد شبهة ونقداً بعد نقد حتّى تكوّنت منها أمواج متراكمة ، يندهش منها الناقد البصير في نظرته الاُولى (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الاَْرْضِ) .

وقد ظهر من جميع ما ذكرناه سقوط جميع الأقوال المتقدّمة غير ما بنينا عليه من القول بالجواز على وجه الإطلاق ، والله العالم .

قوله : ثمّ إن صلح ذلك الفعل المقابل بالاُجرة لامتثال الإيجاب المذكور أو إسقاطه به أو عنده سقط الوجوب مع استحقاق الاُجرة ، وإن لم يصلح استحقّ الاُجرة ، وبقي الواجب في ذمّته لو بقي وقته ، وإلاّ عوقب على تركه .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وهو المحقّق الإصفهاني في كتاب الإجارة (بحوث في الفقه) : 197 .

(2) نقل حكايته عنه المحقّق الإصفهاني في المصدر المتقدّم .

ــ[717]ــ

أقول : لا يخفى ما في هذه العبارة من القلق والاضطراب ، وحاصل مرامه : أنّ الإتيان بالواجب المستأجر عليه قد يترتّب عليه امتثال أمر المولى واستحقاق الاُجرة كلاهما ، كما إذا استأجر أحداً لتطهير المسجد فطهّره بقصد امتثال أمر المولى  ، فإنّه حينئذ يستحقّ الاُجرة ، ويعدّ ممتثلا ، وكذلك الحال في الواجبات التعبّدية على مسلكنا ، إذ قد عرفت أنّ أخذ الاُجرة عليها لا ينافي جهة عباديتها .

وقد يكون الإتيان بالواجب المستأجر عليه موجباً لاستحقاق الاُجرة وسقوط الوجوب بغير امتثال ، كتطهير المسجد وإنقاذ الغريق والجهاد وغيرها من الواجبات التوصّلية ، فإنّ الأجير حينما يأتي بها بغير داعي الأمر يستحقّ الاُجرة . ولا يكون عمله هذا امتثالا للواجب على الفرض ، نعم يسقط عنه الواجب ، لفرض كونه توصّلياً ، كما أنّه يسقط عن بقيّة المكلّفين إذا كان الواجب كفائياً .

وقد يكون الإتيان بذلك العمل موجباً لاستحقاق الاُجرة وسقوط الوجوب لا من جهة الإتيان بالواجب ، بل لارتفاع موضوع الوجوب ، كما إذا أوجب الشارع عملا بعنوان المجّانية فأتى به العبد مع الاُجرة ، وهذا كدفن الميّت بناء على أنّه واجب على المكلّفين مجّاناً . فلو أتى به لا مجّاناً لم يتحقّق الواجب ، فلا يكون مصداقاً للواجب في الخارج ، لأنّ المفروض أنّه مقيّد بالمجّانية ، وقد أتى به مع الاُجرة ، إلاّ أنّ الوجوب يسقط عند ذلك ، لارتفاع موضوعه . ففي جميع هذه الصور يتحقّق سقوط الوجوب ، واستحقاق الاُجرة .

وهناك صورة رابعة لا يسقط الوجوب بالإتيان بالعمل المستأجر عليه فيها وإن كان الآتي بالعمل مستحقّاً لأخذ الاُجرة على عمله لكونه محترماً ، وهذا كالعبادات الواجبة على المكلّفين عيناً ، فإنّه إذا أتى بها المكلّف بازاء الاُجرة وقلنا بمنافاتها لقصد القربة والإخلاص ـ كما عليه المصنّف وجمع آخر ـ لم يمتثل الواجب وإن كان يستحقّ الاُجرة لاحترام عمله ، وعليه فإن بقي وقت الواجب وجبت عليه

ــ[718]ــ

الإعادة ، وإلاّ عوقب على تركه إذا لم يدلّ دليل على تداركه بالقضاء .

حقيقة النيابة في العبادات

قد ذكرنا في مبحث التعبّدي والتوصّلي من علم الاُصول(1) أنّ الاُصول اللفظية والعملية تقتضي عدم سقوط التكاليف العبادية عن كل مكلّف باتيان غيره بها ، فلابدّ لكل مكلّف أن يمتثل تكاليفه العبادية بالمباشرة ، وعليه فنيابة الشخص عن غيره في امتثال عباداته مع التقرّب والإخلاص تحتاج إلى الدليل ، وإن ثبت إمكانها في مقام الثبوت .

