لو رضي البائع بردّه مجبوراً بالأرش - الكلام في حكم تبعّض الصفقة 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الرابع : الخيارات-2   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2234


ثم إنّ البائع إذا رضي بردّ المعيب الذي حدث فيه عيب جديد عند المشتري فهل للمشتري الامتناع ومطالبته البائع بالأرش أو لا ؟ ذهب الشيخ الطوسي (قدّس سرّه)(1) إلى أنه ليس للمشتري مطالبة الأرش حينئذ ، لأنه اشترط في ثبوت الأرش اليأس عن الردّ ، وفي المقام ليس المشتري مأيوساً عن الردّ لرضا البائع بردّه معيباً  .

وردّه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(2) بأنّ اشتراط الأرش باليأس عن الردّ ممّا يدفعه إطلاقات الأرش ، لأنه ثابت بحسب الأخبار مطلقاً رضي البائع بالرد أم

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المبسوط 2 : 132 .

(2) المكاسب 5 : 308 .

ــ[190]ــ

لم يرض به ، لقوله (عليه السلام) « إذا أحدث في المبيع حدثاً وبه عيب وعوار بعد ما قبضه يمضي عليه البيع وله أخذ قيمة العيب »(1) وهو مطلق غير مقيّد برضا البائع وعدمه .

وما أفاده (قدّس سرّه) هو الصحيح ، ومن هذا ظهر أنّ ما ذكرناه(2) في أوائل بحث خيار العيب ـ من حمل كلام الشيخ على ما دلّت عليه الروايات من أنّ الأرش إنما يثبت في مرتبة متأخّرة عن الامضاء بمعنى أنّ المشتري في المرتبة الاُولى مخيّر بين الرد والامضاء المجاني كسائر الخيارات ، ثم إذا لم يتمكّن من الرد لتصرف ونحوه يثبت له الأرش ، خلافاً للمشهور حيث إنّهم التزموا بثبوت الأرش من الابتداء وأنه مخيّر بين الأرش والردّ والامضاء مجاناً ، وقد حملنا كلام الشيخ الطوسي على ما دلّت عليه الأخبار وقلنا إنّ مراده من ثبوت الأرش بعد اليأس عن الردّ هو أنّ الأرش يثبت في مرتبة متأخّرة فيما إذا لم يتمكّن من الردّ لتصرف ونحوه ، وأجبنا عمّا أورد عليه شيخنا الأنصاري من أنه على خلاف الاطلاقات ، بأنه لا إطلاقات في روايات الأرش حتى يثبت مع الرد في مرتبة واحدة ـ غير تامّ وأنّ ما أفاده شيخنا الأنصاري وأورده على الشيخ الطوسي (قدّس سرّهما) هو الصحيح  ، وأنّ مراد الشيخ ليس هو ما حملنا كلامه عليه بل مراده اليأس من الردّ من جهة عدم رضا البائع بالردّ ، فيردّ عليه ما أورده شيخنا الأنصاري من أنّ اشتراط الأرش بما إذا لم يرض بالرد ممّا يدفعه الاطلاق ، لأنّ إطلاق رواية زرارة في ثبوت الأرش بعد حدوث الحدث يدفع اشتراط الأرش بما إذا لم يرض البائع بالردّ .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 18 : 30 / أبواب الخيار ب16 ح2 (مع اختلاف) .

(2) في ص134 .

ــ[191]ــ

الكلام في حكم تبعّض الصفقة

المبيع تارةً يكون أمراً واحداً حقيقياً كالعبد والفرس ونحوهما ، أو واحداً اعتبارياً كالدار ونحوهما ، وفي مثلهما إذا ظهر فيه عيب لا ينبغي الاشكال في عدم جواز ردّ خصوص الجزء المعيب وإبقاء غيره من الأجزاء الصحيحة ، فإنّ الخيار إنما ثبت في ردّ تمام المبيع وإبقائه إذا ظهر فيه عيب أو عوار ، فلا تشمل الأخبار لردّ خصوص الجزء المعيب بل إن ردّ ردّ الجميع وإن أمضى يمضي في تمامه ، ولا يمكنه ردّ البيع في خصوص سرداب الدار إذا ظهر معيباً دون سائر أجزائه ، أو ردّ البيع في نصف الحيوان دون نصفه الآخر إذا ظهر فيه عيب ، فعدم جواز ردّ بعض المبيع في هذه الصورة ممّا لا كلام فيه بل لم يظهر فيه خلاف من أحد .

نعم يظهر ممّا ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) في المقام حيث أبدى المانع عن ردّ بعض المبيع الواحد الحقيقي أو الاعتباري بأنه يستلزم تبعّض الصفقة على البائع أنّ في المسألة خلافاً ، ولكن الظاهر أنّ المسألة اتّفاقية كما أنه لا خلاف في المسألة الآتية .

واُخرى يكون المبيع متعدّداً كما إذا باع نصف الدار أو الحيوان بثمن من أحد بيعاً حقيقياً ثم بدا له في بيع نصفه الثاني فباع نصفه الثاني أيضاً منه بثمن ، كان النصف معيّناً أم كان مشاعاً . وفي هذه الصورة إذا ظهر عيب في أحد النصفين لا ينبغي الاشكال في أنه لا يسري إلى النصف الصحيح ، فلا يصح له إلاّ ردّ خصوص النصف المعيب ، وليس للبائع أن يطالبه بردّ النصف الصحيح أيضاً لأنه مبيع آخر ببيع آخر ، وهو نظير ما إذا باع كلا من النصفين من مشتر أجنبي عن المشتري الآخر أفهل يحتمل ثبوت الخيار للمشتري للنصف الصحيح من جهة ظهور عيب

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 5 : 310 .

