ب ـ أن يكون المأخوذ مجهول المالك 

الكتاب : مصباح الفقاهة في المعاملات - المكاسب المحرمة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 3282


وأمّا الناحية الثانية ـ أعني ما إذا كان المالك مجهولا ـ : فيقع الكلام فيها من جهات شتّى :

الجهة الاُولى : هل يجب الفحص عن المالك أم لا ؟ قد يقال بعدم الوجوب كما احتمله المصنّف ، فيجوز التصدّق بمجهول المالك بغير فحص عن مالكه ، استناداً إلى إطلاق جملة من الروايات(1).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) منها ما روي في الكافي والتهذيب عن علي بن أبي حمزة قال : « كان لي صديق من كتّاب بني اُميّة  ، فقال لي : استأذن لي على أبي عبدالله ، فاستأذنت له عليه فأذن له ، فلمّا أن دخل سلّم وجلس ، ثمّ قال : جعلت فداك ، إنّي كنت في ديوان هؤلاء القوم فأصبت من دنياهم مالا كثيراً وأغمضت في مطالبه ... فقال الفتى : جعلت فداك ، فهل لي مخرج منه ؟ قال : إن قلت لك تفعل ؟ قال : أفعل ، قال له : فاخرج من جميع ما اكتسبت في ديوانهم ، فمن عرفت منهم رددت عليه مالَه ، ومن لم تعرف تصدّقت له ، وأنا أضمن لك على الله الجنّة » الخبر . وهو ضعيف بإبراهيم بن إسحاق ، وعلي بن أبي حمزة البطائني . راجع الوسائل 17 : 199 / أبواب ما يكتسب به ب47 ح1 ، والوافي 17 : 153 / 4 ، والكافي 5 : 106 / 4 ، والتهذيب 6 : 331  / 920 .

وما روي في الكافي والتهذيب عن علي بن ميمون الصائغ قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عمّا يكنس من التراب فأبيعه ، فما أصنع به ؟ قال : تصدّق به ، فإمّا لك وإمّا لأهله » الحديث . وهو ضعيف بعلي الصائغ .

والتهذيب عنه ، قال : « سألته عن تراب الصواغين وإنّا نبيعه ؟ قال : أما تستطيع أن تستحلّه من صاحبه ؟ قال قلت : لا ، إذا أخبرته اتّهمني ، قال : بعه ، قلت : فبأي شيء نبيعه ؟ قال : بطعام ، قلت : فأي شيء أصنع به ؟ قال : تصدّق به ، إمّا لك وإمّا لأهله » الخبر . وهو ضعيف بالصائغ المذكور ، ومضمر . راجع الوافي 18 : 627 / 1 ، 2 . والكافي 5 : 250 / 24  ، والوسائل 18 : 202 / أبواب الصرف ب16 ح1 ، 2 . والتهذيب 6 : 383 / 1131 .

وفي الوسائل 17 : 364 / أبواب عقد البيع ب17 ح1 عن أبي علي بن راشد قال : « سألت أبا الحسن (عليه السلام) قلت : جعلت فداك ، اشتريت أرضاً إلى جنب ضيعتي بألفي درهم ، فلمّا وفّيت المال خبّرت أنّ الأرض وقف ، فقال (عليه السلام) : لا يجوز شراء الوقف ، ولا تدخل الغلّة في مالك ، وادفعها إلى من وقفت عليه ، قلت : لا أعرف لها ربّاً ، قال تصدّق بغلّتها » وهي مهملة بمحمّد بن جعفر الرزّاز .

وفي الوسائل 17 : 223 / أبواب ما يكتسب به ب55 ح1 عن محمّد بن مسلم عن أبي عبدالله (عليه السلام) : « في رجل ترك غلاماً له في كرم له يبيعه عنباً أو عصيراً ، فانطلق الغلام فعصر خمراً ثمّ باعه ؟ قال : لا يصلح ثمنه ـ إلى أن قال (عليه السلام) : ـ إنّ أفضل خصال هذه التي باعها الغلام أن يتصدّق بثمنها » وهي حسنة بإبراهيم . وهكذا في رواية اُخرى . وفي المستدرك 12 : 105 / أبواب جهاد النفس ب78 ح5 ما يدلّ على ذلك .

ــ[774]ــ

وجوب الفحص عن المالك

وقد يقال بوجوب الفحص لوجهين :

الوجه الأول : الأخبار الدالّة على وجوب الفحص عن المالك ، فإنّ مقتضى القاعدة تقييد المطلقات بهذه الأخبار .

ــ[775]ــ

فمنها : ما ورد في إيداع اللص دراهم أو متاعاً عند مسلم(1)، فإنّه دلّ على أنّ الوديعة بمنزلة اللقطة ، فيعرفها الودعي حولا ، فإن أصاب صاحبها ردّها إليه وإلاّ تصدّق بها عنه .

ومنها : ما دلّ على وجوب الفحص عن الأجير لإيصال حقّه إليه(2). ومنها : الأخبار الواردة في وجوب تعريف اللقطة(3). ومنها : ما دلّ على وجوب الفحص عن رجل كان له على رجل حقّ ففقده الرجل المديون(4).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ففي الوسائل 25 : 463 / كتاب اللقطة ب18 ح1 ، والتهذيب 6 : 396 / 1191 عن حفص بن غياث قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل من المسلمين أودعه رجل من اللصوص دراهم أو متاعاً ، واللص مسلم ، هل يرد عليه ؟ فقال : لا يردّه ، فإن أمكنه أن يردّه على أصحابه فعل ، وإلاّ كان في يده بمنزلة اللقطة يصيبها فيعرّفها حولا ، فإن أصاب صاحبها ردّها عليه ، وإلاّ تصدّق بها ، فإن جاء طالبها بعد ذلك خيّره بين الأجر والغرم ، فإن اختار الأجر فله الأجر ، وإن اختار الغرم غرم له ، وكان الأجر له » . وهي ضعيفة بقاسم بن محمد وحفص بن غياث .

(2) فعن هشام بن سالم قال : « سأل حفص الأعور أبا عبدالله (عليه السلام) وأنا عنده جالس قال  : إنّه كان لأبي أجير كان يقوم في رحاه ، وله عندنا دراهم ، وليس له وارث ، فقال أبو عبدالله (عليه السلام) : تطلب له وارثاً فإن وجدت له وارثاً ، وإلاّ فهو كسبيل مالك ، ثم قال  : ما عسى أن يصنع بها ؟ ثمّ قال : توصي بها ، فإن جاء لها طالب ، وإلاّ فهي كسبيل مالك » . وهي موثّقة بابن سماعة وغيره . إلى غير ذلك من الروايات . راجع الكافي 7 : 153  / 1 ، والوافي 17 : 364 / 12 ، والوسائل 18 : 362 / أبواب الدَين والقرض ب22 ح3 ، 26 : 296 / أبواب ميراث الخنثى ب6 ح1 .

(3) راجع الوافي 17 : 331 / ب51 ، (اللقطة) . والكافي 5 : 137 / باب اللقطة والضالّة ، والوسائل 25 : 441 / كتاب اللقطة ب2 ، والتهذيب 6 : 389 / باب اللقطة والضالّة .

(4) ففي الوسائل 26 : 297 / أبواب ميراث الخنثى ب6 ح2 ، والوافي 17 : 359 / 1 عن ابن وهب عن أبي عبدالله (عليه السلام) : « في رجل كان له على رجل حقّ ففقده ، ولا يدري أين يطلبه ، ولا يدري أحي هو أم ميّت ، ولا يعرف له وارثاً ولا نسباً ولا ولداً ؟ قال  : اطلبه ، قال : إنّ ذلك طال فأتصدّق به ؟ قال : اطلبه » . وهي صحيحة .

