القسم الثالث : أن يعلم تفصيلا بحرمة المال المأخوذ 

الكتاب : مصباح الفقاهة في المعاملات - المكاسب المحرمة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1875


فيما علم تفصيلا كون الجائزة محرّمة

الصورة الثالثة : وهي ما علم تفصيلا بكون الجائزة محرّمة ، وقد ظهر حكمها من الصورة السابقة ، فلا نحتاج إلى الإعادة ، وإنّما المهم هو التعرّض للاُمور التي ذكرها المصنّف في ذيل هذه الصورة .

الأمر الأول : ما هو حكم الجائزة إذا علم الآخذ تفصيلا بأنّها مغصوبة ؟ أقول  : إنّ علم الآخذ بحرمة الجائزة ، تارةً يكون قبل استقرارها في يده ، واُخرى بعده .

أمّا الجهة الاُولى فيحرم عليه أخذها اختياراً بقصد التملّك ، للعلم بكونها مال الغير وأنّه يحرم التصرّف في مال الغير بدون إذن صاحبه ، بل يحرم التصرّف حتّى مع قصد إرضاء مالكه بعده ، فإنّ التصرّف في مال الغير إنّما يجوز إذا كان المالك راضياً به حال التصرّف ، وأمّا الرضا المتأخّر فلا يؤثّر في مشروعية التصرّف المتقدّم فيكون الآخذ ضامناً للمالك مع التلف ، لأنّ يده يد عدوان . نعم يجوز أخذه لإيصاله إلى مالكه إذا كان معلوماً ، أو ليطبق عليه حكم مجهول المالك إذا كان المالك مجهولا . هذا كلّه إذا لم يخش ضرراً من الجائر لعدم أخذه ، وإلاّ فلا شبهة في جوازه ، للأخبار الدالّة على مشروعية التقية عند كل ضرورة(1).

ثمّ إنّه هل يجوز أخذ الجائزة عند التقيّة مطلقاً ، أم لا يجوز أخذها إلاّ بنيّة الردّ إلى مالكها ؟ ذهب المصنّف إلى الثاني ، بدعوى أنّ أخذه بغير نيّة الردّ تصرّف في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قد تقدّمت الإشارة إلى مصادرها في ص676 .

ــ[766]ــ

مال الغير بدون إذنه ، وأمّا التقية فلا ريب أنّها تتأدّى بقصد الردّ .

وتوضيح مرامه : أنّ عدم المندوحة وإن لم يعتبر في التقية بالنسبة إلى أصل العمل ، ولكن لا شبهة في اعتباره حال العمل . مثلا إذا اقتضت التقيّة أن يكفّر في صلاته مع سعة الوقت ، وتمكّن المكلّف من الإتيان بها بغير تكفير في بيت مظلم لا يراه أحد صحّت صلاته ، لإطلاق الروايات الدالّة على مشروعية التقيّة ، فإنّ موضوعها متحقّق حين الإتيان بالعمل على وجه التقيّة .

وأمّا إذا كانت له مندوحة حال العمل ، فتمكّن من إيقاعه على غير وجه التقيّة ، فلا شبهة في فساد عمله إذا أوقعه على وجه التقية ، فإذا تمكّن المصلّي مثلا من السجود على الأرض وعلى الفراش كليهما فلا ريب في وجوب السجود على الأرض ، وعدم كفاية السجود على الفراش ، وكذلك إذا تمكّن المتوضّي من المسح على الرجل وعلى الخفّ كليهما ، بأن كانت عنده فرقتان من العامّة ، فرقة تجّوز المسح على الخفّ ، وفرقة لا تجوّزه عليه ، فإنّه لا ريب في وجوب المسح على الرجل لوجود المندوحة . والوجه في ذلك أنّه لا يكون مشمولا لأخبار التقيّة ، لعدم تحقّق موضوعها إذا وجدت المندوحة حال العمل .

وأمّا الإكراه على أخذ الجائزة من الجائر فقد تقدّم(1) في البحث عن الإكراه على الولاية من الجائر أنّ الإكراه لا يتحقّق مع وجود المندوحة ، فإذا أكره الجائر شخصاً على شرب أحد إناءين ، أحدهما خل والآخر خمر ، فإنّه لا يجوز للمكرَه ـ  بالفتح ـ أن يشرب الخمر بتوهّم أنّه مكره عليه ، إذ الإكراه إنّما هو على الجامع لا على الفرد الخاصّ ، ومن هنا ظهر حكم الاضطرار أيضاً .

