المراد بالعيب الحادث عند المشتري - حكم زوال العيب الحادث عند المشتري 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الرابع : الخيارات-2   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2535


وما أفاده (قدّس سرّه) من أنّ مطلق النقص يمنع الردّ وإن لم يوجب الأرش فهو كما أفاده (قدّس سرّه) ولا يمكن المناقشة فيه كما تقدّم ، وأمّا ما مثّل به من أمثلة الشركة ونسيان الدابة الطحن فسيأتي الكلام في مسألة حصول الشركة والتبعّض من ناحية المبيع أو من ناحية البائع أو من ناحية المشتري ، وأمّا نسيان الدابة الطحن أو العبد الكتابة فإن استندنا في المقام إلى مرسلة جميل فهو وإن ناقش في شمولها لمثل النسيان ونحوه بعضهم في مسألة ما إذا اختلف البائع والمشتري في مقدار الثمن حيث دلّت الرواية على أنّ العين إن كانت باقية فالقول قول البائع وإن لم تبق العين بحالها فالقول قول المشتري ، وذكروا أنّ مثل نسيان العبد المبتاع للكتابة والخياطة لا يمنع عن صدق بقاء العين بحالها ، إلاّ أنّ مستندنا في المقام ليس هو المرسلة أوّلا وإنّما


ــ[183]ــ

نعتمد على رواية زرارة ، وثانياً أنّا لو استندنا إلى المرسلة أيضاً يمكننا أن نقول بأنّها تشمل مثل النسيان ونحوه ، وذلك لأنه وإن لم يناف بقاء العين في المسألة المتقدّمة المشار إليها آنفاً ، إلاّ أنّ نفس المرسلة في المقام قد دلّت على أنّ المراد ببقاء العين بحالها إنّما هو في مقابل خياطة الثوب وصبغه ونحوهما لأنّها مثّلت لعدم بقاء العين بحالها بتلك الأمثلة ، فمن تمثيلها بها يظهر أنّ المراد مجرد حصول النقص في المبيع وإن لم يكن عيباً ، حيث إنّ الصبغ والخياطة ليسا بعيب إلاّ أنّهما يوجبان النقص ، فإنّ الثوب غير المخيط ممّا يرغب فيه أكثر الناس بخلاف المخيط لاختلاف الناس في عرض أبدانهم وفي طولها ، كما أنّ الثوب غير المصبوغ قابل لصبغه بأيّ لون شاءه المشتري ، وهذا بخلاف المصبوغ بلون لعدم قابليته للصبغ بلون آخر وربما لا يرغب في اللون الموجود فيه المشترون ، هذا كلّه فيما إذا اعتمدنا على المرسلة .

وأمّا إذا اعتمدنا على رواية زرارة كما هو الواقع فالأمر أظهر ، لأنّ الخياطة والنسيان ونحوهما من أظهر الأحداث الحادثة في المبيع فهي تمنع عن الردّ ، وأمّا ما أفاده (قدّس سرّه) في ضمن كلامه من أنّ المراد بالعيب ليس خصوص نقص الأوصاف المقابلة بمال كوصف الصحة ، بل المراد مطلق حصول النقص ولو بانتفاء الأوصاف الكمالية التي لا تقابل بالمال ، ففيه ما تقدّم في محلّه من أنّ الأوصاف بأجمعها لا تقابل بالمال وصف صحة كان أو غيره ، لأنّها أي الأوصاف لا تباع بنفسها ولا في ضمن موصوفها ، فلا يباع الشيء بقيمة وبياضه بقيمة أو صحته بقيمة  ، وإنما الأوصاف توجب زيادة قيمة المال ولا يقع بازائها شيء ، ثم إنّ هذا كلّه ممّا لا كلام فيه .

وإنّما الإشكال كلّه في تصوير وصف كمالي لا يوجب فقدانه نقصاً في القيمة والظاهر أنه غير متصوّر ولا معقول ، اللهمّ إلاّ أن يكون وصف الكمال ممّا لا مدخلية له في غرض المشتري بحيث يكون وجوده وعدمه سيّان فيما يبذله العقلاء بازائه كما

ــ[184]ــ

إذا كان العبد المبتاع عالماً بعلم إلاّ أنه ممّا لا يحتاج إليه في البلدة أبداً ، والعبد العالم به كالجاهل به بحسب القيمة عند العقلاء ، إلاّ أنّ مثل تلك الصفة الكمالية ممّا لا يمنع زوالها عن الرد قطعاً ، لأنّها لم تكن ملحوظة ومنظورة حال المعاملة ، فبقاؤها وارتفاعها على حد سواء ولا تشملها رواية زرارة ولا يصدق عليها إحداث الحدث لعدم كونها ملحوظة حال المعاملة ، فكأنّ البيع وقع على العين من غير ناحية الصفة المرتفعة كما لا تشملها المرسلة لهذه الجهة .