وفي الوافي عن الفقيه ] 4 : 241 / 770 [ : وقد روى في هذا خبر آخر « إن لم تجد له وارثاً وعرف الله منك الجهد فتصدّق بها » وهي مرسلة .

ــ[776]ــ

ومنها : رواية يونس بن عبدالرحمن ، قال : « سئل أبو الحسن الرضا (عليه السلام) وأنا حاضر ، إلى أن قال فقال : رفيق كان لنا بمكّة ، فرحل منها إلى منزله ورحلنا إلى منازلنا ، فلمّا أن صرنا في الطريق أصبنا بعض متاعه معنا ، فأي شيء نصنع به ؟ قال : تحملونه حتّى تحملوه إلى الكوفة ، قال : لسنا نعرفه ولا نعرف بلده ولا نعرف كيف نصنع ؟ قال : إذا كان كذا فبعه وتصدّق بثمنه ، قال له : على من جعلت فداك ؟ قال : على أهل الولاية »(1). فإنّ قوله (عليه السلام) : « إذا كان كذا فبعه وتصدّق بثمنه » مترتّب على اليأس من الوصول إلى المالك ، ويدلّ مفهومه على عدم جواز التصدّق به قبل اليأس .

وهذه الروايات وإن كانت خاصّة بحسب الموارد ، إلاّ أنّ الملاك فيها هو عدم إمكان إيصال المال إلى مالكه ، فيتعدّى منها إلى مطلق مجهول المالك .

ولكن الظاهر أنّها بعيدة عمّا نحن فيه ، أمّا ما ورد في قضية إيداع اللص ففيه أولا : أنّه ضعيف السند ، ودعوى انجباره بعمل المشهور كما في الجواهر(2) دعوى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وهي صحيحة ، وفي الوافي عن الكافي ] 5 : 309 / 22 [ بسند صحيح مثلها على اختلاف في بعض ألفاظها . وراجع الوسائل 25 : 450 / كتاب اللقطة ب7 ح2 ، والوافي 17 : 363 / 10 ، والتهذيب 6 : 395 / 1189 .

(2) الجواهر 27 : 125 .

ــ[777]ــ

غير صحيحة ، لما حقّقناه في علم الاُصول(1)، وأشرنا إليه مراراً فيما تقدّم من أنّ الشهرة الفتوائية لا تجبر ضعف الرواية . وثانياً : أنّه وارد في قضيّة خاصّة ، فلا وجه للتعدّي منها إلى غيرها . وأمّا ما ورد في تعريف اللقطة حولا والتصدّق بها بعده فهو مخصوص باللقطة ، ولا يعمّ غيرها .

وأمّا بقيّة الروايات فهي واردة في معلوم المالك الذي يتعذّر الوصول إليه ومورد بحثنا إنّما هو مجهول المالك . وعلى الجملة : لا نعرف وجهاً للتعدّي عن مورد الروايات إلى غيره . ودعوى اتّحاد الملاك بين مواردها وبين مجهول المالك ـ  وهو عدم الوصول إلى المالك ـ دعوى جزافية ، إذ لا طريق لنا إلى كشف ذلك .

الوجه الثاني : أنّ الآية المتقدّمة في أوّل المسألة تقتضي وجوب الفحص عن المالك مقدّمة للردّ الواجب ، سواء أكانت الأمانة مالكية كالوديعة والعارية ونحوهما أم شرعية كاللقطة ومجهول المالك ومال السرقة والخيانة والغصب ، والمال المأخوذ من الجائر مع العلم بكونه مغصوباً ، ولكنّه مقيّد بالتمكّن العقلي من الأداء والفحص لقبح التكليف بغير المقدور ، وعليه فلا يجب الفحص مع عدم التمكّن منه . والمطلقات المتقدّمة ظاهرة في وجوب التصدّق بمجهول المالك على وجه الإطلاق حتّى مع التمكّن من الفحص . إذن فالنسبة بينهما هي العموم من وجه  ، فإنّ الآية أعمّ من حيث المورد ، لشمولها الأمانات المالكية والشرعية ، وأخصّ من حيث وجوب الفحص ، لاختصاصها بصورة التمكّن منه ، والمطلقات المتقدّمة أعم من جهة الفحص ، لشمولها صورتي التمكّن من الفحص وعدمه ، وأخصّ من حيث المورد لاختصاصها بمجهول المالك ، فتقع المعارضة بينهما في مجهول المالك مع التمكّن من الفحص ، فمقتضى الآية هو وجوب الفحص عن المالك مع التمكّن منه ، ومقتضى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الاُصول 2 (موسوعة الإمام الخوئي 47) : 235 ، 279 .

ــ[778]ــ

الروايات هو جواز التصدّق به قبل الفحص عنه ، سواء تمكّن منه أم لا ، وقد حقّقنا في مبحث التعادل والترجيح من علم الاُصول(1) أنّه إذا تعارض الخبر مع الكتاب معارضة العموم من وجه ترفع اليد عن الخبر ، ويؤخذ بعموم الكتاب أو باطلاقه
وعليه فلابدّ من الأخذ بإطلاق الآية ، والحكم بوجوب الفحص مع التمكّن منه ورفع اليد عن المطلقات الظاهرة في عدم وجوبه . ومع الإغضاء عمّا ذكرناه والحكم بالتساقط يرجع إلى ما دلّ على حرمة التصرّف في مال الغير بدون إذنه .

لا يجوز إعطاء مجهول المالك لمن يدّعيه

إلاّ بعد الثبوت شرعاً

الجهة الثانية : هل يجوز أو يجب إعطاء مجهول المالك لمن يدّعيه بعد الفحص عن مالكه واليأس من العلم به ، استناداً إلى ما دلّ على سماع قول المدّعي إذا لم يعارضه أحد في دعواه . أو لا يجوز إعطاؤه إلاّ مع التوصيف ، إلحاقاً له باللقطة . أو يعتبر الثبوت الشرعي ، لبطلان الوجهين المتقدّمين ، فإنّه بعد وضع اليد على مال لا يجوز دفعه إلاّ إلى مالكه الواقعي ، أو إلى مالكه الشرعي ، والوجهان المذكوران لا يفيدان ذلك .

أمّا الوجه الأول : فيردّه أنّ ترتيب الأثر على دعوى المدّعي إذا كانت بلا معارض إنّما هو فيما لم تثبت يد على المال ، أمّا إذا ثبتت على المال يد فلا تسمع دعوى أحد عليه إلاّ بالطرق الشرعية ، ضرورة أنّ ذا اليد قد اشتغلت ذمّته بالمال بمجرّد وضع يده عليه ، فلا يخرج من عهدته إلاّ بإيصاله إلى مالكه أو صرفه فيما قرّره الشارع ، وعلى هذا جرت السيرة القطعية . على أنه لا دليل على هذه القاعدة إلاّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لاحظ مصباح الاُصول 3 (موسوعة الإمام الخوئي 48) : 516 .

ــ[779]ــ

رواية منصور(1) وقد تقدّم الإشكال فيها .

وأمّا الوجه الثاني : فيردّه أنّ التوصيف ليس له موضوعية لإعطاء اللقطة لمن يدّعيها . بل هو لحصول الاطمئنان بصدق المدّعي في دعواه . وأمّا الاكتفاء بالتوصيف أو بالدعوى المجرّدة وإن لم تقارن بالتوصيف فلا دليل عليه ، وحينئذ فلا يترتّب الأثر على توصيف المدّعي إلاّ بعد حصول الاطمئنان بصدق دعواه .

