4 ـ حدوث عيب عند المشتري 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الرابع : الخيارات-2   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2361


ــ[173]ــ

القول في رابع المسقطات

وهو عبارة عن حدوث عيب عند المشتري فإنه يمنع عن ردّ المبيع بالعيب الموجود فيه قبل العقد ، وقد قسّموا العيب الحادث عند المشتري إلى ثلاثة أقسام :

الأول : أن يحدث العيب بعد العقد وقبل قبضه .

الثاني : أن يحدث بعد العقد وبعد القبض ولكن في زمان خيار المشتري بخيار الحيوان أو الشرط أو خيار المجلس إذا ألحقناه بهما فإنّ النص يختص بالأوّلين .

الثالث : أن يحدث بعد العقد وبعد القبض وبعد انقضاء خيار المشتري .

وذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) أنّ محل الكلام في المقام هو القسم الثالث أي العيب الحادث بعد العقد وبعد القبض وبعد انقضاء خيار المشتري ، وأمّا القسم الأول وهو الحادث بعد العقد وقبل القبض فهو بنفسه يوجب الخيار والرد والأرش ، لأنه كالحادث قبل العقد فلا يمنع عن الرد ، وكذا الحادث بعد العقد وبعد القبض في زمان خيار المشتري بناءً على ما سيجيء في أحكام القبض والخيار من أنّ البائع ضامن للمبيع قبل قبضه وقبل انقضاء خيار المشتري ، بمعنى كون العيب الحادث في الزمانين أي قبل القبض وقبل انقضاء الخيار كالحادث قبل العقد ، فكما أنّ العيب السابق قبل العقد مضمون للبائع ويوجب الخيار للمشتري فكذلك العيب الحادث في زمان الخيار وزمان قبل القبض ، هذا .

ولا يخفى أنّ ما أفاده (قدّس سرّه) من تفسير ضمان البائع للعيب الحادث قبل القبض وفي زمان الخيار بكونه كالعيب الموجود قبل العقد في كونه سبباً للخيار يحتاج إلى دليل يلحق العيب الحادث بعد العقد في زمان الخيار أو قبل القبض بالعيب الموجود قبل العقد ، فإنّ الروايات الواردة في أنّ العيب سبب للخيار تختص

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 5 : 301 .

ــ[174]ــ

بالعيب السابق على العقد والبيع لقوله (عليه السلام) في رواية زرارة « أيّما رجل اشترى شيئاً وبه عيب وعوار » الخ(1) وأمّا العيب الحادث بعد البيع ولو في زمان الخيار وقبل القبض فلا يستفاد من الأخبار أنه سبب للخيار ، وضمان البائع للعيب الحاصل قبل القبض وفي زمان الخيار ليس بمعنى كون العيب كالعيب الموجود قبل المعاملة ، وإنما معناه أنّ البائع ضامن له ودركه عليه ، فيجب عليه أن يخرج عن عهدته ، ولا ملازمة بين كون عهدة العيب الحادث في الزمانين على البائع وبين كونه كالعيب الموجود قبل العقد في كونه سبباً للخيار وغير مانع عن الردّ ، بل يمكن أن يحكم على البائع بوجوب الخروج عن عهدة العيب الحادث في زمان الخيار وقبل القبض بأن يدفع إلى المشتري الأرش ويمنع المشتري عن فسخ المعاملة وردّها بالعيب السابق ، فيكون البائع ضامناً للعيب الحادث ويجب عليه الخروج عن عهدته بدفع الأرش ، كما يجب عليه دفع أرش العيب السابق على العقد ، فما أفاده (قدّس سرّه) من أنّ ضمان البائع للعيب الحادث في زمان الخيار أو قبل القبض بمعنى كونه كالعيب الموجود قبل البيع فيوجب بنفسه الخيار ولا يمنع عن الرد ، ممّا لا يمكن المساعدة عليه ، إذ لا ملازمة بين ضمان البائع للعيب الحادث بالمعنى الذي أسلفناه وبين كونه أي العيب الحادث مانعاً عن الردّ .

