القسم الرابع : أن يعلم إجمالا اشتمال المأخوذ على الحرام 

الكتاب : مصباح الفقاهة في المعاملات - المكاسب المحرمة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1743


فيما علم إجمالا اشتمال الجائزة على الحرام

الصورة الرابعة : ما علم إجمالا اشتمال الجائزة على الحرام . قد ذكر المصنّف هنا أنّ ما علم إجمالا اشتمال الجائزة على الحرام يقع على وجوه ، لأنّ الاشتباه إمّا أن يكون موجباً للشركة والإشاعة ، كخلط الخل بالخل والسمن بالسمن والحنطة بالحنطة ، وإمّا أن لا يكون موجباً لذلك ، كما إذا اشترى فراشاً وغصب فراشاً آخر واشتبه أحدهما بالآخر ، وعلى الأول فامّا أن يكون المالك ومقدار المال معلومين وإمّا أن يكونا مجهولين ، وإمّا أن يكونا مختلفين . فإذا كانا معلومين فلا شبهة في وجوب ردّ المال إلى صاحبه ، وإن كانا مجهولين فالمورد من صغريات المال الحلال المختلط بالحرام فيجب فيه الخمس ، وإن كانا مختلفين فإن كان القدر معلوماً والمالك مجهولا فقد تقدّم تفصيله في الصورة السابقة . وإن كان القدر مجهولا والمالك معلوماً وجب التخلّص عن اشتغال الذمّة بالمصالحة مع المالك . وعلى الثاني ـ وهو ما لا يوجب الاشتباه الشركة ـ : فلابدّ من الرجوع إلى القرعة ، لأنّها لكل أمر مشكل . أو يباع المأخوذ من الجائر ويشترك في ثمنه . ثمّ ذكر أنّ تفصيل ذلك كلّه في كتاب الخمس .

أقول : في كلامه نظر من وجهين :

الأول : أنّه لا وجه للرجوع إلى المصالحة مطلقاً فيما إذا كان المالك معلوماً والقدر مجهولا ، لأنّ المال المذكور قد يكون في يد أحد ، وقد لا يكون كذلك . وعلى

ــ[800]ــ

الأول فالمقدار الذي يعلم صاحبه يردّ إليه ، والمقدار الذي لا يعلم صاحبه فهو لذي اليد ، لأنّها أمارة الملكية . وعلى الثاني فما هو معلوم المالك أيضاً يردّ إلى صاحبه وفي المقدار المشتبه يرجع إلى القرعة . ويحتمل الحكم بالتنصيف ، للمصالحة القهرية . ويستأنس حكم ذلك ممّا ورد في الودعي(1). ولكن الظاهر أنّ الرواية غير نقيّة السند .

الثاني : أنّ ظاهر كلام المصنّف عدم جريان التقسيم المذكور في القسم الثاني ـ  أعني ما لا يكون الاشتباه موجباً للشركة والإشاعة ـ ولذا اكتفى فيه بالرجوع إلى القرعة ، أو بيع المال المشتبه والاشتراك في ثمنه .

ولكن الظاهر أنّ الأقسام المذكورة كلّها جارية في القسم الثاني أيضاً . وتقريبه : أنّ المأخوذ من الجائر إذا كان مشتبهاً بالحرام مع عدم كونه موجباً للشركة فامّا أن يكون المالك والقدر كلاهما معلومين ، فلابدّ من ردّ المال إلى صاحبه . وإمّا أن يكون القدر معلوماً والمالك مجهولا ، وقد تقدّم حكمه في الصورة الثالثة . وإمّا أن يكون القدر مجهولا والمالك معلوماً ، فيرجع إلى القرعة ، أو يباع ويشترك في ثمنه كما ذكره المصنّف . وإمّا أن يكون القدر والمالك كلاهما مجهولين ، فيجب فيه الخمس على المشهور ، وذكرنا تفصيل ذلك في كتاب الخمس(2)، وظاهر المصنّف عدم وجوبه هنا  . ولكنّه مدفوع بإطلاق ما دلّ على وجوب الخمس في المال المختلط بالحرام(3)على القول به ، ودعوى اختصاصه بصورة الإشاعة لا شاهد له .

فرع : قال السيّد (رحمه الله) في حاشيته : مقتضى إطلاق أخبار الخمس عدم

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع الوسائل 18 : 452 / كتاب الصلح ب12 .

(2) شرح العروة الوثقى 25 : 123 وما بعدها .

(3) راجع الوسائل 9 : 505 / أبواب ما يجب فيه الخمس ب10 .

 
   

ــ[801]ــ

الفرق بين ما لو شكّ في كون الحرام بمقدار الخمس أو أقل أو أكثر ، وما لو علم بنقصانه عنه أو زيادته عليه مع عدم العلم بمقداره ، وهو الأقوى، وفاقاً لسيّد المناهل على ما نقل. وذهب بعضهم إلى الاختصاص بالصورة الاُولى، وأنّه لو علم النقص لا يجب إعطاء الخمس ، ولو علم الزيادة لا يكفي ، بل يجب دفع الأزيد(1).