ولا شبهة في وقوع النيابة في العبادات الواجبة والمستحبّة بضرورة الفقه نصّاً وفتوى ، ولا بأس بالتعرّض للبحث عن تصوير إمكانها في ذلك ، دفعاً لما توهّمه بعض الأجلّة من استحالة التقرّب من النائب وحصول القرب للمنوب عنه ، نظراً إلى أنّ التقرّب المعنوي كالتقرّب الحسّي المكاني لا يقبل النيابة . وقد ذكر غير واحد من الأعلام وجوهاً في تصوير النيابة عن الغير في امتثال وظائفه بقصد التقرّب والإخلاص :

الأول : ما ذكره المصنّف(2)، وحاصله : أنّ الأجير يجعل نفسه بدلا عن الميّت في الإتيان بتكاليفه متقرّباً بها إلى الله تعالى ، فالمنوب عنه يتقرّب إليه تعالى بفعل نائبه . وتقرّبه ، ولا شبهة أنّ هذا التنزيل في نفسه مستحبّ ، وإنّما يصير واجباً بالإجارة وجوباً توصّلياً ، من غير أن يعتبر فيه قصد القربة في ذاته ، بل اعتباره فيه من جهة اعتباره في وظيفة المنوب عنه ، لأنّ الأجير لا يخرج عن عهدة التكليف إلاّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) محاضرات في اُصول الفقه 1 (موسوعة الإمام الخوئي 43) : 495 وما بعدها .

(2) المكاسب 2 : 144 .

ــ[719]ــ

بالإتيان بالعمل المستأجر عليه بقصد الإخلاص .

فالأجير يجعل نفسه نائباً عن الغير في امتثال وظائفه متقرّباً بها إلى الله ، وإنّما يأخذ الاُجرة للنيابة فقط ، دون الإتيان بالعبادات ، فإنّ للنائب حينما يأتي بالعمل فعلين ، أحدهما : قلبي من أفعال الجوانح ، وهو النيابة . وثانيهما : خارجي من أفعال الجوارح ، وهو العمل المنوب فيه كالصلاة مثلا ، وإذا تعدّد الفعل ذاتاً ووجوداً فإنّه لا بأس بتعدّد الغاية المترتّبة عليهما ، ولا تنافي بين أخذ الاُجرة على النيابة وبين الإتيان بالعبادات متقرّباً بها إلى الله تعالى .

وفيه : أنّ أخذ الاُجرة إمّا لتنزيل نفسه منزلة الميّت ونيابته عنه في الإتيان بوظائفه ، وإمّا للإتيان بالعمل في الخارج ، فعلى الأول يلزم استحقاق الاُجرة بمجرد النيابة القلبي ، سواء أتى بالعمل في الخارج أم لا ، وهو بديهي البطلان . وعلى الثاني فيعود المحذور ، وهو أخذ الاُجرة على الأمر العبادي ، فإنّ الموجود في الخارج ليس إلاّ نفس العبادة .

الثاني : ما ذكره المصنّف في رسالة القضاء من أنّ النيّة مشتملة على قيود منها : كون الفعل خالصاً لله سبحانه . ومنها : كونه أداء وقضاء ، عن نفسه أو عن الغير ، باُجرة أو بغيرها . وكل من هذه القيود غير مناف لقصد الإخلاص والاُجرة فيما نحن فيه إنّما وقعت أولا وبالذات بازاء القيد الثاني ، أعني النيابة عن زيد ، بمعنى أنّه مستأجر على النيابة عن زيد بالإتيان بهذه الفريضة المتقرّب بها وقيد القربة في محلّه على حاله ، لا تعلّق للإجارة به إلاّ من حيث كونه قيداً للفعل المستأجر عليه ، نعم لو اشترط في النيابة عن الغير التقرّب زيادة على التقرّب المشروط في صحّة العبادة اتّجه منافاة الاُجرة لذلك ، إلاّ أنّه ليس بشرط إجماعاً(1).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رسالة في القضاء عن الميّت (ضمن رسائل فقهية) : 246 .

ــ[720]ــ

وفيه أولا : أنّ أخذ الاُجرة في مقابل العمل المقيّد بقصد القربة يستلزم وقوع الاُجرة بازاء نفس العمل أيضاً ، وعليه فيعود المحذور المذكور .

وثانياً : ما ذكره بعض مشايخنا المحقّقين(1) من أنّ الفعل القلبي والفعل الخارجي وإن كانا متغايرين ماهية ووجوداً ، ولكل منهما غاية خاصّة ، إلاّ أنّه لا شك في أنه لولا الفعل القلبي بما له من الغاية ـ وهي استحقاق الاُجرة ـ لم يصدر الفعل الخارجي بما له من الغاية ، وهي القربة . فالإخلاص الطولي غير محفوظ بمجرّد تعدّد الفعل مع ترتّب الفعل الخارجي بغايته على الفعل القلبي بغايته .