فالصحيح في المقام أن يفصّل بين العيب الحادث بعد العقد قبل قبضه وبين الحادث بعد القبض في زمان الخيار ، والحكم في الأول بأنه كالعيب الموجود قبل العقد في كونه سبباً مستقلا للخيار ولا يمنع الردّ ، وفي الثاني بكونه مانعاً عن الردّ وإن كان ضمانه على البائع بدفع الأرش ، وذلك لأنّ ما ورد في المقام من الأخبار قد قيّدت العيب المانع عن الرد بما إذا أحدث بعد قبض المبيع ، وذلك لقوله (عليه السلام)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 18 : 30 / أبواب الخيار ب16 ح2 .

ــ[175]ــ

«  أيّما رجل اشترى شيئاً وبه عيب وعوار ـ إلى قوله ـ فأحدث فيه بعد ما قبضه شيئاً  ـ إلى أن قال ـ فإنه يمضي عليه البيع » حيث دلّ على أنّ إحداث الحدث في المبيع الذي به عيب بعد ما قبضه يمنع الرد ويوجب المضي واللزوم ، وأمّا إحداث الحدث فيه قبل قبضه أو قبل عقده فهو لا يوجب لزوم المعاملة ، وقد عرفت أنّ معنى إحداث الحدث حسب المستفاد العرفي هو حدوث الحدث في المبيع ، سواء كان مستنداً إلى نفس المشتري أو إلى غيره ، فالميزان حدوث الحدث وتغيّر العين عمّا كانت عليه وعدم بقائها على حالها كما في مرسلة جميل(1) فإن كان هذا الحدوث بعد قبضه فيمنع الرد ، وأمّا إذا كان قبله فهو كالعيب الموجود فيه قبل العقد في كونه سبباً مستقلا للخيار ولا يمنع عن الردّ ، هذا في العيب الحادث قبل القبض .

وأمّا العيب الحادث بعد القبض في زمان الخيار فاطلاق هذه الرواية يقتضي لزوم البيع باحداث الحدث بعد قبض المبيع ، كان في زمان خيار المشتري أم لم يكن  ، كما أنّ إطلاقها كان يقتضي عدم لزوم البيع بالحدث الحادث قبل قبضه وأنّ ما حدث قبل قبضه فهو لا يوجب اللزوم مطلقاً كان بعد العقد وقبل القبض أم كان قبل العقد ، فاطلاقها في العيب الحادث قبل القبض والحادث بعده في زمان الخيار متعاكس ، وكيف كان فاطلاقها يقتضي سقوط الرد بحدوث العيب بعد القبض ، كان في زمان الخيار أم لم يكن ، وهذا لا ينافي كون البائع ضامناً له حينئذ ، لأنّ معناه كما عرفت لزوم تداركه عليه بدفع أرشه ، ولا ملازمة بينه وبين كونه سبباً مستقلا للخيار وغير مانع عن الرد ، اللهمّ إلاّ أن يتم الاجماع الذي ادّعي في المقام على أنّ العيب الحادث في زمان الخيار كالعيب الموجود قبل العقد سبب للخيار ولا يمنع الرد  .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 18 : 30 / أبواب الخيار ب16 ح3 .

ــ[176]ــ

ثم إنّ هناك خلافاً آخر في أنّ جواز الردّ مع العيب الحادث هل يختص بزمان الخيار أي خيار الحيوان والشرط ، أو أنّ جواز الردّ مع العيب الحادث في زمان الخيار على القول به باق بعد انقضاء الخيار أيضاً . ولا يخفى أنّ بحثنا هذا ممّا لا يترتّب عليه ثمرة ، لأنّا حسب مسلكنا وإن قلنا بعدم جواز الردّ مع حدوث العيب في زمان الخيار إلاّ أنّ للمشتري أن يفسخ العقد بخياره من خياري الحيوان أو الشرط ، لأنّ المفروض عدم انقضاء خياره عند حدوث العيب ، نعم تظهر الثمرة بين القولين فيما إذا قلنا بمقالة المشهور من أنّ جواز الردّ مع حدوث العيب في زمان الخيار باق بعد انقضاء الخيار أيضاً ولا يختص الجواز بزمان الخيار ، فإنّ جواز الردّ على قول المشهور بعد انقضاء الخيار متحقّق ، بخلاف ما سلكنا فإنه لا خيار له في الرد بعد انقضائه فلا يتمكّن المشتري من الفسخ ، هذا كلّه فيما ذكره شيخنا الأنصاري تطفّلا من أنّ العيب الحادث قبل القبض وفي زمان الخيار سبب مستقل للخيار ولا يمنع الرد أو  لا .