ولكن الظاهر هو ما ذهب إليه ذلك البعض ، لأنّ مورد ما دلّ على ثبوت الخمس في المختلط بالحرام إنّما هو ما لم يعلم كون الحرام زائداً على مقدار الخمس ، أو ناقصاً عنه . أمّا في صورة العلم بالنقصان فلأنّ الظاهر من قوله (عليه السلام) في رواية الحسن بن زياد : « فإنّ الله تعالى قد رضي من ذلك المال بالخمس »(2) أنّ الرضا بالخمس للامتنان على العباد ، والتسهيل عليهم ، ومن الواضح أنّه لا امتنان إلاّ مع احتمال زيادة الحرام على الخمس . ويضاف إلى ذلك أنّه لا قائل بوجوب الخمس في هذه الصورة ، ذكر ذلك المحقّق الهمداني (قدّس سرّه)(3).

وأمّا في صورة العلم بزيادة الحرام عنه فإنّ الجزء الزائد كبقية المحرّمات ، فلا ترتفع الحرمة عنه ، وإلاّ كان ذلك حيلة لأكل أموال الناس . ويضاف إلى ذلك عدم القول بالفصل بين صورتي العلم بالزيادة والعلم بالنقيصة ، وحيث عرفت عدم وجوب الخمس مع العلم بالنقيصة فلابدّ من القول بعدم وجوبه أيضاً مع العلم بالزيادة .

وعلى الجملة : إنّ ظاهر الرواية وقوع المصالحة الشرعية بين الحرام والخمس ولا يجري ذلك إلاّ مع احتمال كونه بمقدار الحرام.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) حاشية المكاسب (اليزدي) : 41 السطر 8 .

(2) راجع الوسائل 9 : 505 / أبواب ما يجب فيه الخمس ب10 ح1 .

(3) مصباح الفقيه 14 : 173 ـ 174 .

ــ[802]ــ

أخذ المال من الجائر

ليس له بنفسه حكم من الأحكام الخمسة

قوله : واعلم أنّ أخذ ما في يد الظالم ينقسم باعتبار نفس الأخذ إلى الأحكام الخمسة .

أقول : حاصل كلامه : أنّ أخذ المال من الجائر ينقسم بلحاظ نفس الأخذ إلى الأحكام الخمسة ، وبلحاظ نفس المال إلى المحرّم والمكروه والواجب . فالمحرّم ما علم أنّه مال الغير مع عدم رضاه بأخذه ، والمكروه هو المال المشتبه ، والواجب هو ما يجب استنقاذه من يد الجائر من حقوق الناس ، وحقوق السادة والفقراء ، ولو كان ذلك بعنوان المقاصّة .

أقول : الظاهر أنّ الأخذ بنفسه لا يتّصف بشيء من الأحكام الخمسة حتّى بالإباحة ، بل شأنه شأن سائر الأفعال التي لا تتّصف بها إلاّ باعتبار العوارض والطوارئ ، فإنّ الأخذ قد يتّصف بالحرمة ، كأخذ مال الغير بدون إذنه . وقد يتّصف بالوجوب ، كأخذ حقوق الناس من الجائر . وقد يتّصف بالكراهة ، كأخذ المال المشتبه منه ، بناءً على كراهته كما ذهب إليه بعض الأصحاب ، وقد تقدّم ذلك في البحث عن كراهة أخذ الجائزة من الجائر مع اشتمال أمواله على الحرام(1). وقد يتّصف بالاستحباب ، كأخذ المال منه مع عدم العلم بحرمته لزيارة المشاهد والتوسعة على العيال ، ونحو ذلك من الغايات المستحبّة . وقد يتّصف بالإباحة كأخذ المال منه لغير الدواعي المذكورة .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص750 .

ــ[803]ــ

وظيفة الجائر في نفسه

بالنسبة إلى ما أخذه من أموال الناس

قوله : وكيف كان فالظاهر أنّه لا إشكال في كون ما في ذمّته من قيم المتلفات غصباً من جملة ديونه .

قد فصّلنا الكلام في حكم أخذ المال من الجائر ، وأمّا وظيفته في نفسه فلا شبهة في اشتغال ذمّته بما أتلفه من أموال الناس ، لقاعدة الضمان بالإتلاف ، فيجب عليه أن يخرج من عهدته . ولا شبهة أيضاً في أنّ ما أخذه من الناس بالظلم يجب عليه ردّه إليهم ، لقاعدة ضمان اليد ، هذا إذا كان الجائر حيّاً ، وأمّا إذا مات كانت الأموال المذكورة من جملة ديونه ، فتخرج من أصل التركة ، لقوله تعالى : (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصى بِهَا أَوْ دَيْن)(1) وللروايات الواردة في هذه المسألة .

وقد خالف في ذلك الشيخ الكبير كاشف الغطاء (رحمه الله)(2) فحكم بكونه من الثلث مع الإيصاء به ، ومنع كونه من الديون ، واستدلّ على رأيه هذا بعدم المقتضي وبوجود المانع . أمّا الأول فبأنّ ذمّة الظالم وإن اشتغلت بالحقوق ، ووجب عليه الخروج من عهدتها ، إلاّ أنّ الدَين الذي يخرج من أصل التركة منصرف إلى الديون المتعارفة ، فلا يكون مورد البحث مشمولا للآية وما بمعناها .