ــ[192]ــ

في النصف الآخر الذي اشتراه شخص آخر ، لتعدّد المبيع وعدم سراية العيب في أحدهما إلى الآخر ، وهذا بخلاف الصورة الاُولى فإنّ العيب في شيء واحد يسري إلى تمام ذلك الشيء ويقال إنه معيب ، وهاتان المسألتان ممّا لا إشكال فيهما .

وثالثة يكون المبيع أمران لا وحدة بينهما حقيقة ولا اعتباراً بل أحدهما أجنبي عن الآخر وإنّما جمعهما في إنشاء البيع فباع بالبيع الواحد الكتاب والفرس أو هذا الكتاب وذاك الكتاب ونحوهما ثم ظهر عيب في أحدهما ، فهل يثبت له الخيار في ردّ كليهما أو في خصوص المعيب ؟ فيه خلاف وإشكال والمحتملات في المسألة ثلاثة  :

الأول : أنّ الخيار إنّما يثبت في خصوص المعيب دون المجموع ، لأنّ الخيار إنّما هو في المعيب وهو أحدهما ولا يسري العيب في أحدهما إلى المجموع ، فلا يصدق أنّ المجموع معيوب بل المعيوب هو أحدهما وهو مغاير للآخر وأجنبي عنه فلا تشمل الأخبار ردّ الآخر ، نعم إذا ردّ المعيب يتبعّض صفقته فيثبت له خيار آخر وهو خيار تبعّض الصفقة ، وهذا الخيار في طول إعمال الخيار الأول وهو خيار العيب ويردّ الآخر بهذا الخيار .

وتظهر الثمرة فيما إذا أسقط جميع خياراته إلاّ خيار العيب فإنه لا يمكن حينئذ من ردّ الآخر الصحيح .

الثاني : أنّ الخيار يتعلّق بالمجموع لأنه المبيع دون خصوص المعيب ، والخيار يتعلّق بالمبيع الذي وجد فيه عيب ، والمبيع هو المجموع ويستحيل عادةً كون المبيع بتمامه معيباً ، وإنّما العيب يوجد غالباً في بعض أجزائه كعينه أو اُذنه فيقال إنه معيب باعتبار جزئه ، وكذلك الحال في المقام فيصدق على المجموع أنه معيب ، فهو مبيع معيب إن ردّ ردّ الجميع وإن اُمضي يمضي في الجميع ، وهذا ظاهر وقد ذهب إليه مشهور أصحابنا .

والثالث : عدم الخيار في الصورة المذكورة لا في المعيب ولا في المجموع . أمّا

ــ[193]ــ

عدم الخيار في المجموع فلعدم ثبوت العيب في الجميع ، وأمّا عدمه في خصوص المعيب فلعدم كونه المبيع ، لأنّ المبيع هو المجموع دون خصوص المعيب والخيار إنما يثبت في المبيع إذا صدق عليه المعيب ، هذه أقوال المسألة .

والأقوى منها هو الوجه الأول ، وذلك لتعدّد المبيع وعدم سراية العيب في أحدهما إلى الآخر لأنّهما أجنبيان وأحدهما مغاير للآخر ، فإذا اشترى حيواناً وكتاباً وظهر عيب في الكتاب فلا يصدق أنّ المجموع معيب ، إذ لا وحدة بينهما في مقام الثبوت ولا في مقام الاثبات ، فإنّ هناك بيعان أحدهما تعلّق بهذا والآخر بذاك وإنما الاجتماع في المبرز والانشاء فقط ، ومن هنا ذكرنا في خيار الحيوان(1) أنه إذا اشترى حيواناً مع شيء آخر يثبت أحكام بيع الحيوان له من الخيار وغيره لأنّ بيعه غير بيع الشيء الآخر ، ولا يمكن أن يقال إنّ الحيوان لم يبع وإنّما بيع المجموع ، ومن هنا لو تعلّق حكم تكليفي أو وضعي ببيع الحيوان أو الفرش فباعه منضمّاً إلى شيء آخر يترتّب عليه لا محالة ، لأنه في الحقيقة باع الحيوان أو الفرش فيعصي بذلك إذا كان بيعه حراماً ، ولا معنى للقول بأنه ما باع الفرش وإنّما باع المجموع .

ومن هنا لم يستشكل أحد فيما نعلم في خيار الشفعة إذا باع أحد الشريكين حصته منضمّة إلى شيء آخر فيقولون حينئذ بثبوت الحق للشريك الآخر مع أنّ شريكه لم يبع النصف بل إنّما باع مجموع النصف والشيء الآخر ، وليس هذا إلاّ من جهة أنّ بيع كل واحد منهما بيع على حدة وإنّما الوحدة في المبرز والانشاء لا في حقيقة البيع ، فعليه يثبت الخيار في الفرش دون العبد إذا ظهر الفرش معيباً عند بيعهما بانشاء واحد .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لاحظ المجلّد الثالث من هذا الكتاب مبحث خيار الحيوان فإنّه لم يذكر الفرع فيه .

ــ[194]ــ

وأمّا ما ذكره صاحب الجواهر (قدّس سرّه)(1) من أنّ الخيار إنما يثبت في تمام متعلّق العقد لا في بعضه ، ففيه : إن أراد بذلك أنّ الحيوان الذي وقع متعلّقاً للعقد في بيع الحيوان مع الفرش وظهر معيباً إمّا أن يرد بتمامه أو لا يرد ، ولا يمكنه ردّ العقد في عينه المعيبة أو نصفه دون جميعه ، فكلامه متين ونحن أيضاً نلتزم بذلك ، لأنّ الحيوان متعلّق للعقد فلا يمكن الردّ إلاّ في تمامه ، وإن أراد بذلك أنّ الخيار إنّما يثبت في كل من الحيوان والفرش إذا ظهر معيباً لا في خصوص الحيوان بدعوى أنه ليس بتمام متعلّق العقد ، فيدفعه ما عرفت من أنّ كل واحد منهما متعلّق للعقد وليس في أدلّة خيار العيب أو الغبن وغيرهما من الخيارات أنه إذا وقع العقد على خصوص المعيب يثبت الخيار كما إذا وقع العقد على خصوص الحيوان دون ما إذا انضمّ إليه بيع شيء آخر لاطلاق قوله « أيّما رجل اشترى شيئاً وبه عيب وعوار »(2) من دون تقييده بما إذا وقع الشراء عليه بانفراده دون صورة انضمام شراء شيء آخر إليه .

