الثالث : عدم اشتراط التأخير \ الرابع : كون المبيع شخصياً أو ما بحكمه 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الرابع : الخيارات-2   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2437


الشرط الثالث

ومنها : أي من جملة شرائط الخيار أو البطلان عدم استناد تأخير إقباض المبيع أو قبض الثمن عن ثلاثة أيام إلى اشتراط التأخير كما إذا اشترط أحدهما على الآخر تأخير تسليم الثمن أو المثمن ، لأنّ الروايات منصرفة إلى صورة تأخيرهما لا عن حقّ بمعنى أنّها إنّما أثبت الخيار أو دلّت على البطلان فيما إذا كان الاقباض والقبض في ثلاثة أيام من آثار المعاملة لا فيما إذا لم يكن من آثارها كما في صورة اشتراط التأخير فإنه لا وجه لتوهم ثبوت الخيار أو البطلان حينذاك ، لعدم وجوب الاقباض أو القبض حينئذ لأجل الاشتراط ولعلّه ظاهر .


ــ[22]ــ

الشرط الرابع

ومنها : أن يكون المبيع شخصياً أو ما هو بمنزلته كالكلّي في المعيّن الموجود في الخارج ، وأمّا إذا كان كلّياً فلا يثبت فيه الخيار ، ذهب إلى ذلك شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) واستشهد عليه بكلمات الأصحاب ، وربما استظهر منها الاتّفاق على عدم ثبوت هذا الخيار في المبيع الكلّي ، ثم استشكل في جريان حديث نفي الضرر في المبيع الكلّي وذكر أنه أيضاً يختص بالمبيع الشخصي بدعوى أنّ الكلّي في الذمّة لا يتصوّر فيه التلف قبل قبضه حتّى يتضرّر البائع من أجل ضمانه ودركه فلا ضرر عليه من هذه الجهة ، ولا يجري حديث نفي الضرر في حقّه فيختصّ بالمبيع الشخصي لا محالة ، وأمّا النصوص فهي أيضاً ظاهرة في الشخصي .

أمّا الروايتان المشتملتان على لفظ « البيع » أعني رواية علي بن يقطين وابن عمّار حيث اشتملت الاُولى على أنّ الرجل يبيع البيع ولا يقبضه ، والثانية من اشترى بيعاً الخ ، فلأنّ المراد بالبيع فيهما هو المبيع ، وإنّما يطلق عليه البيع قبل وقوع المعاملة من جهة معرّضيته للبيع ، وما يكون معرّضاً للبيع هو العين الشخصية وما يكون موجوداً من الأموال التي يرغب فيها الناس ، وأمّا الكلّي فلا وجود له في الخارج حتّى يجعل في معرض البيع والمعاملة .

وأمّا رواية زرارة « الرجل يشتري من الرجل المتاع ثمّ يدعه عنده » الخ فهي أيضاً ظاهرة في المبيع الشخصي من جهتين : إحداهما أنّ لفظ المتاع ظاهر في الأموال الموجودة ولا يصح إطلاقه على الكلّي ، لأنّ المتاع بمعنى ما يتمتّع به وهو يختص بالموجود . وثانيتهما : قول « يدعه عنده » فإنّ إيداعه وتركه المال عند البائع إنّما يتصوّر في الشخصي وأمّا الكلّي فلا معنى لتركه عند البائع .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 5 : 223 .

ــ[23]ــ

وكذا رواية أبي بكر « من اشترى شيئاً » فإنّ الشيء وإن كان يشمل الشخصي والكلّي إلاّ أنّ شموله للشخصي وظهوره فيه لا يحتاج إلى قرينة وهو نظير المجاز المشهور والمطلق المنصرف إلى بعض أفراده في عدم احتياج إرادة المعنى الحقيقي أو المطلق إلى القرينة ، وإرادة الشخصي من الشيء لا يحتاج إلى قرينة ودلالة  ، فلا يمكن دفع احتمال إرادة الشخصي منه بأصالة عدم القرينة لما عرفت من أنّ إرادته منه لا يحتاج إلى قرينة حتّى تدفع بالأصل ، هذه خلاصة ما أفاده (قدّس سرّه) في المقام .