وأمّا حمل فعل المسلم على الصحّة فغاية ما يفيده أن لا يعامل المدّعي معاملة الكاذب ، لا أن تترتب على دعواه آثار الواقع .

وأمّا الوجه الأخير : فهو الموافق للتحقيق ، لاشتغال ذمّة ذي اليد بمجرّد وضع يده على مال الغير ، فلا تبرأ ذمّته إلاّ بإيصاله إلى مالكه الواقعي أو الشرعي ، وقد عرفت ذلك كلّه آنفاً .

 

مقدار الفحص عن المالك وكيفيته

الجهة الثالثة : في مقدار الفحص عن المالك ، وبيان كيفيته . أمّا مقدار الفحص فهل يكفي فيه طبيعي الفحص عن المالك ، أو يجب ذلك بمقدار يقطع الواجد أو يطمئن بعدم إمكان الوصول إليه ، أو يجب الفحص عنه سنة كاملة ؟

أمّا الوجه الأول فهو وإن كان غير بعيد في نفسه ، لكفاية الإتيان بصرف الوجود من الطبيعة في امتثال الأمر ، ولكنّه بعيد عن المتفاهم العرفي والمرتكز الشرعي . على أنّ الأمر قد ورد بتكرار الطلب عن المالك في رواية ابن وهب المتقدّمة(2).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قد تقدّمت الرواية والجواب عن الاستدلال بها في ص760 .

(2) في ص776 .

ــ[780]ــ

وأمّا تقدير الفحص بالسنّة أو بالأقل فلا موجب له بعد وجود الإطلاقات الواردة في جواز التصدّق بمجهول المالك أو وجوبه ، على أنّ تقديره بزمان خاص دون غيره ترجيح بلا مرجّح ، نعم ورد تحديد التعريف بالسنّة في جملة من روايات اللقطة(1) وفي رواية حفص المتقدّمة(2).

إلاّ أنّها غريبة عن مطلق مجهول المالك ، أمّا روايات اللقطة فهي مختصّة بها فلا يجوز التعدّي منها إلى غيرها . وأمّا رواية حفص بن غياث ففيها أولا : أنّها ضعيفة السند ، وغير منجبرة بشيء كما تقدّم . وثانياً : أنّها واردة في خصوص إيداع اللصّ ، فلا يتعدّى إلى غيره . وإن سلّمنا عدم اختصاصها بموردها فإنّه لا يجوز التعدّي عنه إلاّ إلى خصوص إيداع الغاصب ، أو إلى كل ما يؤخذ منه ولو بغير عنوان الوديعة ، وأمّا التعدّي عن موردها إلى مطلق مجهول المالك فلا وجه له أصلا  .

تنبيه : قد ذكرنا أنّه ورد في جملة من روايات اللقطة وجوب التعريف بها سنة كاملة  ، وقد اُفيدت ههنا اُمور ثلاثة :

الأول : ما ذكره السيّد في حاشيته(3) من أنّ تحديد الفحص بالسنة تحديد للمنتهى ، بمعنى أنّه لا يجب الفحص أكثر من سنة وإن لم يحصل اليأس من وجدان المالك ، وعليه فلو حصل اليأس من الأول ، أو في أثناء التعريف لم يجب الفحص .

الثاني : أنّ المناط في تعريف اللقطة إنّما هو حصول اليأس عن الوصول إلى المالك ، وأمّا التحديد بالسنة فمحمول على الغالب ، لحصول اليأس عن الوصول إلى المالك بعد السنة غالباً .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 25 : 441 / كتاب اللقطة ب2 .

(2) في ص775 ، الهامش رقم (1) .

(3) حاشية المكاسب (اليزدي) : 36 السطر 28 .

 
 

ــ[781]ــ

الثالث : أنّ التحديد بالسنة أمر تعبّدي ، فلابدّ من العمل به ، سواء حصل اليأس عن الظفر بالمالك قبل مضي السنة أم بعده .

أمّا الأول والثاني فلا وجه لهما ، إذ لا مجوّز لرفع اليد عن الرواية الظاهرة في اعتبار السنة في تعريف اللقطة . إذن فيتعيّن الوجه الثالث ، سواء حصل الاطمئنان باليأس عن الظفر بالمالك قبل مضي السنة أم بعده ، فإنّ الاطمئنان حجّة عقلائية فيما إذا لم تقم أمارة شرعية على خلافه . وقد عرفت أنّ الشارع قد اعتبر السنة في وجوب الفحص عن مالك اللقطة .

ثم إنّه قد ذكر في بعض الروايات أنّ اللقطة يعرف بها ثلاثة أيّام(1)، وظاهره المعارضة مع الروايات الدالّة على اعتبار السنة ، ولكن لابدّ من حمله إمّا على صورة اليأس عن المالك ، أو على جواز التصدّق به مع الالتزام بالمال ووجوب التعريف به إلى سنة ، فإذا مضت السنة ولم يجد المالك سقط الضمان عنه . ويمكن أن يقال : إنّ تعريفها ثلاثة أيّام مقدّمة للتصدّق ، ووجوب التعريف إلى سنة كاملة مقدّمة لجواز التملّك . على أنّ ما دلّ على كفاية ثلاثة أيّام في التعريف ضعيف السند .

إنّ اُجرة الفحص عن المالك هل هي على ذي اليد

أو على المالك

الجهة الرابعة : إذا احتاج الفحص عن المالك إلى بذل اُجرة فهل هي على من وضع يده على مجهول المالك ، أو على المالك ؟ قال المصنّف : لو احتاج الفحص إلى بذل مال كاُجرة دلاّل صايح عليه فالظاهر عدم وجوبه على الآخذ ، بل يتولاّه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كرواية أبان بن تغلب ، ولكنّها ضعيفة السند بمحمد بن موسى الهمداني ، راجع الوافي 17 : 350 / 37 ، والوسائل 25 : 443 / كتاب اللقطة ب2 ح7 .

ــ[782]ــ

الحاكم ولاية عن صاحبه ، ويخرج عن العين اُجرة الدلاّل ، ثمّ يتصدّق بالباقي إن لم يوجد صاحبه . ويحتمل وجوبه عليه ، لتوقّف الواجب عليه .

وتحقيق المسألة : أنّ الاستيلاء على مجهول المالك قد يستند إلى أسباب غير شرعية ، بأن يأخذ أحد أموال الناس بغير سبب شرعي ، كالغصب والسرقة والخيانة ونحوها ثمّ يندم ، ولكن لا يقدر على إيصاله إلى ملاكه . وقد يستند إلى وجه شرعي ، كأخذ المال من السارق أو الجائر ، أو الصبي الذي لا يعرف له ولي ، وكأخذ المال المشرف على التلف ، وكاللقطة ونحوها ، فإنّ أخذ المال في جميع هذه الموارد ـ  لحفظه لمالكه وإيصاله إليه ـ جائز من جهة الحسبة .

أمّا الصورة الاُولى : فلا شبهة في أنّ مؤونة الفحص على الغاصب ، لوجوب ردّ المغصوب إلى مالكه وإن توقّف ذلك على بذل الاُجرة . ودعوى أنّ إيجاب اُجرة الفحص على ذي اليد ضرر عليه وهو منفي في الشريعة دعوى جزافية  ، لأنّ حديث نفي الضرر إنّما ورد في مقام الامتنان ، ومن الضروري أنّ كون مؤونة الفحص على المالك على خلاف الامتنان ، فلا يكون مشمولا للحديث . وحيث إنّ الغاصب وضع يده على مال الغير بسوء اختياره على سبيل الظلم والعدوان ، فإنّ الشارع يلزمه رغماً لأنفه بردّ المغصوب إلى مالكه حتّى مع الاحتياج إلى بذل الاُجرة ، وقد ورد في بعض الروايات أنّه لو غصب أحد حجراً ووضعه في أساس البناء فإنّه يجب عليه ردّه إلى مالكه ، وإن توقّف ذلك على عدم البناء وتضرّر الغاصب(1). ومن هنا اشتهر أنّ الغاصب يؤخذ بأشقّ الأحوال .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ففي الوسائل 25 : 386 / كتاب الغصب ب1 ح5 عن نهج البلاغة ] 541 / 240 [ قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : « الحجر الغصب (الغصيب) في الدار رهن على خرابها » وهي مرسلة .