ولعلّ الاشتباه نشأ من ملاحظة أنّ الحيوان أو الفرش ونحوهما إذا ظهر معيباً لا يمكن ردّه إلاّ بتمامه دون نصفه أو ثلثه كما أشرنا إليه في الصورة الاُولى ، فتخيّل أنّ الحيوان والفرش إذا بيعا معاً وظهر العيب في أحدهما لا يمكن ردّ أحدهما دون الآخر لأنه نصف ما وقع عليه العقد ، مع الغفلة عن أنّا أيضاً نلتزم بعدم جواز ردّ نصف المعيب وقع عليه العقد بانفراده أو مع شيء آخر منضم إليه ، بل إن ردّ ردّ تمام المعيب دون نصفه أو ثلثه ، إلاّ أنّا ندّعي أنّ المعيب عند بيع شيئين منضمّين اللذين لا وحدة بينهما حقيقة ولا اعتباراً هو خصوص أحدهما ، فهو المردود بتمامه دون الآخر الصحيح ، لأنه مبيع على حدة وقع عليه بيع مستقل فلا وجه لردّه كما أنّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الجواهر 23 : 248 .

(2) الوسائل 18 : 30 / أبواب الخيار ب16 ح2 .

ــ[195]ــ

الآخر مبيع على حدة ، فهناك بيعان نعم أحد البيعين مشروط بالبيع الآخر ومن هنا نقول بخيار تبعّض الصفقة وهو ظاهر ، وقوله (عليه السلام) « أيّما رجل اشترى شيئاً وبه عيب وعوار » الخ مطلق وقد دلّ بمفهومه على جواز الردّ عند شراء شيء معيب اشتري معه أيضاً شيء صحيح أم لم يشتر معه شيء ، فإطلاق الرواية يقتضي الخيار في خصوص المبيع المعيب دون المبيع الصحيح ، إذ لا وحدة بينهما حقيقة ولا اعتباراً وإنما جمعا في الانشاء والابراز وإلاّ فلكل منهما بيع .

فالمتحصّل : أنّ المقتضي للرد في خصوص المعيب موجود فلابدّ من التكلّم في أنه هل لذلك المقتضي مانع أو لا .

إعادة فيها توضيح : تقدّم أنه لا إشكال في عدم جواز الفسخ في بعض المبيع فيما إذا كان واحداً شخصياً حقيقياً كالعبد والفرس أو كان واحداً اعتبارياً كالدار والكتاب ونحوهما ، فلا ينفذ فسخ العقد في نصفه مثلا دون نصفه الآخر ، كان النصف هو المعيب أو الصحيح معيّناً كان أم مشاعاً ، وذلك لا من جهة أنّ نصف الواحد ليس بمبيع لأنه لا إشكال في كونه مبيعاً حقيقة لانحلال العقد والبيع إلى بيوع متعدّدة حسب تعدّد الأجزاء ، ومن هنا لو كان للبيع بما أنه بيع أثر شرعي يترتّب عليه كما إذا باع أحد الولدين نصف الفرس المشترك بينهما فنلتزم بصحة البيع في النصف ونرتّب عليه آثار حلّية البيع والتجارة عن تراض ، لعدم اختصاصهما بما إذا وقعا على تمام الشيء ، بل إذا وقعا على بعض أجزائه أيضاً يترتّب عليه أثرهما ، وقد أشبعنا الكلام في ذلك في بيع ما يملك وما لا يملك بالفتح وبيع ما يملك وما لا يملك بالضم ، وقلنا هناك إنّ عمومات أدلّة البيع شاملة للبيع فيما يملكه وفيما يتملّك دون الآخر مع أنّه بعض المبيع ، فليس الوجه في عدم ثبوت الخيار في بعض الواحد الحقيقي أو الاعتباري عدم كونه مبيعاً .

بل الوجه في ذلك ما أشرنا إليه من أنّ العرف يفهم من مثل قوله (عليه السلام)

ــ[196]ــ

« أيّما رجل اشترى شيئاً وبه عيب وعوار » الخ أنّ الخيار إنّما هو في ردّ تمام المبيع المعيب وفي رفع العقد من تمامه لا في بعض دون بعض ، ولا ينبغي الاشكال في أنّ الواحد الحقيقي أو الاعتباري يصدق عليه المعيب حقيقة باعتبار تعيّب بعض أجزائه ولا عناية في إطلاق المعيب عليه ، وإنّما يصدق عليه ذلك حقيقة لأنه موجود واحد فلا يصح له الفسخ في نصف المعيب ، وهذا لا يختص بهذا الخيار بل الحال كذلك في جميع الخيارات كخيار المجلس والغبن ونحوهما لعين ما عرفت من أنّ العرف يفهم من دليلهما الخيار في رفع العقد عن تمام ما وقع عليه البيع دون بعض أجزائه بل ذلك في مثل الغبن أظهر ، لأنّ مدركه الشرط الضمني وهو إنما وقع على ردّ تمام ما فيه الغبن لا على بعضه ، فإذا اشترى داراً بألف دينار وظهر أنّ قيمتها خمسمائة دينار فالغبن في تمام الدار لا في بعضها فلا ينفذ فسخ نصفها ولعلّه ظاهر ، هذا كلّه فيما إذا ترتّب الخيار على عنوان المبيع كما في خيار المجلس ونحوه .

