فورية خيار الرؤية - مسقطات خيار الرؤية 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الرابع : الخيارات-2   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 3069


وأمّا إذا قلنا بأنّ خيار الرؤية من أحد أفراد خيار تخلّف الشرط فيكون حاله حال ذلك الخيار ، وقد تقدّم أنّ الفورية والتراخي في خيار تخلّف الشرط تابعتان للاشتراط ، فلابدّ من ملاحظة أنّ الاشتراط يقتضي الخيار عند التخلّف على وجه الفور أو على وجه التراخي ، وحيث إنّ الخيار عند تخلّف الشرط ثبت بالارتكاز فلابدّ من ملاحظة أنّ الارتكاز عند العقلاء هل هو على ثبوت الخيار متراخياً أو على وجه الفور ، وذكرنا هناك أنّ المرتكز عند العقلاء في موارد تخلّف الشرط ليس هو الخيار في الآن الأول من زمان ثبوت الخيار آناً دقياً فلسفياً بحيث لو لم يعمل بالخيار في الآن الحقيقي من زمان الخيار يسقط خياره ولا يتمكّن من الفسخ أو الامضاء بعده ، كما أنّ الارتكاز ليس على ثبوت الخيار إلى الأبد ، فلا محالة يتعيّن الأمر بين الأمرين وهو ثبوت الخيار فورياً عرفياً بحيث لا يعدّ عند العرف متهاوناً ، وهذا يختلف باختلاف الموارد والمبيع فربما يرى العرف التأخير نصف يوم


ــ[94]ــ

من التهاون كما في الأشياء الحقيرة واُخرى يرى التأخير يوماً أو يومين من عدم التهاون كما في بيع الأشياء الخطيرة المحتاجة إلى التروّي والفكر كما تقدّم تفصيله في خيار تخلّف الشرط فراجع(1)، هذا كلّه بناءً على أنّ هذا الخيار من أحد أفراد خيار تخلّف الشرط .

وأمّا ما يقتضيه النص الوارد في المقام فقد دلّت رواية جميل بن درّاج(2) على أنه لو قلّب منها أو فتّش ونظر إلى تسع وتسعين قطعة ثم بقي منها قطعة لم يرها لكان له فيها خيار الرؤية ، وإضافة الخيار إلى الرؤية لا تخلو عن أحد وجوه ثلاثة حسب ما يقتضيه استقراء كلمات الأصحاب في سائر الخيارات :

الأول : أن تكون إضافة الخيار إلى شيء من باب إضافة الخيار إلى سببه ومقتضيه كما في خيار الغبن فإنّهم يريدون بذلك أنّ الغبن سبب للخيار ، وهذا التعبير وإن لم يقع في كلام الإمام (عليه السلام) إلاّ أنّ اصطلاح الأصحاب إنّما جرى على ذلك ، فيريدون من مثل خيار الغبن وإضافته إليه الخيار المسبّب عن الغبن ، ولعلّه من ذلك القبيل إضافة الخيار إلى العيب في قولهم خيار العيب بناءً على أنّ العيب سبب الخيار ، وأمّا بناءً على إرادة المعيب من العيب كما ربما يطلق ويراد منه ذلك فيكون نظير خيار الحيوان الآتي ذكره .

الثاني : أن تكون الاضافة من قبيل إضافة الخيار إلى المبيع كما في خيار الحيوان لأنه بمعنى الخيار الثابت في المبيع الذي هو الحيوان ، ومنه خيار العيب بناءً على إرادة المعيب منه .

الثالث : أن تكون الاضافة من باب إضافة الخيار إلى ظرفه كما في خيار

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لاحظ المجلّد الثالث من هذا الكتاب مبحث خيار الشرط فإنّه لم يتقدّم منه ذلك .

(2) الوسائل 18 : 28 / أبواب الخيار ب15 ح1 .

ــ[95]ــ

المجلس ، هذه هي الأنحاء الثلاثة المحتملة في إضافة الخيار إلى الرؤية في المقام .

