دليل سقوط الخيار بكلّ تصرّف وإن لم يغيّر العين 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الرابع : الخيارات-2   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2070


ثمّ إنّك قد عرفت أنّ سقوط الخيار بالتصرف الخارجي غير المغيّر للعين فيما إذا لم يكشف عن الرضا بالمعاملة لا بشخصه ولا بنوعه كقوله للعبد المشترى ناولني الثوب أو اغلق الباب أو اطبخ الطعام محل خلاف وإشكال ، وما يمكن أن يستدل به على سقوط الخيار بمثله اُمور :

الأول : ما ورد في بعض الروايات(6) في المقام من أنّ الجماع يمنع عن الردّ ومن الظاهر أنّ جماع الأمة ليس من إحداث الحدث ومغيّراً لها عمّا هي عليه ، ومع

ـــــــــــــ
(6) الوسائل 18 : 102 / أبواب أحكام العيوب ب4 .

ــ[146]ــ

ذلك قد حكم (عليه السلام) بسقوط الخيار به ، وهذا يكشف عن أنّ التصرف الخارجي وإن لم يوجب التغيير ولم يكشف عن الرضا يوجب السقوط .

ويدفعه : أنّ الجماع إنّما أوجب السقوط لأجل ما ورد فيه من النص ولا يمكننا التعدّي عنه إلى غيره ، على أنّ حكمه (عليه السلام) بسقوط الخيار بالجماع أدل دليل على أنّ التصرف غير المغيّر لا يوجب السقوط ، وذلك لاستحالة تحقّق الجماع عادةً بلا سبقه باللمس والتقبيل ونحوهما ، فلو كانت تلك المقدّمات التي هي من التصرف غير المغيّر مسقطه للخيار فلا تصل النوبة إلى سقوطه بالجماع ، مع أنّه (عليه السلام) أسند السقوط إلى الجماع ، فمنه يظهر أنّ مقدّماته وما هو من التصرف غير المغيّر لا يوجب السقوط .

الثاني : دعوى قيام الاجماع على أنّ كل تصرف يوجب السقوط وإن لم يوجب التغيّر في العين .

وفيه أوّلا : أنّ دعوى الاجماع على السقوط بالتصرف غير المغيّر عهدتها على مدّعيها ، إذ لا أثر من الاجماع في المقام .

وثانياً : أنّ كلمات القائلين بالسقوط بكل تصرف من أنحاء التصرفات على ما نقله شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) معلّلة بأنه يكشف عن الرضا بالمعاملة ، ومن هنا فرّقوا بين التصرفات قبل العلم بالعيب وبعده فحكموا بالسقوط فيما إذا كانت بعد العلم بالعيب لأنه يكشف عن الرضا دون ما إذا كانت قبل العلم ، فمنه يظهر أنّ الاجماع على تقدير تحقّقه يختص بما إذا كان التصرف كاشفاً عن الرضا ولا يأتي في جميع الموارد .

الثالث : الرواية المتقدّمة عن موسى بن بكر التي نقلها عن زرارة لقوله (عليه السلام) « فإن أحدث فيه » إلخ فإنّ إحداث الحدث وإن لم يشمل بمفهومه اللغوي ولا العرفي مثل قوله للعبد أغلق الباب فإن عدّ ذلك من الأحداث من المضحكات ، إلاّ

ــ[147]ــ

أنّا علمنا بأنّ المراد به في المقام عام يشمل مثل قوله ناولني واغلق أيضاً من جهة ما ورد(1) في خيار الحيوان من تفسير الحدث بالتقبيل واللمس والنظر إلى ما لا يحل لغير مالكها ، وحيث حكم (عليه السلام) بأنّ ذلك من الحدث فيعلم أنّ المراد بالحدث معنى أعم يشمل النظر ومثل قوله أغلق الباب .

ويدفعه أوّلا : أنّ الحكم في الأصل غير مسلّم ، وذلك لأنّا إنّما حكمنا بسقوط الخيار في الأمة بالتقبيل واللمس والنظر لأجل إلحاق الرواية إيّاها بالحدث فالسقوط يختص بها تعبّداً لأجل النص ولا يصح التعدّي عن مورده .

وثانياً : هب أنّ الحكم فيه مسلّم إلاّ أنه لا دليل على أنّ كل لفظ « حدث » استعمل في الروايات محمول على ما حمل عليه الحدث في أخبار خيار الحيوان وعليه فلا دليل على سقوط الخيار بالتصرف غير المغيّر في المقام ، فعمومات الخيار محكّمة ، هذا كلّه .

على أنّ لنا وجوهاً تدلّ على عدم سقوط الخيار بالتصرف غير الموجب لتغيير العين منها : ما تقدّم ممّا ورد في سقوط الخيار بالجماع فإنه دلّ على عدم سقوطه بمقدّماته من اللمس والتقبيل وإلاّ لم تصل النوبة إلى السقوط بالجماع .

ومنها : الروايات(2) الواردة في ردّ الأمة بعد ستة أشهر لأجل عدم حيضها ومن المعلوم أنّ عدم تصرف المشتري في الأمة ولو بمثل قوله اغلقي الباب أو النظر إليها في مدّة ستة أشهر مستحيل بحسب العادة ، فمع أنه يتصرف فيها المشتري بأمثال هذه التصرفات حكم بجواز ردّها بعد ستة أشهر فيما إذا لم يقاربها في خلال تلك المدّة إلى مالكها ، فمنها يظهر أنّ التصرف غير المغيّر لا يوجب السقوط .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 18 : 13 / أبواب الخيار ب4 ح1 .

(2) منها ما في الوسائل 18 : 101 / أبواب أحكام العيوب ب3 ح1 .

ــ[148]ــ

وكذا الروايات(1) الواردة في ردّ العبد أو الأمة أو غيرهما من المبيع من أحداث السنة أي من العيوب والأمراض التي لا تظهر عند المشتري بيوم أو بيومين بل بعد مدّة مديدة كسنة حتى يظهر أنّ أسباب تلك العيوب كانت متحقّقة في المبيع قبل شرائه لعدم حدوثها فيه في مدّة سنة ، مع أنّ عدم تصرف المشتري فيه في هذه المدّة بنحو من أنحاء التصرفات حتى بمثل اطبخ الطعام أو اغلق الباب أو نحوهما ممّا لا يمكن عادة ، مع أنّ الإمام لم يحكم بسقوط الخيار بمثلها بل رخّص في ردّه بعد سنة  ، فمنها يظهر أن أمثال تلك التصرفات لا توجب السقوط .

ومنها : رواية موسى بن بكر عن زرارة(2) حيث دلّت على أنّ المعاملة إنّما تمضي عليه أي على المشتري فيما إذا أحدث في المبيع شيئاً ، ومفهومها أنه إذا لم يحدث فيه شيئاً لا يسقط خياره ولا تمضي عليه المعاملة ، وقد عرفت أنّ معنى إحداث الحدث هو إحداث شيء يغيّر المبيع عمّا كان عليه ، ولا يصدق إحداث الشيء على مثل قوله للعبد ناولني الثوب ، فمن هذه الاُمور وعمومات الخيار نحكم بعدم سقوط الخيار بالتصرفات غير المغيّرة للعين فيما إذا لم يكشف عن الرضا بالمعاملة كما تقدّم .
ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 18 : 98 / أبواب أحكام العيوب ب2 .

(2) الوسائل 18 : 30 / أبواب الخيار ب16 ح2 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net