وأمّا الخيارات المتعلّقة بعناوين خاصة كالحيوان والمعيب فنلتزم فيهما أيضاً بعدم صحة الفسخ في بعضهما ، فإمّا أن يردّ الحيوان بتمامه أو يمضيه كذلك إذا اشترى حيواناً ثم أراد فسخه في بعضه ، أو اشترى شيئاً معيوباً فإمّا أن يردّه بتمامه أو يمضيه كذلك دون بعضه ، وكل ذلك لأجل صدق عنوان المعيب على مجموع الشيء الواحد الحقيقي أو الاعتباري حقيقة ، وفهم العرف أنّ الخيار في تمام المعيب لا في بعضه دون بعضه الآخر ، فهذه المسألة ممّا لا إشكال فيه ، وهذا ظاهر .

كما أنه إذا اشترى نصف شيء ببيع وثمن على حدة واشترى نصفه الآخر ببيع آخر فكان هناك بيعان حقيقيان ، فظهر أحدهما معيباً دون الآخر ، فلا إشكال حينئذ في عدم جواز فسخ البيع الآخر الواقع على النصف الصحيح لأنه مبيع ببيع على حدة مستقلا ، وهو نظير ما إذا باع كل نصف منهما من شخص فلا يحتمل ثبوت الخيار فيما اشتراه المشتري الآخر من جهة ظهور العيب فيما اشتراه المشتري الأول .

ــ[197]ــ

وإنما الخلاف والكلام فيما إذا كان المبيع متعدّداً وقد باعهما ببيع واحد كما إذا باع الفرس والكتاب صفقة وظهر عيب في أحدهما ، وقد عرفت أنّ الحق فيه ثبوت الخيار في المبيع المعيب دون المبيع الصحيح ، لما مرّ من أنّ الخيار إنما يثبت في المعيب ولا ينبغي الاشكال في عدم صدق المعيب على المجموع حقيقة لا عقلا ولا عرفاً إلاّ على نحو المجاز ، فإنه لا معنى لاطلاق المعيب على كل ما في الدار باعتبار أنّ فيها كأساً معيباً ، فلا يصح أن يقال كل ما في داري معيب لأجل كون بعضها كذلك ، فإذا لم يصدق المعيب على المجموع فبأيّ وجه يتعلّق الخيار بالمجموع ، وقد عرفت أنّ مقتضى قوله (عليه السلام) « أيّما رجل اشترى شيئاً وبه عيب وعوار » الخ أنّ الخيار إنما يثبت في المعيب وإطلاقه يشمل ما إذا كان المعيب متعلّقاً للبيع بانفراده وما إذا كان متعلّقاً له منضمّاً إلى بيع شيء آخر معه .

وأمّا ما أفاده صاحب الجواهر (قدّس سرّه) من أنّ الخيار يثبت في تمام متعلّق العقد لا في بعضه كما حكاه شيخنا الأنصاري فقد عرفت أنه إنّما يكون كذلك فيما إذا وقع العقد على خصوص المعيب . وبعبارة اُخرى الخيار يثبت في تمام المعيب لا في تمام متعلّق العقد ولو كان أمراً أجنبياً وممّا لا يصدق عليه المعيب كما تقدّم ، فالاحتمال الثاني ساقط ، كما أنّ الاحتمال الثالث وهو عدم ثبوت الخيار في المسألة لا في المعيب لأنه ليس بمبيع ، ولا في الجميع لأنّه ليس بمعيب كما احتمله بعضهم ، ممّا لا وجه له لاطلاق قوله (عليه السلام) « أيّما رجل اشترى شيئاً » الخ فإنه أثبت الخيار في المعيب اشتري معه شيء آخر أم لم يشتر معه شيء كذلك ، فالأقوى هو الوجه الأول وإن كان على خلاف المشهور .

فإلى هنا تحصّل أنّ الأدلّة تقتضي ثبوت الخيار في خصوص المعيب دون الصحيح .

وأمّا ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من أنه إذا ردّ نصف متعلّق العقد

ــ[198]ــ

مثلا لا تمامه فإمّا أن يردّ البيع في النصف المشاع وإمّا أن يردّه في النصف المعيّن ، فإن ردّ البيع في النصف المشاع فقد ردّ النصف إلى مالكه ناقصاً لأجل حدوث الشركة وهي نقص لعدم استقلال المالك في ماله حينئذ ، مع أنه قد أخذه من بائعه بلا هذه النقيصة وقد دفعه إليه مع تلك النقيصة ، وكيف لا فلو كانت الشركة موجودة في المال قبل وقوع العقد عليه لكانت بنفسها سبباً مستقلا في ثبوت الخيار للمشتري ، فلا إشكال في أنّ الشركة عيب ونقص مع أنه لابدّ في الردّ من ردّ المال كما أخذه لا ناقصاً  .

وإمّا إذا ردّ البيع في النصف المعيّن فاشكال نقص الشركة وإن كان يرتفع حينئذ إلاّ أنه يوجب توجّه الضرر على البائع لتبعّض الصفقة . ودعوى أنّ ضرر البائع مجبور بجعل الخيار له في إرجاع النصف الباقي ، مندفعة بأن جعل الخيار للبائع في إرجاع النصف الباقي يوجب الضرر على المشتري لامكان أن يتعلّق غرضه بامساك النصف الصحيح .

