عدم سقوط الخيار ببذل التفاوت أو إبدال العين 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الرابع : الخيارات-2   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2543


الكلام فيما إذا بذل التفاوت أو أبدل العين

قد تقدّم أنّ هذا الخيار يسقط باشتراط سقوطه في ضمن المعاملة ، ولكنّه لا يسقط فيما إذا بذل البائع التفاوت بين واجد الوصف وفاقده فإنّه بعد ثبوته يحتاج سقوطه إلى دليل ولا دليل على سقوطه ببذل التفاوت ، كما لا وجه لسقوطه فيما إذا أبدل العين فإنه لا حقّ للبائع في إبدالها ، إذ العين صارت ملكاً للمشتري بالمعاملة ولأجل فقد الصفات ثبت له الخيار فلا يصح له الابدال ولا يسقط به الخيار ، كما لا يسقط ببذل التفاوت ، وذلك لاطلاق الرواية من أنّ المشتري له الخيار عند ظهور الخلاف ، هذا كلّه بناءً على أنّه خيار مستقل ، ولاطلاق ما دلّ على خيار تخلّف الشرط بناءً على أنّ خيار الرؤية من أفراد خيار تخلّف الشرط ، اللهمّ إلاّ أن يكون ذلك برضا المشتري ، لأنّ ذلك حقّه ولا مانع من تبديل ملكه بملك آخر إلاّ أنه مطلب آخر ، وكيف كان فلا دليل على سقوط الخيار بالابدال ، وهذا ظاهر ولا كلام

ــ[105]ــ

فيه .

وإنما الكلام فيما إذا اشترط الابدال في ضمن العقد على تقدير عدم الأوصاف في المبيع ، فهل يصح هذا الاشتراط أو أنه فاسد ، ثم هل يوجب ذلك فساد العقد أو لا ؟

والكلام في ذلك يقع في مقامين : أحدهما فيما إذا اشترط الابدال على نحو شرط النتيجة كما فهمه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) من كلام الدروس(2). وثانيهما : فيما إذا اشترط الابدال على نحو شرط الفعل .

أمّاالكلام في المقام الأول وهو ما إذا اشترط البائع على المشتري أو المشتري على البائع إبدال العين بعين اُخرى على تقدير ظهور الخلاف بنحو شرط النتيجة بأن يسقط ملكيته عن المبيع ويصير البدل ملكاً للمشتري بلا فعل منهما عند ظهور الخلاف ، فقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) أنّ الشرط فاسد ومفسد للعقد أيضاً تبعاً لما ذكره في الدروس ، وذلك من جهة أنّ البدل إمّا أن يكون بدل الثمن بأن يشترطا أنّ الثمن المدفوع في مقابل المبيع يرجع إلى المشتري عند ظهور الخلاف ثم يقع ثمناً في مقابل البدل ، وإمّا أن يكون بدل المثمن كما إذا اشترطا إبدال العين بعين اُخرى عند ظهور الخلاف .

أمّا إذا كان البدل بدلا للثمن فهو باطل من جهة أنّه أي شرط الابدال المذكور على خلاف السنّة والشرع ، فإنّ معناه أن تنفسخ المعاملة بنفسها عند ظهور الخلاف ويرجع الثمن إلى المشتري ثم تتحقّق معاملة اُخرى بنفسها بين الثمن والبدل ، ومن الظاهر أنّ فسخ المعاملة له أسباب شرعية ولا يتحقّق بدونها ، وليس ظهور الخلاف

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 5 : 264 .

(2) الدروس 3 : 276 .

ــ[106]ــ

من أسبابه ، وانفساخها بنفسها مخالف للشرع .

ودعوى أنّ الفسخ فعلي وإنّما يتحقّق حين الاشتراط والبيع غاية الأمر أنه على نحو الواجب المشروط فيثبت الفسخ فعلا للمعاملة في ظرف انكشاف الخلاف  ، واضحة الفساد لأنّ الفسخ فرع المعاملة ولا معنى لفسخ المعاملة قبل تحقّقها .

