ثبوت خيار الرؤية في كلّ العقود - اختلاف المتبايعين في تخلّف الوصف 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الرابع : الخيارات-2   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2430


القول في اختصاص هذا الخيار بالبيع وعدمه

ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) أنّ الظاهر عدم اختصاص خيار الرؤية بالبيع وجريانه في سائر العقود نظير خيار الغبن ، فيجري في الصلح والاجارة ونحوهما عند ظهور عدم اتّصاف العين المستأجرة بالأوصاف التي قد وصفت بها العين ، وذلك لأنّ الأمر في المقام دائر بين احتمالات ثلاث ولا رابع في البين : فإمّا أن نحكم ببطلان مثل الاجارة عند ظهور خلاف الوصف ، وإمّا أن نحكم بصحّتها وعلى هذا التقدير إمّا أن نحكم بالصحة واللزوم أو نحكم بالصحة والجواز .

الاحتمال الثالث وهو الصحة مع الجواز هو المدّعى في المقام ، وأمّا الاحتمالان السابقان فكلاهما باطلان ، أمّا احتمال البطلان فلأنّه بلا موجب بعد عدم مدخلية الأوصاف الكمالية في قوام المبيع إلاّ على ما ذكره الأردبيلي (قدّس سرّه) من مخالفة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 5 : 266 .

ــ[112]ــ

الموجود لما وقع عليه العقد وقد تقدّم(1) بطلانه فإنّه مخالف لما جرى عليه الأصحاب من عدم الحكم بالفساد عند ظهور تخلّف الشروط والأوصاف .

وأمّا احتمال الصحة مع الحكم باللزوم فلأنّه لا يأتي في المقام ، لعدم جريان (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)(2) عند تخلّف الأوصاف ، فإنّ العرف لا يرى الالتزام بالفاقد وفاءً بما وقع عليه العقد كما لا يرى عدمه نقضاً للعقد ، فإنّ الفاقد أمر مغاير للواجد والعقد إنّما وقع على الواجد كما هو ظاهر ، فإذا بطل الاحتمالان فيتعيّن الثالث إذ لا رابع في البين ، هذا .

والذي ينبغي أن يقال في المقام : إنّا كما أسمعناك سابقاً ذكرنا أنّ الخيار عند تخلّف الوصف تارةً من باب خيار تخلّف الشرط كما إذا اشترط وجود الأوصاف المعيّنة في العين المستأجرة ثمّ ظهر التخلّف وعدم اتّصافها بها ، واُخرى من جهة ورود النص في أن ظهور المبيع على خلاف الوصف يوجب الخيار كما إذا اشتراه بوصف البائع بلا التزامه بالوصف ، أو من جهة اعتقاده واطمئنانه باتّصاف المبيع بوصف .

فإن قلنا بالأول وأنّ هذا الخيار من باب خيار تخلّف الشرط فلا ينبغي الاشكال في جريانه في جميع الأبواب ، لأنّ الخيار عند تخلّف الشرط أمر ارتكازي عقلائي بلا فرق فيه بين البيع وغيره ، وعليه فلا حاجة في إجراء ذلك في الاجارة والصلح وغيرهما من الأبواب إلى التشبّث بما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) فإنّ الخيار في سائر العقود يثبت بعين الدليل الذي ثبت به في البيع بلا حاجة إلى التعدّي ، وهو على طبق القاعدة ، فلا وجه لتبعيد المسافة وذكر الاحتمالات المتقدّمة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في الصفحة 84 .

(2) المائدة 5 : 1 .

ــ[113]ــ

لأنّه يشبه الأكل من القفا .

وأمّا إذا قلنا بالثاني كما بنينا عليه وذكرنا أنّه خيار مستقل وليس من باب خيار تخلّف الشرط واستدللنا عليه بقول السائل في رواية جميل « فاستقال صاحبه فلم يقله »(1) فإنّ الوصف لو كان مشترطاً في العقد لما كان حينئذ للاستقالة وجه ، فإنّ الخيار عند تخلّف الشرط ارتكازي عقلائي فحينئذ لابدّ من الاقتصار على البيع ، ولا يمكننا التعدّي إلى الاجارة وغيرها إذ لا مقتضي له .