وأمّا المانع فلأنّ الآية الشريفة وإن دلّت على إخراج ديون الميّت من أصل التركة ، وبها خصّص ما دلّ على أنّ ما تركه الميّت ينتقل إلى وارثه ، ولكن السيرة القطعية قائمة على أنّ الضمانات الثابتة بقاعدة ضمان اليد لا تخرج من أصل التركة ، بل تخرج من الثلث مع الإيصاء به ، وإلاّ بقي الميّت مشغول الذمّة به إلى يوم القيامة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) النساء 4 : 12 .

(2) شرح القواعد 1 : 338 .

ــ[804]ــ

وعليه فالآية قد خصّصت بالسيرة .

أقول : أمّا منع المقتضي فقد أشكل عليه المصنّف بوجوه :

الأول : منع الانصراف ، فإنّا لا نجد بعد مراجعة العرف فرقاً بين ما أتلفه هذا الظالم عدواناً ، وبين ما أتلفه شخص آخر من غير الظلمة . فكما أنّ الثاني يخرج من أصل التركة فكذا الأول .

الثاني : أنّه لا إشكال في جريان أحكام الدَين عليه في حال حياته ، من جواز المقاصّة من ماله كما هو المنصوص(1) وعدم تعلّق الخمس والاستطاعة وغير ذلك .

الثالث : أنّه لو تمّ الانصراف لزم إهمال الأحكام المنوطة بالدَين وجوداً وعدماً من غير فرق بين حياته وموته .

ودعوى إطلاق الغني عليه عرفاً لا شاهد عليها ، لأنّ أهل العرف ليسوا مشرّعين لكي تكون إطلاقاتهم حجّة شرعية ، كما أنّهم يرون القمار وبيع المنابذة والحصاة والمعاملة الربوية من المعاملات الصحيحة ، وقد نهى الشارع عنها وأزرى عليهم بها .

وأمّا وجود المانع فأشكل عليه المصنّف أيضاً بأنّ السيرة المذكورة ناشئة من قلّة مبالاة الناس ، كما هو ديدنهم في أكثر السير التي استمرّوا عليها ، ولذا لا يفرقون في ذلك بين الظلمة وغيرهم ممّن علموا باشتغال ذممهم بحقوق الناس من جهة حقّ السادة والفقراء أو من جهة العلم بفساد أكثر معاملاته . وغيرها من حقوق الناس فلا يمكن رفع اليد عن القواعد المنصوصة المجمع عليها في الشريعة المقدّسة بمثل هذه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع الوسائل 17 : 272 / أبواب ما يكتسب به ب83 ، والتهذيب 6 : 347 / 978 وما بعده من الأحاديث .

ــ[805]ــ

السير الواهية ، بل سيرة المتديّنين على عكس السيرة المذكورة ، فإنّهم لا يفرقون في الديون بين المظالم وغيرها .

ما يأخذه الجائر من الناس يجوز احتسابه من الزكاة

قوله : الثالثة : ما يأخذه السلطان المستحلّ لأخذ الخراج .

أقول : الحقوق الشرعية الثابتة في أموال الناس أو في ذممهم أربعة : الخمس والزكاة ، والخراج ، والمقاسمة . ولا بأس بجعل الأخيرين قسماً واحداً . إذن فهي ثلاثة . أمّا الخمس فقد أسقطه عمر بن الخطاب ، وتبعه قومه . وذكر بعض المفسّرين من العامّة أنّ عمر قد أسقط الخمس في شريعة الإسلام وتبعه أصحابه فصارت المسألة إجماعية ، وعلى ذلك فلا جدوى في البحث عن الخمس ، لعدم اعتقاد الجائر به لكي يأخذه من الناس حتّى نبحث في أحكامه ، فيختصّ الكلام ببقيّة الحقوق .

ثمّ لا يخفى أنّ مورد تلك الحقوق الثلاثة هي الغلاّت الأربع والأنعام الثلاثة وأراضي المسلمين ، وأمّا الأراضي التي أحياها العامل فلا شيء عليه ، وإن كان المحيي من غير المسلمين على ما ذهب إليه بعض الأصحاب .

ثمّ إنّ الكلام هنا يقع في ثلاث نواح :

الناحية الاُولى : إذا أخذ الجائر الحقوق المذكورة من المسلمين فهل تبرأ ذممهم عنها ، أم لا ؟ مقتضى القاعدة الأوّلية هو العدم ، فإنّ الشارع قد حكم بثبوت تلك الحقوق في ذمم هؤلاء ، فلا تبرأ عنها إلاّ بصرفها فيما عيّنه الشارع ، وواضح أنّ الجائر خارج عنه . على أنّها لا تتعيّن في خصوص ما يأخذه الجائر حتّى تسقط عن ذممهم . إلاّ أنّ الظاهر من الروايات الآتية في الناحية الثالثة هو جواز أخذ الصدقات والمقاسمات من الجائر ، بل الظاهر من السؤال في رواية الحذاء الآتية أنّ

ــ[806]ــ

ذلك من المسلّمات ، فتدلّ تلك الروايات بالملازمة على أنّ الأموال التي يأخذها الجائر من الناس يجوز احتسابها من الصدقات والمقاسمات ، وإلاّ لكان على الآخذ أن يردّه إلى صاحبه . فيدلّ ذلك على تنزيل يد الجائر في زمان الغيبة منزلة يد السلطان العادل .

