مسقطات الأرش 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الرابع : الخيارات-2   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2500


ــ[208]ــ

موارد سقوط الأرش دون الردّ

منها : ما إذا كان العوضان أي الثمن والمثمن متجانسين ربويين أي من قبيل المكيل والموزون ثم ظهر عيب في أحدهما ونفرضه في الثمن ، فإنه لا يتمكّن من مطالبة الأرش لاستلزامه الربا وهو الزيادة في أحد العوضين المتجانسين ، نعم له ردّ المعاملة وهو ظاهر . وقد نقل العلاّمة (قدّس سرّه)(1) عن بعض الشافعية أنه لا مانع من مطالبة الأرش حينئذ من جهة أنّ اللازم هو المماثلة في المقدار في العوضين المتجانسين في العقد وهي متحقّقة في المقام ، والأرش غرامة شرعية تثبت خارجاً لا ربط لها بالعقد ثم استجوده وقال إنه الأقرب .

وتفصيل الكلام في المقام : أنّ استلزام الأرش للربا إنما هو باحدى دعويين : الدعوى الاُولى : أنّ وصف الصحة في المبيع ممّا يقع في مقابله المال ، لبداهة أنّ المعيب لا يسوى بما يسوى به الصحيح ، فأخذ الأرش عند ظهور العيب في المبيع على القاعدة لعدم وصول مقابل تمام الثمن إليه ، فله أن يطالبه بنسبة الصحيح إلى المعيب من الثمن لما عرفت من اختلاف قيمتي المبيع صحيحاً ومعيباً ، وهذا أمر وجداني على القاعدة حتى أنّنا كنّا نلتزم بالأرش لو لم يرد فيه رواية أيضاً ، لأنه على القاعدة  ، إلاّ أنّ ذلك في غير العوضين الربويين ، وأمّا فيهما فقد منع الشارع من أخذ مقابل الصحة وحكم بتساوي المعيب والصحيح فيهما واعتبر المماثلة بينهما في المقدار كيلا أو وزناً ، كان أحدهما معيباً أم لم يكن ، فإذا باع خمسة مثاقيل فضّة معيبة بخمسة مثاقيل فضّة صحيحة ليس له أخذ ما يقابل وصف الصحة أبداً لأنه يوجب الزيادة في أحدهما وهي رباً حرام ، وعليه ففي المقام إذا طالب البائع بما يقابل وصف الصحة أي الأرش فيكون هذا موجباً للزيادة في أحد العوضين

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التذكرة 11 : 131 ـ 132 .

ــ[209]ــ

الربويين وهي محرّمة ورباً ومخالف لمنع الشارع عنه .

والدعوى الثانية : أن يقال بعد تسليم أنّ وصف الصحة لا يقابل بالمال ، أنّ أدلّة حرمة الربا عامّة تشمل كل زيادة حصلت في أحد العوضين ، كانت الزيادة زيادة في أحدهما حين العقد أم كانت تابعة لأحدهما ومن لوازمه وإن لم تكن كذلك حين العقد ، فتشمل الغرامة الأرشية أيضاً لأنها زيادة وإن سلّمنا عدم كونها من أجزاء أحد العوضين ، وبالجملة لا يجوز أن يكون أحد العوضين الربويين زائداً عن الآخر بوجه ، فإذا طالبه في المقام بالأرش فيستلزم ذلك كون أحد العوضين زائداً على الآخر ، هذا .

وفي كلتا الدعويين ما لا يخفى ، أمّا الدعوى الاُولى : فلما ذكرناه غير مرّة من أنّ وصف الصحة لا يقابل بالمال ، لأنه كغيره من الأوصاف والأعراض لا يقابل بالمال أبداً ، وممّا يدلّ على ذلك : أنّ الفقهاء تسالموا على أنّ البائع مثلا إنما تشتغل ذمّته بالأرش بمطالبة المشتري إيّاه وأمّا قبلها فلا ، فلو مات قبل مطالبة المشتري لم يحسب الأرش من ديونه ولا يخرج من تركته ، فلو كانت الصحة مقابلة بالمال لكان البائع غير مالك لما يقابلها من الثمن من الابتداء وتكون ذمّته مشغولة بالأرش قبل مطالبة البائع إيّاه ، فهذا يكشف عن أنّ الصحة لا يقابل بالمال .

على أنّ لازم ذلك أن لا ينتقل إلى البائع تمام الثمن لأنّ ما يقابل منه الصحة مال للمشتري فلا يجوز له التصرف فيه ، فلو ردّه لوجب أن يردّه أي الأرش من عين الثمن مع أنّ التصرف فيه للبائع سائغ ولا يجب عليه ردّ الأرش من عين الثمن بل له ردّه من غيره من أمواله .