ــ[783]ــ

وأمّا الصورة الثانية ـ وهي أن يستند الاستيلاء على مجهول المالك إلى سبب شرعي ـ : فالظاهر أنّ مؤونة الفحص على المالك ، بمعنى أنّ الواجد يصرفها من كيسه عن المالك ، فإذا وجده أخذها منه ، وإلاّ فمن المال الذي في يده . والوجه فيه : أنّ يده يد أمانة وإحسان ، وما على المحسنين من سبيل . على أنّ كون اُجرة الفحص على الواجد ضرر عليه ، وهو منفي . ولا يقاس ذلك بالصورة الاُولى ، فإنّ اليد فيها كانت يد عدوان ، لا يد أمانة وإحسان كما عرفت .

لا يقال : إنّ الفحص عن المالك واجب على الواجد ، ومن الواضح أنّ إعطاء الاُجرة من مقدّماته ، فتحسب عليه .

فإنّه يقال : الفحص واجب على الواجد ، ومقدّمته طبيعي بذل المال ، سواء كان من كيسه أم من كيس المالك . إذن فلا يتعيّن البذل على الواجد إلاّ بدليل خاصّ  ، وهو منفي في المقام ، وعليه فإذا بذل الواجد اُجرة الفحص من كيسه رجع على المالك مع الإمكان ، وإلاّ أخذها من المال الذي هو تحت يده ، وإن امتنع الواجد من بذل اُجرة الفحص رجع إلى الحاكم الشرعي ، فيعطيها من بيت المال ، أو من مجهول المالك .

هذا مع أنّ دليل المقدّمية المذكور لو تمّ فإنّما يتمّ فيما لو كان الفحص يتوقّف دائماً على بذل المال ، مع أنّه ليس كذلك ، بل هو أمر قد يكون وقد لا يكون ، وعليه فإذا توقّف الفحص على بذل المال ارتفع وجوبه عن الواجد بدليل نفي الضرر كسائر التكاليف الضررية التي ترتفع به .

هذا كلّه إذا لم تقم قرينة على عدم رضا المالك بأخذ ماله وحفظه له ، وإلاّ فلا يجوز لأحد أن يضع يده عليه ويحفظه لمالكه ، لأنّ الناس مسلّطون على أموالهم .

ــ[784]ــ

مصرف مجهول المالك

الأمر الثالث : ما هو مصرف مجهول المالك ؟ فهل يتصدّق به ، أو يحفظه الواجد ما دام حيّاً لمالكه ويوصي به بعد مماته ، أو يتملّكه ، أو يعطيه للحاكم الشرعي ، أو هو للإمام (عليه السلام) ؟ وجوه :

الأول : أن يكون ذلك للإمام ، لقوله (عليه السلام) في رواية ابن أبي يزيد : «  والله ما له صاحب غيري »(1).

وفيه أولا : أنّ الرواية ضعيفة السند . وثانياً : أنّها وردت في قضية شخصية فلا تكون مستنداً لكبرى كلّية ، إذ من المحتمل أن يكون المال في تلك الواقعة مفقوداً من الإمام نفسه ، فيكون حلفه (عليه السلام) في محلّه ، لكون المال له واقعاً . وأمّا أمره (عليه السلام) بتقسيم ذلك المال فلعلّه دفع للتهمة عن نفسه ، أو إحسان منه إلى الفقراء  . ويحتمل أن يكون حلفه على أنّ المال له لعلمه بموت مالكه ، وأنّه لم يترك وارثاً غير الإمام . ويحتمل أن يكون المال المذكور من صفو دار الحرب الذي هو خاصّ للإمام (عليه السلام) ، ومن الواضح أنّه مع هذه الاحتمالات لا يبقى مجال للاستدلال بهذه الرواية على المقصود .

الوجه الثاني : أن يكون مجهول المالك لمن وضع يده عليه ، لقوله (عليه السلام) في صحيحة علي بن مهزيار التي تبيّن موارد الخمس : « ومثل مال يؤخذ ولا يعرف له صاحب »(2). وقد استظهر هذا الرأي من الرواية المذكورة المحقّق الهمداني(3)، بل

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع الوافي 17 : 337 / 8 ، والوسائل 25 : 450 / كتاب اللقطة ب7 ح1 ، والكافي 5 : 138 / 7 .

(2) راجع الوسائل 9 : 502 / أبواب ما يجب فيه الخمس ب8 ح5 .

(3) مصباح الفقيه 14 : 168 .

ــ[785]ــ

ذكر المحقّق الإيرواني(1) أنّ هذه الصحيحة صريحة في جواز تملّك مجهول المالك بعد إخراج الخمس .

وفيه أولا : أنّ هذه الرواية واردة في بيان موارد الخمس على نحو القضية الحقيقية ، فيكون مفادها أنّه كلّما تحقّق شيء من تلك الموارد وجب فيه الخمس . وعليه فلا دلالة فيها على جواز تملّك مجهول المالك لكي يتمسّك بإطلاقها ، نعم لا ننكر دلالتها على وجوب إخراج الخمس فيما جاز فيه تملّك مجهول المالك ، كباب اللقطة ، فقد دلّت الروايات الكثيرة المذكورة في أبواب اللقطة(2) على أنّ واجدها مخيّر بين تملّكها ، وبين التصدّق بها عن مالكها بعد أن يعرّف بها سنة واحدة .

ومن هذا القبيل ما ورد في بعض الروايات(3) من أنّه إذا وجد المشتري مالا في بطن حيوان اشتراه من شخص فإنّه يرجع في ذلك المال إلى البائع ، وإذا لم يدّعه لنفسه تملّكه المشتري ، وأعطى خمسه . وكذلك ما ورد في جملة من الأحاديث(4) من أنّه إذا وجد مالا في بطن سمك اشتراه من الصيّاد فإنّه يتملّكه ، ويعطي خمسه ، من غير مراجعة إلى المالك .

وثانياً : أنّا لو سلّمنا كون الرواية في مقام البيان من هذه الجهة أيضاً ، فلا نسلّم كونها صريحة في جواز تملّك مجهول المالك بعد إخراج خمسه ، وإنّما هي مطلقة بالنسبة إليه ، فتقيّد بالروايات الدالّة على لزوم التصدّق بمجهول المالك .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) حاشية المكاسب (الإيرواني) 1 : 337 .

(2) الوسائل 25 : 441 / كتاب اللقطة ب2 .

(3) راجع الوسائل 25 : 452 / كتاب اللقطة ب9 ، والوافي 17 : 338 / 10 ، والكافي 5 : 139 / 9  .

(4) راجع الوسائل 25 : 453 / كتاب اللقطة ب10 .

ــ[786]ــ

الوجه الثالث : أنّه يجوز للواجد أن يعمل في مجهول المالك ، ويخرجه صدقة قليلا قليلا حتّى يخرج ، ويدلّ عليه بعض الأحاديث(1).

