إذا زال التغيّر فهل يثبت جواز الردّ ؟ - لماذا يمنع وطأ الجارية من الردّ مطلقاً ؟ 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الرابع : الخيارات-2   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2287


بقي في المقام أمران :

الأول : أنه قد عرفت أنّ المناط في المقام تمكّن المشتري من ردّ المبيع إلى مالكه على ما كان عليه بحيث يصدق عرفاً أنّ العين باقية بحالها وأنّها لا تنقص عمّا كانت عليه حين قبضها من بائعها ، وبعد ذلك يقع الكلام في أنّ تغيّر العين عمّا كانت عليه هل هو يمنع عن الردّ بحدوثه أو أنه يمنع عنه ببقائه . وبعبارة اُخرى هل يكفي


ــ[149]ــ

حدوث التغيّر في زمان في عدم جواز الردّ وفي سقوط الخيار حتّى فيما ارتفع عنه التغيّر ورجع إلى ما كان عليه عرفاً ، أو أنّ المانع عن الردّ هو التغيّر الموجود حال الفسخ والردّ ، وأمّا إذا ارتفع عنه التغيّر حين ردّه وصدق عليه عرفاً أنه باق بحاله فلا مانع من ردّه ولو مع تغيّره قبل ذلك ؟

الظاهر هو الثاني ، لأنّ المستفاد بحسب الفهم العرفي من الروايات الواردة في المقام كقوله « إن أحدث فيه حدثاً »(1) وقوله « إن كان المبيع باقياً بعينه »(2) هو أنّ المعتبر في جواز الفسخ عدم تغيّر المبيع عمّا كان عليه حين قبضه عند إرادة الردّ بأن لا يكون المبيع ناقصاً عمّا كان عليه ، فالمناط تغيّره وعدمه حال الرد ولا اعتبار بتغيّره وعدمه قبل ذلك .

وبعبارة اُخرى : مقتضى المناسبة بين الحكم والموضوع في المقام أنّ المانع عن الردّ هو التغيّر بحسب البقاء ولا اعتبار بالتغيّر بحدوثه .

وبعبارة ثالثة : أنّ الحكم وهو سقوط الردّ بالتصرف حكم على خلاف القاعدة وإنّما ثبت منّة على البائع حتى لا يتضرّر بردّ ماله إليه ناقصاً عمّا كان عليه وإذا زال التغيّر وصار المبيع كحالته الأوّلية وصدق عليه عرفاً أنه باق بحاله فلا يكون في ردّه إليه ضرر وخلاف منّة كما هو ظاهر ، فإذا فرضنا أنّ المشتري أحدث في العبد المشترى شيئاً كما إذا كسر رأسه وتغيّر العبد عمّا كان عليه ثم عالجه حتى صار رأسه كسابقه فعلم فيه بالعيب ، فلا مانع من ردّه إلى مالكه لعدم تغيّره عمّا هو عليه حين ردّه عرفاً ، أو إذا مرض المبيع عنده مرضاً صعباً ثم عالجه حتى برأ من مرضه فظفر بالعيب فيه ، فله ردّه إلى بائعه لعدم تغيّره حين ردّه ، هذا كلّه في التغيّرات الخارجية .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ، (2) الوسائل 18 : 30 / أبواب الخيار ب17 ح2 ، 3 (مع اختلاف يسير) .

ــ[150]ــ

ومنه يظهر حال التغيّرات الاعتبارية كما إذا فرضنا أنه قد آجر العين المشتراة وبعد انقضاء مدّة الاجارة علم بعيبها ، أو زوّج الأمة المشتراة فأحدث فيها العلقة الزوجية الاعتبارية ثم مات زوجها ، أو طلّقها فاعتدّت عدّة الوفاة ثم ظفر بعيبها ، فله أن يردّ المبيع إلى مالكه لأنه حين ردّه باق على ما كان عليه وغير متغيّر عن سابقه ، وكذلك الحال فيما إذا باع العين المشتراة ثم مات المشتري وانتقل العين إليه لأنه وارثه ، أو فسخ المعاملة أو اشتراها منه ، ففي جميع تلك الصور لمّا صدق على العين أنّها باقية بحالها حين ردّها جاز للمشتري فسخ المعاملة وردّها إلى مالكها .