ويضاف إلى ما ذكرناه ما في جملة من الروايات(1) من أنّ العشور التي تؤخذ من الرجل يجوز احتسابها من الزكاة إلاّ إذا استطاع الرجل دفع الظالم ، كما أشار إليه الإمام (عليه السلام) في رواية عيص بقوله : « لا تعطوهم شيئاً ما استطعتم » . وأمّا ما ورد في صحيحة أبي اُسامة زيد الشحّام(2) من منع الاحتساب لأنّهم قوم غصبوا ذلك ، فيمكن حمله على استحباب الإعادة ، كما صنعه الشيخ في التهذيب(3).

لا يجوز للجائر أخذ الصدقات والمقاسمات من الناس

الناحية الثانية : هل يجوز للجائر أخذ الصدقة والخراج والمقاسمة من الناس أم لا ؟ وعلى القول بالجواز فهل تبرأ ذمّته إذا أعطاها لغير أهلها ، أم لا ؟ قد يقال : إنّ الولاية في زمان الغيبة وإن كانت راجعة إلى السلطان العادل الذي وجبت على

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ففي الكافي عن يعقوب بن شعيب قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن العشور التي تؤخذ من الرجل ، أيحتسب بها من زكاته ؟ قال : نعم إن شاء » . وهي صحيحة .

وعن عيص بن قاسم عن أبي عبدالله (عليه السلام) في الزكاة قال : « ما أخذوا منكم بنو اُميّة فاحتسبوا به ، ولا تعطوهم شيئاً ما استطعتم ، فإنّ المال لا يبقى على هذا أن يزكّيه مرّتين  » وهي صحيحة ، وغير ذلك من الروايات . راجع الكافي 3 : 543 / 2 ، 4 . والوافي 10 : 144 / 3 ، 2 . والوسائل 9 : 251 / أبواب المستحقّين للزكاة ب20 ح1 ، 2 .

(2) راجع البابين المزبورين من الوسائل ] ح6 [ والوافي ] ح11 [ .

(3) التهذيب 4 : 40 / ذيل ح101 .

ــ[807]ــ

الناس طاعته ، وحرمت عليهم معصيته ، فإذا غصبها غاصب وتقمّصها متقمّص كان عاصياً وآثماً ، إلاّ أنّ هذه الولاية الجائرة تترتّب عليها الأحكام الشرعية المترتّبة على الولاية الحقّة من حفظ حوزة الإسلام ، وجمع الحقوق الثابتة في أموال الناس ، وصرفها في محلّها ، وغير ذلك ، لأنّ موضوع تلك الأحكام هو مطلق السلطنة ، سواء أكانت حقّة أم باطلة ، كما إذا وقف أحد أرضاً وجعل توليتها لسلطان الوقت .

وعلى الجملة : إنّ المحرّم إنّما هو تصدّي الجائر لمنصب السلطنة ، لا الأحكام المترتّبة عليها ، فإنّها لا تحرم عليه بعد غصبه الخلافة وتقمّصها ، هذا غاية ما يمكن أن يقال في جواز تصدّي الجائر للاُمور العامّة .

ولكن يرد عليه : أنّ هذا الاحتمال وإن كان ممكناً في مقام الثبوت ، إلاّ أنّه لا دليل عليه ، وعلى هذا فالجائر مشغول الذمّة بما يأخذه من حقوق المسلمين ما لم يخرج من عهدتها .

وذهب السيّد في حاشيته(1) إلى براءة ذمّة الجائر لوجه آخر ، وحاصله : أنّ الأئمّة (عليهم السلام) ـ وهم الولاة الشرعيّون ـ قد أذنوا لشيعتهم في شراء الصدقة والخراج والمقاسمة من الجائر ، ويكون تصرّفه في هذه الحقوق الثلاثة كتصرّف الفضولي في مال الغير إذا انضمّ إليه إذن المالك ، وحينئذ فيترتّب عليه أمران أحدهما : براءة ذمّة الزارع بما دفع إلى الجائر من الحقوق المذكورة . وثانيهما : براءة ذمّة الجائر من الضمان وإن ترتّب عليه الإثم من جهة العصيان والعدوان ، ونظير ذلك ما إذا غصب الغاصب مال غيره فوهبه لآخر ، وأجازه المالك .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) حاشية المكاسب (اليزدي) : 44 ، السطر 15 .

ــ[808]ــ

ويرد عليه أولا(1): أنّ إذن الشارع في أخذ الحقوق المذكورة من الجائر إنّما هو لتسهيل الأمر على الشيعة لئلاّ يقعوا في المضيقة والشدّة ، فإنّهم يأخذون الأموال المذكورة من الجائر . وأنّ إذنه هذا وإن كان يدلّ بالالتزام على براءة ذمّة الزارع وإلاّ لزم منه العسر والحرج المرفوعين في الشريعة ، إلاّ أنّه لا إشعار فيه ببراءة ذمّة الجائر ، فضلا عن الدلالة عليها ، وعلى هذا فتصدّيه لأخذ تلك الحقوق ظلم وعدوان ، فتشمله قاعدة ضمان اليد ، وتلحقه جميع تبعات الغصب وضعاً وتكليفاً .