وأمّا ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من حصر الاحتمالات في الثلاثة فهو وإن كان كما أفاده إلاّ أنه لا مانع من الالتزام بالاحتمال الثاني وهو اللزوم .

ودعوى أنّ (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) لا يشمل المقام لأنّ الالتزام بالفاقد لا يعدّ وفاءً للعقد ولا عدمه نقضاً له .

يدفعها أوّلا : المنع من عدم كونه وفاءً ، فإنّ المالك بعد عدم اشتراطه الأوصاف في العين وعدم التزامه بوجودها ووقوع العقد على نفس العين بلا اشتراط لأجل توصيفها أو لأجل اطمئنان المستأجر بوجود الأوصاف في العين المستأجرة فلماذا لا يعدّ عدم الالتزام به نقضاً للعقد ولا يعدّ الالتزام به وفاءً .

وثانياً : هب أنّ ذلك لا يعدّ وفاءً ولا يشمله دليل اللزوم فهل يكفي عدم شمول دليل اللزوم لعقد في إثبات الجواز بعد عدم ارتفاع احتمال اللزوم كاحتمال الجواز ، ولو لم يتمكّن الخصم من إثبات اللزوم فهل له إثبات الجواز بدليل وبأيّ شيء أثبت الجواز فإنّه أيضاً يحتاج إلى دليل .

وثالثاً : افرض أنّ الوفاء لا يصدق في المقام ولا يشمله (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)فهلاّ يجري في المقام سائر أدلّة اللزوم ، لأنّها غير منحصرة في (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)ومقتضى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 18 : 28 / أبواب الخيار ب15 ح1 .

ــ[114]ــ

قوله تعالى : (لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاض)(1)وقوله : « لا يحلّ مال امرئ مسلم إلاّ بطيب نفسه »(2) عدم جواز الفسخ ، لأنّ الفسخ ليس تجارة عن تراض ، فبأي قانون يصح له التصرّف في المال .

ورابعاً : أنّ مقتضى مسلكه (قدّس سرّه) صحة جريان الاستصحاب حينئذ بعد الفسخ ، ومعه لا مجال لدعوى الجواز . وكيف كان فما أفاده (قدّس سرّه) في المقام ممّا لا يمكن المساعدة عليه ولا كان مترقّباً منه (قدّس سرّه) .

اختلاف البائع والمشتري في تخلّف الوصف

وإذا اختلفا في تخلّف الوصف وعدمه فهو يتصوّر على وجوه ثلاث :

الأول : أن يكون مورد النزاع هو أصل اشتراط الوصف في المبيع ، وادّعى المشتري اشتراط الوصف فيه وحيث إنّه مفقود فيثبت له الخيار ، وأنكر البائع الاشتراط أعني اشتراط الوصف وأنّ المعاملة وقعت بلا اشتراط وصف فليس للمشتري الخيار .

الثاني : أن يتنازعا في متعلّق الاشتراط بعد الاتّفاق على اشتراط شيء من الأوصاف ، فادّعى البائع أنّ متعلّق الاشتراط هو وصف الخياطة وهي موجودة متحقّقة في المبيع فلا تخلّف ولا خيار ، وأنكره المشتري وادّعى أنّ متعلّقه هو وصف الكتابة وهي مفقودة ، فالوصف متخلّف وله الخيار . وهذه الصورة بالأخرة ترجع إلى الصورة الاُولى من حيث إنكار اشتراط صفة الكتابة.

الثالث : أن يتّفقا على أصل الاشتراط وعلى متعلّقه ، إلاّ أنّهما تنازعا في أنّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) النساء 4 : 29 .

(2) الوسائل 5 : 120 / أبواب مكان المصلّي ب3 ح1 (باختلاف يسير) .

