ما نقل عن الشيخ الطوسي (قدس سره) في المقام - شراء ما يفسد من يومه 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الرابع : الخيارات-2   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2346


بقي الكلام فيما حكي عن شيخنا الطوسي (قدّس سرّه)(1)

في المقام

حيث إنّ جماعة ومنهم العلاّمة في المختلف(2) نقلوا عن شيخنا الطوسي (قدّس سرّه) كلاماً وهو أنه إذا باع الإنسان شيئاً ولم يقبض المتاع ولا قبض الثمن ومضى المبتاع فإنّ العقد موقوف ثلاثة أيام فإن جاء المبتاع في مدّة ثلاثة أيام كان المبيع له وإن مضت ثلاثة أيام كان البائع أولى بالمتاع ، هذا كلّه ظاهر . ثم قال : وإن هلك المتاع في هذه الثلاثة أيام ولم يكن قبّضه إيّاه كان من مال البائع (لقاعدة كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه ، وهذا ظاهر) دون المبتاع ، وإن كان قبّضه إيّاه ثم هلك في مدّة الثلاثة أيام كان من مال المبتاع (لأنّ ضمان المبيع بعد قبضه من مال مالكه وهو المشتري) وإن هلك بعد ثلاثة أيام كان من مال البائع على كل حال انتهى .

وظاهر قوله على كل حال بعد تقسيمه المسألة إلى ما بعد القبض وإلى ما قبل القبض ، إرادة العموم من جهة القبض بمعنى أنّ تلفه بعد الثلاثة من البائع سواء أقبضه من المشتري أم لم يقبضه ، بل كلامه نصّ صريح في ذلك ، ثم علّل تعميمه بأنّ الخيار له أي للبائع بعد الثلاثة .

وأورد عليه العلاّمة (قدّس سرّه) بعد نقله بقوله : وفيه نظر ، إذ مع القبض يلزم

ــــــــــــــ
(2) المختلف 5 : 99 ـ 100 .

ــ[60]ــ

البيع .

وذكر صاحب الحدائق(1) أنّ تعميم الحكم بالضمان إلى كلتا صورتي القبض وعدمه خلاف الاجماع ، لأنّه على تقدير القبض ملك للمشتري وهو ضامنه ولأجل ذلك حمل كلامه على صورة عدم القبض .

وأيّده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(2) معلّلا بأنّ التعميم لصورة القبض وعدمه لا يناسب تعليله (قدّس سرّه) بأنّ الخيار للبائع بعد الثلاثة ، لأنّ الخيار إنّما يكون للبائع في صورة عدم القبض لا مع قبض المشتري ، فيحمل كلامه على صورة عدم القبض ، هذا .

وفيما أورده العلاّمة عن الشيخ وما ارتكبه صاحب الحدائق وصنعه شيخنا الأنصاري تأمّل ونظر ، وذلك لأنّ كلام الشيخ (قدّس سرّه) لا يصح بحمله على صورة عدم القبض ، لأنّا لو فرضنا أنّه صرّح بذلك وقال إنّ ضمان المبيع على البائع فيما إذا لم يقبضه ، لأنّ البائع له الخيار بعد الثلاثة أيضاً لا يصح كلامه ، لأنّ كون البائع له الخيار يقتضي عدم ضمانه ، إذ الضمان ممّن لا خيار له لا ممّن له الخيار فكيف يكون علّة لضمانه ، فلا يلتئم كلامه (قدّس سرّه) وحكمه بضمان البائع ، لأنه له الخيار إذ الخيار لا يكون علّة للضمان ، فلا فائدة في حمل كلامه (قدّس سرّه) على صورة عدم القبض ، فكأنّ صاحب الحدائق وشيخنا الأنصاري قدّس سرّهما) غفلوا عن عدم التئام كلماته حتى على تقدير حمل كلامه على صورة عدم القبض .

فالذي أحتمله في المقام تصحيحاً لكلام الشيخ (قدّس سرّه) أن يقال : إنّ نسخة البائع اشتباه بل هو كلمة المبتاع ، لأنّه كثيراً يطلق البائع والمبتاع في كتابه واشتبه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الحدائق 19 : 50 ـ 51 .

