الإشكال في صحّة بيع العين الغائبة باستلزام الغرر دائماً 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الرابع : الخيارات-2   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2550


والمتحصّل ممّا ذكرناه في المقام : أنّ بيع العين الغائبة تارةً يكون بتوصيف البائع أو غيره ممّن يفيد الاطمئنان للمشتري ، وبه يرتفع الغرر لأنه باعتقاده لا يقدم على خطر وحينئذ فلا إشكال في صحة البيع مع ثبوت الخيار له فيما إذا انكشف خلاف ما يعتقده ، وهذا لا ربط له بخيار تخلّف الشرط ولا يرجع إلى الاشتراط .

واُخرى باشتراط الأوصاف في المبيع ، والبيع أيضاً صحيح في هذه الصورة ويثبت له خيار تخلّف الشرط على تقدير عدم اتّصافه بالصفات . ودعوى أنّ الاشتراط بمنزلة تقييد المبيع ووجود المبيع المقيّد غير معلوم فتكون المعاملة غررية للجهل بوجود المبيع ، قد عرفت اندفاعها ، والوجه فيه أنّ التقييد إمّا أن يرجع إلى البيع وإمّا أن يرجع إلى الالتزام به الذي معناه جعل الخيار لنفسه ، فإن أرجعناه إلى البيع بأن تكون المعاملة والتزامه البيعي معلّقاً على وجود تلك الأوصاف بحيث إذا تخلّفت الأوصاف وظهر عدم اتّصاف المبيع بالقيود فلا التزام معاملي بينهما ، فمثله لا

ــ[83]ــ

يوجب الغرر لأنه لا يقدم على المعاملة على كل حال ، بل إنما يقدم عليها فيما إذا كان المبيع موجوداً فلا خطر في البين ، إلاّ أنّ أصل المعاملة باطل في هذه الصورة لا من جهة الغرر بل من جهة التعليق في العقود لأنّ التنجيز شرط في صحة المعاملة .

وأمّا إذا أرجعناه إلى الالتزام بالمعاملة لا إلى أصلها ، وقد عرفت أنّ معناه جعل الخيار لنفسه على تقدير عدم الأوصاف في المبيع ، فالمعاملة صحيحة ولا تعليق فيها كما أنّها غير غررية لأنه لم يقدم على الخطر حينذاك بل جعل لنفسه الخيار  ، فإذا رأى عدم تحقّق الأوصاف فله أن يفسخ المعاملة فلم يقدم على الخطر وكيف كان فلا إشكال في صحة المعاملة على تقدير الاشتراط .

ومن ذلك يظهر أنّ ما حكي عن ابن إدريس (قدّس سرّه)(1) من أنه في صورة ظهور الخلاف مخيّر بين الردّ والامساك بالأرش ممّا لا وجه له ، فإنّ مقتضى القاعدة عند جعل الخيار لنفسه هو الالتزام بالبيع عند ظهور الخلاف أو الردّ والفسخ ، وأمّا الامساك مع المطالبة بالأرش فممّا لا دليل عليه ، نعم لو كان الوصف المفقود ممّا له دخل في صحة المبيع بأن كان من أوصاف الصحة فيثبت للمشتري الخيار بين الردّ والامساك مع الأرش ، إلاّ أنّه لا من جهة خيار الرؤية بل من جهة خيار العيب وأمّا إذا لم يكن الوصف من أوصاف الصحة بل كان من أوصاف الكمال كما هو محل الكلام دون وصف الصحة فلا دليل على أنّ تخلّفها يوجب الأرش ، ولعلّه ظاهر .

وأمّا ما عن جماعة من بطلان المعاملة عند ظهور عدم اتّصاف المبيع بالوصف كما عن المحقّق الأردبيلي (قدّس سرّه)(2) وفي النهاية(3) وغيرهما من جهة أنّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) السرائر 2 : 242 .

(2) مجمع الفائدة والبرهان 8 : 183 .