وأمّا تنظير المقام بهبة الغاصب المال المغصوب مع لحوق إجازة المالك فهو قياس مع الفارق ، إذ المفروض أنّ الجائر لم يعط الحقوق المذكورة لأهلها حتّى تبرأ ذمّته ، بل أعطاها لغيرهم إمّا مجّاناً ، أو مع العوض . وعلى الأول فقد أتلف المال فيكون ضامناً له ، وإن جاز للآخذ التصرّف فيه ، وعليه فالعوض يكون للآخذ وينتقل المال إلى ذمّة الجائر . وعلى الثاني فالمعاملة وإن صحّت على الفرض ، إلاّ أنّ ما يأخذه الجائر بدلا عن الصدقة يكون صدقة ، ويضمنه الجائر لا محالة .

ونظير ذلك أنّ الأئمّة قد أذنوا لشيعتهم في أخذ ما تعلّق به الخمس أو الزكاة ممّن لا يعطيهما أو لا يعتقد بهما ، مع أنّ ذلك يحرم على المعطي وضعاً وتكليفاً .

جواز أخذ الصدقات والمقاسمات

من الجائر المستحلّ لذلك

الناحية الثالثة : هل يجوز أخذ مال الصدقة والخراج والمقاسمة من الجائر المستحلّ لذلك ، أم لا يجوز ؟ وعلى القول بالجواز فهل يملكها الآخذ أم لا ؟ المشهور بل المجمع عليه بين الأصحاب هو الأول ، وعن المسالك أنّه أطبق عليه علماؤنا ، لا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ] لم يذكر إيراداً ثانياً ، نعم لعلّه أراد ذلك بقوله : وأمّا تنظير ... [ .

ــ[809]ــ

نعلم فيه مخالفاً(1). وعن المفاتيح أنّه لا خلاف فيه(2). وفي الرياض أنّه استفاض نقل الإجماع عليه(3). وقد خالف في ذلك الفاضل القطيفي(4) والمحقّق الأردبيلي(5).

ولكن التحقيق يقتضي الأول ، لإطلاق الروايات الكثيرة الدالّة على إباحة أخذ الجوائز من الجائر ، وقد تقدّمت الإشارة إليها في البحث عن جوائز السلطان(6)، وتدلّ عليه أيضاً الروايات الخاصّة الواردة في خصوص المقام :

منها : رواية الحذاء(7) وهي تدلّ على المقصود بثلاث فقرات :

الفقرة الاُولى : أنّ السائل جعل جواز أخذ الصدقات من السلطان الجائر مفروغاً عنه ، وإنّما سأل عمّا إذا أخذ الجائر من الناس أكثر من الحقّ الذي يجب عليهم ، فقال الإمام (عليه السلام) : « لا بأس به حتّى تعرف الحرام بعينه » .

وقد أورد عليه المحقّق الأردبيلي في محكي كلامه بأنّ قوله (عليه السلام) : « لا بأس به حتّى تعرف الحرام بعينه » لا يدلّ إلاّ على جواز شراء ما كان حلالا ، بل مشتبهاً ، وعدم جواز ما كان معروفاً أنّه حرام بعينه ، ولا تدلّ على جواز شراء الزكاة بعينها صريحاً . نعم ظاهرها ذلك . لكن لا ينبغي الحمل عليه ، لمنافاته العقل والنقل . ويمكن أن يكون سبب الإجمال منه التقيّة.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المسالك 3 : 142 .

(2) مفاتيح الشرائع 3 : 10 .

(3) الرياض 8 : 195 .

(4) السراج الوهّاج (ضمن الخراجيات) : 104 وما بعدها .

(5) مجمع الفائدة والبرهان 8 : 99 .

(6) في ص746 وما بعدها .

(7) وهي صحيحة . راجع الوسائل 17 : 219 / أبواب ما يكتسب به ب52 ح5 . والتهذيب 6 : 375 / 1094 .

ــ[810]ــ

ويرد عليه أولا : أنّ الرواية صريحة في المطلوب ، فإنّ الضمير في قوله (عليه السلام) : « لا بأس به » يرجع إلى شراء إبل الصدقة وغيرها ، فلا وجه لإنكار الأردبيلي صراحة هذه الفقرة في المقصود .

وثانياً : أنّ حكم العقل بقبح التصرّف في مال الغير بدون إذنه وإن كان ممّا لا ريب فيه ، وكذا لا شبهة في دلالة جملة من الروايات على حرمته(1)، إلاّ أنّ إذن الشارع فيه أحياناً يوجب ارتفاع القبح ، وتخصيص العمومات ، وعليه فجواز أخذ الصدقات من الجائر لا ينافي حكم العقل والنقل ، لأنّ أخذ الجائر هذه الحقوق من المسلمين وإن كان على وجه الظلم والعدوان ، إلاّ أنّ الشارع أجاز لغير الجائر أن يأخذها منه ، ومن هنا لم يتوهّم أحد أنّ إذن الشارع في التصرّف في الأراضي المتّسعة والأنهار الكبار وغيرهما ينافي حكم العقل والنقل .