وفيه : أنّه لا دلالة في هذه الرواية على جريان الحكم المذكور في مجهول المالك فمن المحتمل أنّ صاحب المال قد مات ولم يترك وارثاً غير الإمام ، فانتقل ميراثه إليه وأنّه (عليه السلام) بما هو وارث ومالك أجاز لصاحب الخان أن يتصرّف في ذلك المال ، ويتصدّق به قليلا قليلا حتّى يخرج . واحتمال وجود وارث له غير الأب والاُمّ مدفوع بالأصل . وجريانه في الشبهات الموضوعية غير محتاج إلى فحص . وأمّا احتمال وجود الأب والاُمّ فلعلّه كان مقطوع العدم ، لمضي مدّة لا يحتمل بقاؤهما فيها ولذا لم يأمر الإمام (عليه السلام) بالفحص عنهما . ويؤيّد ما ذكرناه قول السائل في هذه الرواية : « ولم أعرف له ورثة » فإنّ ظاهر هذه العبارة أنّه تفحّص عن الوارث ولم يجده ، فافهم . ومع الإغضاء عمّا ذكرناه وتسليم دلالتها على المقصود فالنسبة بينها وبين الروايات الدالّة على التصدّق بمجهول المالك هي العموم المطلق ، فلابدّ من تقييدها بهذه الروايات .

لا يقال : إنّ هذه الرواية تنافي رواية الهيثم(2) صاحب الفندق الدالّة على عدم

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ففي الكافي عن يونس عن نصر بن حبيب صاحب الخان قال : « كتبت إلى عبد صالح (عليه السلام) قد وقعت عندي مائتا درهم وأربعة دراهم ، وأنا صاحب فندق ، ومات صاحبها ولم أعرف له ورثة ، فرأيك في إعلامي حالها وما أصنع بها فقد ضقت بها ذرعاً ؟ فكتب : اعمل فيها وأخرجها صدقة قليلا قليلا حتّى تخرج » وهي مجهولة بنصر . راجع الكافي 7 : 153 / 3 ، والوافي 17 : 360 / 3 . والوسائل 26 : 297 / أبواب ميراث الخنثى ب6 ح3 .

(2) في المصادر المذكورة عن الهيثم أبي روح صاحب الخان قال : « كتبت إلى عبد صالح (عليه السلام) : إنّي أتقبّل الفنادق ، فينزل عندي رجل فيموت فجأة ، لا أعرفه ولا أعرف بلاده ولا ورثته ، فيبقى المال عندي ، كيف أصنع به ؟ ولمن ذلك المال ؟ فكتب (عليه السلام) : اتركه على حاله  » . وهي مجهولة بهيثم .

ــ[787]ــ

جواز التصرّف في مال مات عنه صاحبه .

فإنّه يقال : لا منافاة بينهما ، فإنّ الظاهر من هذه الرواية أنّ صاحب الفندق لم يفحص عن ورثة الميّت ، وهذا بخلاف الرواية الاُولى ، فإنّك قد عرفت ظهورها في أنّ السائل تفحّص عن الورثة ولم يصل إليهم ، فمورد كل من الخبرين غير مورد الآخر . والذي يسهّل الخطب أنّ كلتا الروايتين مجهولة .

الوجه الرابع : أنّه يجب حفظ مجهول المالك لمالكه ، والإيصاء به عند الوفاة للروايات الواردة في مستأجر فقد أجيره ، ولم يقدر على إيصال حقّه إليه(1).

ويرد عليه أولا : أنّ هذه الروايات إنّما وردت في معلوم المالك الذي لا يمكن الوصول إليه ، فلا صلة لها بمجهول المالك . ودعوى أنّ الملاك بين الموردين واحد ـ  وهو تعذّر إيصال المال إلى مالكه ـ دعوى جزافية ، فإنّه لا طريق لنا إلى كشف هذا الملاك كما عرفت .

وثانياً : أنّها وردت في الحقّ الكلّي الثابت في الذمّة ، وهو ليس في معرض التلف لكي يخاف عليه من بقائه ، وكلامنا في العين الخارجية .

وثالثاً : أنّها وردت في قضية شخصية ، فلا يمكن التعدّي عن موردها إلى غيرها . إذن فلا دلالة فيها على وجوب حفظ مجهول المالك لصاحبه ولو بالإيصاء به نعم لا بأس بالالتزام بذلك قبل اليأس عن الوصول إلى المالك .

لا يقال : إنّ التصرّف في مال الغير حرام مطلقاً ، فيكون الأمر بالتصدّق بمجهول المالك قد وقع بعد الحظر ، فلا يدلّ على الوجوب . وعليه فلا مانع من كون

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قد تقدّمت الإشارة إلى مصادرها في ص775 ، الهامش رقم (2) .

ــ[788]ــ

الواجد مخيّراً بين التصدّق به وبين حفظه لصاحبه ولو بالإيصاء به عند الموت .

فإنّه يقال : الميزان في ورود الأمر مورد توهّم الحظر هو أن يتعلّق الأمر بعنوان تعلّق به النهي ، أو كان معرضاً له ، كالصيد الذي نهي عنه في الإحرام ، واُمر به بعد الإحلال . وما نحن فيه ليس كذلك ، فإنّ النهي قد تعلّق بالتصرّف في أموال الناس بدون إذنهم ، والأمر قد تعلّق بالتصدّق بمجهول المالك بعد الفحص واليأس من الظفر بصاحبه ، فلا يتربط أحد الأمرين بالآخر .

ولئن سلّمنا ذلك في الروايات التي وقع السؤال فيها ابتداء عن الصدقة ، فهو لا يجري في رواية ابن أبي حمزة(1) التي وردت في قصّة الفتى الذي كان من كتّاب بني اُميّة ، فإّنها صريحة في عدم ورود الأمر بالتصدّق في مقام توهّم الحظر ، إذ الفتى إنّما طلب التخلّص عمّا اشتغلت به ذمّته من أموال الناس ، فأجاب الإمام (عليه السلام) بقوله : « فاخرج من جميع ما اكتسبت من ديوانهم ، فمن عرفت منهم رددت عليه ماله ، ومن لم تعرف تصدّقت به » . ولكن قد عرفت أنّها ضعيفة السند .

الوجه الخامس : وجوب التصدّق بمجهول المالك . وهذا الوجه هو الموافق للتحقيق ، وتدلّ عليه المطلقات المتقدّمة ، بل الروايات الخاصّة الواردة في موارد عديدة التي تقدّمت الإشارة إليها آنفاً ، لأنّها وإن وردت في المال المفقود صاحبه إلاّ أنّها تدلّ على ثبوت التصدّق بمجهول المالك بالأولوية القطعية . ولابدّ من تقييدها باليأس عن الوصول إلى المالك ، فقد عرفت فيما سبق(2) أنّ مقتضى الآية وجوب ردّ الأمانة إلى أهلها مع التمكّن منه ، وأمّا صورة اليأس عن الظفر بالمالك فلا تكون مشمولة للآية ، بل تبقى تحت الروايات المذكورة .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المتقدّمة في ص773 .

(2) في ص777 .

ــ[789]ــ

الوجه السادس : وجوب دفعه إلى الحاكم ، فإنّه ولي الغائب . وقد استقربه المصنّف (رحمه الله) ولكن قد عرفت أنّ الروايات المتقدّمة ظاهرة في أنّ من وضع يده على مجهول المالك ابتداء وجب عليه التصدّق به ، وإذا تصرّف فيه تصرّفاً آخر ولو بدفعه إلى الحاكم ضمنه . ودعوى أنّ الحاكم ولي الغائب دعوى غير صحيحة ، لأنّ ولايته على الغائب إنّما هي من جهة الحسبة ، فلابدّ من الاقتصار فيها على المورد المتيقّن ، وهو ما إذا لم يكن له ولي آخر غير الحاكم ، وقد عرفت أنّ الروايات المتقدّمة قد أثبتت ولاية مجهول المالك لمن وضع يده عليه ، فلا تصل النوبة إلى غيره كما أنّه لا تثبت للحاكم ولاية على اليتيم مع وجود الجدّ له .