وللمناقشة في جميع ذلك مجال ، أمّا ما استشهد به من كلمات الأصحاب واستظهاره الاتّفاق ففيه : أنّ ظهور جملة من كلمات الفقهاء في اختصاص الخيار بالمبيع الشخصي وإن كان لا يقبل الانكار ، إلاّ أنّ في مقابلها كلمات اُخرى ظاهرة في التعميم وعدم الاختصاص ، ويكفي في ذلك ما يظهر من الشهيد (قدّس سرّه)(1)حيث أسند القول بالاختصاص إلى الشيخ (قدّس سرّه) فإنّ ظاهره أنّ الشهيد لا يلتزم بذلك ، بل يمكن استظهار أنّ غير الشيخ لا يقول بالاختصاص ، والشهيد (قدّس سرّه) ممّا يعتنى بنقله لاشتهاره في ذلك وتخصّصه في فهم كلمات الفقهاء (قدّس سرّهم) وكيف كان فلا يمكننا تحصيل الاتّفاق المفيد للقطع برأي الإمام (عليه السلام) من كلمات الأصحاب في المقام .

وأمّا ما أفاده من اختصاص حديث نفي الضرر بالمبيع الشخصي فيدفعه أوّلا : أنّ الحديث لا يثبت الخيار في المقام ولا يصح الاستدلال به عليه كما أسلفناه سابقاً . وثانياً : لو اعتمدنا عليه في إثبات الخيار فلا مانع من جريانه في بيع الكلّي أيضاً ، لأنّ الضرر المتوجّه إلى البائع متعدّد ، منها أنّ ضمانه ودركه عليه فيما إذا تلف

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الدروس 3 : 273 .

ــ[24]ــ

قبل قبضه ، ومنها صبره عن الثمن وعدم تصرّفه فيه ، ومنها وجوب حفظ مال الغير  ، فهب أنّ الضرر من الناحية الاُولى والثالثة لا يتصوّر في المبيع الكلّي وأمّا الضرر من الناحية الثانية فهو جار في كل من الكلّي والشخصي ، لأنّ عدم تصرّفه في الثمن ضرر عليه فلا مانع من جريان الحديث من تلك الجهة .

ودعوى أنّ صبره وعدم تصرّفه من قبيل عدم النفع وليس من باب الضرر كما ادّعي في المقام واضحة الدفع ، لأنّ الصبر إنما يكون من قبيل عدم النفع بالاضافة إلى مال الغير ، وأمّا في مال نفسه وهو الثمن فلا محالة يكون صبره وعدم تصرّفه فيه ضرراً وموجباً لفوات منافعه .

وأمّا النصوص فلا يستفاد منها الاختصاص أيضاً ، أمّا روايتا علي بن يقطين وابن عمّار المشتملتان على لفظ « البيع » فهما وإن كانتا ظاهرتين في إرادة المبيع من البيع بقرينة قوله « ولا يقبّضه » وقوله « من اشترى بيعاً » فإن الاقباض والاشتراء لا يتصوّران في البيع ، إذ لا معنى لاقباض البيع أو اشترائه ، فيتعيّن أن يكون المراد منه المبيع ، وليس المقام من قبيل قولنا زرت زيارة الأربعين أو ضربت ضرباً كذا في كون المصدر مفعولا مطلقاً ، بل المراد به هو المبيع بالقرينتين المذكورتين  ، إلاّ أنّه لم تقم دليل على أنّ إطلاق البيع على المبيع من أجل معرّضيته للبيع ، بل الظاهر أنّ إطلاق البيع عليه بعلاقة الأول والمشارفة نظير ما ورد في قولهم من قتل قتيلا فله سلبه أي من قتل شخصاً سيتّصف بالقتل ومشرف عليه ، وهي وإن لم تكن رواية صحيحة إلاّ أنّه لا بأس بالاستشهاد بها في المقام ، وقوله تعالى : (إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً)(1) وهذا المعنى كما يتحقّق في المبيع الشخصي كذلك يتحقّق في المبيع الكلّي ، لأنّ الكلّي أيضاً سيتّصف بكونه مبيعاً بعد المعاملة ، هذا أوّلا .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) يوسف 12 : 36 .