والمتحصّل إلى هنا : أنّ النقص الثابت قبل الفسخ يوجب الأرش دائماً دون النقص الذي يحصل بنفس الفسخ كالشركة وتبعّض الصفقة فإنه نقص في مرتبة الفسخ وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى .

ثم إنّ ممّا ذكرناه يظهر أنّ النقص في الأوصاف النفسانية أيضاً يمنع عن الرد كارتفاع العلم في العبد أو النسيان في الدابة لصدق إحداث الحدث عليه ، لأنه حين البيع كان عاملا وقد صار جاهلا عند المشتري ، كما يصدق فيه عدم بقاء العين بحالها عند ارتفاعه كما تقدّم ، وأمّا زوال الأوصاف التي لا تعدّ صفة كمال عند العقلاء ككون العبد كثير الرؤيا في المنام وقد صار عند المشتري قليل الرؤيا أو لا يرى الرؤيا أصلا ، فلا يصدق عليه الحدث ولا عدم بقاء العين بحالها ، لأنّها لا توجب نقصاً في القيمة ولا في الكمال كما هو المفروض فإنّ وجودها وعدمها على حد سواء وأمّا إذا حصلت زيادة عند المشتري ووصف كمالي به يزيد قيمة المال عند الجميع وممّا يرغب إليه العقلاء بأجمعهم سواء كان خارجياً كالسمن أو معنوياً كما إذا نظّف المبيع من الأوساخ وكما إذا علّم العبد الخياطة أو الكتابة دون الأوصاف التي تكون كمالية عند بعضهم دون بعضهم كما إذا طحن الحنطة لأنّ طحنها صفة كمالية تزيد قيمة الحنطة عند من يشتريها للأكل ونحوه ، وأمّا عند من يشتريها للابقاء لأجل التجارة فلا ، لأنّ الحنطة أكثر بقاءً من الطحين لأنه يفسد إذا بقي مدّة فإنّ في مثله لا مانع من

ــ[185]ــ

صدق عدم بقاء العين بحالها لأجله ، ومن هنا ذكروا في باب الهبة أنّ الموهوب له إذا طحن الحنطة الموهوبة فليس للواهب الرجوع لعدم بقاء العين بحالها ، لاعتبار بقاء العين في صحة الرجوع في الهبة أيضاً .

وكيف كان فإذا حصلت صفة كمالية عند الجميع فلا يحتمل أن يكون ذلك مانعاً عن الردّ بالعيب السابق بدعوى أنه أحدث فيه شيئاً وأنّ العين غير باقية بحالها  ، وذلك لأنّ المستفاد من الروايتين هو أنّ الحدث الموجب للنقص يمنع الردّ لا مطلق الحدث ، فليس المراد بالحدث ما يشمل النقص والزيادة ، بل المراد خصوص النقص كما تقدّم .

ثم إنّ ممّا ذكرناه في المقام من أنّ الاعتماد على خصوص رواية زرارة وأنّ المناط أحد عنواني الحدث أو عدم بقاء العين يظهر أنه لا وجه لما استدلّ به العلاّمة (قدّس سرّه)(1) على مانعية حدوث العيب عن الردّ من أنه ليس تحمّل البائع له بالعيب السابق أولى من تحمّل المشتري به للعيب السابق ، وجه الفساد أنّ المستند في المقام ليس هو قاعدة نفي الضرر حتى يقال بعدم جريانها في المقام لمعارضتها بضرر البائع ، مضافاً إلى ما أجاب به شيخنا الأنصاري(2) عنه بأنّ الضررين إذا تعارضا ولم يمكننا التمسك بالقاعدة فلنرجع إلى عمومات الخيار فلا يثبت بما ذكره اللزوم  .

وبالجملة : أنّ ما استدلّ به العلاّمة (قدّس سرّه) من الوجوه الاعتبارية والاستحسانية وهي خارجة عن طريقتنا بالمرّة .

بقي الكلام فيما إذا ارتفع النقص الحاصل في المبيع عند المشتري حين إرادة الفسخ فنقول : إذا تعيّب المبيع عند المشتري بعيب ثم زال عنه العيب فهل هذا يمنع

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التذكرة 11 : 125 .