ولا يقاس هذا باشتراط سقوط الخيار في ضمن العقد مع أنّ خياره لا يتحقّق إلاّ بعد الرؤية ، فإنّ مرجع هذا الاسقاط إلى جعل المعاملة لازمة وهذا حق للمشتري وله أن يوجدها من الأول لازمة حتى لا يثبت له الخيار وهو دفع للحق وهذا بخلاف الفسخ فإنه قبل صدور المعاملة وصيرورة المثمن ملكاً للمشتري غير صحيح لتوقّفه على تحقّق المعاملة وهذا ظاهر .

كما أنّ توهم تصحيح ذلك بعموم « المؤمنون عند شروطهم »(1) من السقوط بمكان ، والوجه فيه أنّ العموم المذكور ليس مشرّعاً وموجباً لجواز ما هو حرام في نفسه ، وإنّما هو يوجب الالتزام فيما يكون بنفسه أمراً سائغاً وصحيحاً في الشريعة المقدّسة ، ومثله إذا وقع مورد الاشتراط فمقتضى العموم المذكور وجوبه ولزوم العمل على طبقه ، والفسخ قبل المعاملة ممّا لم يثبت جوازه وصحته في الشريعة المقدّسة حتّى يشمله العموم ، إذ الفسخ له أسباب وليس ظهور الخلاف منها ، هذا .

ثم إنّ انعقاد البيع على البدل بعد انفساخ المعاملة أيضاً يحتاج إلى سبب ولا ينعقد بنفسه ، مضافاً إلى أنه معاملة تعليقية فإنه إنّما يتحقّق على تقدير ظهور الخلاف في المبدل ، فالبيع الواقع على البدل باطل من جهتين ، من جهة احتياجه إلى سبب وهو مفقود ومن أجل أنه تعليقي .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 21 : 276 / أبواب المهور ب20 ح4 .

ــ[107]ــ

فالصحيح أنّ اشتراط الابدال شرط مخالف للشريعة المقدّسة وللسنّة النبوية فيفسد وبفساده تفسد المعاملة ، هذا كلّه فيما إذا كان البدل بدلا للثمن .

وأمّا إذا كان البدل بدلا للمثمن كما إذا اشترطا تبدّل المبيع إلى عين غيرها عند ظهور الخلاف ، فهو وإن كان سليماً عن إشكال الفسخ بلا سبب ووقوع العقد على البدل بلا وجه ، إلاّ أنه أيضاً فاسد من جهة التعليق في المعاملة ، فإنّ معناه أنّه أنشأ البيع على المبدل إن كان واجداً للصفات وينشئه على البدل إذا لم يكن واجداً له  ، والتعليق في العقد يوجب البطلان .

وكذلك فاسد من جهة الغرر لعدم العلم بوجود الصفات في المبدل ، والغرر والتعليق يوجبان الفساد ، وبعد فساد الشرط يفسد العقد ، هذه خلاصة ما أفاده شيخنا الأنصاري في المقام .

ثم تعرّض بعد ذلك لما أفاده صاحب الحدائق في كتابه وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى .

إلاّ أنّ لنا كلاماً في المقام أمّا أوّلا : فلأنّ كلام الدروس صريح في اشتراط الابدال على نحو شرط الفعل لا على نحو شرط النتيجة حيث إنه (قدّس سرّه) عبّر بلفظ الابدال ، ومن البديهي أنّ الابدال فعل من الأفعال وليس من قبيل النتائج وإلاّ لكان أن يقول هل اشتراط البدلية صحيح أو باطل ، واشتراط الابدال بنحو شرط الفعل ممّا لا كلام في صحته ، لأنه يرجع إلى اشتراط إسقاط خيار الرؤية للمشتري عند ظهور الخلاف ، واشتراط الابدال على البائع أعني اشتراط تمليكه البدل بأسبابه ، ومن الظاهر أنّ تمليك البائع للبدل وإسقاط المشتري خيار الرؤية أمران سائغان في نفسهما فلا مانع من اشتراطهما في العقد ، بل اشتراط الابدال بنحو شرط الفعل هو الدارج الشائع بين المتعاملين فإنّهم كما ترى يشترون عيناً ويشترطون الابدال فيما لو ظهر كذا .

