2 ـ التصرّف في المعيب 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الرابع : الخيارات-2   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2365


المسقط الثاني

التصرّف في المبيع وهو على أقسام : الأوّل التصرف فيه بما يوجب التغيير في العين بنحو من أنحائه كما إذا كان المبيع صوفاً فغزله ، أو كان غزلا فنسجه ، أو كان ثوباً فقطعه أو صبغه وهكذا من أنحاء التغيّرات الخارجية .

ولا ينبغي الإشكال في سقوط الخيار بمثل ذلك ، بل هو المقدار المتيقّن من التصرّفات المسقطة للخيار ، بل إسقاط الخيار حينئذ ليس من أجل التصرف في العين وإنما هو من جهة عدم بقاء العين على ما كانت عليه حين الشراء ، فإنّ ظاهر المعتبرة هو أنّ مجرد حدوث الحدث في المبيع يوجب السقوط ولو كان بآفة سماوية أو بتصرف شخص آخر ، ولا يختص السقوط بما إذا أحدث فيه المشتري بنفسه فالمناط عدم بقاء العين بحالها بأي تصرف كان ، وهذا هو الموجب لسقوط الخيار  .

وقد دلّ على ذلك ما في المعتبر من قوله (عليه السلام) « أيّما رجل اشترى شيئاً وبه عيب وعوار ولم يتبرّأ إليه ولم يبيّن له فأحدث فيه » الخ(1) فإنّ ظاهره أنه حدث فيه ما يوجب تغيّراً في المبيع ولا يبقى معه العين على ما كانت عليه ، إذ ليس المراد بالاحداث فيها استناد الحدث إلى فاعله بل المراد حدوث الحدث بحيث لا يكون معه الشيء قائماً بعينه كما صرّح بذلك في مرسلة جميل حيث قال (عليه السلام) « إن كان الثوب قائماً بعينه ردّه على صاحبه وأخذ الثمن ، وإن كان الثوب قد قطع أو خيط  » الخ(2) وقد عاملوا مع هذه المرسلة معاملة الصحيحة لأنّ جميل من أصحاب

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 18 : 30 / أبواب الخيار ب16 ح2 .

(2) الوسائل 18 : 30 / أبواب الخيار ب16 ح3 .

ــ[140]ــ

الاجماع ، وهو إن لم يتم عندنا كما تقدّم في محلّه إلاّ أنه لا بأس بالتأييد بها ، فالمناط في سقوط الخيار عدم بقاء العين بعينها ووصفها الذي كانت عليه حين المعاملة وقد عرفت أنه هو المراد من إحداث الحدث فيه ، فهذا النحو من التصرف المغيّر تغيّراً خارجياً ممّا لا إشكال في سقوط الخيار به .

الثاني من التصرفات : التصرف المغيّر للعين تغيراً حكمياً من دون تغيير واقعي خارجي فيها بوجه ، وهذا كما إذا آجر العين المعيبة . وهذا القسم أيضاً كالقسم الأول في سقوط الخيار به لعدم بقاء العين معه على ما كانت عليه من الصفة فإنّها حين المعاملة لم تكن مسلوبة المنافع ولكنّها بالفعل كذلك فلا يمكنه إرجاعها إلى مالكها كما كانت عليه ، فإنّ المفروض أنّها مسلوبة المنافع بالاجارة فالعين غير باقية بحالها وإن لم يكن التغيير خارجياً .

وأمّا التصرّف فيها بالبيع اللازم فالظاهر أنه ملحق بالاجارة ، لأنّا إذا بنينا على أنّ الايجار تغيير موجب لعدم بقاء العين بحالها فلابدّ من أن نلتزم به في البيع بطريق أولى ، فإنّ العين في الاجارة قابلة للرد إلى مالكها وإنّما الزائل هو الوصف وأمّا في البيع فلا يمكن رد شيء من العين والوصف إلى مالكها ، فالعين غير باقية على حالها أي لا يمكن ردّها إلى مالكها الأول بعينها وإن أمكن ردّها إليه بمثلها أو قيمتها  ، بل يصدق عليه الحدث أيضاً ، إذ أي حدث أولى من جعل العين على نحو لا يمكن إرجاعها إلى مالكها الأول ، وكل ذلك من جهة عدم بقاء العين بحالها لا من جهة التصرف .

