الفرق بين الأوصاف النوعية والكمالية 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الرابع : الخيارات-2   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2343


والذي تلخّص ممّا ذكرناه في المقام : أنّ الأوصاف على قسمين : نوعية وكمالية


ــ[87]ــ

المعبّر عنها بالعرضية ، والتخلّف في الاُولى يوجب البطلان والفساد ، وفي الثانية يوجب الخيار ، هذا كلّه فيما إذا كان المعلّق على وجود الوصف هو الالتزام بالمعاملة الراجع إلى جعل الخيار لنفسه على تقدير عدم ثبوت الوصف كما هو الظاهر في المعاملات ، فإنه لا معنى لالتزام البائع بما هو خارج عن اختياره فلا محالة يكون مرجعه إلى تعليق الالتزام بالمعاملة على وجود الأوصاف الراجع إلى جعل الخيار لنفسه على تقدير التخلّف .

وأمّا إذا فرضنا أنّ المعلّق هو أصل المعاملة وإنشاؤها فهو أيضاً لا مانع منه في القسم الأول لأنّ بطلان التعليق إنّما ثبت بالإجماع ولا إجماع على بطلانه فيما كانت المعاملة بنفسها وفي ذاتها معلّقة عليه ، وقد عرفت أنّ الصور النوعية مقوّمات للمعاملة لوقوعها عليها ولذا قلنا إنّ تخلّفها يوجب البطلان .

وأمّا في القسم الثاني فالتعليق فيه يوجب البطلان لعدم قوام المعاملة بالأوصاف الكمالية والعرضية وعدم وقوعها عليها ، لما أشرنا إليه في محله من أنّ المعاملة إنما تقع على الأعيان وهي التي يبذل المال بأزائها ، دون الأوصاف والهيئات لعدم قابليتها للبيع على نحو الاستقلال ، فإذا لم تقع عليها المعاملة ولم تكن مقوّمة للمعاملة فلا محالة يكون التعليق عليها موجباً لفساد المعاملة وبطلانها ، هذا .

ثم إنّ المدار في كون الوصف من الأوصاف النوعية المقوّمة للمعاملة وكونه من الأوصاف الكمالية العرضية التي يوجب التعليق فيها بطلان المعاملة ليس على التدقيقات والاصطلاحات الفلسفية وملاحظة أنّ الوصف من الأوصاف الذاتية المقوّمة أو أنها من الأوصاف العرضية باصطلاح الفلسفة ، وأنه من قبيل الكم أو الكيف أو من سائر المقولات ، بل المدار على ما يراه العرف والعقلاء من الأوصاف المقوّمة والنوعية أو الكمالية العرضية ، وبين الأوصاف النوعية العرفية والعقلية تغاير جلي ، وربما تكون النسبة عموماً من وجه إذ ربما يكون وصف من الأوصاف

ــ[88]ــ

النوعية عقلا ومغايراً لفاقد الوصف ذاتاً وحقيقة ولا يكون من النوعية عرفاً واُخرى ينعكس وثالثة يجتمعان ، مثلا إذا اشترى جارية ثم ظهر أنه عبد فإنّ الذكورة والاُنوثة ليستا من الأوصاف النوعية عقلا ، فإنّ الذكر والاُنثى كلاهما إنسان وهما من الأوصاف العرضية ، إلاّ أنّهما حقيقتان متغايرتان لدى العرف وصفة الذكورة والاُنوثة من قبيل الأوصاف النوعية عندهم ، فتبطل المعاملة بتخلّفهما كما لا يوجب التعليق عليهما بطلان المعاملة ، وكذا كتاب اللغة والفقه فإنّهما عند العرف حقيقتان متباينتان فإذا اشترى كتاباً بوصف أنه شرح اللمعة للشهيد (قدّس سرّه) ثم ظهر أنّه كتاب اللغة للفيّومي مثلا فتكون المعاملة باطلة ، ولكنّهما بنظر العقل حقيقة واحدة ، لأنّ الكتاب ليس إلاّ مركّباً من الحبر والقرطاس والجلد وهو متحقّق في كليهما ، ومن هذا القبيل أيضاً الفرش المنسوج بنسج الكاشان مع المنسوج بنسج غيره من البلاد فإنّهما حقيقتان متغايرتان عرفاً ومن الحقيقة الواحدة عقلا لتركّبهما من الصوف والصبغ ، فتخلّف الوصف في مثله يوجب البطلان .

كما أنه ربما يكون الوصف من الأوصاف النوعية عقلا ولا يكون كذلك عند العرف ، وهذا كما في الأشياء التي لا قيمة لموادّها عرفاً وإنما يبذل المال بازاء هيئتها فقط نظير المفتاح فإنّ الغرض والنظر فيه مقصوران على الفتح ، والمال يبذل في مقابل تلك الصفة بلا فرق في ذلك بين كون مادته نحاساً أو حديداً ، نعم لا تكون الخشبة بقيمة الحديد أو النحاس لعدم قوّتها مثلهما ، وأمّا الحديد أو النحاس أو الصفر فجميعها على حدّ سواء ولا يختلف قيمة المفتاح باختلافها أبداً ، فالحديدية والنحاسية من الأوصاف الكمالية والعرضية عند العرف ولكنّهما من الأوصاف النوعية عقلا ، وهما حقيقتان متغايرتان عنده بخلاف العرف .