لا يقال : يجب دفع مجهول المالك إلى الحاكم ، من حيث إنّ مصرفه الفقراء والمساكين ، ومن الواضح أنّ الحاكم وليّهم ، أو من حيث إنّه أعرف بموارده ممّن وضع يده عليه .

فإنّه يقال : أمّا الاحتمال الأول فلا دليل عليه ، خصوصاً مع ما عرفت من دلالة الروايات هنا على ثبوت الولاية للواجد . وأمّا الاحتمال الثاني فإن كان المراد أنّ الحاكم أعرف بمصرف مجهول المالك من حيث الشبهة الحكمية ، فهو مسلّم  ، لأنّ ذلك وظيفة العالم . إلاّ أنّ ذلك لا يدلّ على وجوب دفعه إليه ، بل الواجب على العامي أن يسأل العالم عن حكم الواقعة ، ويعمل على طبق ما أفتى به  . وإن كان المراد كونه أعرف من حيث الشبهة الموضوعية فهو ممنوع ، إذ قد يكون الواجد أعرف به لكثرة معاشرته للفقراء ، وإطّلاعه على أحوالهم .

وكما لا يجب دفع مجهول المالك إلى الحاكم ، فكذلك لا يجب تحصيل الإجازة منه في إيصاله إلى موارده ، لإطلاق الروايات المتقدّمة ، نعم الأولى اختيار أحد الأمرين ، لوجود القائل بوجوبه . لكن لابدّ وأن يكون الدفع إلى الحاكم بعنوان أنّه يوصله إلى موارده ، وإلاّ ضمنهم الواجد كما عرفت .

ــ[790]ــ

وقد يتوهّم وجود الفرق بين الحقّ الكلّي فيجب إمّا دفعه إلى الحاكم ، وإمّا تحصيل الإذن منه في التصدّق به عن المالك ، لأنّ الكلّي لا يتعيّن إلاّ بإذن المالك أو وليّه . وبين الحقّ الشخصي ، فلا يجب فيه ذلك لتعيّنه في نفسه .

ولكنّه توهّم فاسد ، لأنّ مقتضى الإطلاقات المتقدّمة هو عدم الفرق بينهما وأنّ الولاية لمن عليه الحقّ على وجه الإطلاق .

قوله : ثم إن حكم تعذّر الإيصال إلى المالك .

أقول : المال الذي لا يمكن إيصاله إلى صاحبه قد يكون مجهول المالك من جميع الجهات ، وهو مورد المطلقات المتقدّمة(1). وقد يكون معلوم المالك مع كونه مشتبهاً بين أفراد غير محصورين ، وهو أيضاً مورد روايات اُخرى قد تقدّمت(2)وحكم كلا القسمين قد تقدّم مفصّلا . وقد يكون المالك معلوماً من جميع الجهات ولكن يتعذّر إيصال المال إليه لمانع خارجي ، كأن يكون المالك في سجن ، أو مكان بعيد يتعذّر الوصول إليه ، ويجري عليه حكم القسم الثاني ، للروايات المتقدّمة أيضاً  ، لأنّ المستفاد منها أنّ المناط في ذلك إنّما هو تعذّر إيصال المال إلى مالكه .

قوله : ثمّ إنّ مستحقّ هذه الصدقة هو الفقير .

أقول : حكي عن صاحب الجواهر(3) جواز التصدّق بمجهول المالك على الفقراء وغيرهم ، عملا بإطلاق الروايات المتقدّمة ، وبهذا المناط جوّز إعطاء مال الإمام (عليه السلام) للفقراء والأغنياء ، بدعوى أنّ الإمام وإن كان معلوماً إلاّ أنّه يتعذّر إيصال ماله إليه للعوارض الخارجية ، وقد عرفت أنّ حكمه حكم مجهول المالك .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ، (2) في ص773 وما بعدها .

(3) ] لعلّه أشار إلى ما في الجواهر 16 : 177 وما بعدها [ .

ــ[791]ــ

وفيه أولا : أنّ المتبادر من مفهوم الصدقة وإطلاق الأمر بها أنّه لا يجوز إعطاؤها للأغنياء ، كما ذهب إليه المصنّف .

وثانياً : أنّ قوله تعالى : (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ)(1) قد بيّن مصرف الصدقات ، ولم يجعل الغني من ذلك ، فيكون خارجاً عن حدود أخبار التصدّق موضوعاً .

ثمّ إنّ وجوب التصدّق بمجهول المالك إنّما هو مع عدم التمكّن من تحصيل رضا المالك بصرف ماله في مورد خاصّ ، وإلاّ فلا تصل النوبة إلى التصدّق به . وعليه فلا وجه لقياس مال الإمام (عليه السلام) بمجهول المالك ، لأنّا نقطع برضا الإمام باعطاء ماله لأهل العلم والجهات التي توجب ترويج الدين ، ومع ذلك لا يمكن صرفه فيما نشكّ في رضاه .

قوله : وفي جواز إعطائها للهاشمي قولان :

أقول : لا دليل على حرمة مطلق الصدقات على الهاشميين ، وإنّما تحرم عليهم الصدقة الخاصّة ، أعني زكاة المال والبدن . ولا يبعد أن تحرم عليهم أيضاً الصدقات التي تعطى لدفع البلاء وردّ القضاء ، فإنّ في ذلك مذلّة ومهانة لا تناسب الذرّية الطاهرة . ومن هنا كانت زينب الكبرى (عليها السلام) تأخذ الطعام من أطفال أبي عبدالله (عليه السلام) وترميه إلى أهل الكوفة وتقول : ويلكم ياأهل الكوفة إنّ الصدقة علينا حرام . وعليه فلا بأس بالتصدّق بمجهول المالك على الهاشميين ، لكونه خارجاً عن القسمين المذكورين . ويضاف إلى ما ذكرناه أنّ قوله (عليه السلام) في رواية ابن أبي يزيد المتقدّمة(2) « فاقسمه في إخوانك » يقتضي عدم الفرق بين

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التوبة 9 : 60 .

(2) تقدّم مصدرها في ص784 ، الهامش رقم (1) .

ــ[792]ــ

الهاشمي وغيره . وأمّا الصدقة التي تحرم على بني هاشم فهي الصدقة الخاصّة ، أعني بها الزكاة المفروضة .

التصدّق بمجهول المالك لا يوجب الضمان

قوله : ثمّ إنّ في الضمان لو ظهر المالك .

أقول : هل يضمن مجهول المالك لصاحبه إذا ظهر بعد التصدّق به أم لا ؟ فيه وجوه ، ثالثها : التفصيل بين ما إذا طلب المالك ماله من المتصدّق فيضمن له ، وبين ما إذا لم يطلبه فلا ضمان . ورابعها : التفصيل بين ما يكون المال مسبوقاً باليد العادية فيحكم بالضمان ، وبين عدمه فيحكم بعدمه .