وأمّا التصرّف في العين على نحو غير موجب للتغيير فيها خارجاً ولا حكماً بل مع بقائها على حالها نظير الهبة الجائزة أو البيع غير اللازم بحيث أمكن معه إرجاع العين إلى مالكها ، فظاهر جملة من الأصحاب وإن كان هو السقوط في هذه

 
 

ــ[141]ــ

الصورة أيضاً كما هو صريح كلام العلاّمة في بعض كتبه(1) بل هو المتسالم عليه بينهم إلاّ من المحقّق الثاني (قدّس سرّه)(2).

إلاّ أنّ الحق هو ما ذهب إليه المحقّق الكركي وعدم سقوط الخيار بمثل الهبة والبيع الجائزين ، والوجه في ذلك أنّ التصرف لم يرد في شيء من الأخبار أنه يسقط الخيار حتى يدعى أنّ الهبة تصرف ، وإنّما الوارد هو إحداث الحدث وعدم بقاء العين بحالها وقد عرفت رجوع الأول إلى الثاني آنفاً ، ومن الظاهر أنّ مجرد الأمر الاعتباري وهو اعتبار ملكية العين لشخص بلا حصول تغيير في وصفها كما في الاجارة ولا في عينها كما في البيع ممّا لا يوجب تغييراً في العين أبداً ، ولا يسمّى بالحدث المفسّر بمغيّر العين أصلا سيّما مع إرجاعه إلى ملكه قبل فسخ المعاملة ، إذ المفروض أنّ المشتري يتمكّن من إرجاع العين إلى مالكها بوصفها بلا حصول تغيير فيها ، فبقوله فسخت المعاملة تنتقل العين من الموهوب له إلى مالكها الأول كما كانت عليه ، وإنّما التزمنا بالسقوط في الاجارة والبيع من جهة عدم تمكّن المشتري فيهما من ردّ العين بأوصافها إلى مالكها الأول ، وهذا بخلاف الهبة والبيع الجائزين ، فما أفاده المحقق الثاني (قدّس سرّه) هو الصحيح .

القسم الثالث من التصرفات : التصرف في العين تصرّفاً خارجياً لا يوجب تغييراً في العين أبداً وهو على أقسام :

الأول : ما يكون بنفسه وشخصه ظاهراً في إسقاط الخيار ، وهو ممّا لا إشكال في إسقاطه الخيار ، إذ لا يعتبر في إسقاط الحق اللفظ بل لصاحب الحق أن يرفع يده عن حقّه بكل ما يمكن إسقاطه به كالفعل ، وهذا كما إذا اشترى أمةً وأمر الخيّاط أن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التحرير 2 : 369 ، التذكرة 11 : 91 .

(2) جامع المقاصد 4 : 342 .

ــ[142]ــ

يخيط لها ثوباً وقد علمنا من عاداته أنه إذا أراد إبقاء الأمة عنده يأمر بخياطة الثوب لها ، وهذا التصرف غير مغيّر للعين إلاّ أنه ظاهر في إسقاط الخيار فيسقط به لا محالة  .

الثاني : ما يكون ظاهراً في إسقاط الخيار بنوعه ولم يكن له ظهور شخصي في إسقاط الخيار ، وهذا نظير الألفاظ المستعملة في معانيها فإنّ ظاهرها بحسب النوع والغالب هو إرادة معانيها مع احتمال أنّ المتكلّم لا يريدها مع نصب القرينة على عدم إرادتها أو إرادة غير معانيها مع الغفلة عن نصب القرينة عليه أو إرادة غيرها وعدم نصب القرينة عليه لما فيه من المصلحة في نظره ، فالألفاظ ظاهرة في إرادة معانيها نوعاً لا بحسب الشخص وهو واضح ، فإذا فرضنا أنّ فعلا من الأفعال له ظهور نوعي في إسقاط الخيار وغير ظاهر فيه بشخصه فهل يسقط به الخيار أو لا وقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) أنه يوجب الاسقاط ، لأنّ الفعل كاللفظ في كونه معتبراً فيما له ظهور نوعي فيه ، هذا .

ولكنّا لم نفهم وجه السقوط في هذا القسم ، فإنّ كون الفعل بنوعه وغالبه ظاهراً في الاسقاط لا يفيد إلاّ الظن بالاسقاط وهو لا يكفي في الحكم بالسقوط ، إذ لا دليل على اعتبار الظن وحجّيته ، بل لابدّ من قيام دليل على أنه أسقط حقّه ، نعم ظهور الفعل كظهور اللفظ إلاّ أنه لا دليل على حجّية هذا الظهور النوعي في الفعل . ولا وجه لقياس الفعل بالألفاظ في وجه حجّية ظهورها النوعي ، فإنّ الوجه في حجّية ظهورات الألفاظ نوعاً هو البناء العقلائي على أنّ كل متكلّم يريد ظاهر كلامه ، وذلك لأنه معنى الوضع فإنه بمعنى التعهّد والالتزام فكأنّ المستعمل بنفسه صرّح بأنّي تعهّدت بإرادة المعنى عند التكلّم باللفظ ولأجل ذلك يحكم بأنّه أراده ما

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 5 : 285 .