الأمر الثاني : أنّ التصرف وإن وقع الخلاف في أنه يسقط الخيار على الاطلاق أو فيما إذا كان بنوعه أو بشخصه كاشفاً عن الرضا بالبيع ، إلاّ أنّ الأصحاب تسالموا على أنّ وطء الجارية يوجب سقوط الخيار ويمنع عن الردّ مطلقاً كان مع الالتفات أم بدونه ، كشف عن الرضا أم لم يكن فيه كشف ، فلا خلاف بينهم في أنه يوجب السقوط ، وكونه كذلك ممّا لا كلام فيه وإنّما الكلام في مدرك ذلك .

فربما يستدل على ذلك بالأخبار الكثيرة الواردة في أنّ الوطء يمنع الردّ وسيأتي تفصيل الكلام فيها عن قريب إن شاء الله تعالى.

واُخرى يستدل عليه كما عن العلاّمة (قدّس سرّه)(1) بأنّ الوطء جناية ومن هنا وجب غرامة جزء من القيمة ودفعها إلى مالكها ، فالوطء نظير غيره من الجنايات كما إذا كسر رأسها فكما يجب فيه الغرامة كذلك في الوطء ، وكما أنّ سائر الجنايات يوجب تغيّر المبيع عمّا كان عليه فيمنع عن الردّ كذلك الوطء يوجب التغيّر فيكون مانعاً عن الردّ ، ولعلّه إلى ذلك ينظر ما عن الاسكافي ابن الجنيد (قدّس

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التذكرة 11 : 93 .

ــ[151]ــ

سرّه)(1) من أنّ الوطء لا يمكن معه الردّ لأنّه مع الوطء لا يرجع إلى ما كان عليه من وصف عدم الوطء ، بأن يريد (قدّس سرّه) أنّ الوطء جناية كسائر الجنايات وهي توجب تغيّراً في العين ، وإلاّ فما أفاده من أنّ المبيع لا يبقى على ما كان عليه مع الوطء لا يرجع إلى محصّل ، لأنّ النظر إليه أيضاً كذلك ، فإنّ المبيع بعد النظر إليه لا يبقى على ما كان عليه من عدم كونه منظوراً إليه ، لأنّ النظر لا ينقلب إلى العدم بعد الوجود .

وشيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(2) قد سلّم كون الوطء جناية وقرّبه بما ورد في الأخبار من قول أمير المؤمنين (عليه السلام) « معاذ الله أن أجعل لها أجراً »(3)بمعنى أنّ الوطء لو لم يمنع الردّ وجاز للمشتري الواطء ردّ الأمة إلى مالكها لوجب أن يردّ معها شيئاً تداركاً لهذا الوطء والجناية ، إذ ردّها إلى مالكها بلا شيء معها مع وطئها لا يستقيم ، وردّه شيئاً معها يشبه الأجر وقد استعاذ منه الإمام (عليه السلام) فمنه يستكشف أنّ الردّ مع الوطء لا يمكن .

لا يقال : إنّ وطء الأمة نظير غيره من استيفاء منافع العين قبل ردّها ، ومن الظاهر أنّ استيفاء منافع العين قبل ردّها لا يوجب دفع عوضها إلى البائع ، لأنه قد استوفاها في ملكه كما إذا ردّ بيع الدار بعد سكناها ستّة أشهر لعلمه بعيبها حينذاك إذ لا يجب عليه ردّ قيمة السكنى مدّة ستة أشهر إلى مالك الدار وهذا ظاهر ، وعليه فللواطء أن يردّ الأمة بعد وطئها بلا عوض ولا شيء .

فإنه يقال : الوطء ليس من استيفاء المنفعة بمقتضى هذه الروايات حيث دلّت على أنها لو ردّت لوجب ردّ شيء معها وهو غير ممكن لأنه يشبه الأجر ، هذا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) حكى عنه العلاّمة في المختلف 5 : 206 .

(2) المكاسب 5 : 291 .

(3) الوسائل 18 : 104 / أبواب أحكام العيوب ب4 ح8 .