(2) المكاسب 5 : 305 .

ــ[186]ــ

عن الرد بالعيب السابق أيضاً أو لا ، بمعنى أنّ العيب عند المشتري بحدوثه يمنع عن الردّ وإن ارتفع بعد ذلك ، أو أنه إنما يمنع عنه ما دام باقياً فإذا ارتفع يرتفع المنع أيضاً  ؟

اختلفت كلمات العلاّمة (قدّس سرّه) في هذه المسألة في كتابيه فذهب في التذكرة(1) إلى أنّ العيب المتجدّد عند المشتري يمنع عن الردّ بالعيب السابق مطلقاً سواء زال بعد ذلك أم لم يزل . وقال في التحرير(2) إنّ العيب الحادث عند المشتري إذا زال وارتفع يتمكّن المشتري من الردّ بالعيب السابق .

وذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) أنّ مقتضى الأصل عدم جواز الردّ بالعيب السابق فيما إذا حدث في المبيع عيب عند المشتري سواء زال بعد حدوثه أم لم يزل . والظاهر أنّ مراده بالأصل هو الاستصحاب لشهادة ذيل كلامه عليه ، فإنه قال بعد ذلك : فلا يثبت الخيار بعد زواله لعدم الدليل على الثبوت بعد السقوط انتهى .

وكيف كان ، فالصحيح أنّ الحكم يختلف باختلاف المعتمد في المقام ، فإن تمسّكنا بمرسلة جميل وحدها أو بها وبرواية زرارة(3) فلا مانع من الرد بالعيب السابق بعد زوال العيب الحادث ، وذلك لأنّ المدار في مرسلة جميل على بقاء العين بحالها وعدمه ، ولا ينبغي الإشكال في أنّ النقص الحادث إذا ارتفع عن المبيع كما إذا كسر رجل العبد أو الدابة ثم طابت يصدق البقاء عرفاً ويقال إنه بعينه المبيع حين المعاملة وأنه فعلا باق على ما كان عليه وإن كانت الصحة الطارئة بعد النقص مغايرة عقلا للصحة الثابتة حال العقد فإنها زالت فلا تعود ولكن الله تعالى أعطى الصحة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التذكرة 11 : 128 .

(2) التحرير 2 : 370 .

(3) تقدّمتا في الصفحة 177 .

ــ[187]ــ

الجديدة بقدرته ، فهي مثل الصحة حال البيع لا عينها عقلا إلاّ أنها هي هي بعينها عرفاً ، فلا مانع من الردّ بعد زوال العيب الحادث ، هذا كلّه فيما إذا استندنا إلى مرسلة جميل وحدها .

وأمّا إذا استندنا إليها وإلى رواية زرارة من جهة أنّ جميل من أصحاب الاجماع ومن الذين أجمع الأصحاب على تصحيح ما يصح عنهم ، فإذا كان السند صحيحاً إلى جميل فلا ينظر إلى السند بعده إلى الإمام (عليه السلام) ومن هنا عبّر عنها صاحب الحدائق(1) بصحيحة جميل ، فلأنّ المدار في تلك المرسلة كما عرفت هو بقاء العين بحالها حين ردّها مطلقاً تعيّبت بعيب وزال عنها قبل الرد أم لم تتعيّب بعيب أصلا ، والمناط في رواية زرارة هو إحداث الحدث في المبيع بعد ما قبضه ، وإطلاقها يشمل ما إذا ارتفع الحدث وزال بعد حدوثه وعدم ارتفاعه ، فالمناط في عدم جواز الرد مجرد إحداث الحدث فإذا صدق عليه أنه أحدث فيه شيئاً فلا محالة يسقط الرد لأنه مطلق وشامل لصورتي زوال الحدث بعد تحقّقه وعدمه .

وعليه النسبة بين المرسلة ورواية زرارة عموم من وجه ، لأنّ مقتضى المرسلة أنّ بقاء العين بحالها مرخّص في الرد سواء تعيّب قبله أم لم يتعيّب ، ومقتضى الرواية أنّ مجرد الحدث يمنع الردّ سواء زال بعد ذلك أم لم يزل ، فيتعارضان فيما إذا تعيّبت ثم زال عنها العيب ، فإنّ المرسلة يقتضي جواز ردّها حينئذ والرواية تمنع عن ردّها وحيث إنّ تعارضهما بالاطلاق فيسقط كلا الاطلاقين عن الاعتبار ونرجع إلى عمومات الخيار وأدلّته أيّاً ما كان حتى لو كان دليله الشرط الضمني لأنه اشترط عدم تعيّب المبيع حين المعاملة وقد ظهر أنه كذلك فيثبت له الخيار ، هذا كلّه إذا استندنا إلى مرسلة جميل وحدها أو إليها وإلى رواية زرارة .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لاحظ الحدائق 19 : 61 .