أمّا الاحتمال الثاني وهو كون الاضافة من إضافة الخيار إلى المبيع فمقطوع العدم في المقام ، لأنّ الرؤية ليست بمبيع حتّى تكون إضافة الخيار إليها نظير إضافة الخيار إلى الحيوان ، فيدور الأمر بين احتمالي إرادة السبب والظرف .

أمّا احتمال أن تكون الاضافة من باب إضافة الخيار إلى سببه فيندفع بوجهين :

الأول : أنّ الخيار في المقام إنّما ينشأ من عدم الوصف في المبيع وليس سببه الرؤية كما هو ظاهر .

وهذا يمكن المناقشة فيه بأنّ السبب في الخيار وإن كان عدم تحقّق الوصف في المبيع إلاّ أنّ الرؤية في كلام الإمام (عليه السلام) إنّما اُخذت مرآةً وطريقاً إلى ما هو السبب واقعاً كما وقع نظير ذلك في قوله تعالى : (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ)(1)الخ ، فإنّ الغاية للأكل والشرب هو طلوع الفجر دون العلم بتحقّقه كما هو معنى التبيّن  ، إلاّ أنه اُخذ طريقاً إلى ما هو الغاية الواقعية وهي طلوع الفجر (بناءً على أنّ الغاية ليست هو ظهور الفجر بل مجرد طلوعه ، لا أنه يعتبر انبساطه بعد الطلوع في حرمة الأكل والشرب كما ربما قيل) فهذا الوجه قابل الدفع .

الوجه الثاني وهو الذي لا يمكن ردّه : أنّ مفروض كلام السائل أنه فتّش الضيعة ثم رآها على ما لم يكن رآها عليه قبل ذلك وظهر عدم اتّصافها بالوصف وعليه فذكر لفظة الرؤية وإضافة الخيار إليها يكون مستدركاً ولا يترتّب عليه أي ثمرة بناءً على إرادة السبب منها ، وذلك لأنه (عليه السلام) لو كان اكتفى بذكر الخيار فقط بلا إضافته إلى الرؤية لما أخلّ بشيء ولما فات عنه غرض ، وذلك لأنّ الرؤية

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البقرة 2 : 187 .

ــ[96]ــ

وتحقّقها مفروضتان في الرواية ، ومعه يكون ذكر كلمة الخيار بمثابة إضافتها إلى الرؤية فلم يكن يحتاج إلى ذكر لفظة الرؤية أبداً ، وهذا بخلاف ما إذا حملنا الاضافة على إضافة المظروف إلى ظرفه فإنه لا يلزم منه اللغوية في الكلام فإنّ معناه حينئذ أنه له الخيار إذا رآها أو في حالة الرؤية ، وليس في هذا التعبير أي بشاعة ، وعليه فالاضافة إلى الرؤية إضافة المظروف إلى ظرفه نظير خيار المجلس ، بل طبع القضية يقتضي حملها على الظرفية كما تراه عند تبديله بالفارسية فإنّا لو كنّا أجبنا السائل في الرواية بالفارسية لذكرنا ما مضمونه (براي او خيار است وقتى كه ديد) .

والثمرة بين كون الاضافة من باب إضافة المسبّب إلى سببه أو إضافة المظروف إلى ظرفه تظهر في التمسك باطلاق الرواية لاثبات التراخي ، وذلك لأنّا إذا حملنا الاضافة على السببية فمعنى الرواية حينئذ أنّ الرؤية على خلاف ما وصف له سبب في ثبوت الخيار ، وحيث إنه مطلق وغير مقيّد بساعة أو ساعتين حيث لم يدلّ على أنّ الرؤية سبب للخيار في ساعة فيتمسك باطلاقها وبه يثبت الخيار إلى الأبد ، اللهمّ إلاّ أن يقول الخصم بعدم كون الرواية في مقام البيان من هذه الجهة وأنّى له باثباته
كما تمسّكنا بذلك الاطلاق في خيار التأخير وقلنا إنّ الإمام (عليه السلام) جعل التأخير ثلاثة أيام سبباً لخيار البائع بلا تقييده بوقت وتمسّكنا باطلاقه وبه أثبتنا الخيار حتى فيما لو جاء بالثمن بعد الثلاثة .