ــ[115]ــ

المبيع كان واجداً للوصف المشترط حين المعاملة ثم زال عنه الوصف ، أو أنه لم يكن واجداً له حين المعاملة والشراء ، وادّعى البائع زواله بعد المعاملة والشراء وقال المشتري بل لم يكن واجداً للوصف حين المعاملة ، وهذه هي الصور المتصوّرة في المقام ، وشيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) وإن لم يتعرّض إلى جميع الصور الثلاثة في كلامه إلاّ أنّ حكمها يظهر ممّا أفاده في المقام .

فيقع الكلام أوّلا في الصورة الاُولى والصورة الثانية الراجعة إلى الاُولى فنقول : إذا اختلفا في أصل اشتراط الوصف في المبيع أو في متعلّقه فهل يقدّم قول المشتري وبه يثبت له الخيار ، أو أنّ القول قول البائع والمعاملة لازمة لا خيار فيها للمشتري بعد الفراغ عن صحة المعاملة في نفسها وكون المبيع ملكاً للمشتري وإنّما الكلام في ثبوت الخيار له وعدمه ، ذهب إلى كل فريق .

ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) أنّ القول قول المشتري ، وهذا لا من أجل موافقة قوله للأصل فإنّ الأصل عدم ثبوت الخيار ، بل من جهة أنّ اشتراط الوصف يرجع إلى تقيّد المبيع ، ويغاير هذا الاشتراط أي اشتراط الأوصاف اشتراط الأفعال ، فإنّ اشتراط الفعل في المعاملة كاشتراط خياطة ثوب أو كتابة شيء يرجع إلى التزام آخر في ضمن الالتزام بالبيع ، وعند الشك في أصل الاشتراط وما يرجع إليه ندفع الالتزام الزائد المشكوك بالأصل وبه نثبت عدم الاشتراط .

وأمّا اشتراط الأوصاف فهو لا يرجع إلى التزام آخر زائداً على التزام البيع بل يرجع إلى تقيّد المبيع ، فيكون هناك التزام واحد متعلّق بالمقيّد بالوصف ، وعليه فإذا شككنا في الاشتراط بالوصف فمرجعه إلى أنّ البيع والالتزام هل وقعا على الذات المطلقة كانت واجدة للوصف أو فاقدة له حتّى تكون المعاملة لازمة عند

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 5 : 267 .

ــ[116]ــ

تخلّف الوصف ، أو أنّهما وقعا على الذات المقيّدة بالوصف فعند تخلّف الوصف يثبت للمشتري الخيار ولا تبطل المعاملة لما ذكره (قدّس سرّه) في مطاوي كلماته سابقاً من أنّ الاستقراء والاجماع يقتضيان عدم بطلان العقد عند تخلّف الأوصاف ، ومن الظاهر أنّ لزوم المعاملة كما عرفت من آثار وقوع البيع والالتزام على الذات المطلقة كانت واجدة للوصف أم كانت فاقدة له ، وحيث نشك في وقوعهما على الذات المطلقة فندفعه بأصالة عدم وقوعهما على المطلق وبه يرتفع اللزوم لا محالة .

ولا تعارض الأصالة المذكورة أصالة عدم وقوعهما على الذات المقيّدة بالوصف فإنّها لا تثبت وقوعهما على الذات المطلقة حتى تقتضي لزوم المعاملة فأصالة عدم وقوع البيع والالتزام على الذات المطلقة بلا معارض وهي تقتضي عدم لزوم المعاملة ، فلا محالة تكون المعاملة غير لازمة بعد الفراغ عن صحّتها وعدم بطلانها ، هذه خلاصة ما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في المقام وفي مسألة تخلّف الوصف في المبيع .

ويرد عليه أوّلا : أنّ تقييد المبيع غير ممكن لأنّه جزئي خاص ولا معنى لتقييده ، كما أنّ تقييد أصل البيع بوجود الوصف على خلاف الارتكاز عند العقلاء فإنّهم لا يعلّقون البيع على وجود الوصف عند اشتراطه .