(3) النهاية : 391 .

ــ[84]ــ

المبيع غير موجود ، فما وقع عليه البيع لم يوجد وما وجد لم يتعلّق به الانشاء والبيع فمقتضى القاعدة في مثله البطلان وقد مال إليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) أيضاً إلاّ أنه رجع عنه من جهة أنّ المستفاد من تتبّع الموارد الفقهية والمسائل المتفرّقة هو عدم بطلان المعاملة في صورة فقد الصفة المقصودة وتخلّفها كما في موارد ظهور العيب في المبيع وموارد قبض الصفقة فيما إذا باع ما يملك وما لا يملك وغيرهما .

فهو أيضاً ممّا لا يمكن المساعدة عليه ، وذلك لأنّهم إن أرادوا بذلك أنّ البيع مقيّد بوجود تلك الأوصاف وأنه لا بيع فيما إذا لم تكن الأوصاف موجودة فالمعاملة حينئذ وإن كانت باطلة إلاّ أنّ لازمه عدم صحة المعاملة مطلقاً سواء وجدت الأوصاف في المبيع أم لم توجد ، وذلك لما عرفت من أنّ التعليق في العقود يوجب البطلان ولو مع وجود المعلّق عليه واقعاً ، فلماذا التزموا بالبطلان عند انكشاف الخلاف دون صورة وجود الأوصاف .

وإن أرادوا بذلك أنّ البيع غير مقيّد بشيء وإنّما المقيّد هو الالتزام بالمعاملة وعدم الرجوع فيه الراجع إلى جعل الخيار لنفسه على تقدير عدم تحقّق الأوصاف فلا وجه حينئذ لبطلان البيع عند تخلّف الأوصاف لأنّه غير مربوط بالبيع ، إذ المفروض أنّ المعاملة مطلقة ، نعم يوجب تخلّف الأوصاف الخيار للمشتري لأنّ شرط لزوم المعاملة مفقود ، وأمّا البطلان فلا وجه له أصلا .

وقياس المقام بتخلّف الصور النوعية كما إذا باع شيئاً على أنه عبد حبشي ثم ظهر أنه حمار وحشي قياس مع الفارق ، فإنّ الصور النوعية ممّا تقوّم به المعاملة لأنّ البيع إنّما يقع على تلك الصور النوعية لأنّها المقوّم لمالية المال وبها تختلف الحقائق والأشياء ، إذ لا مالية للمادّة المشتركة بين التراب والذهب وتخلّفها يوجب

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 5 : 255 ـ 256 .

ــ[85]ــ

انعدام المبيع ، ومع عدم تحقّق المبيع المعاملة باطلة ، ومن هنا لا مانع من تعليق المعاملة عليها بأن يقول : بعتك هذا إن كان عبداً ، وذلك لما عرفت من أنّ تعليق البيع على ما يتوقّف عليه المعاملة لا مانع عنه بوجه ، وحيث إنّ البيع مقيّد بها ومعلّق عليها فعند فقدانها تبطل المعاملة لا محالة ، وهي لا تقاس بالأوصاف الكمالية أو غيرها ممّا لا ترجع إلى الصور النوعية ، فإنّ المعاملة لا تقع عليها وإنّما تقع على الذات وتكون الأوصاف دواع لوقوع البيع على الذات وموجبة لكثرة قيمتها ، فتخلّفها لا يعدم المبيع فلا وجه لبطلان البيع عند تخلّفها .