وأمّا إذا حملنا الاضافة على إضافة المظروف إلى ظرفه فلا يصح التمسك باطلاقها ، وذلك لأنها إنما دلّت على ثبوت الخيار في حال الرؤية أو إذا رأى لا مطلقاً وإلى الأبد ، هذا كلّه بناءً على ظهور الرواية في كون الاضافة من إضافة المظروف إلى ظرفه .

وعلى تقدير عدم ظهورها في ذلك فلا أقل لا تكون ظاهرة في الاضافة السببية ، فتكون مجملة ولا يمكن التمسّك باطلاقها لاثبات التراخي .

ــ[97]ــ

ثم إنه على ما ذكرناه من ظهور الرواية في الاضافة الظرفية إن قلنا بأنّ هذا الخيار نظير خيار المجلس في كونه مستمرّاً باستمرار ظرفه فيثبت بذلك ما نقله شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) عن أحمد بن حنبل من استمرار خيار الرؤية بامتداد مجلس الرؤية ، وأمّا إذا قلنا بأنّ ظاهر الرواية ثبوت الخيار له حال الرؤية ولا دلالة فيها على ثبوته ما دام مجلس الرؤية باقياً فلا يمكننا موافقة ما ذكره أحمد بن حنبل ، بل لابدّ من الأخذ بما هو ظاهر الرواية من ثبوت الخيار حال الرؤية ، إلاّ أنّ المراد منه كما أشرنا إليه سابقاً ليس هو الآن العقلي الفلسفي بل المراد هو الحال العرفي الذي لا يرون التأخير إليه مسامحة وتهاوناً ، فثبت بالرواية الفورية العرفية ولا يمكننا إثبات التراخي بوجه .

ثمّ إنّ ما ذكره أحمد وإن لم يصح كما عرفت إلاّ أنّ الوجه فيه ما أشرنا إليه ، فلا وجه لما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من أنّا لم نجد له دليلا ، بل ما ذكره أحمد أولى ممّا ذكره القائلون بالتراخي فلا تغفل .

القول في مسقطات هذا الخيار

لا ينبغي الاشكال في سقوط خيار الرؤية باسقاطه بعد الرؤية ، لما مرّ غير مرّة من أنّ الحقوق تقبل الاسقاط ، ولا إشكال في أنّ خيار الرؤية كبقية الخيارات من الحقوق ، وإنّما الكلام في صحة إسقاطه قبل الرؤية ، وأشكل منه اشتراط سقوطه في ضمن العقد ، وذلك لأنّ خيار الرؤية ليس نظير خيار الغبن ثابتاً من حين العقد حتى تكون الرؤية في المقام كالعلم بالغبن طريقاً وكاشفاً عن ثبوت الخيار من زمان العقد ، بل إنّما دلّت الرواية على ثبوت هذا الخيار حال الرؤية دون قبلها ، وعليه فيكون إسقاطه قبل رؤية المبيع من إسقاط ما لم يجب ، إلاّ أنّك عرفت الجواب عن