وثالثاً : أنّه لا وجه لإنكاره صراحة هذه الفقرة في المطلوب ، ودعواه ظهورها فيه ، ثمّ إنكاره الظهور أيضاً لمنافاته العقل والنقل . نعم له إنكار حجّيتها من الأول ، سواء كانت صريحة في المطلوب أم ظاهرة فيه ، كما هو كذلك في كل دليل ينافي العقل والنقل .

ورابعاً : أنّه لا وجه لاحتمال التقيّة في الرواية وجعلها سبب الإجمال فيها ، لأنّ مجرد معارضة الرواية لعموم آية أو رواية أو إطلاقهما لا يسوّغ حملها على التقيّة ، بل يلتزم بالتخصيص أو التقييد .

لا يقال : لا وجه لحمل لفظ السلطان الوارد في الرواية على السلطان الجائر ولماذا لا يحمل على السلطان العادل ، فتبعد الرواية عمّا نحن فيه .

فإنّه يقال : ظاهر قول السائل : « وهو يعلم أنّهم يأخذون منهم أكثر من الحقّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قد تقدّم التعرّض لها في ص225 .

ــ[811]ــ

الذي يجب عليهم » أنّه فرض الكلام في الجائر ، لأنّ العادل لا يعمل ذلك . ويضاف إلى ما ذكرناه أنّا لم نسمع بوجود السلطان العادل في زمان السائل وما يقاربه .

الفقرة الثانية : أنّ السائل قد احتمل حرمة شراء الإنسان صدقات نفسه من الجائر فسأل الإمام (عليه السلام) عنها ، فقال (عليه السلام) : « إن كان قد أخذها وعزلها فلا بأس » . فهذه الفقرة أيضاً صريحة في المطلوب . وإنّما قيّد الإمام (عليه السلام) جواز شراء الصدقات بالأخذ والعزل معاً ولم يكتف بالعزل فقط ، لأنّ الصدقات لا تتعيّن بأمر الجائر بالعزل ، فإذا اشتراها قبل الأخذ والعزل فقد اشترى مال نفسه ، وهو بديهي البطلان ، فإنّ البيع تبديل المالين في طرفي الإضافة ، وهو غير معقول في شراء الإنسان مال نفسه . وسنتعرّض لذلك في أوائل البيع إن شاء الله(1).

وقد يقال : إنّ المراد من المصدّق في قول السائل : « فما ترى في مصدّق يجيئنا  » إلخ . هو العامل من قبل السلطان العادل ، ووجه السؤال هو احتمال أن لا يكون العامل وكيلا في بيعها ، فتكون الرواية أجنبية عن المقام . ويردّه : أنّ الرواية واردة في الجائر ، وقد تقدّم ما يدلّ على ذلك .

الفقرة الثالثة : أنّ السائل قد احتمل عدم كفاية الكيل السابق في الشراء فسأل الإمام (عليه السلام) عن ذلك فقال : « إن كان قبضه بكيل وأنتم حضور ذلك فلا بأس بشرائه منه من غير كيل » لأنّ الكيل إنّما اعتبر طريقاً إلى تعيين مقدار المكيل بأي نحو اتّفق ، ولا دليل على اعتباره عند البيع . فهذه الفقرة أيضاً صريحة في جواز شراء الصدقات من الجائر .

لا يقال : المراد من القاسم المذكور في السؤال هو المزارع أو وكيله ، فلا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الجزء الثاني من هذا الكتاب : 23 .

ــ[812]ــ

مدخل للرواية فيما نحن فيه .

فإنّه يقال : اتّحاد السياق يقتضي أن يراد من القاسم عامل الصدقة ، لا المزارع أو وكيله . على أنّ الظاهر من إطلاق لفظ القاسم ـ الذي هو من المشتقّات  ـ هو من كانت القسمة حرفة له ، ولا يطلق ذلك على المزارع للأرض بقسمة حاصله  .

وقد يتوهّم أنّ الرواية إنّما تعرّضت لحكم الصدقة فقط ، فلا تشمل الخراج والمقاسمة . ولكن يرد عليه أولا : أنّ مقابلة القاسم بالمصدّق في الرواية تدلّ على إرادة كل من المقاسمة المصطلحة والصدقات . وثانياً : أنّ إطلاق لفظ القاسم يشمل الخراج والمقاسمة الزكاتية ، فلا وجه لصرفه إلى الثاني . وثالثاً : يكفينا تعرّض الرواية لخصوص الصدقات ، فيثبت الحكم في غيرها بعدم القول بالفصل ، لأنّ كل من قال بجواز أخذ الصدقات من الجائر قال بجواز أخذ الخراج والمقاسمة منه .

ومنها : رواية إسحاق بن عمّار قال : « سألته عن الرجل يشتري من العامل وهو يظلم ، قال : يشتري منه ما لم يعلم أنّه ظلم فيه أحداً »(1) فإنّ ظاهر الشراء من العامل هو شراء الحقوق المذكورة منه ، فتدلّ هذه الرواية أيضاً على المطلوب .