(2) المكاسب 5 : 240 .

 
 

ــ[61]ــ

بالبائع ، وعليه فيصح كلامه ويقال بأنّ المبيع إذا تلف بعد الثلاثة فضمان المال على المبتاع أي المشتري ، على كل حال قبضه أم لم يقبضه .

أمّا إذا لم يقبضه فلأنّ البائع حينئذ له الخيار ، وقاعدة « تلف المبيع ممّن لا خيار له » متقدّمة على قاعدة « كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه » .

وأمّا إذا قبضه فأيضاً للبائع الخيار ، لأنّ القبض المسقط للخيار إنّما هو فيما إذا كان في الثلاثة لا بعدها ، فالقبض بعد الثلاثة لا أثر له ولا يسقط به خيار البائع ومقتضى قاعدة « أنّ التلف ممّن لا خيار له » أنّ الضمان على المشتري لأنه ممّن لا خيار له .

أو يقال : إنّ الوجه في ضمان المشتري في صورة قبضه المال هو أنّ المال ملكه وقد قبضه ، وضمان كل مال على مالكه بعد قبضه ، وأمّا إذا لم يقبضه فالوجه في ضمانه أنه ممّن لا خيار له ، والقاعدة تقتضي أن يكون الضمان ممّن لا خيار له ، فبما أنّ البائع قبل الاقباض على خيار ولا خيار للمشتري فيحكم بضمانه على كل حال وهذه القاعدة مقدّمة على قاعدة « كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه » وهذا الحمل أولى من الأول وأنسب ، وعليه يتم كلام الشيخ ويرتبط جملاته وتعليله  ، ويندفع به ما أورده العلاّمة عليه من أنّ البيع بعد القبض لازم ، لما عرفت من إمكان أن يقال إنّ القبض المسقط للخيار هو القبض في الثلاثة لا القبض بعدها فلا يحتاج في تصحيحه إلى أمر آخر .

نعم تقديم قاعدة « أنّ التلف ممّن لا خيار له » على قاعدة « كل مبيع تلف قبل قبضه » الخ خال عن الوجه ، إلاّ أنّ صحة ما أفاده وسقمه مطلب آخر ، والغرض تصحيح كلامه حسب الموازين العلمية ، وأمّا صحّته فهي أمر آخر .

بقي أمر وهو أنه هل يرتفع الضمان بالتخلية بين المال والمشتري ، أو يتوقف

ــ[62]ــ

ارتفاع ضمان البائع على القبض الخارجي ؟ ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) أنّ البائع إذا مكّن المشتري من القبض ولم يقبضه المشتري وتركه عند البائع فعدم ضمان البائع مبني على ارتفاع الضمان بالتخلية .

وغرضه (قدّس سرّه) ليس هو تعليل عدم الشيء بعدم نفسه ، وأنه لا ضمان على تقدير ارتفاع الضمان ، بل مراده أنّ ارتفاع الضمان عن البائع بالتخلية مبني على أن يكون المراد بالقبض في قاعدة « كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه » مجرد التخلية ، وأمّا إذا كان القبض في القاعدة بمعنى القبض الخارجي فلا يكفي في ارتفاع ضمان البائع بالتخلية وهو ظاهر .

قلت : إن كان المستند في تلك القاعدة هو الخبر النبوي(2) ورواية عقبة بن خالد(3) فالظاهر عدم كفاية التخلية ، لأنّ المصرّح به في الروايتين هو القبض والاخراج من البيت ، وشيء منهما لا يصدق على مجرد التخلية ، وإن كان مدركها هو ما ذكرناه من أنّها أمر ارتكازي عند العقلاء فالتخلية كافية في ارتفاع الضمان عند العقلاء ، وذلك لبداهة أنّ العقلاء الذين يشترطون التسليم والتسلّم في المعاملات ضمناً يكتفون بمجرد تخلية البائع بين المال والمشتري ، وأمّا إقباضه يداً بيد فهو غير معتبر عندهم ، فلذا إذا اشترى عباءة ومكّنه البائع من أخذها ولكنّه لم يقبضها وتركها عند البائع ثم رجع ورأى الدكّان قد احترق أو أنّ العباءة سرقت لم يكن له مطالبة البائع بماله عند العقلاء ، وكذا الحال في مثل الغرس والقرية فإنّ القبض الخارجي فيهما غير ممكن والتخلية فيهما كافية في الاقباض .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 5 : 240 .