ثم أيّد كون الشركة نقصاً وعيباً تمنع عن الردّ بأنّ الرواية نصّت على أنّ صبغ الثوب وخياطته يمنعان عن الردّ ، وليس ذلك إلاّ من جهة أنه إذا ردّه حينئذ يوجب ذلك الشركة في الثوب بنسبة الصبغ أو الخياطة مع المالك ، ولأجل أن لا يتوجّه نقص الشركة منع (عليه السلام) عن الردّ بهما ، وبأنّ مانعية الشركة عن الردّ أولى من مانعية نسيان الدابة الطحن عن الردّ ، لأنه ليس بعيب ونقص ولذا لو كان نسيان الدابة قبل وقوع البيع لما كان يوجب الخيار للمشتري ، لأنّ النسيان ليس من العيوب بخلاف الشركة لأنّها لو كانت قبل المعاملة لأوجب الخيار كما مرّ فهي أولى بالمانعية عن الردّ .

ــ[199]ــ

ثم قال (قدّس سرّه) في أواخر كلامه(1): إنّ إثبات جواز ردّ خصوص المعيب وإمساك الجزء الآخر الصحيح يوجب سلطنة للمشتري في إمساك الجزء الصحيح ثم سلب سلطنته عنه بجعل الخيار للبائع حتى لا يتضرّر ، وهذا ليس بأولى من منع سلطنة المشتري على ردّ خصوص المعيب وإمساك الجزء الصحيح من الابتداء بل الثاني أولى من الأول ، وعلى تقدير التساوي فيرجع إلى أصالة اللزوم ، هذا ما أفاده (قدّس سرّه) في المقام .

وللمناقشة فيما أفاده مجال ، وتوضيح الجواب عمّا أفاده (قدّس سرّه) أن يقال بعد ما عرفت من شمول أدلّة الخيار لخصوص الجزء المعيب وعدم القصور في المقتضي ، لابدّ من التعرّض لما يمكن أن يكون مانعاً عن تأثير المقتضي في المقام وهو اُمور :

منها : أنّ الأخبار قد دلّت على اعتبار بقاء المأخوذ بعينه حال الرد بأن يكون المردود عين المأخوذ ، وفي المقام إذا ردّ المشتري خصوص الجزء المعيب وأبقى الجزء الصحيح عنده فلم يردّ المأخوذ كما أخذه فإنه إنما أخذهما على نحو الاجتماع ويردّه على نحو الانفراد وهذا يمنع عن ردّ خصوص المعيب ، هذا .

والجواب عن ذلك : أنّ التبعّض والاشتراك إنّما يعرضان بنفس الفسخ والردّ في البعض لا قبله ، وظواهر الأخبار هو اعتبار أن يكون متعلّق الردّ عين ما تعلّق به الأخذ ، وهو كذلك في المقام فإنّ العين باقية بحالها وإنّما يعرضها عيب الشركة والتبعّض في مرتبة متأخّرة عن الفسخ في البعض لا في مرتبة سابقة عليه ، ومثله لا يمنع عن الردّ ، ومن هنا لو فرضنا أنّ العين بحيث لو ردّت إلى مالكها لمرضت أو تلفت لا يكون ذلك مانعاً عن الردّ ، والوجه في ذلك أنّ متعلّق الردّ عين متعلّق

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 5 : 311 ـ 312 .

ــ[200]ــ

الأخذ وما يعرضه من النقص في مرتبة متأخّرة عن الفسخ لا يكون مانعاً عن الردّ فما أفاده (قدّس سرّه) في أوائل كلامه من أنّ ردّ الجزء المشاع يوجب الشركة وهي عيب ونقص تمنع عن الردّ لا يثبت مرامه ، لأنّ الشركة تحصل بنفس الردّ لا قبله .

ومنها : أنّ التبعيض في الردّ وإمساك الجزء الصحيح يوجب الضرر على البائع وحديث نفي الضرر يدفعه ويمنع عن التبعيض في الردّ .

وحلّ هذا الإشكال يتوقّف على تحليل مورد الضرر فنقول : إن اُريد بذلك أنّ في ردّ الجزء المعيب ضرراً على البائع لأنّ قيمته أنقص عمّا لا عيب فيه فهو وإن كان صحيحاً إلاّ أنه لا يختص بالمقام بل الأمر كذلك في ردّ جميع المعيبات وهو من جهة دلالة الأخبار على الخيار في ردّ المعيب ولو كان ذلك على ضرر البائع ، ومن المفروض شمول أدلّة الخيار للمقام وعدم قصورها عنه وحديث لا ضرر لا يتقدّم عليها (لأنّها واردة في مورد الضرر فتتقدّم عليه) هذا بعد تسليم شمول حديث لا ضرر للمقام .

وإن اُريد من الضرر الوارد على البائع الضرر المتوجّه عليه من جهة إمساك الجزء الصحيح وأنّ ردّه المعيب لا ضرر فيه أو لا أثر للضرر الناشئ من جهته وإنّما المانع هو الضرر المتوجّه عليه من ناحية إمساك الجزء الصحيح ، ففيه : أنه لو فرضنا شمول الحديث للضرر الناشئ من إمساك الجزء الصحيح فغاية ما يلزم منه هو رفع ما فيه الضرر وهو إمساك الجزء الصحيح ، فبه يثبت السلطنة للبائع في استرداد الجزء الصحيح حتى لا يتوجّه عليه الضرر ، وهذا لا ربط له برفع جواز الردّ في خصوص الجزء المعيب ، لأنّ المفروض أنه خارج عن مورد الضرر وإنما مورده إمساك الجزء الصحيح ، وبذلك لا يمكن رفع الخيار في ردّ الجزء المعيب ، هذا .