ــ[108]ــ

وأمّا ثانياً : فلأنّ اشتراط الابدال على نحو شرط النتيجة وإن كان فاسداً وعلى خلاف السنّة كما عرفت ، إلاّ أنه لا وجه لافساده العقد ، فإنّ المشهور بين المتأخرين عدم فساد المعاملة بفساد شرطها ، وما نحن فيه من أحد مصاديقه ، فلا وجه لبطلان العقد ولا لدعوى الشهرة على بطلانه عند بطلان الشرط .

ودعوى أنّ فساد العقد حينئذ من جهة الغرر فإنّ مقصود البائع أو المشتري من اشتراط الابدال على تقدير ظهور الخلاف إنّما هو دفع الغرر لارتفاعه باشتراط الابدال ، فإذا حكمنا ببطلان ذلك الاشتراط وفساده فصار كالعدم فقد عاد الغرر في المعاملة لاحتمال عدم الأوصاف في المبيع ، ففساد المعاملة من جهة الغرر .

مدفوعة بأنّ ظاهر كلام الشهيد (قدّس سرّه) إنّما هو في صحة الاشتراط المذكور بعد فرض صحة المعاملة في حد نفسها مع قطع النظر عن الاشتراط كما إذا اطمأنّ بإخبار البائع أو بإخبار غيره لفرض كون البائع مطمئناً بوجود الأوصاف وإنّما يشترط الابدال لأجل الاحتمال الموهوم لعدم اتّصافه بالأوصاف ، وعليه فلا وجه لفساد المعاملة بفساد شرطها ، هذا كلّه .

مضافاً إلى ما عرفت من أنّ الغالب في اشتراط الابدال هو القسم الثاني من الاشتراط أعني اشتراطه على نحو شرط الفعل ، ومعه لا يأتي إشكال الفسخ وانعقاد المعاملة بلا سبب ، ومرجعه إلى اشتراط تمليك البدل للمشتري أعني المعاوضة بسبب جديد ، وحينئذ إذا أبدله البائع عند ظهور الخلاف فهو ، فلم يقع المشتري في الخطر لتحصيله الأوصاف بالابدال ، وإن لم يبدله البائع فيثبت للمشتري خيار تخلّف الشرط وله أن يفسخ المعاملة بهذا الخيار . وكيف كان فلا تكون المعاملة المذكورة غررية وخطرية ، هذا كلّه .

ثمّ إنّ هنا قسماً ثالثاً وهو أن يبيعه البائع المبدل على تقدير وجود الأوصاف والبدل على تقدير عدمها بأن تكون المعاملة من الابتداء واقعة على النحو المذكور

ــ[109]ــ

وهو لا إشكال في بطلانه من جهة عدم تعيين المبيع وكونها تعليقية ، إلاّ أنّ احتمال هذا القسم في كلام الدروس بعيد ، لأنه مناسب للبحث في العوضين ولا يناسب بحث خيار الرؤية كما لا يخفى ، فالمتعيّن هو إرادة القسم الثاني أعني اشتراط الابدال على نحو شرط الفعل ، وعليه فنحن نتعجّب من الدروس كيف رضي بالحكم بالفساد والافساد فيه .

ملخّص المقال : أنّ اشتراط الابدال في المعاملة إن كان على نحو شرط الفعل كما هو ظاهر لفظة الابدال فمرجعه إلى اشتراط معاملة اُخرى على البدل ، وهي أمر سائغ شرعاً فلا مانع من اشتراطه ، وغاية الأمر أنه إذا تخلّف ولم يبع البدل على تقدير ظهور التخلّف يثبت له خيار تخلّف الشرط ، وفي هذه الصورة الشرط والعقد كلاهما صحيحان .

وإن كان الاشتراط على نحو شرط النتيجة فقد تقدّم أنّ الشرط حينئذ فاسد لمخالفته المشروع ، إلاّ أنّ العقد صحيح ولا وجه لفساده بناء على ما هو المشهور بين المتأخرين من عدم إفساد الشرط الفاسد للعقد .