الثالث : ما ذكره شيخنا الاُستاذ(2) توجيهاً لكلام المصنّف في المكاسب وملخّصه : أنّه لا شبهة في عدم اعتبار المباشرة في فعل المنوب عنه ، بل جاز للغير الإتيان بالفعل عنه نيابة ، ويجوز التبرّع عنه في ذلك ، من دون أن يعتبر قصد القربة في الأمر التبرّعي ، بل اعتباره في فعل النائب لأجل اعتباره في المنوب فيه .

ثم إنّه لا ريب في أنّ هذا الأمر التبرّعي يصبح واجباً إذا وقعت عليه الإجارة  ، وحينئذ لا يخرج النائب عن عهدته بامتثاله بقصد القربة والإخلاص وواضح أنّه لا تنافي بين اعتبار التقرّب فيه وبين جواز أخذ الاُجرة للنيابة ، فإنّ الاُجرة إنّما هي بازاء قصد النائب النيابة في عمله عن المنوب عنه ، لا على نفس العمل ، بحيث إذا قصد النائب الإتيان بذات العمل المستأجر عليه للاُجرة ، أو قصد الإتيان به بداعي أمره سبحانه بازاء الاُجرة كان عمله باطلا .

ولكن يرد عليه أولا : ما ذكرناه في جواب المصنّف .

وثانياً : أنّ الأوامر المتوجّهة إلى شخص غريبة عن شخص آخر ، وعليه فلا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وهو المحقّق الإصفهاني في كتاب الإجارة (بحوث في الفقه) : 227 .

(2) منية الطالب 1 : 54 .

 
 

ــ[721]ــ

معنى لسقوطها عن المنوب عنه بامتثال النائب ، كما أنه لا معنى لاعتبار قصد التقرّب في الأمر المتوجّه إلى النائب بلحاظ اعتباره في الأمر المتوجّه إلى المنوب عنه  . والتوجيه المذكور أشبه شيء بدعوى سقوط الأمر بالصوم بامتثال الأمر المتعلّق بالصلاة ، وأشبه شيء أيضاً بدعوى اعتبار قصد التقرّب في الأمر بغسل الثوب بلحاظ الأمر العبادي المتعلّق بالحجّ .

وثالثاً : أنّا لو سلّمنا صحّة ذلك ، ولكنّه إنّما يجري في النيابة عن الأحياء ، فإنّ الأوامر المتوجّهة إلى الأموات في حياتهم قد انقطعت بالموت ، فلا يبقى هنا أمر لكي يقصده النائب في امتثال العمل المنوب فيه ويأتي به بقصد التقرّب والإخلاص وهذا لا ينافي اشتغال ذمّة الميّت بالعبادات الفائتة كما هو واضح .

ورابعاً : أنّا لو أغمضنا عن ذلك أيضاً ، ولكنّه إنّما يتمّ مع توجّه الأمر إلى المنوب عنه ، مع أنّا نرى بالعيان ونشاهد بالوجدان صحّة النيابة عنه حتّى فيما لم يتوجّه إليه أمر أصلا ، كنيابة أشخاص غير محصورين عن الميّت أو عن غيره في جهات مستحبّة ، كالطواف ونحوه ، بداهة انتفاء الأمر حينئذ عن المنوب عنه ، فإنّ توجّهه إليه مشروط بالقدرة ، وواضح أنّ المنوب عنه لا يقدر على الإتيان باُمور غير محصورة ، وكذلك تجوز النيابة في الحجّ عمّن لا يقدر عليه ، مع أنه لا أمر حينئذ للمنوب عنه أصلا .

والتحقيق : أنّ الأمر الاستحبابي(1) متوجّه إلى جميع الناس للنيابة في العبادة عن الميّت ، بل الحي في بعض الموارد ، ولا شبهة أنّ هذا الأمر الاستحبابي المتوجّه إلى كل أحد أمر عبادي ، فيعتبر فيه قصد التقرّب والإخلاص ، وقد يكون واجباً إذا تعلّقت به الإجارة ، وقد تقدّم بيان ذلك آنفاً ، وعليه فالنائب عن الغير في امتثال

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع الوسائل 8 : 276 / أبواب قضاء الصلوات ب12 .