ثم إنه لو عورض الضرر المتوجّه إلى البائع من إمساك الجزء الصحيح بالضرر المتوجّه إلى المشتري في ردّ الجزء الصحيح أيضاً ، لأنّ غرضه قد يتعلّق

 
 

ــ[201]ــ

بامساك المبيع الصحيح فلا محالة يتعارض الضرران فلا يشمل الدليل واحداً منهما فنرجع إلى عمومات اللزوم في الجزء الصحيح ، وهذا لا ربط له بالخيار في الجزء المعيب لأنه خارج عن مورد الضرر حسب الفرض فلا يشمله أحكام تعارض الضرر بالضرر المتوجّه إلى المشتري ، فما أفاده (قدّس سرّه) في أواسط كلامه من أنّ إمساك الجزء الصحيح ضرري على البائع ولا يمكن جبره بخيار البائع لأنه ضرري على المشتري ، لا ربط له برفع الخيار في ردّ الجزء المعيب .

ومنها : ما لم يتعرّض إليه في كلامه وهو أن يقال : إنّ البائع قد اشترط شرطاً ضمنياً على المشتري أن يردّه كلا الجزأين أو يمسكهما معاً ، فلو ردّ بعضه دون بعضه الآخر فيثبت للبائع خيار تخلّف الشرط ويتمكّن من استرداد الجزء الصحيح أيضاً وهذا إن لم يتم في بعض الموارد فهو تام في مثل بيع مصراعي الباب وغيرهما من أفراد المبيع المنضمّة إلى فرد آخر ، فإنّ البائع لا يرضى بردّ إحدى المصراعين دون الاُخرى ، وهذا أمر صحيح ولكنّا نلتزم بمقتضاه ، ومن هنا نثبت للبائع خيار تبعّض الصفقة وأنّ المشتري له الخيار في ردّ خصوص المعيب ويترتّب على إعماله الخيار خيار آخر للبائع في استرداد الجزء الصحيح حتى لا يتبعّض عليه الصفقة ، كما يثبت للمشتري أيضاً هذا الخيار أعني خيار تبعّض الصفقة .

ومن هنا يظهر أنّ إثبات السلطنة للمشتري في ردّ المعيب وإمساك الجزء الصحيح ثم بعد إعماله الخيار يثبت سلطنة اُخرى للبائع هو الذي تقتضيه القاعدة ومعها لا وجه لدعوى أولوية عدم ثبوت السلطنة للمشتري في إمساك الجزء الصحيح كما وقع في كلامه (قدّس سرّه) لأنه مخالف للقاعدة وهي مقتضى إثبات السلطنة للمشتري أوّلا ثم إذا أعملها المشتري تثبت سلطنته للبائع في استرداد الجزء الصحيح دون نفي سلطنة المشتري من الابتداء ، هذا .

ثم إنّهما لو تساويا وتساقطا فالمرجع هو أخبار الخيار دون عمومات اللزوم

ــ[202]ــ

لأنّا فرضنا أخبار الخيار تامّة وغير قاصرة عن الشمول للمقام ، إذ لو كانت قاصرة عنه ولم يكن مقتض للخيار في المقام لما أمكننا إثبات الخيار بالأولوية المذكورة في كلامه ، لأنها من الاُمور الاستحسانية الخارجة عن طريقتنا وهي أشبه بفقه العامّة .

ثم إنّ ما أيّد به كلامه من مرسلة جميل حيث مثّل بصبغ الثوب وخياطته بتقريب أنّهما إنما منعا عن الردّ من جهة حصول الشركة مع المالك بنسبة الصبغ والخياطة ، ففيه أوّلا : أنّ المعتمد عندنا ليس هو المرسلة بل المدرك رواية زرارة .

وثانياً : أنّها إنّما دلّت على مانعية الشركة عند الردّ كما إذا ردّ نصف المعيب المتعلّق للعقد ، ونحن أيضاً نلتزم بأنّ الشركة في المال عيب وهو مانع عن الردّ ، ومن هنا قلنا يثبت للبائع الخيار حينئذ وأنه لا يصح ردّ بعض المبيع الواحد ، إلاّ أنه خارج عن محل الكلام ، ومحل البحث إنّما هو حصول تبعّض الصفقة عند ردّ المعيب دون الصحيح لا الشركة ، إذ المفروض أنّ متعلّق العقد أمران أحدهما منحاز عن الآخر ، وردّ المعيب دون الصحيح لا يوجب الشركة وإنما يوجب تبعّض الصفقة والرواية لم تدل على مانعية تبعّض الصفقة وإنما دلّت على مانعية الشركة .

وثالثاً : أنّا نمنع عن كون الوجه في مانعية الصبغ والخياطة هو حصول الشركة ، وإنما الوجه فيه ما عرفت من أنهما يوجبان النقص في المال ، لأنّ خياطة الثوب تقلّل رغبة المشترين لعدم تساوي الناس في طول أبدانهم وعرضها ، ولعلّ المخيط أطول من قامة المشتري أو أعرض منها .

فإلى هنا تحصّل أنّ المقتضي لردّ خصوص الجزء المعيب تام والمانع عنه مفقود ، هذا كلّه فيما إذا اتّحد البائع والمشتري وتعدّد المبيع .

وأمّا الصورة الثالثة التي عبّر عنها شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بالصورة الثانية مع أنها بحسب تقسيمه ثالثة الصور ولعلّ النسخة مغلوطة : فهي ما إذا اتّحد البائع والمبيع وتعدّد المشتري كما إذا باع ماله من شخصين فهل يتمكّن أحدهما من

ــ[203]ــ

الفسخ في نصفه فيما إذا لم يفسخ الآخر في النصف الآخر أو لا ؟

فربما يقال كما عن جماعة ومنهم شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) بعدم تمكّن أحد المشتريين من الفسخ في النصف فيما إذا لم يفسخ الآخر بدعوى أنه يوجب تبعّض الصفقة على البائع وهو نقص يمنع عن الردّ كما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى  .

واُخرى يقال بتمكّن أحدهما من الفسخ مطلقاً سواء علم البائع بتعدّد المشتري أم لم يعلم به .

