مسقطات الارش والردّ \ 1 ـ علم البائع أو المشتري بالعيب قبل العقد 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الرابع : الخيارات-2   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2313


ما يسقط به الأرش والردّ

يسقط الأرش والردّ باُمور منها : علم البائع أو المشتري بالعيب في الثمن أو المثمن ، وذلك لتقييد الخيار بالجهل في جميع أدلّة الخيار كقوله (عليه السلام) ثم علم أو وجد به عيباً(1) وما يؤدّي هذا المعنى الظاهر في جهل المشتري بالعيب حال العقد ثم علم بالعيب فيه .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 18 : 30 / أبواب الخيار ب16 ح2 ، 3 .

ــ[214]ــ

وربما يستدل على ذلك بمفهوم معتبرة زرارة « أيّما رجل اشترى شيئاً وبه عيب وعوار ولم يتبرّأ إليه ولم يبيّن له فأحدث فيه بعد ما قبضه شيئاً » الخ(1)والمستدل صاحب الجواهر (قدّس سرّه)(2) من جهة أنّ الإمام (عليه السلام) أخذ عدم البيان في موضوع الحكم بالخيار بمعنى أنّ التفصيل بين ما إذا أحدث فيه شيئاً وعدمه إنّما هو في صورة عدم البيان له وأنه حينئذ إن أحدث فيه شيئاً فلا يثبت له الخيار وإن لم يحدث فله الخيار ، وأمّا في صورة البيان فلا خيار له أحدث فيه أم لم يحدث فيه شيئاً.

وتنظّر في ذلك شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) حيث قال وفيه نظر(3) ولم يبيّن وجه نظره ، ويحتمل أن يكون وجه نظره أحد اُمور :

الأول : أنّ الرواية مطلقة من حيث العلم والجهل وإنّما دلّت على اعتبار خصوص عدم البيان في الحكم بالخيار ، فيكون العلم به من ناحية البيان أعني العلم الخاص مانعاً عن الخيار بالتعبّد لا مطلق علمه بالعيب ولو من غير ناحية البيان كعلمه به من عند نفسه ، فلا يكون العلم بالعيب من غير طريق البيان مانعاً عن الخيار لاطلاق الرواية ، فلو كان وجه نظره الشريف هذا الوجه فله وجه وبه ترتفع المناقضة الظاهرة بين كلامه في المقام وما أفاده بعد سطرين أو أكثر حيث استدلّ بمفهوم هذه الرواية على أنّ التبرّي مسقط للخيار مع أنّ قوله ولم يتبرّأ إليه وقوله ولم يبيّن له مذكوران في الرواية على نسق واحد ، فإن لم يكن لها دلالة على المفهوم من حيث عدم البيان فلا مفهوم لها من حيث عدم التبرّي أيضاً . وبالجملة كل ما صح في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 18 : 30 / أبواب الخيار ب16 ح2 .

(2) الجواهر 23 : 238 .

(3) المكاسب 5 : 320 .

ــ[215]ــ

أحدهما صح في الآخر فلا وجه لصحة أحدهما دون الآخر فهل هذا إلاّ تناقضاً نعم بناء على هذا الوجه ترتفع المناقضة فإنّ الرواية على هذا لها مفهوم من حيث التبرّي والبيان ولا مفهوم لها من حيث مطلق العلم والجهل .

إلاّ أنّ هذا الوجه يدفعه أنه خلاف ظاهر الرواية ، فإنّ عدم البيان لا موضوعية له وإنّما يراد به عدم العلم ، لأنّ العلم يكون بالبيان لا محالة وإلاّ فمن أين يحصل له العلم بالعيب في المال سيّما في العيوب الباطنة فإنّ علمها من طريق آخر غير البيان أمر غير محتمل .