ــ[722]ــ

عباداته إنّما يتقرّب إلى الله تعالى بالأمر المتوجّه إلى نفسه ، من دون أن يكون له مساس بالأمر العبادي المتوجّه إلى المنوب عنه ، بل لا يعقل أن يقصد النائب تقرّب المنوب عنه ويمتثل أمره ، أو يتقرّب إلى الله بأمر المنوب عنه ويمتثله ، وعلى ما ذكرناه فمورد الإجارة هو الواجبات أو العبادات المنوب فيها ، وقد تقدّم أنّ صفة الوجوب أو صفة العبادة لا تنافي الإجارة .

جواز أخذ الاُجرة على المستحبّات

قوله : وأمّا المستحبّ .

أقول : العمل المستأجر عليه قد يكون حراماً ، وقد يكون واجباً ، وقد يكون مكروهاً ، وقد يكون مباحاً ، وقد يكون مستحبّاً . أمّا الحرام والواجب فقد تقدّم الكلام عنهما ، وأمّا المكروه والمباح فلم يستشكل أحد في صحّة الإجارة لهما .

وأمّا المستحبّ فالمعروف بين الشيعة والسنّة(1) هو جواز أخذ الاُجرة عليه
بل هو مقتضى القاعدة الأوّلية ، إذ لا نرى مانعاً عن شمول العمومات الدالّة على صحّة المعاملات لذلك ، فقد عرفت آنفاً أنّ صفة العبادية وكذا صفة الوجوب لا تنافي الإجارة أو الجعالة ، وكذلك صفة الاستحباب ، فإنّها لا تنافيهما بطريق الأولوية .

وعلى هذا فلا وجه لتطويل الكلام في تصوير النيابة في المستحبّات ، كما لا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في الفقه على المذاهب الأربعة 3 : 122 عن المالكية جوّزوا أخذ الاُجرة على بعض الاُمور المستحبّة . وفي ص126 عن الشافعية : تصحّ الإجارة على كل مسنون كالأذان والإقامة وعلى ذكر الله كالتهاليل . وفي ص130 عن الحنابلة : لا تصحّ الإجارة على كل فعل قربي .

وقد تقدّم رأي الحنفية في الإجارة على الطاعة في ص698 .

ــ[223]ــ

وجه للفرق فيها بين ما يتوقّف ترتّب الثواب على قصد التقرّب والإخلاص كالإتيان بالنوافل والزيارات ، وبين ما لا يتوقّف ترتّب الثواب على ذلك كبناء المساجد والقناطر ونحوهما .

من كان أجيراً لغيره في الطواف

لم يجز له أن يقصده لنفسه

قوله : فلو استؤجر لإطافة صبي أو مغمى عليه فلا يجوز الاحتساب في طواف نفسه .

أقول : قد ذكر الأصحاب هنا وجوهاً ، بل أقوالا :

الأول : جواز الاحتساب مطلقاً ، وقد استظهره المصنّف من الشرائع(1)والقواعد(2) على إشكال في الثاني .

الثاني : عدم جواز الاحتساب مطلقاً حتّى في صورة التبرّع ، وقد حكاه بعض الأعاظم عن بعض الشافعية(3).

الثالث : عدم جواز الاحتساب عن نفسه فيما إذا استؤجر للإطافة بغيره ، أو لحمله في الطواف . وقد نسبه المصنّف إلى جماعة منهم الإسكافي(4).

الرابع : ما ذكره العلاّمة في المختلف(5) من الفرق بين الاستئجار للطواف به

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الشرائع 1 : 162 .

(2) القواعد 1 : 411 .

(3) لاحظ المهذّب (للشيرازي) 1 : 229 ، والمجموع 8 : 28 ، ونهاية المحتاج 3 : 289 .

(4) حكاه عنه العلاّمة في المختلف 4 : 202 .

(5) المختلف 4 : 202 .

ــ[224]ــ

وبين الاستئجار لحمله في الطواف ، فإنّه منع عن احتساب ذلك لنفسه في الأول دون الثاني .

الخامس : ما ذكره في المسالك(1) من أنّه إذا كان الحامل متبرّعاً أو حاملا بجعالة أو كان مستأجراً للحمل في طوافه أمكن أن يحتسب كل منهما طوافه عن نفسه وأمّا لو كان مستأجراً للحمل مطلقاً لم يحتسب ، لأنّ الحركة المخصوصة قد صارت مستحقّة عليه لغيره ، فلا يجوز صرفها إلى نفسه .