وإن كان الاشتراط على نحو المعاملة التعليقية من الابتداء كما إذا قال : بعتك هذه العين الشخصية إن كانت واجدة للصفات ، وبدلها إن كانت فاقدة ، ففي هذه الصورة يبطل العقد والشرط لأنّها معاملة تعليقية والمبيع غير معلوم فيها ، إلاّ أنّ احتمال إرادة الشهيد هذه الصورة بعيد ، لأنّ ظاهر كلامه (قدّس سرّه) هو فساد الشرط بعد صحة العقد في حد نفسه لا بطلانه للتعليق.

وأمّا ما أفاده صاحب الحدائق (قدّس سرّه)(1) في المقام فالظاهر أنه غير قابل للحل بل هو يشبه المعمّى ، وذلك لأنه (قدّس سرّه) قال بعد نقل عبارة الشهيد في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الحدائق 19 : 59 .

ــ[110]ــ

الدروس : إنّ ظاهر كلام الشهيد أنّ حكمه بالفساد والافساد أعم من صورتي ظهور الموافقة في المبيع وكونه واجداً للصفات وظهور المخالفة وعدم كونه واجداً لها ، وأنّ اشتراط الابدال على تقدير المخالفة فاسد ويفسد العقد مطلقاً ، مع أنه لا موجب لفساد العقد عند ظهور الموافقة ووجدان المبيع للأوصاف ، ومجرد اشتراط الابدال على تقدير ظهور المخالفة لا يستلزم فساد العقد عند ظهور الموافقة وذلك لعموم الأخبار المتقدّمة .

وما أراد بالأخبار المتقدّمة غير معلوم ، وهب أنّ المراد هو الأخبار الدالّة على الخيار عند عدم رؤية المبيع وظهور الخلاف فإنّها بالدلالة الالتزامية دلّت على صحة العقد عند ظهور الموافقة ووجدان المبيع للأوصاف ، وظاهر كلامه إلى هنا أنّ وجه الايراد على الشهيد هو تعميمه الحكم بالفساد لكلتا صورتي الموافقة والمخالفة  .

ثم قال (قدّس سرّه) نعم لو ظهر مخالفاً فإنّه يكون فاسداً من حيث المخالفة ولا يجبره هذا الشرط ، لاطلاق الأخبار في الخيار ، بمعنى أنّ الشرط بمقتضى إطلاق الأخبار لا يكون جابراً لفساد العقد عند ظهور المخالفة .

وكلامه هذا غير قابل للحل ، فإنّ مدّعاه فساد العقد ودليله إطلاق أخبار الخيار ، وهل يعقل أن يكون إطلاق الأخبار في الخيار دليلا على فساد العقد ، فإنّ التمسّك باطلاقها إنّما يصح بعد صحة العقد في نفسه ، ومع فساد العقد لا خيار ولا إطلاق .

ثم أرجع (قدّس سرّه) الحكم بالفساد في كلام الشهيد (قدّس سرّه) إلى الشرط المذكور أعني اشتراط الابدال لأنه فاسد أي ممّا لا يترتّب عليه أثر في كلتا صورتي ظهور الموافقة وظهور المخالفة . أمّا في صورة ظهور الموافقة فلأنه لا موضوع للابدال ، إذ المفروض اتّصاف المبيع بالأوصاف ، وأمّا في صورة ظهور المخالفة

ــ[111]ــ

فلأجل فساد العقد في حدّ نفسه ومعه لا مجال للاشتراط .

ثم قال : وبالجملة فإنّي لا أعرف للحكم بفساد العقد في صورة اشتراط الابدال على نحو الاطلاق ظهرت الموافقة أم ظهرت المخالفة وجهاً يحمل عليه كلام الشهيد ، انتهى .

وصدر كلامه وذيله ظاهران في أنّ إيراده على الشهيد من جهة تعميمه الحكم بالفساد لصورتي ظهور الموافقة وظهور المخالفة ، وظاهر وسط كلامه الاستدلال على فساد العقد في صورة ظهور المخالفة باطلاق أخبار الخيار ، وهذا الكلام غير قابل للحل.




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net