الثاني : أن يكون الوجه فيما أفاده هو أنّ القضية الشرطية في المقام وهي قوله « أيّما رجل اشترى » الخ لا مفهوم لها ، فإنّها مسوقة لبيان تحقّق الموضوع فيكون مفهومها أيّما رجل لم يشتر شيئاً الخ وهو سالبة بانتفاء الموضوع ، وأمّا أنّه اشترى شيئاً آخر يعلم بعيبه فهو مطلب آخر نظير ما أفاده في الايراد على الاستدلال بمفهوم قوله تعالى : (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ)(1) حيث أفاد هناك بأنّ مفهومه إن لم يجئ الفاسق بالنبأ فهو سالبة بانتفاء الموضوع ، وأمّا مجيء شخص آخر بالخبر فهو أمر آخر ولا ربط له بالمفهوم .

ويرد على هذا الوجه أوّلا : إيراد المناقضة لأنه (قدّس سرّه) قد استدلّ بمفهوم تلك المعتبرة على إسقاط التبرّي للخيار فكيف تم لها المفهوم في قوله « ولم يتبرّأ إليه  » ولم يتم في قوله « ولم يبيّن له » مع أنّهما مذكوران على نسق واحد .

وثانياً : ما ذكرناه في محلّه من أنّ القضية الشرطية التي سيقت لبيان تحقّق الموضوع كقوله إن ركب الأمير فخذ ركابه التي لا مفهوم لها لكونها سالبة بانتفاء الموضوع إذا اشتملت على قيد آخر أو قيود كما إذا قيل في المثال إن ركب الأمير

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الحجرات 49 : 6 .

ــ[216]ــ

وكان اليوم جمعة فخذ ركابه فيثبت لها المفهوم من ناحية ذلك القيد والشرط الثاني وإن لم يكن له مفهوماً من ناحية الموضوع وهو الشرط الأول ، فإنّ مفهوم المثال أنه إذا ركب الأمير ولم يكن ركوبه يوم الجمعة فلا تأخذ ركابه ، نعم مفهومها من جهة الشرط الأول سالبة بانتفاء الموضوع فإنه عبارة عن أنه إذا لم يركب الأمير ومعلوم أنه لا ركاب حينئذ حتى يؤخذ أو لا يؤخذ ، والجملة الشرطية في المقام كذلك لاشتمالها على قيود وشرائط اُخر ولها مفهوم لقوله (عليه السلام) « أيّما رجل اشترى شيئاً وبه عيب وعوار ولم يتبرّأ إليه ولم يبيّن له » الخ ، فهو وإن لم يكن له مفهوم من ناحية قوله « أيّما رجل اشترى » إلاّ أنّ مفهومه من ناحية الشرطين الآخرين تامّ وهو أنه إذا اشترى شيئاً وبه عيب وعوار ولكنّه تبرّأ إليه أو بيّن له فلا خيار له ، فلا إشكال من هذه الجهة أيضاً لتعدّد الشرط في الحقيقة .

الوجه الثالث : أن يقال إنّ المفهوم في الرواية لا اعتبار به لأنه مفهوم الوصف والقيد وقد بيّنا في الاُصول أنّ مفهوم الوصف لا اعتبار به .

ويدفع هذا الوجه أيضاً أمران أحدهما : إيراد المناقضة فإنّ الوصف إذا لم يكن له مفهوم فليكن الحال كذلك في قوله « ولم يتبرّأ إليه » مع أنه قد تمسّك به بعد أسطر فإنه أيضاً من الأوصاف .

وثانيهما : أنّ الوصف لا مفهوم له من حيث هو وصف وهذا لا يمنع عن ثبوت المفهوم له في بعض الموارد من جهة قيام القرينة عليه ككونه في مقام التحديد وبيان ما يعتبر في موضوع الخيار ومن هنا قلنا بحجّية المفهوم في مثل قوله (عليه السلام)(1)كرّ من الماء بعد ما سأله الراوي عن الماء الذي لا يتنجّس بالملاقاة ثم قال : قلت وما

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع الوسائل 1 : 158 ، 167 / أبواب الماء المطلق ب9 ، 11 .

ــ[217]ــ

الكرّ ؟ ففسّره بمائتا رطل ، فمفهومه أنّ غير الكرّ يتنجّس بالملاقاة ، وفي مثل قوله(1)بريد في بريد في جواب سؤال الراوي بقوله في كم التقصير ؟ وغيرهما من الموارد والمقام من هذا القبيل .