والتحقيق : أنّ المؤجر قد يكون أجيراً عن الغير في الطواف ونائباً عنه في إيجاد العمل المعيّن في الخارج ، وقد يكون أجيراً للإطافة به ، وقد يكون أجيراً لحمله في الطواف .

أمّا الصورة الاُولى فإنّه لا يجوز للأجير أن يقصد الطواف لنفسه حينما يأتي بالعمل المستأجر عليه ، لأنّ الإجارة تقتضي اختصاص العمل المستأجر عليه بالمستأجر ، ولذا لو فوّته أحد يضمنه له . والأمر بالطواف المتوجّه إلى الأجير يقتضي الإتيان به عن نفسه ، وعدم إجزائه عن غيره كما هو مقتضى القاعدة في جميع الأوامر المسوقة لبيان الأحكام التكليفية .

وبعبارة اُخرى : أنّ المستأجر إنّما يستحق الحركات المخصوصة على الأجير لكونها مملوكة له ، فلا يجوز للأجير أن يحتسبها عن نفسه . ولعلّه إلى هذا أشار في المسالك في عبارته المتقدّمة .

وأمّا إذا كان أجيراً لحمل غيره في الطواف أو للإطافة به ، فهل يجوز له أن يقصد الطواف لنفسه حينما يحمل المستأجر للطواف ، أم لا ؟ قد يقال بالثاني ، لأنّ الحركات المخصوصة الصادرة من الأجير مملوكة للمستأجر ، فلا تقع عن الأجير

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المسالك 2 : 177 .

ــ[725]ــ

نظير الصورة السابقة .

ولكن الظاهر هو الجواز ، تبعاً لجمّ غفير من الأصحاب ، وقد تقدّم رأيهم . والوجه في ذلك أنّ ما يستحقّه المستأجر على الأجير إنّما هو الحمل فقط ، ومن الواضح أنّه حاصل على كل حال ، لأنّ شأن الأجير في هذه الصورة شأن الدابة التي يركبها العاجز عن المشي للطواف ، وعليه فلا تنافي بين كون شخص أجيراً لحمل غيره في الطواف ، وبين أن يقصد الطواف لنفسه في هذه الحالة .

والذي يدلّنا على ذلك أمران ، الأول : أنّه إذا لم يتّصف الحامل في هذه الصورة بما اعتبر في الطائف من الشرائط ـ كالمشي على القهقرى مثلا ـ لم يضرّ بطواف المحمول إذا كان واجداً لشرائط الطواف ، ومن المقطوع به أنّه لو كان مصبّ الإجارة هو الطواف عن الغير بعنوان النيابة لما حصل العمل المستأجر عليه في الخارج .

الثاني : أنّه ورد في جملة من الأخبار(1) جواز حمل الغير في الطواف مع العجز عنه ، وهي بإطلاقها تدلّ على ما ذكرناه ، على أنّه لو كان مورد هذه الأخبار غير الإجارة فإنّها تدلّ أيضاً على صحّة ذلك ، لأنّها ظاهرة في أنّ حمل غيره في الطواف

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) عن هيثم التميمي قال « قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : رجل كانت معه صاحبته ، لا تستطيع القيام على رجلها ، فحملها زوجها في محمل فطاف بها طواف الفريضة بالبيت وبالصفا والمروة ، أيجزيه ذلك الطواف عن نفسه طوافه بها ؟ قال : ايها الله إذاً » . وهي حسنة بإبراهيم ابن هاشم . قوله : « ايها إلخ » معناه : إي والله يكون ذا ، فالهاء عوض عن واو القسم ، كما ذكره جمع من النحاة  .

وعن حفص بن البختري عن أبي عبدالله (عليه السلام) « في المرأة تطوف بالصبي وتسعى به ، هل يجزي ذلك عنها وعن الصبي ؟ قال : نعم » وهي حسنة بإبراهيم ] لا يخفى خلو سند الكليني في الأُولى والشيخ في الثانية من علي بن إبراهيم ، فلاحظ [ .

راجع الوافي 13 : 897 / 1 ، 4 ، والوسائل 13 : 396 / أبواب الطواف ب50 ح4 ، 3 .

ــ[726]ــ

لا ينافي قصد الحامل الطواف لنفسه ، لكون كل منهما بعيداً عن الآخر .

حرمة أخذ الاُجرة على الأذان

قوله : لا يجوز أخذ الاُجرة على أذان المكلّف لصلاة نفسه .

أقول : المعروف بين الأصحاب حرمة أخذ الاُجرة على الأذان ، بل في المستند(1) حكى الإجماع عليها ، وعلى هذا النهج بعض فقهاء العامّة(2).