وثالثة يفصّل بين صورة علم البائع بتعدّد المشتري فيجوز لأحدهما الفسخ وإن لم يفسخ الآخر ، وصورة جهل البائع بتعدّده فلا يجوز كما هو محتمل كلام الشيخ (قدّس سرّه) ، هذه أقوال المسألة .

وتفصيل الكلام في المقام أن يقال : إنّ البائع إذا باع ماله من المشتريين ببيعين مستقلّين كما إذا باع نصفه من أحدهما وقال بعتك هذا النصف أو نصفه ، وباع النصف الآخر من الآخر فكان هناك بيعان مستقلاّن غاية الأمر أنهما متقارنان بحسب الزمان ، ففي هذه الصورة لا إشكال في أنّ أحد المشتريين يتمكّن من الفسخ فيما اشتراه وهو النصف فيما إذا ظهر فيه عيب وإن لم يفسخ الآخر ، لأنه اشتراه ببيع مستقل ولا ربط له بالبيع الآخر بوجه فيشمله عمومات الخيار ومفهوم قوله « أيّما رجل اشترى شيئاً وبه عيب وعوار » الخ(2) لأنه شيء وبه عيب وقد اشتراه فالظاهر عدم الخلاف في تمكّن كل منهما من الفسخ لشمول الأخبار وعدم لزوم تبعّض الصفقة ونحوه ، لأنّ الفرض أنه يردّ تمام المبيع ، ومبيعه بالبيع الاستقلالي هو

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 5 : 312 .

(2) الوسائل 18 : 30 / أبواب الخيار ب16 ح2 .

ــ[204]ــ

النصف حتى أنّ شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) لا يقول بعدم جواز فسخ أحدهما في هذه الصورة ولعلّه ظاهر ، وهذا من دون فرق بين صورة تعدّد الإيجاب والقبول واتّحادهما ، أو تعدّد الايجاب واتّحد القبول ، أو تعدّد القبول واتّحد الايجاب ، لأنّ المفروض أنّ البيع بحسب الواقع متعدّد فلا يختلف حكمه باختلاف المبرزات .

وأمّا إذا باع البائع لكل منهما النصف في بيع واحد بأن قال بعتكما هذه الدار أو بعت هذه الدار منكما بأن يكون البيع واحداً ، فهذه الصورة هي محل الخلاف في تمكّن كل منهما من الفسخ فيما إذا لم يفسخ الآخر ، ولكن الصحيح أنّ القول بثبوت الخيار لكل منهما في هذه الصورة أظهر من القول به في المسألة الاُولى المتقدّمة حتى أنّا لو قلنا في المسألة السابقة بعدم جواز ردّ خصوص المعيب دون الصحيح نلتزم في المقام بتعدّد الخيار وأنّ لكل من المشتريين الفسخ في النصف وإن لم يفسخ الآخر والوجه في ذلك أنّ البيع وإن كان واحداً في مقام الانشاء والاثبات إلاّ أنه متعدّد في الواقع لانحلاله بتعدّد المشتري حقيقة ، فهو قد باع نصف ماله من هذا حقيقة ونصفه الآخر من الآخر كذلك وإن كان بحسب الانشاء واحداً ، ويصدق على كل منهما أنه اشترى شيئاً وبه عيب وعوار ، لأن كلا منهما اشترى النصف حقيقة فيشمله قوله «  أيّما رجل اشترى شيئاً وبه عيب » الخ فإنّ نصف المعيب معيب أيضاً ولم يقيّد (عليه السلام) شراء المعيب بما إذا لم ينضمّ إلى شراء شيء آخر فلا قصور من ناحية الأخبار والمقتضي .

بل الظاهر أنه لا خلاف بين الفقهاء في تبعّض سائر الخيارات غير خيار الحيوان بتعدّد المشتري ، مثلا إذا كان المشتري متعدّداً وكانا في المجلس ففسخ أحدهما دون الآخر يكون فسخه في النصف نافذاً ، لأنّ خيار المجلس يتبعّض بتعدّد المشتري إذ يصدق على كل منهما « البيّعان » وكذا الحال في خيار الغبن لأنّ أحد المشتريين يتمكّن من الفسخ في حصّته عند ظهور الغبن ، لأنه اشترط على

ــ[205]ــ

البائع عدم زيادة ثمنه عن القيمة السوقية شرطاً ضمنياً ارتكازياً .

وكيف كان ، فلا ينبغي الاشكال كما لم ينقل خلاف من أحد في تبعّض الخيارات بتعدّد المشترين لأنّ « البيّع » يصدق عليهما ، كما أنّ الغبن في المال يصدق على نصفه أيضاً .

نعم لا يتبعّض خيار الحيوان بتعدّد المشتري فيما إذا اشترى إثنان حيواناً فأراد أحدهما الفسخ في نصفه ، وذلك لأنّ نصف الحيوان ليس بحيوان ، والخيار إنّما ثبت لصاحب الحيوان وصاحب النصف ليس بصاحب الحيوان وهذا ظاهر ، فإذن لا يمكن المناقشة في تبعّض خيار العيب أيضاً بتعدّد المشتري ، لأنّ نصف المعيب أيضاً معيب ويصدق على كل منهما أنه اشترى شيئاً وبه عيب وعوار الخ ، فلا قصور في شمول الأخبار والمقتضي للمقام .

وأمّا ما أبداه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من الموانع فمنها : أنّ مثل قوله (عليه السلام) « أيّما رجل اشترى شيئاً وبه عيب » منصرف عمّن اشترى النصف ، فلا تشمل الأخبار المقام لانصرافها إلى ما إذا اشترى تمام الشيء وقال : إنّ وجه الانصراف يظهر بالتأمّل .