ــ[152]ــ

ملخّص ما أفاده (قدّس سرّه) في المقام .

وفيما أفاده كلام وإشكال ، وذلك لأنّ عدّ الوطء جناية ممّا لا وجه له ، نعم وطء البكر كذلك لأنه يلغي وصفها الكمالية وبه يجب على الواطىء ردّ ما يقابل تلك الصفة الكمالية ، وأمّا في غير البكر فلا وإلاّ لكان الأمر كذلك في جميع الموارد كما إذا أمر أمته بالزنا أو عبده باللواط أفهل يجب فيهما ردّ أرش الجناية ، لأنّ الوطء نظير غيره من الجنايات على أمته أو عبده مع أنّهم لا يلتزمون به . أو فرضنا أنه وطئ الأمة شبهة كما إذا اشتراها من زيد فوطئها بحسبان أنّها مملوكة زيد فبان أنّها مملوكة عمرو فإنه لا يجب عليه ردّ أرش الجناية . نعم يجب على الواطء ردّ ما يقابل عمله وهو استحلاله فرجها كما ثبت في وطء الحامل على ما سيأتي من أنه لا يمنع عن الردّ بل يردّها مع شيء عوضاً عمّا استحلّه من فرجها .

وبعبارة اُخرى : أنّ ردّ الأمة بعد وطئها بلا شيء ولا عوض ينافي ضرورة المذهب ، بل لابدّ من ردّه معها شيئاً عوضاً عمّا استحلّه من البُضع .

وعليه فيقع الكلام في وجه استنكار الإمام (عليه السلام) واستعاذته عن أن يجعل لها أجراً مع ثبوت ذلك في الحامل وغيرها من الموارد فليكن المقام أيضاً كذلك ، فقد ذكر شيخنا الأنصاري أنّ الوجه في استعاذة الإمام (عليه السلام) هو التقيّة بمعنى أنّ الحكم الواقعي هو عدم جواز ردّ الأمة في المقام بعد وطئها إلى مالكها ووجوب ردّ البائع للمشتري الأرش لعيب الأمة حسب الفرض ، ولكن العامّة(1)لا يرون مانعاً عن ردّ الأمة مع الوطء إلاّ أنّهم يمنعون عن الأجر للفروج ومن هنا يرون المتعة محرّمة تبعاً لأسلافهم ، والإمام (عليه السلام) بيّن الحكم الواقعي بكيفية موافقة للتقية حيث حكم بعدم ردّ الجارية مع الوطء معلّلا بأنّ ردّها بلا شيء لا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المغني 4 : 259 ، الحاوي الكبير 5 : 246 ، بداية المجتهد 2 : 182 .

ــ[153]ــ

يستقيم وردّها مع العوض من الأجر ومعاذ الله أن يجعل لها أجراً . وهذا الذي أفاده (قدّس سرّه) من البعد بمكان .

والأولى في وجه الاستعاذة ما أفاده صاحب الجواهر (قدّس سرّه)(1) بتقريب أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) إنّما حكم بعدم ردّ الجارية بعد وطئها ولم يرخّص ردّها مع الوطء والأجر في المقام ، والإمام (عليه السلام) لم يستعذ عن جعل الأجر في الشريعة المقدّسة كيف وهو ثابت في الحامل كما سيأتي ، وإنّما استعاذ من أن يجعل هو (سلام الله عليه) الأجر في المقام لأنّه تشريع والنبي (صلّى الله عليه وآله) لم يرخّص في ردّ الأمة بعد الوطء مع الأجر فكيف يشرّعه الإمام ، فلذا عبّر (سلام الله عليه) بصيغة المتكلّم « معاذ الله أن أجعل » ولم يقل معاذ الله أن يكون لها أجر ، وهذا الحمل لا بأس به ، والمتلخّص أنّ الوجه في منع الوطء عن الردّ هو الأخبار ، وأمّا غيرها فلا دليل آخر يمنع عن الردّ مع الوطء فما أفاده الاسكافي والعلاّمة (قدّس سرّهما) لا أساس له .
ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لاحظ الجواهر 23 : 254 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net