ــ[98]ــ

ذلك سابقاً(1) وقلنا إنّ إسقاط ما لم يجب ممّا لم يقم برهان على استحالته ، ولا مانع عقلا من طلاق المرأة قبل أن يتزوّجها أو بيع ما لم يشتره بعد ونحوهما على نحو الواجب المشروط بأن يسقط فعلا ما سيثبت له في محلّه من الخيار ، لا أنّه يسقط الخيار بالفعل فإنه لم يثبت له فعلا والمعدوم كيف يعقل إسقاطه ، وإنّما قلنا بعدم جوازه لأجل انعقاد الاجماع على بطلانه ، بل ثبوت السيرة الارتكازية من العقلاء على عدمه فإنّهم لا يطلّقون امرأة لم يتزوّجوها أو لا يهبون مالا لم يشتروه بعدُ والاجماع والارتكاز غير متحقّقين فيما إذا ثبت المقتضي للخيار وهو العقد والمعاملة ولا يرون إسقاط الحق المحتمل حينئذ باطلا كما تقدّم تفصيله سابقاً ، فلا مانع من إسقاط هذا الخيار قبل الرؤية من جهة كونه إسقاطاً لما لم يجب ، هذا كلّه في الاسقاط القولي .

وأمّا الاسقاط الفعلي فملخّص الكلام فيه : أنّ الفعل إن كان بقصد إسقاط الخيار فلا إشكال في سقوطه به لأنّه لا يعتبر في الاسقاط اللفظ ، وأمّا إذا لم يكن بهذا القصد فلا يسقط به الخيار ولو كان له ظهور نوعي في الاسقاط ، وذلك لما مرّ من أنّه لم يقم دليل على أنّ مجرد الفعل يسقط الخيار إلاّ في خيار الحيوان حيث دلّ على أنّ اللمس ونحوه يوجب سقوط الخيار مطلقاً صدر بقصد الرضا والاسقاط أم لم يصدر بهذا القصد ، وأمّا في المقام فلا .

نعم يمكن أن يقال بناء على ما قوّيناه من أنّ خيار الرؤية خيار مستقل ثبت على خلاف القاعدة : إنّ بعض الأفعال كالاتلاف الحقيقي قبل الرؤية يوجب السقوط وإن لم يكن بقصد الاسقاط ، وذلك لأنه على خلاف القاعدة ولا يمكن التعدّي من مورد النص إلى غيره ، ومورده صورة بقاء العين ورؤيتها على خلاف

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع المجلّد الثالث من هذا الكتاب الصفحة 96 .

ــ[99]ــ

التوصيف ، وأمّا مع إتلافها قبل الرؤية وانكشاف عدم اتّصافه به بعد التلف فلا دليل على ثبوت الخيار حينئذ وردّ بدله إلى مالكه واسترداد الثمن ، بل مورد النص هو بقاؤه وتمكّنه من ردّ عين المال إلى مالكه ، وهذا لا من جهة أنّ الخيار متعلّق بالعين بل إنما تعلّق بالعقد ، ولكن المقتضي لثبوته قاصر في المقام لأنّ الرواية كما عرفت لا تشمل صورة إتلاف العين ، وأمّا الاتلافات الحكمية كالهبة ونحوها فهي لا تمنع عن هذا الخيار لامكان رؤية المبيع حينئذ على خلاف ما وصف له ، بمعنى أنه يصدق الرؤية على خلاف الوصف حينئذ بخلاف صورة التلف الحقيقي فلا تغفل ، هذا كلّه في إسقاط الخيار قبل الرؤية .

وأمّا اشتراط سقوطه في ضمن العقد ففيه وجوه وأقوال : فربما يقال بفساد ذلك الشرط بلا إفساده للعقد ، فالمعاملة صحيحة والاشتراط فاسد . واُخرى يقال بفساد الشرط والمعاملة من جهة أنّ فساد الشرط يوجب فسادها كما حكي عن العلاّمة (قدّس سرّه)(1) وقرّبه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(2). وثالثة يقال بصحة كل من الشرط والمعاملة ، وهذه أقوال المسألة وهي ثلاثة:

أمّا القول الأول فالمستند فيه ما تقدّمت الاشارة إليه سابقاً من أنّ الاسقاط قبل الرؤية من باب إسقاط ما لم يجب ، فيكون اشتراط سقوطه اشتراطاً لسقوط ما لم يجب وهو فاسد ، فيكون الاشتراط فاسداً وهو كالعدم ، وتبقى المعاملة المجرّدة عن الشرط صحيحة .