وعليه فالصحيح ما أفاده صاحب الجواهر (قدّس سرّه) وإن قلنا إنّ الرواية ليست بصحيحة ولكنّها معتبرة ، والظاهر أنّ مراد شيخنا الأنصاري هو الوجه الأول لبعد عدم التفاته إلى المناقضة بهذا القرب .

ثم إنه إذا ثبت اعتبار الجهل بالعيب في ثبوت الخيار وكان المشتري عالماً بالعيب ولكنّه مع ذلك اشترط لنفسه الخيار على تقدير كونه معيباً من جهة احتمال البداء والندم في حقّه ، أو لأجل أن يشاور أصدقاءه أو أساتذته ويُرجعه على تقدير عدم رضاهم ، فلا مانع من هذا الاشتراط ويثبت له خيار الشرط بذلك ، وأمّا إذا أراد به خيار العيب الذي له أحكام خاصة فيفسد هذا الاشتراط لأنه على خلاف السنّة ، لأنّ الأخبار دلّت على عدم ثبوت خيار العيب في صورة العلم ، بل يمكن أن يقال بأنه على خلاف الكتاب لقوله تعالى : (أَطِيعُوا الرَّسُولَ)(2) وقد أمر (صلّى الله عليه وآله) بعدم الخيار في صورة العلم فاشتراطه مخالفة له (صلّى الله عليه وآله) .

وصريح كلام شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(3) أنّ هذا الشرط الفاسد يُفسد العقد أيضاً ، مع أنّ الظاهر أنه لا فرق بين هذا الشرط الفاسد وبقية الشروط الفاسدة ولا يلتزمون بالافساد فيها ، نعم يمكن أن نقول بافساد هذا الاشتراط بناءً على ما ذكرناه في خيار الرؤية من أنّ اشتراط الخيار أو جعل الشارع له يرجع إلى تحديد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8 : 451 / أبواب صلاة المسافر ب1 .

(2) النساء 4 : 59 .

(3) المكاسب 5 : 320 .

ــ[218]ــ

الملكية المنشأة وتقييدها بزمان الفسخ ، وعليه تكون الملكية التي أنشأها المتعاقدان بالشرط ملكية خاصة ومحدودة بزمان الفسخ ، والمفروض في المقام بطلان هذا الاشتراط وفساده ، ومعناه أنّ الشارع لم يمض الملكية الخاصّة المحدودة بزمان الفسخ  ، وأمّا الملكية المطلقة فلم ينشئها المتعاقدان فيكون العقد فاسداً من جهة فساد الشرط ، وقد أشرنا في خيار الرؤية بالرجوع إلى ما علّقناه على نكاح العروة(1) في مسألة ما إذا اشترطا الخيار في عقد النكاح فإنه فاسد لعدم جواز الخيار في النكاح ، وذهب المشهور إلى أنه يفسد النكاح أيضاً ، وتنظّر فيه صاحب العروة وغيره من جهة أنهم لا يلتزمون بالافساد في الشروط الفاسدة ، وذكرنا نحن في وجه ذلك أنّ تقييد النكاح بالزمان كيوم ويومين واسبوع وشهر ثابت وسائغ في الشريعة المقدّسة وهو النكاح المنقطع إلاّ أنّ تقييده بالزمانيات كنزول المطر أو مجيء فلان أو رضا شخص آخر غير سائغ لأنّ النكاح لا يشترط ولا يقيّد بها ، وقد مرّ أنّ مرجع اشتراط الخيار أو جعل الشارع للخيار إلى تقييد الملكية أو النكاح بالفسخ وهو من الزمانيات ، فمعنى اشتراط النكاح بالخيار ومرجعه إلى إنشاء النكاح الموقّت بزمان الفسخ ، والشارع لم يمض هذا النكاح المقيّد بالزماني فيفسد
وأمّا النكاح الدائمي غير الموقّت فهو لم ينشئه المتعاقدان فيكون الاشتراط مفسداً للنكاح ، ولعلّه الوجه فيما ذهب إليه المشهور من بطلان النكاح حينئذ .
ـــــــــــــــ

(1) العروة الوثقى 2 : 638 المسألة ] 3855 [ .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net