دليل التخيير بين الردّ والامضاء بأرش من الابتداء 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الرابع : الخيارات-2   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2230


بقي الكلام في جهات : الجهة الاُولى : أنّ المعروف بين الأصحاب (قدّس الله أسرارهم) هو أنّ ظهور العيب في المبيع يوجب تخيّر المشتري بين الرد والامضاء مع الأرش من الابتداء ، بمعنى أنه سواء تصرّف فيه أم لم يتصرّف أي تمكّن من الردّ


ــ[130]ــ

أم لم يتمكّن يثبت له جواز الامضاء مع الارش ، ولم يخصّوا الأرش بصورة التصرف في المبيع وعدم التمكّن من الردّ .

إلاّ أنّ هذا الكلام أي التخيّر بينهما من الابتداء ممّا لا يمكن استفادته من الأخبار الواردة في المقام ، فإنّها مطبقة على أنّ المشتري يثبت له الردّ عند ظهور العيب أوّلا ثم إذا لم يتمكّن من الرد لتصرّف ونحوه يثبت له الأرش ثانياً ، ولم تدلّ على تخيّره بينهما من الابتداء ، بمعنى أن يكون المشتري مخيّراً بين الرد والأرش مطلقاً سواء تصرف في المبيع أم لم يتصرف .

وذكر صاحب الحدائق(1) أنّ الأخبار لا دلالة فيها على تخيّر المشتري بين الأمرين من الابتداء وقال إنّه أوّل من تنبّه لذلك وأنه لم ير التنبيه لذلك من أحد ممّن سبقه ، وعلى هذا فيحكم بجواز الردّ للمشتري أوّلا ثم إذا لم يتمكّن منه لتصرّف ونحو ذلك يحكم له بالأرش ، هذا .

وربما يقال باستفادة ثبوت الأرش مع الردّ من الابتداء من نفس الأخبار الدالّة على جواز الفسخ عند ظهور العيب .

واُخرى يدعى أنّ تخيّر المشتري بين الرد والأرش من الابتداء وثبوت الأرش له هو الذي تقتضيه القاعدة الأوّلية .

أمّا الدعوى الاُولى وهي استفادة ثبوت الأرش للمشتري من الابتداء من نفس الأخبار الدالّة على جواز الفسخ عند ظهور العيب : فغاية ما يمكن أن يستدلّ به عليها أن يقال : إنّ الأخبار مطلقة وقد دلّت على جواز الفسخ في تمام المبيع أو في بعضه ، وهو فسخ المعاملة في وصف الصحة فقط لعدم تقييدها الفسخ في تمام المعاملة  .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الحدائق 19 : 63 .

ــ[131]ــ

فيدفعه : أنّ الأخبار إنّما دلّت على أنّ للمشتري فسخ المعاملة وأخذ الثمن ولا معنى للفسخ في وصف الصحة وردّها إلى البائع ، فإنّ ما ثبت بالأخبار هو أنّ المشتري يرد المبيع إلى البائع إن شاء وقد عرفت أنه لا معنى لردّ الصحة إليه ، فهذه الدعوى ساقطة ، وهذه هي التي أشار إليها شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بقوله : وقد يتكلّف لاستنباط هذا الحكم الخ(1).

وأمّا الدعوى الثانية : فقد استدلّ عليها بأنّ وصف الصحة كالجزء في المبيع ومقتضى القاعدة جواز استرداد الثمن المقابل للجزء الفائت ، وجواز فسخ المعاملة بالنسبة إليه وإلى ما يقابله من الثمن .

وقد أورد عليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بأنّ وصف الصحة ليس بمنزلة الأجزاء ولا يقابل بالمال في المعاملات وإنّما هي توجب زيادة قيمة المبيع ، والمال يبذل بازاء ذات الشيء فقط ، ومن هنا لا تبطل المعاملة فيما يقابلها من الثمن عند انتفائها أي انتفاء وصف الصحة بأن يقال المعاملة صحيحة فيما يقابل الذات وباطلة فيما يقابل الصحة ، بل المعاملة صحيحة بتمامها إلاّ أنه يثبت للمشتري استحقاق المطالبة بالأرش عند ظهور العيب ، فلو كانت الصحة كالجزء لكانت المعاملة فيما يقابلها باطلة ، هذا أوّلا .

وثانياً : أنّ المعاملة لو كانت باطلة فيما يقابل الصحة من الثمن لكان اللازم على البائع أن يدفع عين ما يقابلها من الثمن لأنه معنى بطلان المعاملة ، مع أنّ الأرش لا يعتبر أن يكون من عين الثمن بل للبائع أن يدفعه من مال آخر .