مضافاً إلى أنّ التعليق باطل في العقود بالاجماع ، وعليه فمرجع اشتراط الأوصاف كاشتراط الأفعال إلى جعل الخيار لنفسه على تقدير التخلّف ، بلا فرق بين اشتراط الوصف والفعل في ذلك ، نعم بينهما فرق من ناحية اُخرى وهي أنّ الفعل لمّا كان تحت اختيار المتعاملين أمكن فيه الالتزام وإلزامه بالوفاء به شرعاً ، بخلاف الوصف فإنه لا معنى للالتزام والالزام فيما لا يرجع إلى الاختيار ، فإذا كان معنى اشتراط الوصف جعل الخيار لنفسه وشككنا فيه فندفعه بالأصل ، لأنّ الأصل عدم جعل الخيار لنفسه ، فما أفاده (قدّس سرّه) من إرجاع اشتراط الوصف إلى تقييد المبيع

ــ[117]ــ

فاسد بحسب المبني .

وثانياً : أنّ ما أفاده (قدّس سرّه) فاسد بحسب البناء أيضاً ، وذلك لأنّا إذا بنينا على إرجاع اشتراط الوصف إلى تقييد المبيع فنمنع عن كون اللزوم من آثار وقوع المعاملة على الذات المطلقة ، بل الخيار من آثار وقوع المعاملة على الذات المقيّدة بشيء يغاير الموجود الخارجي الذي هو معنى تخلّف الوصف ، والوجه فيما ذكرناه أنّ اللزوم من آثار طبيعي البيع والعقد ، فجميع العقود لازمة بحسب طبعها وإنّما خرجنا عمّا تقتضيه طبيعة العقد فيما إذا اشترط فيها وصف ووقع العقد على ذات متّصفة بصفة مغايرة للموجود الفعلي الخارجي ، فإنّ المعاملة غير لازمة حينئذ لتخلّف الوصف وعدم كون الموجود مصداقاً لما وقع العقد عليه بعد الفراغ عن عدم بطلان المعاملة حينئذ ، لأنّ تخلّف الوصف لا يوجب البطلان وتمحّض الخلاف في الخيار ، وعليه فحيث نشك في وقوع العقد على الذات المقيّدة بما يغاير الموجود فلا يمكن له (قدّس سرّه) إثبات الخيار ، إذ من أين يمكنه إثبات أنّ العقد وقع على المقيّد بوصف لا ينطبق على الموجود الخارجي ، بل الأصل عدم وقوعه على المقيّد بما لا ينطبق على الموجود الفعلي فبه ندفع الخيار ، هذا .

وتفصيل الكلام في المقام وفي كل مورد وقع فيه الخلاف في الخيار وعدمه أن يقال : إنّ مرجع جعل الخيار في عقد كما أسمعناك سابقاً إلى تقييد الملكية وتحديدها بزمان الفسخ ، فمعنى البيع بالخيار هو التمليك الموقت بوقت الفسخ لا على نحو الاطلاق حتى بعد زمان فسخه فإنه ممّا لا معنى له بأنّ يملّكه على نحو الاطلاق ويكون الملك للمشتري ولو بعد فسخ البائع ، لأنّ المفروض أنه يجعل لنفسه الخيار وهذا لا يجتمع مع التمليك المطلق ، فحيث إنّ الملكية المطلقة غير معقولة ، كما أنّ الاهمال في التمليك غير معقول فيتعيّن أن تكون الملكية عند جعل الخيار مقيّدة وموقتة بوقت الفسخ ، وعليه فالشك في الخيار وعدمه يرجع إلى الشك في أنّ الملكية

ــ[118]ــ

على نحو الاطلاق أو أنّها على نحو التقييد بعدم الفسخ ، وأصالة عدم لحاظ التمليك على نحو الاطلاق معارضة بأصالة عدم لحاظه على نحو التقييد فالأصلان متعارضان  .