ــ[25]ــ

ثم لو سلّمنا أنّ إطلاقه عليه بعلاقة المعرّضية للبيع فهذا لا يمنع عن شموله للكلّي ، فإنّ الشخصي كما يمكن أن يكون معرّضاً للبيع كذلك الكلّي قابل لأن يكون معرّضاً للمعاملة كما هو المشاهد في التجّار فإنّهم دائماً يبيعون الكلّي في الذمّة فالكلّيات عندهم في معرض البيع ولعلّه ظاهر .

وأمّا رواية زرارة فلا دلالة فيها أيضاً على الاختصاص ، أمّا من جهة لفظ المتاع ، فلأنّ المتاع كالماء وغيره ممّا وضع للطبيعي فهو كما يشمل الموجود الشخصي كذلك يشمل الكلّي في الذمّة كالماء بعينه ولا اختصاص فيه بالموجود الشخصي وأمّا من جهة قوله « ثمّ يدعه عنده » فلأن يدع بمعنى يترك والترك مقابل الأخذ والقبض ، والترك كما يطلق على عدم أخذ المبيع الشخصي كذلك يصح إطلاقه على عدم أخذ المبيع الكلّي ، والذي يدلّنا على ذلك صحّة إطلاق ذلك على عدم أخذ الثمن الكلّي من المشتري ، لأنّا إذا بعنا متاعنا من تاجر وأراد التاجر ردّ ثمنه فلم نأخذه منه لعدم حاجتنا إليه أفلا يصح حينئذ أن نقول تركنا الثمن عند المشتري ، أو يقول غيرنا أنّ فلاناً ترك الثمن عند المشتري مع أنّ الثمن كلّي كما هو الحال في أغلب المعاملات ، هذا .

وعلى تقدير تسليم عدم دلالة الرواية على التعميم وعدم استفادة جريان الخيار منها في المبيع الكلّي فهو لا يمنع من دلالة الروايتين المتقدّمتين على التعميم لأنّ لفظ « يدعه عنده » إنّما وقع في كلام السائل ولم يقع في كلام الإمام (عليه السلام) حتّى يمكن الاستدلال به ، على أنّ ظاهره المبيع الشخصي فغاية ما في الباب أنّ هذه الرواية دلّت على ثبوت الخيار في خصوص المبيع الشخصي فلا يمنع عن دلالة سائر الأخبار على التعميم لعدم دلالة الرواية على الاختصاص (حتى تقع المعارضة بينهما) .

وأمّا رواية أبي بكر فربما يقال بأنّ الشيء فيها ظاهر في المبيع الشخصي ولا

ــ[26]ــ

مانع من أن يشمل الكلّي أيضاً ، إلاّ أنّ انصرافه إلى الموجود الشخصي نظير انصراف المطلق إلى بعض أفراده وهذا هو مدّعى شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) واُخرى يقال باختصاص الشيء بالموجود الخارجي وعدم صحة إطلاقه على الكلّي  ، وذلك من جهة أنّ الشيء بمعنى المشيء وجوده ، فالشيء معناه الموجود فكل ما هو موجود فهو شيء وما لا يكون موجوداً فهو ليس بشيء ، فلا يطلق على الاُمور العدمية لفظ الشيء .