وأمّا ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من قياس المقام على الشرط الفاسد وأنّ الشرط إذا كان فاسداً يلتزمون فيه بفساد المشروط من جهة أنّ ما وقع عليه العقد لم يمض وما هو يمكن امضاؤه لم ينشأ ، فإنّ البيع مقيّداً بالشرط الفاسد لا يقع عليه الامضاء شرعاً ، والبيع بلا ذلك الشرط وإن كان صحيحاً إلاّ أنه لم يقع عليه الانشاء فيكون الشرط الفاسد مفسداً ، وهذا الوجه بعنيه جار في المقام لأنّ البيع مع الصفات لم يمض لعدم وجوده ، وأمّا نفس البيع بلا تلك الأوصاف فهو وإن كان صحيحاً إلاّ أنّه لم ينشأ ، فالمنشأ لم يقع والواقع لم ينشأ ، فلا محالة تكون المعاملة فاسدة عند تخلّف الأوصاف .

ففيه : أنّ المقام ومسألة أنّ الشرط الفاسد مفسد من واديين لا يرتبط أحدهما بالآخر ، وذلك لأنّ الوجه فيما ذهب إليه القائلون بفساد المشروط عند فساد شرطه هو أنّ البيع والمعاملة معلّقة ومقيّدة بالشرط الفاسد كما إذا باع شيئاً بشرط أن يشرب الخمر أو يقتل زيداً أو يهتك مؤمناً ، فإنّ معنى الاشتراط فيما إذا كان الشرط من قبيل الأفعال أنّ البيع معلّق على التزامك بذلك العمل ، وحيث إنّ المعلّق عليه وهو التزام الطرف بالعمل موجود حال المعاملة وهما عالمان بوجوده فلا مانع من التعليق حينئذ ، فإذا ظهر أنّ البيع معلّق على التزام المشتري مثلا بالعمل

ــ[86]ــ

المحرّم وحكم الشارع بأنّ وجود هذا الالتزام كعدمه لأنّه محرّم وداخل في الاستثناء في قوله (عليه السلام) « إلاّ شرطاً حلّل حراماً »(1) فلا محالة يبطل البيع لعدم حصول ما علّق عليه ، ومن هنا حكموا بأنّ الشرط الفاسد مفسد للمشروط .

وأمّا في المقام فليس البيع معلّقاً على الشرط وهو الوصف وكونه موجوداً في المبيع وإلاّ يلزم بطلان العقد لأجل التعليق على ما لا يعلم بوجوده ، كما أنّ البيع غير معلّق على التزام البائع بوجود تلك الأوصاف في المبيع ، إذ لا معنى لالتزام البائع بما هو خارج عن قدرته واختياره ، فإنّ كون المبيع كذا وكذا أي متّصفاً بصفة خارج عن اختيار البائع ولا يتعلّق به الالتزام ، وليست الأوصاف كالأفعال حتى يصح الالتزام بها ، فلا محالة يتعيّن أن يكون البيع مطلقاً وغير مقيّد بشيء ، بل يكون التزامه به وعدم رجوعه في المعاملة معلّقاً على وجود الأوصاف دون أصل المعاملة ومعنى ذلك جعل الخيار لنفسه على تقدير عدم اتّصاف المبيع بالقيود ، فإذا ظهر التخلّف وعدم اتّصاف المبيع بالأوصاف المذكورة فلا محالة يثبت له الخيار وله أن لا يثبت على بيعه ولا يلتزم به ، لأنّ التزامه به كان معلّقاً على وجود الأوصاف ولم يحصل المعلّق عليه ، وأمّا البطلان فهو ممّا لا أساس له بوجه ، لأنّه لم يكن مقيّداً ولا مشروطاً ولا معلّقاً بشيء فبأيّ وجه يلتزم بالبطلان عند التخلّف ، وبهذا الذي تلوناه عليك تعرف أنّ المقام غير كون الشرط الفاسد مفسداً وأنّهما من واديين والبيع في أحدهما معلّق وفي الآخر مطلق ، فلا وجه لقياس أحدهما بالآخر أبداً ، فما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) ممّا لا يمكن المساعدة عليه بل لم يكن ذلك مترقّباً منه (قدّس سرّه) إن لم يكن جسارة .
ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ورد مضمونه في الوسائل 21 : 300 / أبواب المهور ب40 ح4 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net