ويمكن تقريب التعارض بنحو آخر وهو ما ذكرناه في الاستصحابات الجارية في الأحكام الكلّية ، فإنّ جريان الاستصحاب في الحكم المجعول في زمان الشك معارض باستصحاب عدم جعله أزيد من الزمان المتيقّن فيه الحكم ، فيكون استصحاب بقاء الملكية في المقام بعد الفسخ الذي هو استصحاب المجعول معارضاً باستصحاب عدم جعل الملكية بأزيد من المقدار المتيقّن وهو الملكية إلى زمان الفسخ ، فإذا سقط الاستصحابان فلا يمكننا الحكم بشيء من اللزوم والخيار ، فإنّ الأول من آثار جعل الملكية المطلقة والثاني من آثار جعل الملكية موقتة بوقت الفسخ ، وليس من آثار عدم الملكية المطلقة لأنّها أعم وكانت متحقّقة قبل البيع أيضاً مع أنه لم يكن خيار حينئذ ، وبما أنّ الأصلين متعارضان فيسقطان فنرجع إلى العمومات الموجودة في المقام ومقتضاها اللزوم في جميع العقود .

وبعبارة اُخرى : لا يمكننا التمسّك بعموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)(1) بعد سقوط الاستصحابين ، لأنّ مقدار الوفاء بكل عقد تابع لمقدار المجعول فيه إن مطلقاً فمطلقاً وإن موقتاً فموقتاً ، وبما أنّا لا ندري أنّ الملكية المجعولة في المقام مطلقة أو موقتة بزمان الفسخ فلا يمكننا التمسّك بعمومها لأنّ الشبهة مصداقية ، إلاّ أنّ مقتضى قوله تعالى (لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ)(2) وقوله « لا يحلّ مال امرئ مسلم »(3) الخ أنّ حدوث الملكية

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المائدة 5 : 1 .

(2) النساء 4 : 29 .

(3) الوسائل 5 : 120 / أبواب مكان المصلّي ب3 ح1 (باختلاف يسير) .

ــ[119]ــ

في آن وزمان يقتضي حرمة التصرّفات الواقعة فيه إلاّ بالتجارة عن تراض أو بطيب نفس المالك ، وحيث إنّ المفروض صيرورة المال ملكاً للمشتري ، إذ الكلام في الخيار دون البطلان ، فيحرم التصرّف فيه للبائع كما يحرم له أي للمشتري التصرف في الثمن ، وليس الفسخ تجارة عن تراض ولا بطيب النفس ، فمقتضاهما اللزوم وعدم ارتفاع الآثار بالفسخ ، وقد خرجنا عن مقتضاهما في مورد واحد وهو صورة جعل الخيار لنفسه ، فإنّ التصرّف أي تصرّف من له الخيار في المال جائز ولو بلا تجارة عن تراض وبلا طيب نفس المالك ، وإذا شككنا في أنّه جعل الخيار لنفسه فندفعه بالأصل ، لأنّ الأصل عدم جعله الخيار لنفسه وبذلك يثبت اللزوم فيقدّم قول مدّعيه على قول مدّعي الخيار .

وتوضيح ما تقدّم : أنه بناءً على التمسك بأوفوا بالعقود الذي معناه وجوب الوفاء بكل عقد ووجوب إنهائه إلى آخره إن مطلقاً فمطلقاً وإن مقيّداً فمقيّداً فيكون الاستصحابان متعارضين ، وذلك لأنّ العقد الخياري إنّما يتعلّق بالملكية الموقتة والعقد غير الخياري يتعلّق بالملكية المطلقة ، ولكل من العقدين الواقع على الموقتة والواقع على المطلقة أثر شرعي وهو وجوب الوفاء به ووجوب إنهائه مطلقاً أو مقيّداً ، وجعل الملكية المطلقة أو الموقتة حادثان مسبوقان بالعدم ، وأصالة العدم في كل منهما يعارض أصالة العدم في الآخر ويتعارضان ، ولا يمكن التمسك بعموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) لأنّ الشبهة مصداقية ، فإنّ وجوب الوفاء في كل عقد تابع لمقدار جعل الملكية كما مرّ .