(2) المستدرك 13 : 303 / أبواب الخيار ب9 ح1 .

(3) الوسائل 18 : 23 / أبواب الخيار ب10 ح1 .

ــ[63]ــ

القول في خيار التأخير فيما يفسد من يومه

عدّوا من جملة الخيارات خيار التأخير بالثمن فيما يفسد من يومه ، واعتمدوا في ذلك على رواية محمد بن أبي حمزة « في الرجل يشتري الشيء الذي يفسد من يومه ويتركه حتّى يأتيه بالثمن ؟ قال : إن جاء فيما بينه وبين الليل بالثمن وإلاّ فلا بيع له »(1) إلاّ أنّها مرسلة ، وفي انجبارها بعمل الأصحاب ما تقدّم من أنّ عمل الأصحاب لا يكون جابراً لضعف الرواية ، نعم المناقشة الصغروية لا تجري في المقام لانحصار المدرك في هذه الرواية وعملهم على طبقها قطعاً ، فالرواية بحسب السند غير تامّة.

وأمّا من حيث الدلالة فسنتكلّم فيها إن شاء الله تعالى ، هذا .

وقد روى في الوسائل رواية اُخرى في ذلك عن الصدوق باسناه عن ابن فضال عن ابن رباط عن زرارة أو عمّن رواه عن أبي عبدالله « قال : العهدة فيما يفسد من يومه مثل البقول والبطيخ والفواكه يوم إلى الليل »(2). والصدوق قد نقل هذه الرواية في كتاب من لا يحضره الفقيه في ضمن ما رواه في خيار الحيوان باسناده عن ابن فضال عن الحسن بن رباط عن زرارة أو عمّن رواه عن أبي عبدالله « قال : إن حدث بالحيوان حدث قبل ثلاثة أيام فهو من مال البائع ، ومن اشترى جارية وقال للبائع أجيؤك بالثمن فإن جاء ما بينه وبين شهر وإلاّ فلا بيع له والعهدة فيما يفسد من يومه مثل البقول والبطيخ والفواكه يوم إلى الليل »(3).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 18 : 24 / أبواب الخيار ب11 ح1 .

(2) المصدر السابق الحديث 2 .

(3) الفقيه 3 : 127 / 555 .

ــ[64]ــ

ونقل هذه الرواية في التهذيب(1) بهذا الاسناد أي عن ابن فضال عن الحسن بن رباط عن زرارة إلى قوله فهو من مال البائع ، وليس فيها ومن اشترى الخ  .

واستظهر في الوسائل(2) أنّ الاضافة في رواية الصدوق من كلام الإمام (عليه السلام) وأنّ ما في ذيلها أي بعد جملة من مال البائع من الرواية ، ولذا عدّها رواية وأسندها إلى الصدوق .

ولكن الفقهاء كما في الحدائق(3) ذكروا أنّ الرواية تنتهي إلى قوله « فهو من مال البائع » والاضافة من كلام الصدوق ، وهي مضمون روايتي علي بن يقطين الواردة في الجارية ومحمد بن أبي حمزة الواردة في المقام فيما يفسد من يومه ، وجمعها الصدوق في رواية واحدة كما هو دأبه ، إذ لم يرد في الجارية رواية اُخرى غير رواية علي بن يقطين كما لم يرد فيما يفسد من يومه إلاّ مرسلة ابن أبي حمزة .

مضافاً إلى أنّ الشيخ (قدّس سرّه) نقل في التهذيب ما رواه في الفقيه بذلك الاسناد بلا إضافة حكم الجارية وما يفسد من يومه ، وبالجملة أنّهم يرون رواية الفقيه ظاهرة فيما ذكروه من كون الاضافة من الصدوق وأنّها مضمون الروايتين المتقدّمتين ، وعليه فلا تكون ما أسنده إلى الصدوق في الوسائل رواية اُخرى بل هي تلك المرسلة المروية عن ابن أبي حمزة ، وحيث إنّها مرسلة وعمل الأصحاب

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التهذيب 7 : 67 / 288 ] عن الحسين بن سعيد عن ابن فضال ... وفيه : عمّن رواه بدل زرارة [ .