وكيف كان ، فلا يقع بازاء وصف الصحة مال فإذا ظهر عيب في المبيع ليس للمشتري أن يطالب البائع بما يقابل الصحة من الثمن لأنه بتمامه وقع في مقابل الذات والذات وصلت إليه ، نعم له الخيار في ردّ المعاملة لأجل الشرط الضمني ولالتزام

ــ[210]ــ

البائع بوصف الصحة ، وأمّا مطالبة الأرش فلا ، فمن هنا يكون الأرش على خلاف القاعدة ولو لم يرد به الأخبار لما كنّا نلتزم به بوجه ، وعليه ففي المقام إذا طالب المشتري البائع بالأرش فلا يستلزم ذلك زيادة في أحد العوضين بل هما متساويان والأرش غرامة خارجية قد أثبتها الشارع فلا ربا في المقام .

وأمّا الدعوى الثانية ففيها : أنّ إثباتها يحتاج إلى دليل ولا دليل على أنّ مطلق الزيادة في الربويين ربا ولو لم تكن ثابتة في أحد العوضين بل كانت من توابعه  ، وإنّما الدليل دلّ على أنّ زيادة أحد العوضين زيادة معاملية محرّمة لكونها رباً لا مطلق الزيادة ولو لم تكن معاملية كما إذا باع عشرة مثاقيل ذهباً من الحلي المصوغ بعشرة مثاقيل ذهباً غير مصوغ فكانا متساويين في المقدار وبعد ما تمّت المعاملة وصار كل منهما ملكاً للآخر كسر البائع ذلك الحلي المصوغ وأزال عنه الصياغة بعد ما دخل في ملك المشتري ، فإنه في هذه الصورة ضامن لما أتلفه وكسره بلا إشكال لاتلافه مال الغير ، ولا يمكن حينئذ أن يقال بعدم ضمان البائع المتلف من جهة أنه يستلزم الزيادة في أحد العوضين وهي محرّمة ورباً ، إذ المحرّم إنّما هي الزيادة المعاملية لا مطلقها ولو كانت تابعة لأحدهما وذلك ظاهر ، وعليه فلا مانع من مطالبة الأرش في المقام لأنه غرامة خارجية وليس من أجزاء الثمن ، وزيادتها لا توجب الحرام لأنّ الربا هو الزيادة المعاملية بأن يبادل أحدهما بما هو أكثر منه لا مطلق الزيادة كما عرفت .

وأمّا ما نقله شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) عن بعضهم من التفصيل بين كون الزيادة من جنس العوضين فلا يجوز وبين كونها من جنس آخر فيجوز فهو من غرائب الكلام ، لأنّ الزيادة إن كانت معاملية فهي رباً مطلقاً كانت من جنس

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 5 : 317 .

ــ[211]ــ

العوضين أو خارجة من جنسهما ، بل حتى لو كانت زيادة حكمية كالشرط ونحوه
وإن لم تكن معاملية وكانت خارجية وتابعة لأحدهما فلا تكون رباً كانت من جنسهما أم لم تكن ، فالصحيح ما عرفت ، هذا.

ثم إنه ربما يورد على شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بأنّا على تقدير تسليم إحدى الدعويين المتقدّمتين إذا قلنا بشمول حرمة الربا للمقام فمجرد هذا لا يكفي في الحكم بعدم ثبوت الأرش في المقام كما صنعه هو (قدّس سرّه) بل لابدّ من بيان تقديم دليل حرمة الربا على دليل جواز المطالبة بالأرش ، والوجه في عدم كفاية كون الربا شاملا للمقام هو أنّ دليل حرمة الربا ودليل جواز المطالبة بالأرش متعارضان والنسبة بينهما عموم من وجه ، لأنّ ما دلّ على الحرمة في الربا أعم من الزيادة المعاملية والزيادة الخارجية كالغرامة ، كما أنّ ما دلّ على جواز أخذ الأرش أعم من أن يكون المعيب ربوياً أو غير ربوي فيتعارضان في المعيب الربوي بالعموم من وجه ، وحيث إنّ التعارض بالاطلاق فيسقطان فلا يبقى لنا دليل لا على جواز المطالبة بالأرش ولا على حرمة الربا ، وهذا وإن كان في النتيجة مساوياً لما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من الاكتفاء بشمول أدلّة الربا للمقام فإنّ النتيجة واحدة في كليهما وهي عدم صحة المطالبة بالأرش ، إلاّ أنّ عدمه على ما ذكرنا من جهة عدم الدليل على صحته كما لم يدل دليل على حرمته ، وأمّا بناء على ما أفاده هو (قدّس سرّه) يكون المطالبة به محرّمة لأنه ربا ، وكيف كان فلا يمكن الاكتفاء بمجرد شمول الربا للمقام ، إذ يمكن أن يقال حينئذ لماذا قدّمتم دليل الربا على دليل الأرش مع أنّهما متعارضان بالعموم من وجه ، هذا .