وأمّا المستند للقول الثاني وهو الذي ذهب إليه العلاّمة وشيخنا الأنصاري (قدّس سرّهما) فهو ما أشار إليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من أنّ اشتراط سقوط

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التذكرة 10 : 59 .

(2) المكاسب 5 : 259 .

ــ[100]ــ

الخيار يوجب غررية المعاملة ، وذلك لأنّ الغرر وإن لم يرتفع بالخيار ، لأنّ الخيار حكم شرعي يثبت في المعاملة بعد صحّتها في نفسها فلا يمكن تصحيح المعاملة بالخيار ، إلاّ أنّ بيع الغائب مع اشتراط الأوصاف يرجع إلى التزام البائع بوجود تلك الأوصاف في المعاملة أو بوجودها في المبيع وكونه أمراً مقيّداً بتلك الأوصاف فإنّ اشتراط شيء في المعاملة إمّا أن يرجع إلى اشتراط البيع والالتزام بذلك الشيء أو يرجع إلى تقييد المبيع بذلك الشيء ، وعلى كلا التقديرين يثبت له الخيار عند التخلّف ، فإذا اشترطا سقوط هذا الخيار فهذا الاشتراط معناه أنّ البائع يبيع العين بلا التزام منه بوجود تلك الأوصاف ولا بتقييد المبيع بها ، بل هو يبيع العين سواء كانت واجدة للأوصاف ومتقيّدة بها أم كانت فاقدة لها ، وعليه فتكون المعاملة غررية لعدم العلم بوجود الصفة وعدمه مع مغايرة الفاقدة للواجدة عند العرف فإذا صارت المعاملة غررية وفاسدة فلا يكون للشرط الحاصل في ضمنها اعتبار فتفسد المعاملة مع الشرط .

ومن ذلك يظهر الوجه في القول الثالث وأنّ مدركه عدم لزوم الغرر بالاشتراط ، ولا يكون من إسقاط ما لم يجب كما سيظهر عن قريب .

أمّا القول الأول ، فيدفعه ما تقدّم منّا سابقاً من أنّ إسقاط ما لم يجب ليس مدلولا لدليل لفظي كي يتمسك باطلاقه ، وإنّما ثبت بالاجماع والسيرة العقلائية القائمة على خلافه ، فإنّهم لا يرتّبون الأثر على مثل إبراء ذمّة أحد عن ثمن مبيع لم يتحقّق بيعه ، ومن الظاهر أنّ الاجماع والارتكاز غير متحقّقين في أمثال المقام ، وقد مرّ عدم الاستحالة العقلية في إسقاط ما لم يجب ، إذ لا مانع عقلا من أن ينشأ فعلا سقوط الخيار في ظرفه ، وإذا لم يتحقّق الاجماع ولا الارتكاز على خلافه في المقام فلا محالة يثبت المطلوب ويكون إسقاط الخيار في العقد واشتراطه صحيحاً ، فإذن الأمر يدور بين القول بفساد كل من الشرط والمعاملة والقول بصحة كل منهما ، هذا .

 
 

ــ[101]ــ

والظاهر أن يفصّل في المقام ويلتزم بالفساد في كل من الشرط والمعاملة فيما إذا كان ارتفاع الغرر في المعاملة مستنداً إلى الخيار ، والالتزام بصحّتهما فيما إذا لم يستند ارتفاع الغرر إليه ، وتوضيح ذلك : أنّ اشتراط شيء في المعاملة كما عرفت يرجع إلى تعليق الالتزام بالمعاملة وتعليق عدم فسخها على وجود ذلك الشرط بحيث إذا تخلّف ولم يتحقّق الشرط لا يجب عليه الالتزام بها ، بل يتمكّن من فسخها وإمضائها ، ولا يرجع الاشتراط إلى تقييد البيع ولا إلى تقييد المبيع كما ادّعاه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) .