(2) حيث نقل الذيل كرواية ، راجع الوسائل 18 : 23 ، 25 / أبواب الخيار ب9 ح6
ب11 ح2 .

(3) الحدائق 19 : 53 .

ــ[65]ــ

غير جابر لضعفها فلا يمكننا الاعتماد عليها كما تقدّم ، هذا كلّه .

على أنّا لو سلّمنا أنّ ما رواه الصدوق رواية اُخرى غير رواية ابن أبي حمزة المرسلة فلا يمكننا الاعتماد عليها ، لأنّها أيضاً مرسلة حيث إنّ المذكور في سند الرواية المذكورة في الفقيه هو عمّن رواه عن أبي عبدالله لا عن زرارة ، وقد وقع الاشتباه من صاحب الوسائل أو من المستنسخ في المقام حيث اشتبه عمّن رواه بعن زرارة لقرب أحدهما من الآخر ، مع أنّ المذكور في السند ليس إلاّ عمّن رواه فالرواية مرسلة وحمل الاشتباه على اشتباه المستنسخ أقرب ، وكيف كان فلا يمكن الاعتماد عليها لإرسالها ، هذا كلّه من حيث السند .

وأمّا من حيث الدلالة ، فلا دلالة في رواية الصدوق على الخيار ، فإنّ المراد بالعهدة المذكورة فيها غير ظاهر ، ولا قرينة على إرادة اللزوم منها بأن يكون معنى الرواية البيع لازم إلى الليل وبعده يصير البيع جائزاً خيارياً ، ولماذا لا تحمل على الضمان الذي يطلق عليه العهدة كثيراً ويقال إنّه متعهّد أي ضامن وعليك عهدته أي ضمانه ، فيكون المعنى حينئذ أنّ ضمان المبيع على البائع إنّما هو إلى الليل وأمّا بعده فتلفه من المشتري وضمانه عليه لا على البائع ، وأنّ قاعدة « كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه » لا تجري فيما يفسد من يومه إلاّ إلى الليل دون ما بعده .

وأمّا مرسلة ابن أبي حمزة فهي أيضاً لا تفيد المراد ، فإنّ ظاهرها أنّ الخيار إنّما هو من أوّل الليل لا قبله ، مع أنه من اللغو الظاهر فإنّ المفروض أنّ المبيع يفسد من يومه ففي الليل يشرع في الفساد وبعد ما صار فاسداً فأيّ فائدة في كون البائع متمكّناً من الفسخ ، فإنّ الظاهر أنّ حكمة جعل هذا الخيار هي عدم تضرّر البائع من جهة فساد المبيع ، فإذا شرع المبيع في الفساد وتضرّر البائع بذلك فلا فائدة في جعل الخيار له ، وأمّا ما يستفاد من ظاهر كلمات جماعة من الأصحاب من أنّ الخيار يثبت للبائع من النهار فهو ممّا لا تدلّ عليه الرواية .

ــ[66]ــ

وبالجملة : إن قلنا بما هو ظاهر الرواية من جعل الخيار للبائع من الليل فهو أمر لا ثمرة له ، وإن قلنا بما هو ظاهر بعض الأصحاب من ثبوت الخيار للبائع من النهار فهو ممّا لا تدلّ عليه الرواية ، ومن هنا عبّر الشهيد (قدّس سرّه)(1) عن هذا الخيار بخيار التأخير فيما يفسده المبيت ، لحمل اليوم على اليوم وليلته الآتية كما ربما يطلق ويراد منه ذلك أعني أربعة وعشرين ساعة ، وبهذا يرتفع المحذور ، فإن جعل الخيار للبائع من الليل فيما لم يفسده النهار وإنّما يفسده المبيت ممّا لا لغوية فيه ، وثمرته تمكّن البائع من فسخ المعاملة قبل فساد المبيع ، وما أفاده الشهيد (قدّس سرّه) لا بأس به وهو لسان الفقهاء ، ويرتفع به الاشكال في دلالة الرواية ، وتنحصر المناقشة فيها بالسند ، فعلى القول بالانجبار بعمل الأصحاب نتمسك بها ، وأمّا على القول بعدم الانجبار بعمل الأصحاب فلا يمكن الاعتماد عليها في إثبات الخيار ، هذا .