ونحن بعد ما تأمّلنا لم يظهر لنا الوجه في الانصراف ولا نرى مانعاً من شمول إطلاق « أيّما رجل اشترى » لمشتري النصف ، كيف وقد عرفت أنه لم يختلف اثنان فيما نعلم من الأصحاب في تبعّض الخيارات بتعدّد المشتري ولم يدّعو الانصراف فهذا الوجه ساقط .

ومنها : أنّ ردّ أحدهما دون الآخر يوجب تبعّض الصفقة على البائع وهو نقص وعيب يمنع عن الردّ .

ويرد عليه : ما أوردناه سابقاً من أنّ النقص إنّما يمنع الردّ فيما إذا كان في مرتبة سابقة على الفسخ ، وأمّا النقص اللاحق له فلا دليل على أنه مانع عن الردّ

ــ[206]ــ

والنقص في المقام إنّما يحصل بنفس الفسخ لا قبله ، هذا أوّلا .

وثانياً : لو سلّمنا أنّ مطلق النقص حتى النقص اللاحق للفسخ بحسب المرتبة مانع عن الردّ ، فهو إنما يفيد في المسألة المتقدّمة لوحدة المبيع فيها ، وأمّا في المقام فلا ، لأنّ المأخوذ لكل منهما هو النصف والفرض أنه يردّ تمام ما أخذه فالمردود عين المأخوذ لأنه لم يأخذ الجميع حتى يردّ عليه النقص عند ردّ نصفه .

ومنها : أنّ إبقاء النصف الآخر وردّ أحد النصفين ضرر على البائع .

ويدفعه : ما تقدّم في المسألة المتقدّمة من أنّ ردّ خصوص المعيب وهو النصف لا يكون ضرراً مانعاً عن الردّ لمكان أدلّة الخيارات ، وأمّا الضرر في إمساك النصف الآخر فهو وإن تم يوجب الخيار للبائع في استرداده لو لم يعارض بضرر المشتري في تعلّق غرضه بامساك النصف الآخر وإلاّ يتساقطان ولا ربط له بالخيار في النصف المعيب كما تقدّم ، فما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من الموانع لا يرجع إلى محصّل .

نعم يمكن أن يقال بثبوت الخيار للبائع من جهة تخلّف الشرط ، لأنه إنما باع هذا النصف من هذا المشتري بشرط كون النصف الآخر مبيعاً من الآخر ، فإذا تخلّف هذا الشرط ولم يشتره المشتري أو فسخه في النصف فيثبت له الخيار في استرداد النصف الآخر فيما إذا أعمل أحدهما خياره في فسخ النصف ، وقد عرفت أنّ هذا لا يختص بخيار العيب بل الأمر كذلك في جميع الخيارات شرطاً كان أو مجلساً أو غبناً إلاّ في خيار الحيوان .

ثم إنّ المقام لا يقاس بإرث الخيار فيما إذا كان الوارث متعدّداً فإنّ الخيار الثابت للمورّث لمّا كان خياراً واحداً ثابتاً في تمام المبيع ، لأنّ الفرض أنه كان وحده مشترياً تمام المبيع ، فلا محالة يكون الموروث هو هذا الخيار الواحد الثابت في ردّ تمام المبيع ، وهذا ينتقل إلى الورثة فلا يتمكّن كل منهما من الفسخ في حصته إلاّ فيما إذا

ــ[207]ــ

فسخ الآخر في حصته ، لعدم ثبوت الخيار لكل منهما بل الخيار للجميع في جميع المال لا في بعضه لبعضه ، وهذا بخلاف المقام لأنّ المفروض أنّهما مشتريان متعدّدان ويصدق على كل منهما أنه اشترى شيئاً وبه عيب وعوار الخ ، فلا محالة يثبت الخيار لكل منهما فيما اشتراه ، كما لا يفرّق فيما ذكرناه بين صورة علم البائع بتعدّد المشتري وجهله . نعم ثبوت خيار تخلّف الشرط في صورة الجهل أظهر من ثبوته في صورة العلم لأنه إنّما باع كلا من النصفين من المشتري بشرط النصف الآخر ولا يعلم بتعدّدهما وشراء كل منهما نصفه ، هذا كلّه في هذه الصورة .

وأمّا الصورة الثالثة وهي صورة تعدّد البائع ووحدة المشتري كما إذا باع شريكان مالهما من شخص واحد فثبوت الخيار في ردّ كل نصف إلى مالكه بلا ردّ النصف الآخر أظهر من ثبوته في الصورتين المتقدّمتين ، لأنه بيعان حقيقة ولا يأتي فيه مسألة الضرر وتبعّض الصفقة على البائع ، لأنه يردّ إليه تمام ما انتقل عنه وهو النصف . نعم لو اشترطا أن يبيع نصف هذا المال مشروطاً ببيع الآخر نصفه يثبت لهما خيار تخلّف الشرط عند ردّ أحد النصفين إلى مالكه ، هذا .

ثم إنه ربما تجتمع صورتان أو أكثر من الصور المتقدّمة في مورد فيكون البائع متعدّداً والمشتري أيضاً متعدّداً كما إذا باع شريكان مالهما من أخوين أو شريكين ففي هذه الصورة يشتري كل من المشتريين ربع المال من هذا المالك وربعه من الآخر وكذلك المشتري الآخر ، فهل له ردّ أحد الربعين دون الآخر أو لا ؟ يأتي فيه ما قدّمناه في الصور المتقدّمة وقلنا بثبوت الخيار في ردّ البعض في تمام الصور وبالجملة يلحق حكم كل واحد من تعدّد البائع والمشتري حكمه ، هذا تمام الكلام في مسقطات الردّ ويقع الكلام بعد ذلك في مسقطات الأرش دون الردّ إن شاء الله تعالى  .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net