والتحقيق : أنّ مقتضى القاعدة هو جواز أخذ الاُجرة على الواجبات وعلى المستحبّات ، تعبّدية كانت أم توصّلية ، لكونها من الأعمال المحترمة التي تقابل بالمال فتكون المعاملة عليها مشمولة للعمومات ، وأنّ صفة الوجوب أو صفة العبادية أو اقتران العمل العبادي بالدواعي غير القربية لا تنافي التقرّب والإخلاص ، إلاّ مع الدليل الخارجي ، كامتثال العبادات بداعي الرياء ، وقد عرفت ذلك كلّه آنفاً .

ومن هنا يتجلّى لك جواز أخذ الاُجرة على الأذان وعلى الإمامة إذا كانا ممّا يرجع نفع من ذلك إلى الغير ، بحيث يصحّ لأجله الاستئجار ، كالإعلام بدخول الوقت ، أو الاجتزاء به في الصلاة ، والاقتداء بالإمام .

ولكن قد سمعت في مقدّمة البحث عن أخذ الاُجرة على الواجب أنّ مورد الكلام فيما إذا كان العمل المستأجر عليه حاوياً لشرائط الاستئجار مع قطع النظر عن كونه واجباً أو مستحبّاً ، وعن كونه تعبّدياً أو توصّلياً ، وعليه فلو منع الشارع عن أخذ الاُجرة على عمل خاصّ ، وتعلّق غرضه بكونه مجانياً ، فإنّه خارج عن حريم البحث ، ولا يختصّ ذلك بالعبادات ، ولا بالواجبات والمستحبّات ، ومن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المستند 14 : 183 .

(2) قد تقدّمت الإشارة إلى آرائهم في ص698 .

ــ[727]ــ

الواضح جدّاً أنّه ثبت في الشريعة المقدّسة عن أهل بيت العصمة (عليهم السلام) حرمة أخذ الاُجرة على الأذان وعلى الإمامة(1).

قوله : وعلى الأشبه كما في الروضة . أقول : هذا سهو من قلمه الشريف  ، فإنّه ذكر الشهيد (رحمه الله) في الروضة : والاُجرة على الأذان والإقامة على أشهر القولين(2).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ففي الوسائل 5 : 447 / أبواب الأذان والإقامة ب38 ح1 في رواية السكوني قال النبي (صلّى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) : « ولا تتّخذنّ مؤذّناً يأخذ على أذانه أجراً » وهي ضعيفة بالنوفلي .

وفي الوسائل 16 : 279 / أبواب الأمر والنهي ب41 ح6 في حسنة حمران ـ بابن هاشم  ـ الواردة في فساد الدنيا واضمحلال الدين : « ورأيت الأذان بالأجر والصلاة بالأجر » .

وفي 17 : 157 / أبواب ما يكتسب به ب30 ح1 عن زيد بن علي عن أبيه عن آبائه عن علي (عليهم السلام) « أنّه أتاه رجل فقال : ياأمير المؤمنين والله إنّي اُحبّك لله ، فقال له : لكنّي أبغضك لله  ! قال : ولِمَ ؟ قال : لأنّك تبغي في الأذان وتأخذ على تعليم القرآن أجراً » وهي ضعيفة بعبدالله بن منبه ، والحسين بن علوان . ورواها الصدوق ] في الفقيه 3 : 109 / 461   [مرسلا إلاّ أنّه قال : « تبتغي في الأذان كسباً » .

وفي الوسائل 27 : 378 / كتاب الشهادات ب32 ح6 عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « لا تصلّ خلف من يبغي على الأذان والصلاة بالناس أجراً ، ولا تقبل شهادته » وهي صحيحة .

وفي المستدرك 4 : 51 / أبواب الأذان والإقامة ب30 ما يدلّ على ذلك .

(2) الروضة البهية 3 : 217 .

ــ[728]ــ

أخذ الاُجرة على الشهادة

قوله : ثمّ إنّ من الواجبات التي يحرم أخذ الاُجرة عليه عند المشهور تحمل الشهادة بناءً على وجوبه .

أقول : ذهب المشهور من فقهائنا وفقهاء العامّة إلى وجوب الشهادة تحمّلا وأداءً ، كما يظهر لمن يراجع كلماتهم في مواردها ، وهذا هو الظاهر من الكتاب الكريم(1) ومن الروايات المذكورة في أبواب الشهادات ، وعليه فأخذ الاُجرة على الشهادة من صغريات أخذ الاُجرة على الواجب ، وقد عرفت سابقاً(2) ذهاب المشهور إلى حرمة أخذها عليه .