وقبل التعرّض للوجوه المذكورة لا بأس بالإشارة إلى الفرق بين اللقطة ومجهول المالك ، فنقول : الفارق بين مجهول المالك واللقطة من جهات كثيرة ، ونحن نشير هنا إلى جهتين منها :

الاُولى : أنّه يجوز للملتقط أن يقصد حين الالتقاط تملّك المال بعد انتهاء مدّة الفحص عن المالك ، وقد دلّت الروايات الكثيرة المذكورة في أبواب اللقطة(1) على أنّ آخذ اللقطة يعرّفها سنة ، فإن جاء لها طالب ، وإلاّ فهي كسبيل ماله . ولا يجوز ذلك في مجهول المالك ، فقد عرفت أنّه لا يجوز أخذه ابتداءً إلاّ بنيّة الإحسان إلى المالك بحفظه له وإيصاله إليه ، ثم يتصدّق به عن مالكه بعد التعريف . ومن هنا يتجلّى لك أنّه لا يجوز أخذ المغصوب من الغاصب إلاّ بنيّة الردّ إلى المالك .

الثانية : أنّ اللاقط إذا تملّك اللقطة بعد التعريف أو تصدّق بها عن مالكها ضمنها له مع المطالبة بها ، للروايات الكثيرة المذكورة أيضاً في أبواب اللقطة الدالّة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 25 : 441 / كتاب اللقطة ب2 .

ــ[793]ــ

على ذلك(1) ، أمّا مجهول المالك فقد عرفت أنّ فيه وجوهاً شتّى تقدّمت الإشارة إليها(2).

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الكلام هنا يقع في مقامين ، الأول : أن تكون اليد الموضوعة على مجهول المالك ابتداء يد أمانة . الثاني : أن تكون هذه اليد مسبوقة بالضمان ، ثمّ تنقلب إلى يد أمانة وإحسان ، كمن أخذه بنيّة التملّك ، ثمّ نوى بعد ذلك حفظه لمالكه . وكمن غصبه من المالك ثمّ تاب وعزم على إيصاله إليه ، ولم يتمكّن من ذلك لفقد المالك ، أو لكونه مجهولا بين أشخاص غير محصورين .

أمّا المقام الأول : فالظاهر هو عدم الضمان فيها ، وليس ذلك من جهة أنّ الشارع قد أذن في التصدّق بمجهول المالك وهو ينافي الحكم بالضمان ، لأنّ إذن الشارع في التصرّف بمال الغير يرفع حرمته التكليفية ، ولا ينافي ذلك ضمانه . بل من جهة أنّ دليل الضمان هو أحد الاُمور الثلاثة : إمّا قاعدة ضمان اليد ، وإمّا قاعدة الاتلاف ، وإمّا قيام دليل خاصّ عليه .

أماّ الاُولى : فهي منتفية هنا قطعاً ، إذ المفروض أنّ اليد كانت يد أمانة وإحسان ، وما على المحسنين من سبيل .

وأمّا قاعدة الإتلاف : فهي مردودة لوجوه عديدة ، الأول : أنّها ليست برواية لكي يتمسّك بها ، وإنّما هي قاعدة متصيّدة من موارد شتّى ، فلا يمكن التمسّك بها في غير الموارد المسلّمة . الثاني : أنّ الإتلاف إنّما يقتضي الضمان إذا لم يكن التصرّف لنفع المالك ، وإلاّ فلا يوجب الضمان ، ومن هنا إذا أشرف أحد على الهلكة  ، وتوقّف إنجاؤه منها على بذل مقدار من ماله فإنّ ذلك يكون واجباً من غير ضمان .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المصدر المتقدّم .

(2) في ص784 وما بعدها .

ــ[794]ــ

الثالث : أنّ التصدّق بمجهول المالك لو كان موجباً للضمان ببدله لكان البدل أيضاً مجهول المالك ، ومشمولا لما دلّ على وجوب التصدّق به ، وهكذا ، فيلزم التسلسل . ومن الضروري أنّ ذلك مقطوع العدم .

وأمّا الدليل الخاص : فلم نجد في المقام ما يدل على الضمان إلاّ رواية حفص المتقدّمة(1) الواردة في إيداع اللص ، فإنّها ظاهرة في أنّ التصدّق بالوديعة ـ التي هي بمنزلة اللقطة ـ يوجب الضمان مع مطالبة المالك . إلاّ أنّها ضعيفة السند ، وواردة في قضية شخصية ، فلا يمكن التعدّي منها إلى غيرها ، كما عرفته سابقاً .

والحاصل : أنّ التصدّق بمجهول المالك لا يوجب الضمان ، على أنّ الإطلاقات الدالّة على وجوب التصدّق به بعد التعريف تقتضي عدم الضمان ، ومع الشكّ في الإطلاق يرجع إلى البراءة .

وأمّا المقام الثاني ـ أعني ما إذا كانت يد الأمانة مسبوقة بالضمان ـ : فقد يقال  : إنّ اليد الموضوعة ابتداء على مجهول المالك حيث كانت يد ضمان ـ كما هو المفروض ـ فتكون موجبة للضمان بقاء أيضاً ما لم تؤدِ ، لما ذكرناه سابقاً من أنّ الشارع قد جعل ضمان اليد منوطاً بالأداء ، فما لم تتحقّق الغاية لم يسقط الضمان . وعرفت أيضاً أنّ نيّة الردّ إلى المالك وإن كانت توجب صيرورة اليد يد أمانة ، إلاّ أنّ هذه اليد لا توجب ضماناً ، لا أنّها لا تقتضي عدم الضمان ، وواضح أنّ ما لا اقتضاء فيه لا يزاحم ما فيه الاقتضاء .

ولكن يرد عليه أولا : ما عرفته آنفاً من أنّ التصدّق بمجهول المالك لو كان موجباً للضمان للزم منه التسلسل ، فيكون ذلك تخصيصاً عقليّاً لقاعدة ضمان اليد .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص775 .

ــ[795]ــ

وثانياً : أنّ رواية ابن أبي حمزة المتقدّمة(1) كالصريحة في عدم الضمان ، فإنّ الفتى قد طلب المخرج عمّا أخذه من أموال الناس ، فأجابه الإمام (عليه السلام) بالتصدّق بجميع ما تحت يده ، وضمن له بذلك الجنّة . ولو كان التصدّق به موجباً للضمان لما جعله الإمام مخرجاً له عن ظلامته ، وقد جعل الله التصدّق بمجهول المالك وسيلة للتوبة  ، وسبباً لفراغ الذمّة ، تسهيلا للأمر على الغاصبين التائبين . ولكن الرواية ضعيفة السند .

ويدلّ على عدم الضمان أيضاً إطلاق الروايات المتقدّمة ـ كرواية ابن أبي حمزة وغيرها ـ الآمرة بالتصدّق بمجهول المالك . ولا فرق في ذلك بين ما كان مجهول المالك عيناً خارجية أو دَيناً ثابتاً في الذمّة ، فإنّ الدَين وإن كان كلّياً في الذمّة إلاّ أنّه يتشخّص بالتصدّق ، وتبرأ به ذمّة المديون ، وتوهّم أنّ نفوذ التصدّق يتوقّف على إذن المالك ، توهّم فاسد ، لإطلاق تلك الروايات المتقدّمة .

ثمّ إنّه لا يجوز للمالك أن يرجع على الفقير لو كانت العين باقية عنده ، لأنّ آخذ الصدقة هو الله ، وما كان لله لا يرجع .

وعلى الجملة : لا يجري على مجهول المالك حكم اللقطة ، لعدم الدليل عليه ، إلاّ في إيداع اللص ، وقد عرفت أنّ النص الوارد فيه ضعيف السند ، ووارد في قضية شخصية .

ومن جميع ما ذكرناه ظهر ضعف ما ذهب إليه المصنّف من أنّ الأوجه هو الضمان مطلقاً ، إمّا تحكيماً للاستصحاب حيث يعارض البراءة ولو بضميمة عدم القول بالفصل ، وإمّا للمرسلة المتقدّمة عن السرائر(2) ـ وهي ما روي من أنّه بمنزلة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص773 الواردة في قصّة الفتى الذي كان من كتّاب بني اُميّة .