أمّا أنّه غير راجع إلى تقييد المبيع فلما مرّ سابقاً من أنّ الموجود الخارجي لا ينقلب عمّا هو عليه ولا يتّسع ولا يتضيّق ، بل هو هو وبحاله ، فلا يوجب اشتراط شيء تضيّق المبيع الخارجي لعدم اتّساعه حتّى يتضيّق ، فلا يعقل فيه التقييد كما لا يعقل فيه الاطلاق .

وأمّا أنّه غير راجع إلى تقييد البيع ، فلأنّ لازمه هو بطلان المعاملة عند عدم اتّصاف المبيع بالصفة كما هو معنى تقييده به دون الخيار . مضافاً إلى أنّ التعليق في العقود يوجب البطلان ، فلا يعقل بحسب الثبوت إلاّ أن يكون الاشتراط راجعاً إلى تقييد الالتزام بالمعاملة وتعليقه على وجود الشرط دون تعليق أصل المعاملة بحيث إذا ظهر عدم اتّصاف المبيع بالوصف وعدم وجدانه الشرط يكون له الخيار في فسخ المعاملة وإمضائها ولا يكون ملزماً بالمعاملة .

وعليه فإذا كان المشتري جاهلا بوجود الصفات في المبيع وكان إقدامه على البيع غررياً وخطرياً خوفاً من أن لا يكون المبيع واجداً للأوصاف المرغوبة فيمكنه التخلّص من هذا الخطر باشتراط الأوصاف في المعاملة الراجع إلى جعل الخيار لنفسه ورفع التزامه بالمعاملة على تقدير عدم تحقّق الأوصاف في المبيع ، فإنّ إقدامه على شراء العين غير المرئية لا يكون خطرياً حينئذ ، إذ له أن يفسخ المعاملة

ــ[102]ــ

على تقدير عدم الإتّصاف ، وما في كلام شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من أنّ الخيار لا يكون رافعاً للغرر فإنه حكم شرعي ثبت في المعاملة بعد فرض صحتها في نفسها إنّما يتم في الخيارات المجعولة الشرعية دون الخيار المجعول من المتبائعين ، فإنّ الامضاء إنّما يرد على المعاملة بجميع قيودها وشرائطها والمفروض أنها مع ذلك الاشتراط غير غررية فتشملها أدلّة الامضاء كما تقدّم ذلك في محلّه .

وعلى هذا فإذا اعتمد المشتري في رفع الخطر والغرر عن المعاملة على الاشتراط وجعل الخيار لنفسه على تقدير عدم الأوصاف ، فيكون اشتراط سقوط الخيار حينئذ مستلزماً للغرر في المعاملة لأنّها خطرية مع عدم الخيار للمشتري فتفسد المعاملة والشرط .

وأمّا إذا كان رفع الغرر مستنداً إلى توصيف البائع وإخباره بوجود الأوصاف واطمئنانه بوجودها ، وكان ثقة يفيد توصيفه الاطمئنان للمشتري بوجودها فأقدم المشتري على المعاملة مع الاطمئنان بلا خطر ولا غرر ، إلاّ أنّ البائع لمّا كان يحتمل الخطأ لأنّ الاحتمال يجتمع مع اطمئنانه بوجود الأوصاف اشترط على المشتري سقوط الخيار حتى تكون المعاملة لازمة على كل حال ، ففي هذه الصورة لا يكون اشتراط سقوط الخيار موجباً للغرر في المعاملة ، فإنّ ارتفاعه لم يستند إلى جعل الخيار بل إلى حصول الاطمئنان بوجودها بإخبار البائع ، وقد عرفت في محلّه أنّ الغرر ليس أمراً واقعياً ، وليس له اصطلاح شرعي حتى يقال ببقائه حتى في صورة الاطمئنان بوجود الأوصاف ، وإنّما هو أمر نفساني وهو احتمال الخطر احتمالا عقلائياً قوياً ، وهذا يزول بحصول الاطمئنان بوجود الأوصاف (والاحتمال الضعيف لا يترتّب عليه الأثر عند العقلاء) فلا تكون المعاملة خطرية وغررية حينئذ ، وكذلك الحال فيما إذا حصل له الاطمئنان بإخبار غير البائع .