ولكن قد علمت فيما تقدّم(3) أنّ مقتضى القاعدة هو جواز أخذ الاُجرة على الواجبات مطلقاً ما لم يثبت منع من الخارج ، ومن المعلوم أنّا لم نجد في أدلّة وجوب الشهادة ما يمنع عن ذلك .

بل الظاهر من بعض الروايات الواردة في قوله تعالى : (وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا) أنّ المنفي في الآية هو أن يقول المدعو إلى الشهادة : لا أشهد على الواقعة(4)، وواضح أنّ هذا لا ينافي جواز أخذ الاُجرة على الشهادة . نعم لو امتنع المشهود له عن إعطاء الاُجرة وجب على الشاهد أن يشهد بالواقعة مجّاناً .

هذا كلّه إذا كان تحمّل الشهادة أو أداؤها واجباً عينياً ، وأمّا إذا كان كل منهما

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وهو قوله تعالى : (وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا) وقوله تعالى : (وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) البقرة 2 : 282 ـ 283 .

(2) راجع ص697 .

(3) في ص701 .

(4) راجع الوسائل 27 : 309 / كتاب الشهادات ب1 ح2 ، 5 ، 10 .

ــ[729]ــ

واجباً كفائياً فقد تقدّم(1) أنّ أخذ الاُجرة على الواجب الكفائي مع عدم الانحصار خارج عن محل الكلام ، فإنّه واجب على جميع المكلّفين ، لا على شخص واحد معيّن  . ثمّ إنّه لا يستفاد من أدلّة وجوب الشهادة إلاّ كونها واجبة على نهج بقية الأحكام التكليفية الكفائية أو العينية ، من غير أن يستفاد منها كون التحمّل أو الأداء حقّاً للمشهود له .

ثمّ إنّه قد يقال بحرمة أخذ الاُجرة على مطلق التعليم أو على تعليم القرآن ولكنّه فاسد ، فقد ثبت جواز ذلك في جملة من الأخبار(2) وفي بعضها وقع الإزراء على القائلين بالحرمة ، ورميهم إلى الكذب وعداوة الحقّ . نعم لا نضايق من القول بالكراهة ، لورود النهي عن ذلك في بعض الأخبار المحمول على الكراهة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع ص710 .

(2) ففي الوسائل 17 : 154 / أبواب ما يكتسب به ب29 ح1 ، 2 . والكافي 5 : 121 / باب كسب المعلّم . والوافي 17 : 237 / 1 ، 2 في رواية حسّان المعلّم عن أبي عبدالله (عليه السلام) : « لا تأخذ على التعليم أجراً » وهي ضعيفة بحسّان وفضل بن كثير .

وفي رواية الفضل عنه (عليه السلام) « إنّ هؤلاء يقولون : إنّ كسب المعلّم سحت ؟ فقال : كذبوا أعداء الله » الحديث . وهو ضعيف بفضل . وقد تقدّمت الرواية في ص73 .

وفي المصدر المزبور من الوسائل ح8 عن الصدوق ] في الفقيه 3 : 109 / 461 [ قال (عليه السلام)  : « من أخذ على تعليم القرآن أجراً كان حظّه يوم القيامة » وهو مرسل .

وفي المستدرك 13 : 116 / أبواب ما يكتسب به ب26 ما يدلّ على حرمة الأُجرة على تعليم القرآن ، ولكنّه ضعيف السند .

وقد أخرج البيهقي في سننه 6 : 124 أحاديث تدلّ على جواز أخذ المعلّم الاُجرة للتعليم
وأحاديث اُخرى تدلّ على كراهة أخذها لتعليم القرآن .

ــ[730]ــ

وعلى هذا المنهج المشهور من العامّة(1) على أنّ الروايات الواردة في حرمة كسب المعلّم وجوازه ضعيفة السند ، فيرجع إلى عمومات ما دلّ على جواز الكسب .

ثمّ إنّه لا يجوز أخذ الاُجرة على القضاء للروايات الخاصّة(2) وأنّ الظاهر من آية النفر(3) الآمرة بالتفقّه في الدين ، وإنذار القوم عند الرجوع إليهم أنّ الإفتاء أمر مجّاني في الشريعة المقدّسة ، فيحرم أخذ الاُجرة عليه . ويؤيّده قوله تعالى : (قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)(4).

الارتزاق من بيت المال

قوله : بقي الكلام في شيء إلخ(5).