وأمّا الكلام فيما هو المقصود في المقام وهو أنّ حدوث العيب عند المشتري بعد قبضه أو بعد انقضاء الخيار يوجب سقوط الرد بالعيب السابق أو لا ، فملخّص القول فيه : أنّ العيب المذكور يمنع عن الرد ، لأنّ المدار في جواز الردّ هو عدم حدوث الحدث في المبيع وعدم تغيّره عمّا كان عليه ، ومع حدوث العيب في المبيع يصدق أنه حدث فيه حدث ويصدق أنّ العين غير باقية بحالها فيسقط الرد ، وذلك لقوله (عليه السلام) في رواية زرارة « فأحدث فيه حدثاً » الخ(1) وفي مرسلة جميل « إن كان الشيء قائماً بعينه ردّه على صاحبه وأخذ الثمن ، وإن كان الثوب قد قطع أو خيط أو

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 18 : 30 / أبواب الخيار ب16 ح2 .

ــ[177]ــ

صبغ رجع بنقصان العيب »(1) فجعلت المدار على بقاء العين ، وأمّا إذا تغيّرت ولم تبق بحالها فلا يصح ردّه ولو باحداث غير العيب فيه كقطعه وخياطته فإنّهما ليسا من العيوب بل ممّا يختلف بهما الأغراض ، ولكن العين لمّا لم تبق بحالها فحكم (عليه السلام) بعدم ردّها . وتوضيح المقام : أنّ الكلام في سقوط خيار العيب بحدوث عيب عند المشتري يقع من جهتين :

الجهة الاُولى : في أنّ حدوث العيب عند المشتري هل يمنع عن الردّ بالعيب السابق أو أنه لا يكون مانعاً عن الردّ به .

الجهة الثانية : في أنّ حدوث العيب عند المشتري هل يكون بنفسه سبباً مستقلا للخيار أو لا يكون سبباً مستقلا للخيار . أمّا الجهة الاُولى فقد عرفت أنّ العيب الحادث عند المشتري على ثلاثة أقسام : عيب يحدث بعد العقد قبل القبض ، وعيب يحدث بعد العقد والقبض ولكن في زمان خيار المشتري بخيار آخر كخياري الحيوان والشرط بل المجلس إلحاقاً له بهما ، وعيب يحدث بعد العقد والقبض وبعد زمان خيار المشتري .

وقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) أنّ المتيقّن من العيب الحادث الذي يمنع عن الردّ ويوجب تعيّن الأرش هو القسم الثالث ، وهو كما أفاده (قدّس سرّه) من جهة أنّ سقوط خيار العيب بالعيب السابق عند حدوث عيب عند المشتري بعد انقضاء خياره ممّا لا كلام فيه لأجل مرسلة جميل ورواية زرارة ، لأنّ العين مع العيب لا يبقى بحالها كما أنه من أظهر أنواع الحدث ، وقد مرّ أنّ إسناد الحدث إلى المشتري بقوله (عليه السلام) « أحدث » لا موضوعية له بل هو اتّفاقي في الجملة وإن كانت خصوصياته مورداً للكلام كما سيأتي .

وأمّا العيب الحادث قبل القبض أو بعده وقبل انقضاء الخيار فقد تقدّم أنّ فيه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 18 : 30 / أبواب الخيار ب16 ح3 .

ــ[178]ــ

تفصيلا ، لأنّ العيب الحادث إن كان قبل القبض فهو وإن كان موجباً لتغيّر العين ومقتضى مرسلة جميل سقوط الخيار به ، إلاّ أنّ العمدة فيما يستند إليه هي رواية زرارة وقد صرّحت بأنّ إحداث الحدث بعد القبض يوجب مضي العقد ، ومفهومها أنّ إحداث الحدث قبل القبض لا يوجب مضي البيع على المشتري بل يبقى على جوازه ، وعليه فالعيب الحادث قبل القبض كالعدم فلا يكون مانعاً عن الرد .