ولكن الصحيح هو ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من تقديم دليل حرمة الربا على دليل جواز الأرش بلا ملاحظة التعارض والحكم بالتساقط

ــ[212]ــ

والوجه في ذلك أنّ حرمة الربا ثابتة بالكتاب لقوله تعالى : (وَحَرَّمَ الرِّبَا)(1) وجواز الأرش ثابت بالسنّة ، وقد قدّمنا في محلّه(2) أنّ الخبر المعارض للكتاب ولو بنحو العموم من وجه ساقط عن الحجّية وباطل وزخرف حتى فيما إذا لم يكن معارضاً لسنّة اُخرى ولأجل ذلك يتقدّم حرمة الربا في المقام على دليل أخذ الأرش مع كون النسبة بينهما عموماً من وجه كما سلكه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) .

وأمّا ما أفاده السيّد (قدّس سرّه) في حاشيته(3) في تعداد موارد سقوط الأرش دون الردّ من أنّ من تلك الموارد ما إذا كان العوضان من النقدين كما إذا باع كذا مقداراً من النقد بمقدار مساو معه من النقد الآخر وبعد ما تقابضا وتفرّقا وجد أحدهما فيما انتقل إليه عيباً ، فإنه لا يتمكّن من أخذ الأرش حينئذ لتمامية المعاملة ولزوم كون التقابض في المجلس لقوله (عليه السلام) « وإن نزى حائطاً فانز معه »(4)وأخذ الأرش بعد المجلس غير جائز .

فالجواب عنه : ما تقدّم من أنّ الدليل دلّ على أن يكون تقابض العوضين في المجلس لا تقابض كل ما يتبعهما ، والأرش ليس من أحد أجزاء العوضين وإنّما هو غرامة خارجية فلا بأس بكونها في خارج المجلس وهو ظاهر .

ومن جملة الموارد التي ذكروا أنّ الأرش يسقط فيها : ما إذا لم يكن النقص من العيوب الموجبة لنقص القيمة وقد مثّلوا له بالعبد الخصي فإنه نقص ولكنه لا يوجب نقصاً في القيمة لرغبة الناس في مثله لأغراض محلّلة كالاطمئنان بعدم نظره

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البقرة 2 : 275 .

(2) مصباح الاُصول 3 (موسوعة الإمام الخوئي 48) : 516 ـ 517 .

(3) حاشية المكاسب (اليزدي) : 86 من مبحث الخيارات .

(4) الوسائل 18 : 169 / أبواب الصرف ب2 ح8 .

ــ[213]ــ

إلى أهل الرجل بشهوة أو محرمه .

وما أفادوه كذلك ، لأنه لا نقص في القيمة ولا تفاوت بين الناقص والتامّ بحسب القيمة حتى يثبت الأرش ، إلاّ أنّ الكلام في أنّ ذلك خروج تخصّصي أو تخصيصي بمعنى أنّ مثل الحضي عيب يثبت به الخيار كسائر العيوب ويستثنى الأرش لعدم التفاوت في قيمة صحيحه ومعيبه ، أو أنّ مثله ليس بعيب ولا يثبت به الخيار حتى يستثنى منه الأرش ، والظاهر هو الثاني لأنّ العبد الخصي الذي يرغب فيه أكثر العقلاء وإن رغب عنه طائفة اُخرى لميلهم إلى تكثير نسله وزيادة عبيدهم لا يعدّ من المعيوب الذي يثبت فيه الخيار ، أو الخصي في الديك المعبّر عنه اليوم بالمخصي فإنه ممّا يرغب إليه جميع الناس لأنه يوجب زيادة قوّته ليس من المعيوب ، لأنّ العيب ليس بمعنى مطلق النقص عن الخلقة الأصلية وإلاّ لكان الختان أيضاً عيباً في العبيد ، بل المراد به هو النقص الموجب لنقص قيمة الشيء وليس الأمر كذلك في المقام لعدم نقص القيمة في الخصي أو العبد المختون ، فعلى هذا فما ذكروه من عدم ثبوت الأرش في المقام سالبة بانتفاء الموضوع بمعنى أنه لا خيار حتى يثبت فيه الأرش ويستثنى في المقام ، ولعلّه ظاهر .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net