وأشكل عليها الفاضل القطيفي(2) بأنّ المراد من العامل هو عامل الظلمة وقد عرفت فيما سبق أنّه لا مانع من أخذ أموالهم ما لم يعلم أنّها من الحرام فتكون الرواية بعيدة عن المقام . وفيه : أنّ هذه الدعوى وإن لم تكن بعيدة في نفسها ولكن يدفعها إطلاق الرواية ، وعدم تفصيل الإمام (عليه السلام) بين المقامين .

ومنها : رواية أبي بكر الحضرمي(3) فإنّها ظاهرة في حلّ ما يعطيه الجائر

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قد ذكرنا هذه الرواية في ص764 .

(2) السراج الوهّاج (ضمن الخراجيات) : 107 ـ 108 .

(3) قال : « دخلت على أبي عبدالله (عليه السلام) وعنده إسماعيل ابنه ، فقال : ما يمنع ابن أبي شمال أن يخرج شباب الشيعة فيكفونه ما يكفيه الناس ويعطيهم ما يعطي الناس ؟ ثمّ قال لي : لِمَ تركت عطاءك ؟ قال قلت : مخافة على ديني ، قال : ما منع ابن أبي شمال أن يبعث إليك بعطائك ، أما علم أنّ لك في بيت المال نصيباً » . وهي مجهولة بعبدالله بن محمّد الحضرمي . في نسخة الوسائل : سمال ، وفي التهذيب سماك . راجع الوافي 17 : 163 / 25 ، والوسائل 17 : 214 / أبواب ما يكتسب به ب51 ح6 ، والتهذيب 6 : 336 / 933 .

ــ[813]ــ

للناس من بيت المال ، سواء كان ذلك بعنوان البذل ، أم الاُجرة على عمل . وقد ذكر المحقّق الكركي أنّ هذا الخبر نصّ في الباب(1). وقد تعجّب منه الأردبيلي وقال : أنا ما فهمت منه دلالة ما ، وذلك لأنّ غايتها ما ذكر ، وذلك قد يكون شيء من بيت مال يجوز أخذه وإعطاؤه للسمتحقّين ، بأن يكون منذوراً ، أو وصية لهم ، ويعطيهم ابن أبي شمال أو غير ذلك(2).

ولكن يرد عليه : أنّه إذا تحقّق للرواية ظهور فإنّ مجرد الاحتمال على خلافه لا يسوغ رفع اليد عنه ، وإلاّ لانسدّ باب الاجتهاد ، فإنّ كل ظاهر يحتمل خلافه . نعم لا يجوز الاستدلال بالرواية المذكورة على المقصود من جهة اُخرى ، وهي أنّ الإمام (عليه السلام) قد علّل التعريض بابن أبي شمال بأنّه لم يبعث إلى أبي بكر الحضرمي بعطائه ، حيث قال : « أما علم أنّ لك في بيت المال نصيباً » وظاهر هذا التعليل أنّ جواز الأخذ من جهة ثبوت الحقّ في بيت المال ، فيجوز له الأخذ بمقدار حقّه . إلاّ أنّه لا دلالة فيها على جواز أخذ الحقوق الثلاثة من الجائر مطلقاً ، لكون الدليل أخصّ من المدّعى .

ومنها : الأخبار(3) الواردة في جواز تقبّل الأراضي الخراجية ، وتقبّل

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قاطعة اللجاج (ضمن رسائل المحقّق الكركي) 1 : 272 .

(2) مجمع الفائدة والبرهان 8 : 104 (مع اختلاف يسير) .

(3) راجع الوافي 18 : 1019 / ب165 (قبالة الأرضين) 1041 / ب167 (الرجل يستأجر الأرض فيؤاجرها بأكثر ممّا استأجرها) . والوسائل 15 : 155 / أبواب جهاد العدو ب71 ، 72 . والكافي 5 : 282 / باب شراء أرض الخراج من السلطان ... ، 271 / باب الرجل يستأجر الأرض ... ، 269 / باب قبالة أرض أهل الذمّة ... .

وفي الوافي 18 : 672 / 16 ، والوسائل 17 : 355 / أبواب عقد البيع وشروطه ب12 ح4 عن الهاشمي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « سألته عن الرجل يتقبّل خراج الرجال وجزية رؤوسهم وخراج النخل والشجر والآجام والمصائد والسمك والطير ، وهو لا يدري لعلّ هذا لا يكون أبداً أو يكون ، أيشتريه ؟ وفي أي زمان يشتريه ويتقبّل به منه ؟ فقال : إذا علمت أنّ من ذلك شيئاً واحداً قد أدرك فاشتره » . وهي موثّقة بأبان بن عثمان .

ورواها الكليني باختلاف يسير في الكافي 5 : 195 / 12 ، إلاّ أنّ في طريقه عبدالله بن محمد ابن عيسى ، وهو مهمل .

ــ[814]ــ

خراجها ، وخراج الرجال والرؤوس من الجائر ، فإنّها تدلّ بالملازمة على جواز شراء الخراج والمقاسمة والصدقة منه .

