ب ـ فيما إذا كانت الاُصول والأمارات متعارضة ومقتضى القواعد 

الكتاب : مصباح الفقاهة في المعاملات - المكاسب المحرمة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1905


وأمّا الناحية الثانية ـ وهي ما كانت الاُصول معارضة في أطراف الشبهة  ـ فتفصيل الكلام فيها يقع تارةً من حيث القواعد ، واُخرى من حيث الروايات .

أمّا من حيث القواعد : فإنّ الجائر قد يجيز التصرّف في شيء معيّن من أمواله أو يعطيه لأحد مجّاناً أو مع العوض ، وقد يجيز التصرّف في جميع أمواله على نحو العموم الاستيعابي ، وقد يجيز التصرّف في شيء منها على نحو العموم البدلي .

أمّا القسم الأول : فلا شبهة في انحلال العلم الإجمالي فيه إلى شكّ بدوي وعلم تفصيلي ، لأنّ الآخذ يعلم تفصيلا بحرمة التصرّف في بقيّة أموال الجائر ، إمّا لكونها مغصوبة ، أو لأنّه لم يُجِز التصرّف فيها . وأمّا خصوص ما أخذه من الجائر فيجوز له التصرّف فيه ، استناداً إلى يد الجائر التي هي أمارة الملكية ، ولا تكون معارضة بيده في الطرف الآخر ، لما عرفت من حرمة التصرّف فيه على كل تقدير . ومع الإغضاء عن الاستناد إلى قاعدة اليد فلابدّ من التفصيل بين الأموال التي كانت مسبوقة بيد اُخرى ، وبين الأموال التي اُخذت من المباحات الأصلية ، فإنّ أصالة عدم الانتقال في الأول حاكمة على أصالة الحل .

وأمّا القسم الثاني : فلا ريب في تنجيز العلم الإجمالي فيه ، لتعارض الاُصول وتساقطها في أطرافه ، وكون التكليف منجّزاً على كل تقدير ، كما إذا كان للجائر عشرون ديناراً ، فأجاز لأحد أن يتصرّف في جميعها ، وكان المجاز يعلم أنّ أحد هذه الدنانير حرام ، فإنّه يحرم عليه التصرّف في جميعها .

وأمّا القسم الثالث : فقد يتوهّم فيه انحلال العلم الإجمالي إلى شكّ بدوي وعلم تفصيلي على التقريب المتقدّم في القسم الأول ، ومثاله إذا أعطى الجائر كيسه لشخص ، وقال له : خذ منه ديناراً ، وكان الآخذ يعلم إجمالا باشتمال الكيس على دينار محرّم ، فإنّ اختياره ديناراً خاصّاً إنّما يعيّن متعلّق إذن الجائر ، فكأنّه من الأول

ــ[759]ــ

إنّما أذن في التصرّف في ذلك الدينار المعيّن ، فيجري في هذا القسم جميع ما ذكرناه في القسم الأول .

ولكن التحقيق أنّه لا فرق في تنجيز العلم الإجمالي بين القسم الثاني والثالث والوجه في ذلك ما فصّلناه في علم الاُصول(1)، ومجمله : أنّ العلم الإجمالي بالتكليف الثابت بين الأطراف المعيّنة التي هي بأجمعها في معرض الابتلاء يقتضي الاجتناب عن الجميع ، وعليه فالترخيص في ارتكاب ما يختاره المكلّف ترخيص في مخالفة الحكم المنجّز ، من غير وجود مؤمّن في البين . وأصالة عدم كون ما يختاره المجاز حراماً معارضة بأصالة عدم كون الباقي حراماً ، إذن فيجب الاجتناب عن الجميع .

وبعبارة اُخرى : أنّ المناط في تنجيز العلم الإجمالي إنّما هو تعارض الاُصول في أطرافه ، سواء أكان المكلّف مع ذلك متمكّناً من ارتكابها على نحو العموم الشمولي ، أو على نحو العموم البدلي بأن لا يتمكّن من ارتكاب المجموع ، كما إذا قال المولى لعبده : يحرم عليك السكنى في الدار المعيّنة عند طلوع الفجر ، فاشتبه عليه متعلّق التكليف بين دارين ، فإنّه يجب عليه الاجتناب عن كلتا الدارين ، مع أنّه غير متمكّن من السكنى فيهما معاً عند طلوع الفجر ، فإنّ عدم تمكّن المكلّف من ارتكاب مجموع الأطراف لا يمنع عن تنجيز العلم الإجمالي إذا تمكّن من ارتكابها على البدل .