وعلى هذا فإذا اقتضت التقية أو الإكراه والاضطرار أخذ الجائزة من الجائر

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص684 ـ 685 .

ــ[767]ــ

مع العلم التفصيلي بكونها مغصوبة جاز أخذها ، بل وجب في بعض الأحيان ، ولكن التقية وأمثالها تتأدّى بأخذها بنيّة الردّ إلى مالكها ، فلا يسوغ أخذها بغير هذه النيّة  .

ثمّ إذا أخذت لا بنيّة الردّ ضمن الآخذ ما أخذه ، ووجب عليه عند التلف أداء مثلها أو قيمتها لمالكها ، لأنّ يده مشمولة لقاعدة اليد الحاكمة بضمان ما أخذت .

وأمّا إذا كان الأخذ بنيّة الردّ إلى المالك فهو لا يخلو عن إحدى ثلاث صور لأنّ الآخذ قد يكون عالماً بعدم رضا المالك بأخذ ماله من الجائر ، وقد يكون عالماً برضاه بذلك ، وقد يكون شاكّاً فيه .

فعلى الأوّل لا يجوز أخذ المال من الجائر ، فإنّ دليل سلطنة الناس على أموالهم يقتضي كون زمام المال بيد مالكه ، وليس لغيره أن يعارضه في سلطنته على ماله . مثلا إذا أطلق أحدٌ عنان فرسه ليذهب إلى البيداء لغرض عقلائي ، ولم يرض بردّه ، فإنّه لا يجوز لأحد أن يأخذه ويحفظه لمالكه بزعم أنّه إحسان إليه ، لأنّه تصرّف في مال الغير بدون إذنه ، فهو حرام . وعلى هذا فلو أخذه أحد وجب عليه أن يردّه إلى صاحبه ، لقاعدة ضمان اليد .

وعلى الثاني لا شبهة في جواز الأخذ بنيّة الردّ إلى المالك ، ولا يكون الأخذ حينئذ منافياً لسلطنته ، ويكون المال المأخوذ أمانة مالكية ، لا شرعية كما يظهر من المصنّف . والوجه في ذلك : أنّ أخذ المال من الجائر مع العلم برضا المالك يكون شأنه شأن الوديعة المأخوذة من نفس المالك .

ثم لا يخفى أنّه ليس لقصد الردّ إلى المالك وعدمه موضوعية لعنواني الإحسان والظلم ، كسائر الموارد التي يكون القصد موضوعاً للحكم ، وليس مأخوذاً على نحو الطريقية كما هو واضح .

وعلى الثالث لا ريب في جواز الأخذ بنيّة الردّ إلى صاحبه ، لكونه عدلا

ــ[768]ــ

وإحساناً . ويكون المأخوذ حينئذ أمانة شرعية عند الآخذ ، فلا يضمنه مع التلف بغير تفريط ، لأنّه محسن ، وما على المحسنين من سبيل . ولا يكون المورد مشمولا لقاعدة ضمان اليد ، لا من جهة اعتبار التعدّي في مفهوم الأخذ كما ذهب إليه شيخنا الاُستاذ(1)، لكون مفهوم الأخذ أوسع من ذلك ، بل من جهة تخصيص القاعدة بالروايات الدالّة على عدم الضمان في الأمانة ، نعم لو أخذه بغير قصد الردّ إلى المالك فتلف عند الآخذ ضمن للمالك ، لأنّ الأخذ حينئذ تعد على مال الغير ، ومعارضة لسلطانه ، فهو حرام وضعاً وتكليفاً .

وقد يقال بحرمة التصرّف فيما أخذ من الجائر مع العلم بكونه مغصوباً ، سواء كان الأخذ بنيّة الردّ إلى المالك أم لا ، لقوله : « لا يحلّ دم امرئ مسلم ولا ماله إلاّ بطيبة نفس منه » ولقوله (عليه السلام) : « فلا يحل لأحد أن يتصرّف في مال غيره بغير إذنه »(2) فإنّ الأخذ تصرّف في مال الغير مع عدم إحراز إذنه فيه ، فهو حرام وظلم  ، لا عدل وإحسان . ونظير ذلك ما إذا أراد المالك بيع متاعه من شخص بخمسة دنانير ، وأراد غيره بيع ذلك المتاع من شخص آخر بثمانية دنانير مع عدم رضا المالك ، فإنّ ذلك لا يجوز بزعم أنّه إحسان إليه .