وأمّا إذا تمسّكنا بغيره من أدلّة اللزوم كقوله تعالى (لاَ تَأْكُلُوا) الخ وقوله (عليه السلام) « لا يحل ما امرئ » الخ فالأصلان لا يتعارضان ، والوجه فيه أنّ مقتضى الآية والرواية أنّ كل مال صار ملكاً لأحد في زمان يحرم تصرّف الغير فيه إلاّ بالتجارة عن تراض أو بطيب نفسه ، سواء جعلت الملكية على نحو الاطلاق أو على

ــ[120]ــ

النحو الموقت وإلى زمان الفسخ ، وعلى كلا التقديرين يحرم تصرّف الغير فيه إلى الأبد ، ولا أثر لجعل الملكية موقتة وكأنه يصير من قبيل الشرط المخالف للكتاب فإنّ المسوّغ في التصرّف فيه هو التجارة عن تراض وطيب النفس ، وقد خرج من هذه الكلّية عنوان وجودي وهو ما إذا جعل الشارع أو المتعاقدان فيه الخيار وجعل الخيار عنوان وجودي أثره جواز المعاملة ، فالأثر مترتّب على جعل الملكية الموقتة الذي هو معنى جعل الخيار ، وأمّا جعل الملكية المطلقة فلا أثر شرعي له بناءً على التمسك بغير (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (نعم بناءً على التمسك به لكل من الجعلين أثر شرعي) فإنّ الملك آناً ما أثره حرمة تصرّف الغير فيه إلى الأبد ، وأمّا الملكية المطلقة فلم يترتّب عليها أثر شرعي أبداً ، فإذن يجري الأصل في نفي ذلك العنوان الوجودي وهو جعل الملكية الموقتة والخيار لأنّه مسبوق بالعدم ، ولا يعارضه نفي جعل الملكية المطلقة لأنه لا أثر له بناء على التمسك بغير (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) هذا كلّه في الصورة الاُولى والثانية من صور النزاع .

وأمّا الصورة الثالثة : وهي ما إذا اعترفا بالاشتراط ومتعلّقه ولكنّهما اختلفا في وجوده حال البيع وعدمه وأنكره المشتري وادّعاه البائع ، بلا فرق بين اتّفاقهما على عدمه بعد العقد أيضاً وعدمه كما إذا اتّفقا على عدمه بعد العقد إلاّ أنّ البائع ادّعى زواله بعد العقد وقال المشتري بل لم يكن موجوداً فيه حين المعاملة فينقلب الحال وينعكس الأمر ، فيحكم بالخيار للمشتري حتّى يثبت البائع مدّعاه فإنه بعد ما اعترف باشتراط وصف معيّن للمشتري فلابدّ من إحراز تسليمه إلى المشتري والأصل عدم تسليمه حقّه ، وعدم اتّصاف المبيع بالوصف المشترط حال المعاملة فيثبت للمشتري الخيار حتى يثبت البائع مدّعاه وهو وجوده حال العقد بالبيّنة ونحوها بعد اعترافه بأصل اشتراط وصف معيّن ولا يصغى لما يدّعيه بلا دليل  ، هذا كلّه في الأوصاف العرضية المنفكّة عن الذات في زمان ثم عروضها عليه

 
 

ــ[121]ــ

كما في وصف الكتابة ونحوها .

وأمّا الأوصاف غير المنفكّة عنها من حين وجودها بحيث لم يكن لنا يقين بعدم اتّصافها بها في زمان كما في وصف الكتابة حتى نستصحب عدم اتّصافها بها حين المعاملة ، بل إمّا أن تكون الذات متّصفة بها من الابتداء أو غير متّصفة بها من ابتداء وجودها كما في اشتراط كون الحنطة هي من المزرعة الفلانية أو كون العبد من طائفة معيّنة ، فإنّ اتّصاف الحنطة بكونها من مزرعة خاصة أو العبد من طائفة معيّنة لو كان فهو من الابتداء ولا حالة له مسبوقة بالعدم ، فلا يجري فيها استصحاب العدم النعتي وهو واضح ، إلاّ أنّ استصحاب عدم تحقّق الاتّصاف والانتساب إلى مزرعة كذا أو طائفة كذا حين تحقّقه بلا مانع ، فإنّ الاستصحاب يجري في الأعدام الأزلية وكل شيء حادث مسبوق بالعدم ولو بعدم موضوعه .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net