ــ[89]ــ

ومن ذلك ما مثّل به شيخنا الأنصاري(1) من مثال لبن الجاموس ولبن البقر أو الغنم فإنه عرفاً حقيقة واحدة ، وكونه من البقر أو الجاموس من الأوصاف الكمالية والعرضية عندهم ، إلاّ أنه حقيقة من الأوصاف النوعية عقلا ولبنهما متغايران حقيقة بالدقّة العقلية .

وإن كان هذا المثال مورد الاشكال من جهة أنّ حقيقة اللبن واحدة كان من الجاموس أو من البقر وليس حقيقة لبن البقر عقلا مغايراً لحقيقة لبن الغنم واختلاف الغنم والبقر بحسب الحقيقة أمر آخر لا ربط له باختلاف حقيقة اللبن وهذا ظاهر .

والمتلخّص : أنّ المعاملة تبطل عند تخلّف الأوصاف النوعية العرفية ، ولا مانع من تعليق المعاملة عليها ، وأمّا الأوصاف العرضية بنظرهم فتخلّفها لا يوجب إلاّ الخيار ولا يوجب البطلان ، نعم التعليق على مثلها يوجب الفساد كما مرّ ، هذا كلّه فيما إذا علم الحال وظهر أنّ الوصف من قبيل الأوصاف النوعية عند العرف أو من قبيل غيرها .

وأمّا إذا شككنا في أنّ الوصف من النوعية حتى يصح التعليق عليها وتبطل المعاملة بتخلّفها ، أو أنه من قبيل غيرها لئلاّ يصح التعليق فيها ولا تبطل المعاملة بتخلّفها ، وهذا كما في الأقمشة المنسوجة من الكتّان تارة ومن القطن اُخرى ، أو غيرها من الفاسونية الصيفية المتداولة اليوم المنسوجة من الصوف الخالص تارة ومن الكتان اُخرى ، ومن الممتزج من الصوف والقطن ثالثة فيما إذا شككنا وشك العرف في أنّ كونها من الصوف وصف نوعي تبطل المعاملة عند ظهورها من القطن أو أنه من الأوصاف الكمالية وتخلّفها يوجب الخيار ؟

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 5 : 256 .

ــ[90]ــ

فالكلام في ذلك يقع في مقامين : أحدهما فيما إذا علّقت المعاملة على وجود ذلك الوصف المشكوك كونه من النوعية عرفاً فهل تصح هذه المعاملة حينئذ ، فإنّ الوصف على تقدير أنه من الأوصاف النوعية فالمعاملة صحيحة ، لأنّ التعليق عليها لا يوجب البطلان ، وإن كان من قبيل غيرها فالمعاملة باطلة لأنّ التعليق يوجب البطلان .

وثانيهما : فيما إذا باع واشترى حسب الارتكاز بلا تعليق المعاملة على وجود الوصف ثم تخلّف الوصف وظهر أنّ المبيع من القطن مثلا ، فهل تصح المعاملة حينئذ أو لا ، إذ الوصف على تقدير كونه من قبيل الأوصاف النوعية فلا محالة تبطل المعاملة ، لأنّ تخلّفها يوجب البطلان ، وعلى تقدير كونه من قبيل غيرها فتخلّفها يوجب الخيار دون البطلان .

أمّا المقام الأول : فالظاهر صحة المعاملة ، لأنّ البيع ليس إلاّ تبديل مال بمال وهذا قد تحقّق على الفرض فيشمله العمومات .

وأمّا بطلان التعليق في العقود فهو كما عرفت إنما ثبت بالاجماع وهو دليل لبّي يكتفى فيه بالمقدار المتيقّن وهو ما إذا كان الوصف من الأوصاف الكمالية عند العرف جزماً وعلى نحو القطع دون صورة شك العرف وتردّده ، ولم ينعقد الاجماع على عنوان مثل الوصف الكمالي أو العرضي حتى يقال إنّ التمسك بالعمومات حينئذ مع الشك في أنّ الوصف نوعي أو عرضي من التمسك بالعام في الشبهات المصداقية ، بل الاجماع انعقد على كل مورد مورد بخصوصه كالتعليق على كتابة العبد ونحوه ، مثلا يقال إنّ التعليق على كتابة العبد يوجب البطلان وهكذا ، وقيامه في هذا المورد غير معلوم فيتمسّك بالعمومات ولعلّه(1) من جهة أنّ الوصف المحرز عند العرف أنه من

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قد أفاد (دام ظلّه) أنّ الاجماع وقع على كل مورد مورد لا على عنوان الوصف العرضي
وقوله لعلّه الخ جواب عمّا أورده عليه من أنّ تمسّكنا بالاجماع في الوصف الكذائي المحرز كونه من العرضي عند العرف يكشف عن أنّ الاجماع انعقد على عنوان جامع لا محالة وإلاّ لما صحّ التمسك به في الموارد المذكورة ، فأجاب عن ذلك بأنّ الاجماع لعلّه انعقد على بطلان التعليق في الوصف المعلوم أنه من العرضي فيخرج الوصف المردّد عمّا انعقد عليه الاجماع ، وأورد عليه ثانياً : بأنّ الاجماع لو كان انعقد على هذا العنوان لأمكن إحراز عدمه بالاستصحاب الجاري في الأعدام الأزلية ونقول الأصل عدم كون الوصف من الأوصاف العرضية المعلومة عند العرف ، فأجاب عنه : بأنّ هذا صحيح لو انعقد الاجماع على مبطلية التعليق في الأوصاف العرضية ولكنّه كما عرفت غير معلوم  .