وهو ضعيف ، أمّا الرواية الاُولى فإنّ الحلّية والحرمة فيها حكمان لموضوع واحد ، وسبب الاختلاف إنّما هو إذن المالك وعدمه ، ومن الواضح أنّ الموضوع المذكور إنّما هو منافع المال التي تعود إلى المتصرّف من الأكل والشرب والبيع والهبة ونحوها ، فوضع اليد على مال الغير بنيّة الردّ إلى المالك خارج عن حدود الرواية فإنّه ليس من المنافع العائدة إلى الآخذ ، بل هو من المنافع التي تعود إلى المالك

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) منية الطالب 1 : 63 .

(2) قد تقدّمت الروايتان في ص225 ، 226 .

ــ[769]ــ

وليس للآخذ منها إلاّ العناء والكلفة .

وأمّا الرواية الثانية فأنّا نمنع صدق التصرّف على مجرّد الأخذ بنيّة الردّ إلى المالك ، إذ التصرّف عبارة عن التقليب والتقلّب ، ولا نسلّم صدقه على ذلك ، وإذا سلّمنا صدقه عليه لغة فإنّه منصرف عنه عرفاً ، فيكون المأخوذ أمانة شرعية عند الآخذ ، فتترتّب عليه أحكامها الوضعية والتكليفية .

وعلى الجملة : إنّ وضع اليد على مال الغير لحفظه وإيصاله إلى مالكه خارج عن الروايتين موضوعاً وحكماً ، وهذا معنى يحكم به الوجدان وأهل العرف ويؤيّده ما في موثّقة أبي بصير(1) من أنّ حرمة مال المؤمن كحرمة دمه . نعم إذا منع المالك عن وضع اليد على ماله حتّى بقصد الردّ إليه كان ذلك حراماً أيضاً ، كما أنّ دقّ أبواب الناس جائز للسيرة القطعية ، فإذا منع المالك عنه كان حراماً . وأمّا قياس المقام ببيع مال الغير بدون إذنه فواضح البطلان .

وأمّا الجهة الثانية ـ وهي ما إذا أخذ المال من الجائر ثمّ علم بعد ذلك بكونه مغصوباً ـ : فظاهر المصنّف وصريح السيّد في حاشيته(2) أنّ هنا مسألتين ، الاُولى : هل الأخذ من الجائر بنيّة التملّك مع الجهل بكون المأخوذ من أموال الغير موجباً للضمان أم لا ؟ الثانية : إذا حكمنا بالضمان بذلك فهل يبقى هذا الحكم حتّى إذا نوى الآخذ حفظ المال وإيصاله إلى مالكه بعد العلم بالحال ، أم لا يبقى ذلك الحكم ، بل يتغيّر بتغيّر العنوان ؟

أمّا المسألة الاُولى : فالظاهر أنّ القول بالضمان هو المشهور بين الأصحاب

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قد تقدّمت هذه الرواية في البحث عن حرمة سبّ المؤمن ص430 .

(2) حاشية المكاسب (اليزدي) : 34 ، السطر 22 .

ــ[770]ــ

وظاهر المسالك(1) عدم الضمان مع القبض جاهلا ، قال : لأنّه يد أمانة فيستصحب . إلاّ أنّه لا نفهم وجهاً صحيحاً لهذا الاستصحاب ، إذ ليس ذلك مسبوقاً بيد الأمانة حتّى نستصحبها . ويمكن توجيه كلامه بأحد وجهين :

الأول : أنّ معنى الضمان عندنا عبارة عن انتقال القيمة أو المثل إلى ذمّة الضامن ، ومن الضروري أنّ هذا المعنى لا يتحقّق إلاّ بالتلف ، وحيث إنّ يد الآخذ كانت يد أمانة لا توجب الضمان ، لكونه جاهلا بالحال ، فإذا شكّ في تغيّر الحكم بعد حصول العلم كان مقتضى القاعدة هو الاستصحاب .

وهذا التوجيه بديهي البطلان ، ولا يناسب مقام الشهيد ، بداهة أنّ الضمان يتحقّق بالاستيلاء على مال الغير بدون سبب شرعي ، من غير فرق بين العلم والجهل ، وبين كون المستولي كبيراً أو صغيراً ، عاقلا أو مجنوناً ، نعم تنتقل العين إلى المثل أو القيمة حين التلف ، ولكن هذا الانتقال أجنبي عن أصل الضمان ، ولم يثبت في المقام كون اليد يد أمانة حتّى تستصحب .