وقد يقال بانحلال العلم الإجمالي أيضاً في هذا القسم ، لوجوه :

الأول : قاعدة اليد . وفيه : أنّ قاعدة اليد إنّما توجب الانحلال إذا أجاز الجائر التصرّف في مال معيّن كما تقدّم في القسم الأول ، وأمّا إذا أذن في التصرّف في مال غير معيّن على نحو العموم البدلي فإنّ قاعدة اليد في أي فرد اختاره المجاز معارضة لها في الطرف الآخر ، فلا توجب انحلال العلم الإجمالي .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الاُصول 2 (موسوعة الإمام الخوئي 47) : 421 .

ــ[760]ــ

الثاني : قاعدة من ادّعى شيئاً ولم يعارضه أحد في دعواه يحكم بكون الشيء ملكاً له .

وفيه : أنّ القاعدة المذكورة وإن وردت في بعض الأحاديث(1) ولكنّها غريبة عن المقام ، للعلم بوجود الحرام فيما بيد الجائر . على أنّ الرواية واردة في قضية شخصية ، فلا يمكن التعدّي منها إلى غيرها ، للجهل بخصوصياتها .

الثالث : أنّ حمل فعل المسلم على الصحّة يقتضي معاملة ما بيد الجائر معاملة الملكية .

وفيه : مضافاً إلى ما أوردناه على الوجه الأول ، أنّه قد يراد من أصالة الصحّة حمل فعل المسلم على الصحيح فيما إذا كان ذا وجهين ـ الحلال والحرام ـ ولا شبهة أنّ حمله على الوجه الحلال لا يوجب ترتّب آثاره عليه ، كما إذا تكلّم المسلم بكلام احتملنا أنّه سلام أو سباب ، فحمل فعله على الصحّة يقتضي أن لا يكون سباباً ولكن ذلك لا يثبت كونه سلاماً فيجب ردّ جوابه . فإذا حملنا فعل الجائر على الصحّة بهذا المعنى لم يفد ذلك شيئاً ، ولم تترتّب عليه آثار الصحّة ، من الحكم بملكية المأخوذ وجواز التصرّف فيه .

وقد يراد بها أصالة الصحّة في العقود ، ولا ريب أنّها لا تثبت كون العوضين ملكاً للمتبايعين ، وإنّما تثبت بها صحّة العقود إذا شكّ فيها لأمر يرجع إلى الصيغة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) عن منصور بن حازم عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال « قلت : عشرة كانوا جلوساً ، وسطهم كيس فيه ألف درهم ، فسأل بعضهم بعضاً ألكم هذا الكيس ؟ فقالوا كلّهم : لا ، وقال واحد منهم : هو لي ، فلمن هو ؟ قال : للذي ادّعاه » . وهي مرسلة . راجع الوسائل 27 : 273 / أبواب كيفية الحكم ب17 ح1 ] لكن رواها الشيخ في التهذيب 6 : 292 / 810 ـ كما ذكره أيضاً صاحب الوسائل ـ مسندة [ .

 
 

ــ[761]ــ

لعدم الدليل على أزيد من ذلك . فأصالة الصحّة إمّا أن لا تكون جارية ، أو لا تثبت بها لوازمها .

وأمّا من حيث الروايات : فقد استدلّ على جواز التصرّف في المأخوذ إذا علم إجمالا باشتمال مال الجائر على الحرام بطوائف من الروايات :

الاُولى : الأخبار الواردة في باب الربا(1) الدالّة على وجوب ردّ الزائد عن رأس المال إلى مالكه إذا كان معلوماً ، وأمّا إذا كان المالك مجهولا فهو حلال للآخذ . وقد استدلّ بها السيّد في حاشيته(2) على جواز التصرّف في الجائزة ولو مع العلم إجمالا باشتمالها على الحرام .