وربما يستدل على هذا الخيار بحديث نفي الضرر كما استدل به شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من جهة أنّ ضمان البائع للمبيع وكونه ممنوعاً عن التصرف فيه وصبره عن الثمن ضرر عليه ، فيرتفع لزوم المعاملة بالحديث حتى لا يتضرّر به البائع ، هذا .

وقد تقدّم الكلام في الاستدلال بحديث نفي الضرر في خيار التأخير(2) وقد عرفت عدم إمكان الاستدلال به عليه ، لأنّ الضرر لم ينشأ عن لزوم المعاملة حتى يرتفع بالحديث ، والحديث لا يرفع إلاّ ما جاء من قبله الضرر وهو ضمان البائع للمال من جهة قاعدة « كل مبيع تلف قبل قبضه » الخ ، فيرتفع بالحديث ونحكم بعدم ضمانه ، وكذا نحكم بجواز مطالبته بالثمن حتى لا يتضرّر ، وأمّا إذا لم يتمكّن من

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الدروس 3 : 274 .

(2) في الصفحة 3 .

ــ[67]ــ

تحصيل الثمن بالمطالبة فهو لا يصير موجباً لارتفاع لزوم المعاملة ، وهذا نظير ما إذا اشترى متاعاً وقبضه وتركه عند البائع وسافر ولم يتمكّن البائع من تحصيل الثمن فإنّ هذا لا يوجب الخيار للبائع . وأمّا الضمان فقد عرفت ارتفاعه أيضاً بالحديث
ولكن هذا كلّه لا يجعل البيع خيارياً ، هذا كلّه .

مضافاً إلى أنّ النسبة بين الضرر وما أفتى به الأصحاب عموم من وجه ، فربما يكون الضرر متحققاً مع أنهم لا يقولون فيه بالخيار كما إذا كان المبيع ممّا يفسد من نصف يومه أو من ساعته ، فإنّ شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) وإن عمّمه إلى هذه الصورة أيضاً إلاّ أنّ الأصحاب لا يلتزمون بالخيار في غير ما يفسد من يومه واُخرى لا يكون هناك ضرر ولكنّهم يلتزمون بالخيار وهذا كما إذا عرض عليه الفساد من وسط الليل لا من ابتدائه مع أنّهم ملتزمون بالخيار من ابتداء الليل وحيث إنّ النسبة بين الضرر وما أفتوا به عموم من وجه فلا يمكن أن يكون مدركهم هو الضرر .

هذا كلّه فيما إذا كان هناك مقتض للضمان بأن تمّت دلالة رواية عقبة بن خالد على أنّ كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه ، ولكنّك عرفت أنه لم يدلّ على ضمان البائع لتلف المبيع قبل قبضه دليل وإنما مدركه الارتكاز حيث إنّ العقلاء يرون ضمان المبيع على البائع قبل إقباضه لأنّهم يشترطون التسليم والتسلّم في المعاملات اشتراطاً ضمنياً ارتكازياً(1) ولكن لا ارتكاز على الضمان من العقلاء في المقام

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بمعنى أنّ المعاملة عندهم هي الأخذ والاعطاء لا مجرد اعتبار الملكية وهي التي يعبّر عنها بالفارسية بـ (داد وستد) فيشترطون الاعطاء والأخذ والتسليم والتسلّم في معاملاتهم حسب الارتكاز ، ويرون البائع ضامناً للمبيع إلى أن يعطيه ويسلّمه إلى المشتري ، فلو تلف قبل تسليمه فإنّهم يرون البيع باطلا وكونه تالفاً من مالكه وهو البائع إلاّ أنّ هذا كلّه فيما إذا لم يستند تلف المبيع وعدم قبضه إلى المشتري وعدم مجيئه بالثمن ليأخذ المبيع بلا منع من البائع عنه بل هو خلّى بينه وبين المشتري وقال جئني بالثمن واقبض المثمن ، وإنّما لم يقبضه المشتري ولم يأت بثمنه إلى أن ذاب الجمد أو تلف المبيع ، فإنّ العقلاء لا يرون تلف المبيع حينئذ من البائع بل يرونه من المشتري لأنّه ملكه قد أتلفه بعدم مجيئه بثمنه ، ومن هنا نتعدّى عمّا يفسد من يومه إلى كل مورد يستند التلف فيه إلى المشتري كما فيما يفسد من ساعته أو ساعتيه .