وأمّا العيب الحادث بعد القبض في زمان خيار المشتري فمقتضى إطلاق رواية زرارة أنّ إحداث الحدث بعد القبض يمنع عن الرد ويوجب مضيّ العقد على المشتري ، سواء كان للمشتري خيار آخر أم لم يكن ، وعليه فيكون العيب الحادث بعد القبض في زمان الخيار مانعاً عن الرد كما تقدّم ، هذا كلّه في الجهة الاُولى .

أمّا الجهة الثانية : فقد ذهب المشهور إلى أنّ العيب الحادث قبل القبض أو بعده في زمان الخيار لا يكون مانعاً عن الردّ بالعيب السابق معلّلين بأنّ هذا العيب الحادث بنفسه سبب مستقل للخيار بين الردّ والأرش ، فهو لا يكون مانعاً عن الرد بالعيب السابق بل يكون مؤكّداً للخيار بالعيب السابق ويقتضي التخيير بين الردّ والأرش .

فإذن لابدّ من التكلّم في مقامين : أحدهما في أنّ العيب الحادث قبل القبض أو بعده وقبل انقضاء خيار المشتري هل هو سبب مستقل للخيار بين الرد والأرش أو لا . وثانيهما : في بيان الملازمة وأنّ العيب الحادث إذا كان سبباً مستقلا للخيار يستلزم عدم سقوط الخيار بالعيب السابق ويكون مؤكّداً له ، أو أنه لا مانع من أن يكون العيب الحادث سبباً مستقلا للخيار بنفسه ومع ذلك يكون مانعاً عن الرد بالعيب السابق .

أمّا المقام الثاني فالملازمة بين الأمرين وإن كانت منتفية عقلا بمعنى أنه لا ملازمة عقلية بينهما لامكان أن يقال إنّ العيب الحادث بنفسه سبب مستقل في

ــ[179]ــ

الخيار ، إلاّ أنه يمنع عن الرد والخيار بالعيب السابق لأنه إحداث حدث في المبيع وموجب لعدم بقاء العين بحالها ، وتظهر الثمرة فيما إذا أسقط خياره هذا أي الخيار الحاصل بحدوث العيب الحادث فإنه لا يتمكّن من الردّ حينئذ ، لا بالعيب السابق لأنّ حدوث العيب الحادث مانع عن الردّ لأنّه حدث ومغيّر للعين ، ولا بالعيب الحادث لأنه قد أسقط خياره الجائي من قبله ، إلاّ أنّ الملازمة العرفية ثابتة بينهما وذلك لأنّ المتّبع في الظهورات هو الظهور العرفي ولا إشكال أنّ ظاهر قوله (عليه السلام) إنّ العيب مانع عن الرد منصرف إلى عيب لا يكون بنفسه سبباً للخيار ، وأمّا العيب والحدث الذي هو بنفسه موجب للخيار فلا يستفاد كونه مانعاً عن الرد من هذا الكلام بحسب الفهم العرفي ، فالملازمة العرفية ثابتة بين الأمرين في المقام .

فلابدّ من صرف عنان الكلام إلى بيان أنّ العيب الحادث قبل القبض أو بعده قبل انقضاء خيار المشتري سبب مستقل للخيار أو لا ، وذلك لدلالة النصوص الواردة في خياري الحيوان والشرط(1) على أنّ تلف المبيع في زمان الخيارين من مال بائعه أو من ماله حسب اختلاف الروايات ، ودلالة الروايات الاُخر(2) على أنّ تلف المبيع قبل قبضه أيضاً من مال بائعه ، فهل يستفاد منها أنّ العيب الحادث قبل القبض أو في زمان الخيار سبب مستقل للخيار أو لا .
ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 18 : 14 / أبواب الخيار ب6 ، 8 .

(2) المستدرك 13 : 303 / أبواب الخيار ب9 ح1 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net