(2) السرائر 2 : 204 .

ــ[796]ــ

اللقطة ـ وإمّا لاستفادة ذلك من خبر الوديعة(1).

ووجه الضعف : أنّه لا موضوع للأصل بعد أمر الشارع بالتصدّق بمجهول المالك ، وأنّك قد عرفت أنّه لا دليل على الضمان فيما كانت اليد مسبوقة به ، فضلا عن إثباته في مطلق مجهول المالك بعدم القول بالفصل . وأمّا استفادة حكم المسألة ممّا ورد في إيداع اللص فقد عرفت جوابه . وأمّا مرسلة السرائر فهي غير قابلة للاعتماد عليها . على أنّ من المظنون أنّها بعينها رواية حفص الواردة في إيداع اللص فيتوجّه عليها ما وجّهناه على الاستدلال بهذه الرواية .

قوله : ثمّ الضمان هل يثبت بمجرد التصدّق .

أقول : قد ظهر ممّا تقدّم أنّ التصدّق بمجهول المالك لا يوجب الضمان ، فإذا أغمضنا النظر عن ذلك وقلنا بالضمان ، أو ثبت ذلك بدليل خاص ـ كما في اللقطة ـ فهل يحكم بثبوته من حين الأخذ ، أو من حين التصدّق ، أو من حين مطالبة المالك بماله وعدم رضاه بالتصدّق ؟ وجوه .

والتحقيق أن يقال : إنّ الحكم بالضمان إن كان لقاعدة الضمان بالإتلاف فاللازم هو الحكم بثبوته من حين التصدّق . إلاّ أنّك قد عرفت آنفاً أنّ القاعدة لا تشمل المقام . وإن كان مدرك الضمان هو ما ورد في اللقطة من أنّ المالك إذا جاء وطلب ماله فله الغرم أو الرضا بالأجر ، فاللازم هو ثبوته من حين مطالبة المالك . وإن كان مدرك الضمان هو قاعدة ضمان اليد ، فاللازم ثبوته من حين الأخذ إذا كانت اليد الموضوعة عليه يد ضمان .

قوله : ولو مات المالك .

أقول : توضيح المقام : أنّ الكلام قد يقع في موت المالك ، وقد يقع في موت

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 2 : 195 .

ــ[797]ــ

المتصدّق .

وعلى الأول : فقد يكون موت المالك بعد التصدّق ، وقد يكون قبل التصدّق فإذا كان التصدّق بعد موت المالك فإذا جاء الوارث ولم يرض بالتصدّق خيّره المتصدّق بين الغرم والأجر ، لقوله (عليه السلام) في رواية حفص المتقدّمة في البحث عن ردّ المأخوذ من الظالم إلى أهله : « فإن جاء طالبها بعد ذلك خيّره بين الأجر والغرم » . وإن كان التصدّق قبل موت المالك فإنّه لا شيء للورثة ، إذ المالك لم يبق حيّاً بعد التصدّق حتّى يتخيّر بين الغرم والأجر ، والورثة ليسوا بملاك حتّى يجري فيهم هذا الحكم .

لا يقال : إذا وجد المالك بعد التصدّق كان مخيّراً بين الغرم والأجر ، فيكون هذا حقّاً من حقوقه ، فإذا مات انتقل إلى الورثة ، لأنّ ما تركه الميّت لوارثه .

فإنّه يقال : لا دليل على أنّ كل حقّ يقبل النقل والانتقال أو الإسقاط ، إلاّ في موارد خاصّة ، ومع الشكّ في ذلك فالأصل عدمه .

وأمّا إذا مات المتصدّق ثمّ وجد المالك فالظاهر من قوله (عليه السلام) : «  خيّره بين الأجر والغرم » أنّه لا شيء للمالك حينئذ ، إذ لا وجود للمتصدّق حتّى يخيّر المالك بين الأمرين . نعم يمكن أن يقال بخروج الغرامة من تركته ، لأنّ ضمان الصدقة من الحقوق المالية اللازمة عليه بفعله ، ولا غرابة في ذلك ، فقد ثبت نظيره في الفقه كثيراً ، كما إذا رمى أحد رجلا بحجر ومات الرامي قبل وصول الحجر ، ثمّ أصاب الحجر الرجل فقتله ، فإنّ ديّة المقتول تؤخذ من تركة القاتل ، لاستناد القتل إليه ، بل قد يملك الميّت من جهة إيجاده سبب الملك قبل موته ، كما إذا نصب شبكة ووقع فيها السمك بعد موته ، فإنّه يكون من تركته .

قوله : ولو دفعه إلى الحاكم فتصدّق به بعد اليأس .

أقول : ظاهر كلام المصنّف أنّ دفع المال إلى الحاكم إن كان بعنوان كونه وكيل

ــ[798]ــ

الغائب أو وليّه فلا ضمان على الدافع ، لأنّ دفعه إلى الولي أو الوكيل كدفعه إلى نفس الأصيل . وإن كان دفعه إليه بعنوان أنّه كبقيّة الناس فلا تبرأ ذمّته بذلك .

وتحقيق الكلام هنا يكون في جهتين ، الاُولى : هل للحاكم ولاية على الغائب أم لا ؟ . الثانية : إذا ثبت للحاكم ولاية على الغائب فهل يعتبر قصد هذا العنوان في دفع مال الغائب إليه ، أم لا ؟

أمّا الجهة الاُولى : فهي ممنوعة صغرى وكبرى ، أمّا الصغرى فلأنّه لم يحرز كون المالك غائباً ، بل يحتمل كونه حاضراً عند الواجد ، وإن لم يعرفه بعينه . ويتّفق كثيراً أنّ الملتقط يتفحّص عن المالك وهو ينادي ياصاحب المال ويسمعه المالك ولا يلتفت إلى كون اللقطة له .

وأمّا الكبرى فلعدم الدليل اللفظي على ولاية الحاكم على الغائب لكي يتمسّك بإطلاقه ، وإنّما هي ثابتة بالحسبة ، فلابدّ من الاقتصار على المقدار المتيقّن وهو أخذ مال الغائب لحفظه وإيصاله إليه ، ولا يجوز إتلافه ولو بالتصدّق عنه .

وإن سلّمنا ولاية الحاكم على الغائب مطلقاً فإنّما هي فيما لم يكن للغائب ولي خاصّ ، والظاهر من الروايات(1) أنّ من وضع يده على اللقطة له الولاية على مالكها في التصدّق بها .

وأمّا الجهة الثانية : فإذا سلّمنا ثبوت ولاية الحاكم على الغائب فإنّه لا دليل على دخل قصد الولاية في دفع اللقطة إلى الحاكم ، فإنّ اعتبار القصد في ذلك كاعتبار قصد المالك في دفع ماله إليه ، ولا نحتمل أن يلتزم بذلك أحد . ويتّضح ما ذكرناه بمراجعة الوجدان ، وبالنظر إلى سيرة العقلاء ، فإنّهم لا يعتبرون القصد المذكور في دفع أموال الموكّلين والمولّى عليهم إليهم أو إلى وكلائهم وأوليائهم .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 25 : 450 / كتاب اللقطة ب7 .

ــ[799]ــ

ثمّ إنّه إذا جاز دفع اللقطة إلى الحاكم كان الحاكم مكلّفاً بجميع أحكامها من وجوب الفحص وغيره ، وإذا ظهر مالكها بعد التصدّق أعطى بدلها من بيت المال فقد ثبت في الشريعة أنّ ما أخطأته القضاة فهو من بيت المال ، وما نحن فيه من صغرياته .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net