ــ[68]ــ

وليس بناء العقلاء على ضمان البائع لما يفسد من يومه فيما إذا لم يأت المشتري بالثمن في اليوم ، بل الارتكاز في أمثال ذلك على عدم الضمان ويرون البائع غير ضامن لما يفسد من يومه ، ومن هنا يمكننا التعدّي عمّا يفسد من يومه إلى كل مورد لم يثبت فيه ضمان البائع حسب ارتكاز العقلاء وهذا كما فيما يفسد من ساعته كالثلج في الهواء الحارّ فإنّه إذا اشترى الثلج وتركه عند البائع ومضى ولم يأت بالثمن حتّى ذاب الثلج بل وتلف بكنهه حتّى عرضت الحرارة على ماء الثلج بحيث لم يتمكّن الانتفاع منه بوجه حتى من مائه ليس له مطالبة البائع بالمبيع عند العقلاء ، لأنّهم لا يرونه ضامناً حينذاك .

فالمتحصّل في المقام ممّا يفسد من يومه أو ساعته أنّ غاية ما يمكننا أن نقول إنّ البائع لا يضمن المبيع لاستناد تلفه إلى نفس المشتري حيث لم يأت بالثمن ليأخذ المبيع ولا قاعدة ارتكازية في مثله على الضمان ، فهل يمكننا إثبات الخيار للبائع أيضاً أو لا ، فإن تمّت سيرة العقلاء وارتكازهم على خيار البائع في هذه الموارد سيّما فيما إذا كان المشتري ممّن لا يؤمن بمجيئه بالثمن وكان في معرض التلف كما في بلادنا وأمثاله حيث يدخله الغرباء والزوّار فلعلّه اشتراه فسافر أو سيسافر فلا يطمأن

ــ[69]ــ

بمجيئه بالثمن بأن يثبت سيرتهم على خيار البائع حينذاك وتمكّنه من فسخ المعاملة قبل أن يشرع في الفساد حتى لا يتضرّر بفساده كما هو ليس ببعيد فيما إذا كان المشتري ممّن لا يوثق برجوعه وإتيانه بالثمن فهو ، وإلاّ فإن لم يحرز جريان سيرتهم على خيار البائع فلا يمكننا إثبات الخيار لعدم تمامية شيء من الروايات وقاعدة نفي الضرر في المقام ، هذا .

إلاّ أنّه يمكن إثبات الخيار في المقام بطريق آخر ومرجعه إلى سيرة العقلاء وارتكازهم إلاّ أنه ببيان آخر وتقريبه أن يقال : إنّ المعاملة عند العقلاء قد اشترطت بالاعطاء والأخذ والتسليم والتسلّم حسب ارتكازاتهم ، فالبائع لأجل هذا الاشتراط يتمكّن من مطالبة المشتري بالثمن في كل آن ، فإذا فرضنا أنّ المشتري استمهله كذا مدّة حتى يجيء بالثمن وأمهله البائع أي رفع يده عن حقّ مطالبته بالثمن في مدة كذا ولكن المشتري لم يأت بالثمن إلى تلك المدّة فللبائع خيار تخلّف الشرط حيث إنّ الاتيان بالثمن وردّه إلى البائع كما عرفت من الشروط الارتكازية عند العقلاء ، فإنّهم يرون البيع إعطاءً وأخذاً فإذا لم يعمل أحدهما بذلك الاشتراط الضمني فللآخر خيار تخلّف الشرط ، وإنّما لم يثبت هذا الخيار من الابتداء لأنّ المفروض أنّ البائع قد أمهل المشتري في مدّة كذا بمعنى أنه رفع يده عن خياره في تلك المدّة ، فإذا مضت مدّة الاستمهال فللبائع خيار تخلّف الشرط ، وهذا ظاهر .