وما أورده (قدّس سرّه) من المناقشتين متين جدّاً ، ونزيدهما مناقشة اُخرى وهي أنّ وصف الصحة ليس إلاّ كسائر الأوصاف التي تختلف باختلافها الرغبات

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 5 : 276 .

ــ[132]ــ

والقيم نظير الشجاعة في العبد والجمال والكمال والثيبوبة في الجارية مع أنّها تزيد في قيمة المبيع ولا يقابل بالمال فليكن وصف الصحة من أحدها ، ولا يلتزم أحد بانفساخ المعاملة فيما يقابل الأوصاف عند تخلّفها كما لا يخفى .

ثم أورد (قدّس سرّه) عليه إيراداً آخر وحاصله : أنّ الحكم في نفس الجزء والمقيس عليه غير مسلّم ، لأنّا لا نلتزم ببطلان المعاملة فيما يقابل الجزء الفائت فيما إذا أظهره في المعاملة بصورة الاشتراط كما إذا باع أرضاً على أنّها بمساحة معيّنة وجربان معلومة ثمّ ظهر أنّها أنقص فإنّ المعاملة حينئذ صحيحة إلاّ أنه يثبت خيار تخلّف الشرط ، هذا .

ولا يخفى أنّ هذا الذي أفاده (قدّس سرّه) في المقام ممّا لا يمكن المساعدة عليه أصلا كما أشرنا إليه في بيع الأرض على أنّها كذا مقداراً ، وذكرنا هناك أنّ الجزء ممّا يقابل بالثمن بنظر العرف فتبطل المعاملة بعدمه ، وهذا من غير فرق بين أن يظهره بصورة الاشتراط أم أظهره بصورة بيان الجزء ، فالمعاملة صحيحة فيما يقابل الأجزاء الموجودة من الثمن وباطلة فيما يقابل الأجزاء المفقودة ، لما تقدم من أنّ العرف والعقلاء يرون الأجزاء ممّا يقابل بالثمن حتّى في صورة اشتراط الجزء كما عرفت .

وكيف كان ، فالمتحصّل من جميع ذلك أنّ الأخبار لا دلالة لها على ثبوت الأرش من الابتداء وإنّما تدلّ على ثبوت الأرش بعد عدم التمكّن من الردّ والتصرّف في المبيع ، فما أفاده صاحب الحدائق متين .

نعم قد ورد في الفقه الرضوي(1) ما يدلّ على ثبوت التخيير بين الردّ والأرش من الابتداء ، أو بين الردّ والأخذ بلا أرش ، أو الأخذ مع الأرش من الابتداء فإنّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فقه الرضا : 253 .

ــ[133]ــ

قوله فيها « وإن شاء أخذه أو ردّ عليه بالقيمة » على تقدير كونه « أو » تدلّ على التخيير بين الثلاثة ، وعلى تقدير كونه واو عطف تدلّ على التخيير بين اثنين وأسقط الأخذ بلا أرش لظهوره ، إلاّ أنّا بنينا سابقاً على عدم حجّية الفقه الرضوي .

ثم إنّ المعروف بين الأصحاب هو ثبوت الأرش من الابتداء ، إلاّ أنّ الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) على ما نقله عنه شيخنا الأنصاري(1) ذهب إلى أنّ أخذ الأرش مشروط باليأس عن الردّ ، فإن أراد (قدّس سرّه) من ذلك أنّ ثبوت الأرش مشروط بعدم التمكّن من الردّ بتصرّف أو بعروض عيب على المبيع عند المشتري ونحوهما فما أفاده متين ، ومرجعه إلى ما أشرنا إليه آنفاً من أنّ الأخبار لا إطلاق لها في ثبوت الأرش وإنّما تدلّ على ثبوت الأرش على تقدير عدم التمكّن من الردّ شرعاً لتصرف ونحوه ، وعليه فلا يرد عليه ما أورده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من أنّ إطلاق الأخبار يدفعه ، وذلك لما عرفته من عدم الاطلاق في الأخبار أصلا كما صرّح به هو (قدّس سرّه) من أنّ الأخبار إنّما دلّت على ثبوت الأرش على تقدير عدم التمكّن من الردّ شرعاً .

وإن أراد الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) من اليأس عن الردّ اليأس عنه لا من جهة عدم إمكان الردّ شرعاً بل من جهات اُخرى كفلس البائع وعدم قدرته على ردّ الثمن عند الفسخ والردّ ، فيدفعه إطلاق الأخبار كما أورده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) لعدم اشتراط ثبوت الأرش باليأس عن الردّ لأجل العوارض الخارجية غير اليأس عنه شرعاً لسقوطه بمسقط من التصرف ونحوه.
ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تقدّم ذكر المصدر في الصفحة 132 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net