وتوضيح الدلالة : أنّ التقبّل قد يتعلّق بالأرض ، وقد يتعلّق بالخراج . أمّا الأول فتشهد به جملة من الروايات . ولعلّ الوجه في تجويز الشارع ذلك أن لا تبقى الأرض معطّلة ، ولا شبهة أنّ هذه الجهة لا ترتبط بما نحن فيه . وأمّا تقبّل الخراج فتدلّ عليه جملة اُخرى من الروايات ، ولا ريب في دلالة هذه الجملة على المطلوب إذ لا فارق بين شراء الحقوق المذكورة من الجائر أو أخذها منه مجاناً ، وبين تقبّلها فإنّ الغرض هو مطلق الأخذ ، ولذا نوّهنا في صدر المسألة بأنّ الأخذ أعمّ من أن يكون مع العوض أو بدونه .

ــ[815]ــ

لا يجوز للجائر إقطاع شخص خاصّ شيئاً

من الأراضي الخراجية

وينبغي التنبيه على اُمور :

الأول : هل يجوز للجائر إقطاع شخص خاصّ شيئاً من الأراضي الخراجية وتخصيصها به أم لا ؟ الظاهر هو الثاني ، لدلالة الأخبار الكثيرة على أنّ الأراضي الخراجية للمسلمين(1)، فلا يجوز لأحد أن يتولّى التصرّف عنهم إلاّ الإمام (عليه السلام) أو من كان مأذوناً من قبله . وعليه فإن قلنا بكون الجائر ولي الأمر في زمان الغيبة ، أو قلنا بكونه مأذوناً من قبل الإمام (عليه السلام) في التصدّي للاُمور العامّة فلا بأس بتصرّفه في تلك الأراضي من قبل المسلمين على أي نحو شاء ، وإن لم نقل بهما ـ كما هو الظاهر ـ لعدم الدليل عليهما فيحرم عليه التصرّف فيها وضعاً وتكليفاً .

شراء الصدقات من الجائر قبل أخذه إيّاها من الناس

الأمر الثاني : هل يجوز شراء الصدقات من الجائر قبل أخذه إيّاها من الناس أم لا يجوز ذلك إلاّ بعد الأخذ ؟ ظاهر عبارات الأكثر بل الكل أنّ الحكم مختص بما يأخذه السلطان من المسلمين ، فلا يجوز شراء ما في ذمّة مستعمل الأراضي الخراجية أو الحوالة عليه . وصريح جماعة جواز ذلك ، للأخبار الواردة في تقبّل الأراضي الخراجية وتقبّل خراجها ، وجزية الرؤوس من الجائر قبل أخذه إيّاها ـ وقد تقدّمت الإشارة إليها آنفاً ـ فإنّ تقبّل الخراج من الجائر ليس إلاّ شراؤه منه . وأمّا اختصاص عبارات الفقهاء بصورة الشراء بعد الأخذ فمبني على الغالب .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع الوافي 18 : 989 / ب159 حكم أرض الخراج وأرض أهل الذمّة ، والوسائل 15 : 155 / أبواب جهاد العدو ب71 .

ــ[816]ــ

لا يقال : إنّ قوله (عليه السلام) في رواية الحذاء المتقدّمة(1): « إن كان قد أخذها وعزلها فلا بأس » يدلّ على حرمة الشراء قبل الأخذ والعزل ، ولا اختصاص لذلك بالصدقات ، لعدم القول بالفصل بينها وبين الخراج والمقاسمة .

فإنّه يقال : إنّ الرواية وإن كانت ظاهرة في ذلك ، إلاّ أنّه ظهور بدوي يزول بالتأمّل فيها ، فإنّها بعيدة عمّا نحن فيه ، لأنّ الظاهر من قول السائل : « فما ترى في مصدّق يجيئنا فيأخذ منّا صدقات أغنامنا فنقول : بعناها » إلخ ، أنّ الجابي هو العامل من قبل الجائر ، إذ لم يتعارف تصدّي الجائر لذلك بنفسه ، وعلى هذا فكل ما أخذه العامل من حقوق المسلمين جاز شراؤه منه ، لقاعدة اليد المقتضية لحمل معاملاته على الصحّة ، فإنّه من المحتمل أن يكون العامل مأذوناً في البيع كما هو مأذون في الجباية .

ولكن ذلك لا يجري فيما قبل الأخذ ، لأنّ حمل فعل المسلم على الصحّة في المعاملات إنّما هو في الشرائط العائدة إلى العقد فقط ، وأمّا شرائط العوضين وأشباهها فلابدّ من إحرازها بدليل آخر من قاعدة اليد ونحوها ، وهي منتفية في هذه الصورة ، فإذا باع أحد شيئاً ، ولم تحرز مالكيته له ، أو كونه وكيلا مفوّضاً في البيع ، فإنّ الأثر لا يترتّب على بيعه ، وقد ظهر ممّا تقدّم أنّ الرواية إنّما وردت على طبق القواعد . ويضاف إلى ذلك ما تقدّم سابقاً من أنّ الرواية ناظرة إلى عدم جواز الشراء قبل الأخذ ، لأنّ الصدقات لا تتعيّن بأمر الجائر بالعزل ، فإذا اشتراها قبل الأخذ فقد اشترى مال نفسه ، وهو واضح البطلان .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص809 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net