ــ[188]ــ

وأمّا إذا اعتمدنا على رواية زرارة وطرحنا المرسلة لأنّ مراسيل أصحاب الاجماع كمراسيل غيرهم ولا ندري أنّ الواسطة بينهم وبين الإمام (عليه السلام) من هو ، والاجماع على تصحيح ما يصح عنهم لم يثبت عندنا ولا نطمئن بتحقّقه ، فلا يصح الرد بعد زوال العيب حينئذ ، لأنّ المناط في رواية زرارة كما عرفت هو إحداث الحدث ، فإذا أحدث فيه شيئاً سقط خياره وباطلاقه يشمل ما إذا زال عنه الحدث بعد ذلك وما إذا لم يزل ، وهذه نعمت الثمرة فيما سلكناه وسلكه المشهور من اعتبار مراسيل أصحاب الاجماع وعدمه ، فإنه على الأول يحكم بالخيار في المقام بعد زوال العيب المتجدّد عند المشتري ، وعلى الثاني يحكم بسقوط الردّ بالعيب الحادث سواء زال عنه أم لم يزل .

ثم إنه إذا كان الحدث مانعاً ومع ذلك رضي البائع بردّ المعيب المتعيّب بعيب جديد لا إشكال في جواز الرد حينئذ ، لأنّا إذا قلنا بسقوط الخيار بحدوث العيب الجديد فمعناه أنه غير مالك لفسخ العقد ولو بدون رضا البائع كما هو معنى الخيار وأمّا إذا رضي البائع به ورضي به المشتري فلا مانع من الردّ غاية الأمر أنه كالاقالة لا الردّ بالخيار ، وحينئذ إن رضي بردّه مجاناً فهو وإن رضي بالردّ مع أرش العيب الحادث وأراد المشتري ردّه أو أراد ردّه بخياره الآخر كخيار الغبن ونحوه فيجب عليه ردّ عوض العيب الحادث عنده إلى البائع ، ويمكنه المطالبة بقيمة العيب الحادث  ، لأنّ للبائع أن يطالب المشتري بردّ عين ماله كما أخذه وحيث إنه فاقد لوصف الصحة من ناحية العيب الجديد فيطالبه بقيمتها لا محالة .

ولكنّه لا يخفى أنّ هذا الأرش الذي يأخذه البائع من المشتري يغاير الأرش الذي يطالبه المشتري من البائع على تقدير أخذه بالمعاملة وعدم ردّها ، فإنّ المشتري إنما يطالب البائع بالتفاوت ما بين المعيب والصحيح من الثمن المسمّى ، لأنه

ــ[189]ــ

اشترى صحيح هذا الشيء بتمام الثمن المسمّى وظهر أنه معيب وقيمته ناقصة عن الثمن المسمّى ، فيطالبه بما يقابله من الثمن المسمّى ، وأمّا البائع فيطالب المشتري بعين ماله كما أخذه لأنه معنى الفسخ ، والمفروض أنه فاقد لوصف الصحة من ناحية العيب الجديد ، فلابدّ من أن يخرج عن عهدته لضمانه لأنه تحت يده فتحسب قيمة صحيح هذا الشيء واقعاً ومعيبه ويؤخذ بالتفاوت بينهما ، فالأرش حينئذ أرش القيمة الواقعية لا أرش الثمن المسمّى ، لأنّ البائع لم يعامل مع المشتري معاملة حتى يضمنه المشتري بثمن مسمّى ، بل إنما كان ملكه تحت يده فيجب عليه أن يخرج عن عهدة مال الغير بدفع عينه أو قيمته الواقعية ، وأرشها يختلف فتارةً يكون أكثر من الثمن المسمّى كما إذا اشتراه بقيمة رخيصة وكانت قيمته السوقية أكثر ، واُخرى يكون أقل منه كما إذا اشتراه بقيمة غالية . وبالجملة أنّ ضمان المشتري حينئذ ضمان اليد وضمان البائع للعيب القديم ضمان المعاوضة بالثمن المسمّى .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net