ثمّ إنّ ظاهر الرواية أن يكون المبيع شيئاً أي موجوداً قبل وقوع البيع عليه كما هو ظاهر قوله من اشترى شيئاً ، وعليه فيختصّ بالبيع الشخصي لأنّ الكلّي بعد وقوع المعاملة عليه وإن صحّ إطلاق الشيء عليه إلاّ أنّه قبل وقوع المعاملة عليه ليس بشيء ولا وجود له ، ومن هنا لا تشمله الرواية لظهورها في كون المبيع موجوداً قبل وقوع البيع عليه ، ومقتضى الدعوى الاُولى أنّ الشيء أعم إلاّ أنّه ظاهر في خصوص الموجود الشخصي ، ومقتضى الدعوى الثانية ، هو اختصاص الشيء بالمقيّد بالوجود وعدم صحة إطلاقه على الكلّي .

وكلتا الدعويين ساقطتان ، وذلك لأنّ الشيء في اصطلاح الفلاسفة وإن كان يختص بالاُمور الوجودية وما لا وجود له فهو ليس بشيء عندهم ، إلاّ أنّه بحسب العرف واللغة مفهوم عام يشمل الواجب والممتنع والممكن بجميع أقسامه ويشمل الاُمور الموجودة والمعدومة ، ومن هنا ذكرنا في بعض مباحث الاُصول(1) أنّ وصف الشيء بالعدم ليس فيه مناقضة فيصح أن يقال هذا شيء معدوم أو يقال المعدوم شيء والموجود شيء آخر ، فإنّه لا مناقضة في ذلك عرفاً ولغة ، فإنّ وزان الشيء وزان الأمر الذي يصح إطلاقه على المعدوم والموجود ، فكما يصح إطلاق الشيء

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) محاضرات في اُصول الفقه 1 (موسوعة الإمام الخوئي 43) : 310 ـ 311 .

ــ[27]ــ

على الموجود الخارجي كذلك يصح إطلاقه على الموجود الذهني والكلّي ، فلا وجه لدعوى تقييده بخصوص الموجود الشخصي أو انصرافه إليه ويوضّح ذلك : ما إذا ورد أنّ وقت أذان الجمعة يحرم بيع شيء ، أفيتفوّه عاقل باختصاص ذلك بالشخصي ولا يشمل الكلّي فيبيع ويشتري الكلّي بدعوى أنّه ليس بشيء . وبالجملة فما دام التعهّد الوضعي باقياً لا يمكن رفع اليد عن معناه ، اللهمّ إلاّ أن يرفع اليد عن تعهّده ووضعه ، هذا .

على أنّا لو سلّمنا اختصاص الشيء بالموجود الشخصي وعدم استفادة التعميم من هذه الرواية ففي روايتي علي بن يقطين وابن عمّار كفاية ، وعلى هذا فلا يختص هذا الخيار أو البطلان بخصوص المبيع الشخصي بل يجري فيه وفي المبيع الكلّي في الذمّة ، بلا فرق بينهما .

ثمّ إنّ هنا اُموراً قيل باعتبارها في هذا الخيار :

منها : ما ذكره العلاّمة (قدّس سرّه) في التحرير(1) وابن إدريس في السرائر(2) وهو أن لا يكون لهما أو لأحدهما خيار ، وقيّده في السرائر بخصوص شرط الخيار وأنّهما إذا اشترطا لنفسهما الخيار أو اشترطه أحدهما فلا نثبت فيه خيار التأخير للبائع . وأمّا التحرير فظاهره الاطلاق وأنّ مطلق الخيار لأحدهما أو لهما يمنع عن ثبوت خيار التأخير .

وكيف كان فيقع الكلام في مدرك هذا الاشتراط ، وقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(3) أنّ المدرك في ذلك مجموع أمرين :

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التحرير 2 : 289 .

(2) السرائر 2 : 277 .

(3) المكاسب 5 : 229 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net