وفي هذه الصورة لا مانع من اشتراط السقوط لعدم صيرورة المعاملة غررية

ــ[103]ــ

حينئذ ، فنلتزم بصحّة كل من المعاملة والشرط في هذه الصورة ، وهذا الكلام جار وسار في جميع الموارد والمقامات ولا يختص بالمقام ، فنفصّل بين صورة استناد ارتفاع الغرر إلى جعل الخيار وصورة استناده إلى غيره من الاُمور .

وأمّا وصف الصحة والعيب ، فإن قلنا بعدم خصوصية للعيب ووصف الصحة بين سائر الأوصاف فنلتزم فيها أيضاً بهذا التفصيل ، وأنّ الغرر واحتمال عدم وصف الصحة إن كان مستنداً إلى اشتراطها وجعل الخيار على تقدير عدمها فيكون اشتراط سقوط خيار العيب أيضاً موجباً للغرر في المعاملة فتكون المعاملة والشرط فاسدين ، وأمّا إذا استند إلى إخبار البائع أو غيره أو إلى أصالة الصحة كما سنتكلّم فيها إن شاء الله تعالى فلا يكون اشتراط سقوط الخيار مستلزماً للغرر فتصح كل من المعاملة والشرط .

وأمّا إذا قلنا بأنّ لوصف الصحة خصوصية خاصة من بين سائر الأوصاف وهي ورود النص ودلالته بالمفهوم على صحة التبرّي من العيب في المعاملة ، وأنّ اشتراط براءة البائع عن العيوب صحيح ونافذ ، فحينئذ نلتزم بصحة المعاملة واشتراط سقوط الخيار الراجع إلى بيع نفس العين كانت واجدة للصحة أم كانت فاقدة لا مانع عنه ولو كان مستلزماً للغرر ، وذلك لتخصيص دليله بهذه الرواية الواردة في صحة التبرّي من العيوب ، وذلك لأنّ البطلان بالغرر ليس أمراً برهانياً عقلياً حتى لا يصح تخصيصه بل هو أمر شرعي حيث نهى (صلّى الله عليه وآله) عن الغرر(1) فلا مانع من تخصيصه فيما إذا قام دليل على التخصيص كما في وصف الصحة على ما عرفت .

وأمّا ما ذكره بعضهم على ما نقله شيخنا الأنصاري في آخر كلامه من أنّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 17 : 448 / أبواب آداب التجارة ب4 ح3 .

ــ[104]ــ

المعاملة صحيحة حتّى فيما إذا استلزم اشتراط سقوط الخيار الغرر فيها ، من جهة أنّ المشتري هو بنفسه أقدم على الغرر حينئذ ، ومع إقدامه عليه لا وجه لبطلان المعاملة  ، فهو من الغرائب وذلك لأنّ مورد نهي النبي (صلّى الله عليه وآله) عن الغرر هو صورة إقدام المتبائعين على الغرر وأنّهما إذا أقدما على خطر وغرر فالمعاملة باطلة ، فكيف يكون الاقدام عليه مانعاً عن البطلان .

ولا يقاس الغرر بالضرر فإنّ رفع الضرر حيث كان ناظراً إلى الضرر الناشئ من قبل الشرع لم يكن شاملا لما إذا كان الضرر مستنداً إلى إقدام نفس المكلّفين بلا أن يستند إلى الشارع كما إذا باع ما يسوى بألف دينار بنصف دينار فإنّ الضرر حينئذ يستند إلى نفس البائع لا إلى الشارع ، وأمّا رفع الغرر فهو كما عرفت وارد في مورد إقدام المكلّفين على الغرر فلا يمكن إخراج صورة الاقدام عنه كما عرفت .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net