اشتراط ذكر أوصاف المبيع الرافعة للغرر - الغرر الشرعي والغرر العرفي 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الرابع : الخيارات-2   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2275


وأجاب عنه شيخنا الأنصاري بوجهين :

أحدهما : أنّ ما ذكروه في المقام من اعتبار ذكر جميع الأوصاف التي يختلف باختلافها الرغبات إنّما هو من جهة بيان ما يعتبر في صحة السلم بما هو هو مع قطع النظر عمّا يعرض على بعض أفراده من العذر .

وثانيهما : أنّ ذكر تمام الأوصاف التي لها مدخلية في اختلاف قيمة المال معتبر في تمام البيوع حتّى السلم ، وما لا يمكن فيه ذلك نلتزم ببطلانه ، هذا .

ولا يهمّنا إرجاع كلمات بعضهم إلى كلمات الآخرين ، بل الذي يمكن أن يقال في المقام : هو أنّ مقتضى الاطلاقات والعمومات صحة جميع المعاملات ، فلابدّ في الخروج عنهما من دليل مخرج لا محالة ، والدليل هو قوله (عليه السلام) « نهى النبي عن بيع الغرر »(1) على تقدير ثبوته وصحّته لأنّه نبوي ، فلابدّ من ملاحظة عدم الغرر في صحة المعاملات وأنه في أيّ مورد يأتي وفي أيّ مورد لا يأتي ، والغرر مفهوم عرفي فلابدّ في تشخيصه من المراجعة إلى العرف والعقلاء لنرى أنّهم يرون الغرر أيّ شيء ، فإذا راجعنا إليهم نرى أنّ الجهل بالأوصاف التي يختلف باختلافها الرغبات من الغرر كما إذا اشترى عيناً لا يدري أنّه ذهب أو صفر أو رصاص ، أو اشترى فراشاً لا يدري أنّ ما فيه قطن أو صوف وهكذا .

وأمّا الأوصاف التي لا مدخلية لها في اختلاف القيمة كثيراً فلا يعتبرون

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 17 : 448 / أبواب آداب التجارة ب40 ح3 (باختلاف يسير) .

ــ[80]ــ

العلم بها ، فيشترون البطيخ بلا معرفة طعمه أنه حلو أو متوسط ولا يشترطون في صحته طعم البطيخ قبل المعاملة(1).

فعليه الغرر عند العقلاء والعرف أمر متوسط بين المسامحة والتدقيق ، فلا يشترطون التدقيق بمعرفة جميع الأوصاف كما عرفته في البطيخ ، ولا يرخّصون المسامحة وشراء الفراش مع الجهل بأنه صوف أو قطن ، فلا يعتبر في ارتفاع الغرر التدقيق ، كما لا يكفي في ارتفاعه المسامحة بل هو وسط بين الأمرين عند المراجعة إلى العقلاء والعرف ، فلابدّ من ملاحظة هذا المفهوم العرفي في صحّة البيع ، ففي كل مورد كان الجهل به غرراً عند العرف فنلتزم فيه بالفساد ، كما أنّ في كل مورد لم يكن الجهل به غرراً عندهم نلتزم فيه بالصحة للعمومات والاطلاقات .

ومن ذلك يظهر ما في كلام شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(2) من أنّ الغرر الشرعي أعمّ من الغرر العرفي ، فإنّ الغرر لم يرد في رواية ولم يفسّر بمعنى حتّى يكون أعم من الغرر العرفي ، وإنّما ورد في خصوص النبوي وحيث لم يبيّن المراد منه في الحديث حملناه على المفهوم العرفي منه كما في غيره من الألفاظ .

وبالجملة : ليس لنا غرر شرعي حتّى يكون أعم من العرفي ، فما أفاده (قدّس سرّه) في المقام ممّا لم نفهم المراد منه ، نعم قد ثبت بطلان المعاملة في بعض الموارد مع عدم الغرر فيه عرفاً إلاّ أنه لا من جهة الغرر الشرعي بل من جهة التعبّد ، وهذا كما ذكرناه في محلّه من أنّ العلم بمقدار العوضين شرط في صحة البيع شرعاً فيكون الجهل بمقدارهما مانعاً عنه وإن لم يستلزم الغرر ، وهذا كما إذا فرضنا الحنطة والشعير

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وكذا لا مانع من صحّته فيما إذا كان في نفسه خطرياً إلاّ أنه أقدم عليه لما فيه من الأغراض الشخصية القائمة به .