ــ[143]ــ

لم ينصب على خلافه قرينة ، وأمّا الأفعال فأين هذا التعهّد فيها حتّى نحكم بإرادة ما هو ظاهرها نوعاً لأجل تعهّد الفاعل . وهذه نعمت الثمرة فيما بنينا عليه من أنّ الوضع هو التعهّد ، وبه يظهر الفرق بين ظهورات الألفاظ والأفعال . فالانصاف أنّ الفعل الظاهر بنوعه في إسقاط الخيار لا يوجب الاسقاط بل لابدّ فيه من قيام الدليل على إسقاطه .

القسم الثالث : ما لا يكون له ظهور نوعي ولا شخصي في إسقاط الخيار كقوله للعبد المشترى ناولني الماء أو اغلق الباب ونحوهما ، فالصحيح أنه لا يوجب الاسقاط ، إذ المفروض أنه لا ظهور له في الاسقاط . مضافاً إلى ما يمكن استفادته من المعتبرة المتقدّمة(1) حيث إنّها بمفهومها دلّت على أنه إذا لم يحدث في العين حدثاً لا يسقط به الخيار ، ومن الظاهر عدم صدق الحدث على مثل قوله ناوليني الماء للأمة فإنّ المراد به عدم بقاء العين بحالها ولا تتغيّر الأمة بقول مالكها لها ناوليني الماء كما سيأتي تفصيله .

خلاصة ما ذكرناه : أنّ المدار في بقاء هذا الخيار تمكّن المشتري من ردّ عين المبيع إلى مالكها كما كانت عليه ، وهذا هو المستفاد من الروايتين المتقدّمتين(2)حيث قال (عليه السلام) « فإن أحدث فيه شيئاً » الخ وقوله « إن كانت العين باقية بحالها » كما في مرسلة جميل التي عاملوا معها معاملة الصحيح ، لأنّ جميل بن درّاج ممّن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه ، وقد عرفت أنّ المراد من إحداث الحدث أيضاً ما ذكرناه ، فيكون هذا الخيار متقوّماً ببقاء العين على ما كانت عليه على خلاف سائر الخيارات لأنّها كانت متعلّقة بالعقد بقيت العين أم انعدمت وعلى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في الصفحة 140 .

(2) في الصفحة 140 .

ــ[144]ــ

تقدير انتفائها يردّ مثلها أو قيمتها ، ومن هنا قلنا إنّ التصرف المغيّر تغيّراً حسّياً في الخارج كنسج الغزل ونحوه يوجب السقوط لعدم تمكّن المشتري معه من إرجاع العين على ما كانت عليه ، وكذا في التغيّر الاعتباري نظير الاجارة والرهن ونحوهما لعدم تمكّنه من ردّ العين بمنافعها إلى مالكها ، وقد ألحقنا به البيع اللازم كما تقدّم .

وأمّا التصرف الاعتباري غير المغيّر كالهبة أو البيع الجائزين فلا يوجب السقوط لامكان ردّ العين معه على ما كانت عليه .

وأمّا التصرف الخارجي الذي لا يوجب التغيّر في العين أيضاً فإن كان كاشفاً شخصياً عن الرضا بالمعاملة فلا إشكال في السقوط به ، إذ لا يعتبر في إسقاط الحق إلاّ إبرازه بأي مبرز كان قولياً أو فعلياً ، وأمّا إن لم يكشف كشفاً شخصياً عن الرضا وإنما كشف عنه بالكشف النوعي نظير دلالة الألفاظ فقد عرفت أنّ شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) التزم فيه أيضاً بالسقوط ، إلاّ أنّا منعنا عن السقوط في هذه الصورة لعدم إحراز رضا المتصرّف بالبيع ، والعين باقية بحالها فلا وجه للسقوط .

وأمّا إذا لم يكن التصرف الخارجي مغيّراً للعين ولا كاشفاً عن الرضا بالمعاملة لا بشخصه ولا بنوعه ، ففي سقوط الخيار به وعدمه خلاف وإشكال وسنتعرّض له بعد بيان التنبيه .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net