فيبقى الكلام حينئذ في المدّة التي يسمح بها في مثل ما إذا استمهله المشتري بقوله أبقه عندك حتّى أجيء بالثمن ، ولا إشكال في أنّ المراد بالاستمهال والامهال في هذه الموارد هو الامهال أو الاستمهال مدّة لا يكون المبيع في تلك المدّة معرّضاً للتلف والفساد لا إلى الأبد ، وهذا ظاهر بالمراجعة إلى العرف والوجدان في استمهالهم في موارد تلف المبيع أو فساده من يومه ، فإذا لم يأت المشتري بالثمن في المدّة المذكورة فيثبت للبائع خيار تخلّف الشرط .

ــ[70]ــ

وممّا يوضّح ما ذكرناه : هو أنّ هذه المعاملات معاملات نقدية وليست من النسيئة بشيء ، ومعنى أجيؤك بالثمن ليس هو النسيئة وإلاّ للزم تعيين المدّة لأنّه شرط في صحة معاملة النسيئة ، وحيث لا تعيين للمدّة في المعاملة فتكون نقدية ومقتضى الاطلاق في المعاملات النقدية هو جواز مطالبة البائع بالثمن من المشتري في كل آن ، فإذا استمهله المشتري وأمهله صاحب الحق إلى مدّة لا يفسد فيها المبيع ولم يأت بالثمن إلى أن انقضت مدّة الاستمهال فلا محالة يتخلّف الشرط الضمني الارتكازي في المعاملات النقدية وهو الاعطاء والأخذ حالا ونقداً ، فيثبت له الخيار وله أن يفسخ المعاملة قبل أن يعرض عليه الفساد .

وهذا الوجه وجيه ، لأنّ الخيار حق للبائع وله أن يرفع يده عن حقه في مقدار خاص من الزمان لا على الاطلاق ، فلا يطالبه بالثمن إلى يوم أو نصف يوم لا إلى الأبد ، فإذا مضت المدة ولم يأت المشتري بالثمن فله أن يفسخ المعاملة بخيار تخلّف الشرط ، وعليه فلا نخصّص الخيار بما إذا كان المبيع ممّا يفسد من يومه كما خصّوه ، بل يتعدّى إلى ما يفسد من ساعته أو ساعتيه كالجمد ، بل إلى ما لا يعرضه الفساد أصلا كما في الأقمشة وأمتعة البزّازين ، فإنّ مقتضى الاطلاق في المعاملات النقدية هو جواز مطالبة البائع بالثمن من المشتري بعد المعاملة ، فإذا استمهله في زمان ولم يأت به إلى أن انقضى الزمان فله خيار تخلّف الشرط وهو ردّه الثمن ، بل الحال كذلك فيما إذا لم يعرض عليه الفساد بل كان التأخير موجباً لذهاب سوقه ، فإنّ لكل متاع سوقاً كالتربة والسبحة في أيام الزيارة فإنّ قيمتها في تلك الأيام أزيد لوجود الزائرين وكثرتهم بحيث إذا انقضت تلك الأيام فلا يشترى بتلك القيمة وهو ظاهر ، فإذا اشترى تربة أو سبحة وقال أجيئك بالثمن ومشى ولم يأت به إلى أن كاد أن يذهب سوقهما فللبائع خيار تخلّف الشرط وفسخ المعاملة لئلاّ يتضرّر أو يفوته نفع ، لأنه إنما رفع يده عن حق المطالبة في زمان خاص لا إلى الأبد .

ــ[71]ــ

والمتحصّل : أنه لا مانع من أن يرفع من له الحق عن حقه في زمان ويتمكّن من إعماله بعد ذلك الزمان ، وعليه أيضاً بناء العقلاء في حقوقهم فإنّهم لا يرون مانعاً عن رفع اليد عن الحقوق في زمان لا إلى الأبد . وعليه فلا نحتاج في إثبات هذا الخيار إلى رواية ولا إلى حديث نفي الضرر .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net