(2) المكاسب 5 : 250 .

 
 

ــ[81]ــ

متساوي القيمة ووضعنا في إحدى كفّتي الميزان حنطة وفي مقابلها بمقدارها شعيراً وتبادلنا بهما فإنّه لا يحتمل فيه الغرر لتساوي القيمتين ومقدارهما واقعاً ، إلاّ أنّه باطل للجهل بمقدارهما ، وكذا الحال فيما إذا اعتبرنا في صحة البيع العلم بالجنس أي بجنس العوضين فيكون الجهل بالجنس مانعاً عن صحة البيع وإن لم يستلزم الغرر وهذا كما إذا عوّض ما عنده من المصوغ مع الجهل بأنه ذهب أو صفر بما عند الآخر ممّا صيغ من مادة اُخرى مجهولة أيضاً مع تساوي مقدارهما وقيمتهما ، لا لأجل الغرر لانتفائه حسب الفرض بل من جهة الجهل بجنس العوضين ، ولعلّه ظاهر .

بقي في المقام إشكال : وهو أنّ بيع العين الغائبة غرري دائماً ، وذلك لأنه إن اعتبرنا فيه ذكر تمام الأوصاف التي يختلف باختلافها الرغبات وباعها مقيّدة بهذه الأوصاف ، فيكون المعاملة غررية للجهل بوجود عين متّصفة بهذه الأوصاف والجهالة بوجود المبيع من أظهر أنحاء الغرر . وإذا باعها بلا ذكر أوصافها ولا مقيّداً بشيء منها بل على نحو الاطلاق ، كانت واجدة لها أم لم تكن ، فهي أيضاً غررية للجهل بأوصافها .

وأجاب عنه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بوجهين :

أحدهما : أنّ الغرر ليس من الاُمور الواقعية بل هو أمر نفساني وهو الخطر فإذا اطمأن المشتري بتوصيف نفس البائع أو بتوصيف غيره من الجيران بأنّ العين متّصفة بأوصاف وأقدم على شرائها معتقداً أنّها متّصفة ولو باعها البائع على نحو الاطلاق من غير التزام بشيء من الأوصاف ولا تقييده بها ، فلا تكون المعاملة غررية لارتفاعه بالاطمئنان بوجودها .

وثانيهما : أنه هب أنّ البائع يبيعها مقيّداً بتلك الأوصاف إلاّ أنه لا يبعد أن يكون التقييد في معنى الاشتراط ، فهو يقدم على شرائها باشتراط اتّصافها بتلك الأوصاف ، ومثله لا يكون غررياً ولو مع الجهل بوجود العين المتّصفة بتلك

ــ[82]ــ

الأوصاف ، وهذا لأنّها إذا بانت فاقدة لها أو لم توجد أصلا فله أن يفسخ المعاملة بخيار تخلّف الشرط ، ومع التمكّن من الفسخ لا غرر ولا خطر في المقام ، ولا يشترط في هذا الخيار أن يكون العقد مع قطع النظر عنه صحيحاً تاماً كما ثبت ذلك في خياري المجلس والحيوان ، بل يكفي في المقام صحة العقد ولو بجعل الخيار لأنّه من مجعولات المتبايعين أعني الاشتراط ، هذا .

أقول : بل معنى التقييد هو الاشتراط لا أنه لا يبعد أن يكون كذلك كما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) والوجه في ذلك أنّ العين الموجودة الخارجية لا سعة فيها ولا ضيق ولا إطلاق فيها ولا تقييد لأنّها ليست إلاّ هي فلا يقبل الاتّساع ولا التضييق ، لأنّها غير مشتملة على حصص كثيرة لتتقيّد وتطلق ، فمعنى تقييدها هو الالتزام بكونها متّصفة بتلك الأوصاف ، ومعنى الالتزام أنّ المشتري جعل لنفسه الخيار على تقدير عدم تحقّق الشرط ، ومع الخيار لا يبقى للغرر والخطر مجال .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net