وفيه : أنّ هذه الأخبار غريبة عمّا نحن فيه ، لأنّها راجعة إلى حلّية الربا بعد التوبة ، ودالّة على عفو الله عن ذلك تسهيلا للمكلّفين وترغيباً في التوبة ، وعليه فالتوبة شرط متأخّر لحلّية الربا مع الجهل بصاحبه . وقد ورد في تفسير قوله تعالى  : (فَلَهُ مَا سَلَفَ)(3) ما يدلّ على العفو عن الربا وضعاً وتكليفاً بعد التوبة(4). وحينئذ فشأن الربا شأن الموارد التي أذن الشارع في التصرّف في أموال الناس بدون إذنهم كأكل طعام الغير في المجاعة ، والتصرّف في اللقطة بعد التعريف ، وفي الأراضي المتّسعة والأنهار الكبار ، وكالتصرّف في الأراضي المغصوبة لإنقاذ الغريق ، إلى غير ذلك من الموارد .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع الوسائل 18 : 128 / أبواب الربا ب5 ، والوافي 17 : 377 / 6 ، 7 ، 12 . والكافي 5 : 145 ح4 ، 5 .

(2) حاشية المكاسب (اليزدي) : 33 .

(3) البقرة 2 : 275 .

(4) راجع البابين المتقدّمين من الوافي ] ح23 ، 24 [ والوسائل ] ح7 ، 10 [ .

ــ[762]ــ

الطائفة الثانية : الأخبار الدالّة على حلّية الأشياء ما لم تثبت حرمتها(1) فإنّها تدلّ بإطلاقها على جواز التصرّف فيما اُخذ من الظالم ما لم تعلم حرمته تفصيلا  .

ولكن يرد عليها أنّ العمل بإطلاقها يقتضي الحكم بجواز ارتكاب جميع الشبهات ، سواء كانت مقرونة بالعلم الإجمالي أم لا ، وسواء كانت الشبهة محصورة أم لا ، ومن الضروري أنّ هذا ممّا لا يمكن الالتزام به ، وعليه فلابدّ من حمل تلك الأخبار على فرض كون الشبهة بدوية .

وبعبارة اُخرى : أنّ تلك الأخبار منصرفة عن موارد العلم الإجمالي إذا كانت في معرض الابتلاء ، فإنّ شمولها لجميع الأطراف يستلزم المخالفة القطعية ولأحدهما المعيّن ترجيح بلا مرجّح ، وعنوان أحدهما من غير تعيين ليس له مصداق غير الأفراد الخارجية ، والفرد المردّد لا وجود له حتّى في علم الله . على أنّ القائلين بجواز أخذ الجائزة من الجائر كالشهيدين(2) والمحقّق(3) وغيرهم لم يقولوا بجواز المخالفة القطعية في أطراف العلم الإجمالي .

قوله : وقد تقرّر حكومة قاعدة الاحتياط على ذلك . أقول : العجب من المصنّف ، فإنّه قد أسّس المباني الاُصولية ، وشيّد أساس تقديم أدلّة البراءة على أدلّة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع الوسائل 24 : 235 / أبواب الأطعمة المحرّمة ب64 ، والتهذيب 9 : 79 / 336
337 ، والبحار 2 : 272 / 12 ، 19 ، 20 وغيرها ، والوسائل 17  : 87 / أبواب ما يكتسب به ب4 .

(2) الدروس 3 : 170 ، المسالك 3 : 141 .

(3) الشرائع 2 : 11 .

ــ[763]ــ

الاحتياط ، ومع ذلك التزم هنا بحكومة قاعدة الاحتياط على البراءة .

قوله : على أنّ اليد لا تؤثّر فيه . أقول : الوجه في ذلك ما تقدّم من أنّ جريان قاعدة اليد في بعض الأطراف معارض بجريانها في الطرف الآخر ، للعلم بمخالفتها للواقع في أحد الطرفين .

قوله : فهو على طرف النقيض ممّا تقدّم عن المسالك . أقول : الوجه فيه  : أنّ القول بعدم وجوب الاحتياط يناقض القول بوجوبه ، كما أنّ القول بخروج جوائز الظالم عن مورد الشبهة المحصورة تخصّصاً يناقض القول بخروجها عن ذلك تخصيصاً  .