الوجه الثاني : أنّ الشارع قد رخّص في أخذ الجائزة عند الجهل بكونها مغصوبة ، فتكون يد الآخذ يد أمانة شرعية ، فإذا شكّ في ضمان العين بعد تلفها كان المرجع هو استصحاب يد الأمانة .

ولكن يرد عليه أنّ ترخيص الشارع في ذلك ترخيص ظاهري في ظرف الجهل ، لا ترخيص واقعي ، أمّا حكم الشارع بالضمان فهو حكم واقعي ثابت في حالتي العلم والجهل ، ولا منافاة بين الحكمين على ما حقّقناه في علم الاُصول(2) وعليه فوضع اليد على مال الغير بنيّة التملّك يوجب الضمان . فإذا انكشف الواقع فإن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المسالك 3 : 142 .

(2) مصباح الأُصول 2 (موسوعة الإمام الخوئي 47) : 114 وما بعدها .

ــ[771]ــ

كانت العين باقية فلابدّ من ردّها إلى مالكها ، وإلاّ فلابدّ من ردّ مثلها أو قيمتها إليه . ويدلّ على ما ذكرناه حكمهم بالضمان في مسألة تعاقب الأيدي على المال المغصوب مع الجهل بالحال ، ولم يقل أحد فيها بعدم الضمان حتّى صاحب المسالك (رحمه الله) .

وأمّا المسألة الثانية وهي أنّه إذا كان وضع اليد على المال موجباً للضمان ، فهل يرتفع هذا الحكم بنيّة الردّ إلى المالك بعد العلم بالحال أم لا ؟ فيه وجهان ، الضمان كما ذهب إليه المصنّف (رحمه الله) ، وعدمه كما ذهب إليه السيّد في حاشيته(1).

وقد استدلّ المصنّف (رحمه الله) على الضمان بما حاصله : أنّ أخذ الجائزة من الجائر بنيّة التملّك وإن كان جائزاً بمقتضى الحكم الظاهري ، إلاّ أنّه يوجب الضمان واقعاً ، لقاعدة ضمان اليد ، فإذا انكشف الخلاف ، وتبدّل قصد الآخذ ، وبنى على حفظ المال للمالك وردّه إليه ، شككنا في ارتفاع الضمان الثابت بقاعدة ضمان اليد وعدمه ، فنستصحب بقاءه .

وأشكل عليه السيّد بأنّ علّة الضمان وإن كانت هي الأخذ العدواني ، إلاّ أنّها قد زالت بنيّة الردّ إلى المالك في مسألتنا وأمثالها ، لأنّ اليد قد انقلبت من العدوان والخيانة إلى الإحسان والأمانة ، فيكون المال أمانة شرعية عند الآخذ ، فلا يترتّب عليه الضمان عند التلف ، لأنّ قاعدة ضمان اليد مخصّصة بما دلّ على عدم الضمان في الأمانة ، وبأنّ الودعي محسن ، وما على المحسنين من سبيل ، وعليه فلا مجال لاستصحاب الضمان ، لعدم بقاء موضوعه .

والتحقيق هو ما ذكره المصنّف (رحمه الله) من الضمان ، وليس الوجه فيه هو الاستصحاب ، لما بنينا عليه من عدم جريانه في الشبهات الحكمية ، بل الوجه في ذلك أنّ وضع اليد على مال الغير بقصد التملّك علّة لحدوث الضمان وبقائه ، سواء

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) حاشية المكاسب (اليزدي) : 35 ، السطر3 .

ــ[772]ــ

تبدلّت بعد ذلك بيد الأمانة أم لا ، لأنّ ضمان اليد لا يرتفع إلاّ بحصول غايته وهي الأداء ، فما لم تتحقّق الغاية لم يسقط الضمان . وعليه فكون اليد الفعلية الحادثة يد أمانة لا تزاحم اليد السابقة المقتضية للضمان بقاء ، فإنّ يد الأمين لا تقتضي الضمان
لا أنّها تقتضي عدم الضمان ، ومن البديهي أنّ ما لا اقتضاء له لا يزاحم ما له الاقتضاء ، ومجرّد نيّة الردّ إلى المالك لا يرفع الضمان الثابت باليد ابتداء ، كما أنّ الأحكام الثابتة على الأشياء بعناوينها الأوّلية لا تنافي الأحكام الثابتة عليها بعناوينها الثانوية .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net