ــ[91]ــ

العرضي هو الذي ثبت الاجماع على كون التعليق عليه مبطلا للمعاملة دون الوصف المحرز أنه من النوعي أو الوصف المردّد والمشكوك كونه من العرضي أو النوعي وحيث إنّ الاجماع دليل لبّي يكتفى فيه بالمقدار المتيقّن وهو الأوصاف المعلوم كونها من العرضي ويتمسك بالعمومات في غيره .

والمتحصّل : أنّ مقتضى العمومات في هذه الصورة هو صحة المعاملة وعدم بطلانها بالتعليق .

وأمّا المقام الثاني : فالصحيح هو الالتزام فيه بالبطلان لعدم العلم بوجود المبيع في الخارج ، لأنّا لا ندري أنّ المعاملة وقعت على واجد الوصف حتّى يحكم ببطلان المعاملة لعدم وجود المبيع في الخارج وعدم رضاه بغير الواجد ، أو أنها وقعت على الذات الجامعة بين الواجد والفاقد حتى يقال بوجود المبيع في الخارج وبصحة المعاملة ، وحيث إنّا نشك في وجود المبيع في الخارج وعدمه فلا محالة نحكم ببطلان المعاملة حينئذ ، ولا يمكن في مثلها التمسك بالعمومات لعدم إحراز رضا المشتري بفاقد الوصف ولعدم إحراز وقوع التجارة على الفاقد وعموم قوله « لا

ــ[92]ــ

يحل مال امرئ مسلم إلاّ بطيب نفسه »(1) وقوله (لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاض)(2) يقتضي إحراز طيب النفس وتحقّق التجارة عن تراض في جواز الأكل والتصرف ، ولم تحرز الطيب ولا التجارة عن تراض في فاقد الوصف حسب الفرض ، فمقتضى العمومات حرمة الأكل والتصرف وعدم صحة المعاملة في المقام .

وبالجملة : نفصّل بين المقام الأول وهذا المقام ونلتزم بالصحة في الأول والبطلان في الثاني لعدم إحراز الرضا بالفاقد ، وهذه المسألة لم أر التعرّض لها في كلمات الأصحاب ، ولعلّ شيخنا الاُستاذ تعرّض لها في غير هذا المقام ، والمسألة وجيهة لا بأس بالتعرّض لها .

القول في أنّ هذا الخيار فوري أو أنّه على التراخي

قد وقع الكلام في أنّ خيار الرؤية فوري أو أنه غير فوري ؟ فذهب بعضهم إلى أنه فوري وبعضهم إلى أنّه على التراخي كما اختلفوا في غير هذا الخيار من الخيارات المتقدّمة ، والكلام في ذلك يقع أوّلا فيما يقتضيه الأصل العملي أو غيره من القواعد العامة ، واُخرى فيما يقتضيه النص الوارد في المقام ، وكذا يقع البحث تارة فيما إذا كان هذا الخيار من أفراد خيار تخلّف الشرط كما هو ظاهر كلام شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) واُخرى فيما إذا كان خيار الرؤية خياراً آخر غير خيار تخلّف الشرط على ما قوّيناه سابقاً .

أمّا ما يقتضيه الأصل أو غيره من القواعد العامّة فقد تقدّم الكلام فيه في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 5 : 120 / أبواب مكان المصلّي ب3 ح1 (باختلاف يسير) .

(2) النساء 4 : 29 .

ــ[93]ــ

خيار الغبن(1) وقد ذكرنا هناك أنّ مقتضى العمومات كقوله تعالى : (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)(2) أو قوله : (لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ)(3) الخ وغيرهما من العمومات لزوم المعاملة في جميع الأزمنة والحالات وإنّما نخرج عنها في زمان قام الدليل فيه على الخيار ، وأمّا في غيره من الأزمنة التي نشك فيها في ثبوت الخيار فالمرجع فيها هو العمومات والاطلاقات ، لأنها كما تدلّ على العموم الافرادي كذلك تدلّ على العموم الأزماني ، ففي غير الزمان الذي دلّ الدليل فيه على الخيار نتمسك بعموم الأدلّة كما عرفت ، هذا ما يقتضيه الأصل أو القواعد العامّة .
ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع المجلّد الثالث من هذا الكتاب الصفحة 410 وما بعدها .

(2) المائدة 5 : 1 .

(3) النساء 4 : 29 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net