الطائفة الثالثة : الأخبار الدالّة على جواز أخذ الجوائز من الجائر ، سواء كان الأخذ مع العوض أم بدونه ، وقد تقدّمت جملة من هذه الروايات(1).

وفيه : أنّ المستدلّ بهذه الأخبار إمّا أن يدّعي ظهورها في الحلّية الواقعية ، أو يدّعي ظهورها في الحلّية الظاهرية . أمّا الدعوى الاُولى فحاصلها : أنّ الشارع قد حكم بأنّ أخذ المال من الجائر يوجب حلّيته واقعاً ، نظير تخميس المال المختلط بالحرام ، بناءً على كونه مطهّراً للمال المذكور واقعاً . وهذه الدعوى وإن كانت لا غرابة فيها في نفسها ، لأنّ الشارع قد أباح التصرّف في مال الغير بدون إذنه إباحة واقعية في موارد كثيرة ، كأكل طعام الغير في المجاعة ، والتصرّف في أرضه لإنجاء الغريق ، وأكل المارّة من ثمرته ، وأكل اللقطة بعد التعريف المقرّر في الشريعة والتصرّف في الأراضي المتّسعة والأنهار الكبار ، وكالتصرّف فيما يؤخذ ممّن لا يعتقد الخمس ، فإنّ الأئمّة قد جعلوا شيعتهم في حلّ من ذلك واقعاً ليطيب نسلهم . ولكن لا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في البحث عن أخذ المال من الجائر مع الشك في وجود الحرام في أمواله ص746 وما بعدها .

ــ[764]ــ

يمكن الذهاب إلى ذلك في مقام الإثبات ، إلاّ فيما دلّ الدليل عليه ، كما في الموارد المذكورة . نعم يظهر ذلك من إطلاق جملة من الروايات ، كقوله (عليه السلام) في رواية أبي ولاّد المتقدّمة(1): « فلك المهنا وعليه الوزر » وغير ذلك من الأخبار . ولكن العمل بإطلاقها يقتضي إباحة أخذ الجائزة من الجائر حتّى مع العلم التفصيلي باشتمالها على الحرام ، ولم يتفوّه به أحد ، وعليه فلابدّ من رفع اليد عن إطلاقها وحمله على الشبهات البدوية ، أو المقرونة بالعلم الإجمالي الذي لا يوجب التنجيز .

ولنا أن نمنع دلالة تلك الروايات على جواز أخذ الجائزة من الجائر مطلقاً فإنّ السؤال فيها من جهة ما هو مرتكز في أذهان الناس من أنّ الجائر لا يبالي بالحرام ، وحينئذ فتكون أمواله مشتبهة بالحرام ، إذ ليست أموال الجائرين مقطوعة الحرمة ليكون ذلك احتمالا موهوناً في حقّهم . ويلوح هذا المعنى من بعض تلك الروايات ، كصحيحة أبي ولاّد التي تقدّمت ، بل الظاهر من بعضها تقييد الحكم بصورة الشكّ فقط ، كرواية إسحاق بن عمّار(2).

وأمّا الدعوى الثانية فحاصلها : أنّ المال المأخوذ من الجائر على تقدير كونه حراماً فهو باق على حرمته الواقعية ، ولكنّه حلال في الظاهر بترخيص الشارع كبقيّة الأحكام الظاهرية .

ويرد على ذلك أنّ تلك الأخبار لا يمكن شمولها لجميع الأطراف ، فإنّه ترخيص في مخالفة حكم الشارع وهو حرام ، ولبعضها دون بعض ترجيح بلا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص746 .

(2) قال : « سألته عن الرجل يشتري من العامل وهو يظلم ، قال : يشتري منه ما لم يعلم أنّه ظلم فيه أحداً » . وهي موثّقة بإسحاق بن عمّار . راجع الوسائل 17 : 221 / أبواب ما يكتسب به ب53 ح2 .

ــ[765]ــ

مرجّح  . إذن فتخرج موارد العلم الإجمالي الذي يوجب التنجيز عن حدود تلك الأخبار تخصّصاً .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net