أقول : حاصل كلامه : أنّ معظم الأصحاب قد صرّحوا بجواز الارتزاق من بيت المال لكل من يحرم عليه أخذ الاُجرة على الإتيان بالواجبات ، كالقضاء

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قد تقدّمت الإشارة إلى آرائهم في ص73 .

(2) ففي الوسائل 17 : 95 / أبواب ما يكتسب به ب5 ح12 ] أي [ في صحيحة عمّار بن مروان جعل الإمام (عليه السلام) من السحت اُجور القضاة .

وفي المستدرك 13 : 69 / أبواب ما يكتسب به ب5 ح1 عن الجعفريات ] 299 / 1235 [عن علي (عليه السلام) إنّه جعل من السحت أجر القاضي .

وفي حسنة ابن سنان بابن هاشم سئل أبو عبدالله (عليه السلام) « عن قاض بين قريتين يأخذ من السلطان على القضاء الرزق ؟ فقال : ذلك السحت » . وقد تقدّمت الإشارة إلى مصادرها في ص417 .

(3) التوبة 9 : 122 .

(4) الشورى 42 : 23 .

(5) المكاسب 2 : 153 .

ــ[731]ــ

والإفتاء وتجهيز الميّت ، أو الإتيان بالمستحبّات كالأذان ونحوه ، والوجه في ذلك : أنّ بيت المال معدّ لمصالح المسلمين ، وهذه الموارد من جملتها ، لعود النفع إليهم ، فإنّ أي شخص إذا أتى بأي شيء يرجع إلى الجهات الراجعة إلى مصالح المسلمين ـ  كالاُمور المذكورة وغيرها ـ جاز لولي الأمر أن يدرّ عليه من بيت المال ما يرفع به حاجته .

ولا يفرق في ذلك بين أن يكون المقدار المقرّر لهم أقل من اُجرة المثل أو مساوياً لها أو أكثر منها ، ولا بين أن يكون تعيين ذلك قبل قيام هؤلاء بالوظائف المقرّرة عليهم أو بعده ، بل يجوز لولي المسلمين أن يقول لأحد منهم : اقض في البلد أو أذّن وأنا أكفيك مؤونتك من بيت المال ، ولا يكون ذلك إجارة ولا جعالة .

نعم يشترط في جواز الارتزاق من بيت المال أن يكون المتصدّي للمناصب المذكورة والوظائف المقرّرة من ناحية الشرع محتاجاً إليه ، بحيث لا يقدر على قوت نفسه وعياله ولو بالتكسّب ، وإلاّ فلا يجوز له الارتزاق من بيت المال ، فإنّه تضييع لحقوق المسلمين .

أقول : لو قلنا بحرمة أخذ الاُجرة على الواجبات أو المستحبّات فإنّ الأدلّة الدالّة على الحرمة مختصّة بعنوان الاُجرة والجعل فقط ، فلا تشمل بقيّة العناوين المنطبقة على المتصدّين لتلك الوظائف ، كالارتزاق من بيت المال ، فإنّه معدّ لمصالح المسلمين ، فيجوز صرفه في أي جهة ترجع إليهم وتمسّ بهم ، بل يجوز لهؤلاء المتصدّين للجهات المزبورة أن يمتنعوا عن القيام بها بدون الارتزاق من بيت المال إذا كان العمل من الاُمور المستحبّة ، وعليه فلا وجه لاعتبار الفقر والاحتياج في المرتزقة كما ذهب إليه جمع كثير من أعاظم الأصحاب .

لا يقال : إذا صار القضاء وأمثاله من الواجبات العينية كان شأن ذلك شأن الواجبات العينية الثابتة على ذمم أشخاص المكلّفين ، كالصلاة والصوم والحجّ

ــ[732]ــ

ونحوها ، ومن الواضح جدّاً أنّه لا يجوز الارتزاق من بيت المال بازائها .

فإنّه يقال : إنّ القضاوة ونحوها وإن كانت من الواجبات العينية فيما إذا انحصر القاضي بشخص واحد . ولكنّها ممّا يقوم به نظام الدين ، فتكون من الجهات الراجعة إلى مصالح المسلمين ، وقد عرفت أنّ مصرف بيت المال إنّما هو تلك المصالح  . فلا يقاس القضاء وأمثاله بالواجبات العينية ابتداءً ، خصوصاً إذا أراد القاضي أن ينتقل من بلده إلى بلد آخر ، بل الأمر كذلك في جميع الواجبات العينية إذا توقّف على الإتيان بها ترويج الدين ومصلحة المسلمين .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net