الموارد التي قيل بسقوط الردّ والأرش فيها \ الأوّل - الثاني 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الرابع : الخيارات-2   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2183


ومن هنا ذهب السيّد (قدّس سرّه) في حاشيته(1) إلى عدم الفرق بين الرد والأرش وحكم بسقوطهما بدعوى أنّ موضوعهما المبيع المعيب حسبما يستفاد من الأخبار وبعد زوال العيب لا يبقى موضوع لهما ، هذا .

ويمكن أن يقال أوّلا : بالتفصيل على عكس تفصيل شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بأن نلتزم بسقوط الأرش دون الردّ ، وذلك لأنّ الأرش كما عرفت ثبت بالتعبّد وموضوعه المعيب ، وبعد زوال العيب لا يبقى له موضوع فيسقط لا محالة وأمّا الردّ فلا لما مرّ وعرفت من أنّ الردّ ثبت بالاشتراط الضمني الارتكازي عند العقلاء ولذا كنّا نلتزم به وإن لم يرد فيه نصّ أيضاً ، ولم يثبت الردّ بالأخبار حتى يرتفع بزوال العيب ، ومن الظاهر أنّ الردّ يثبت بمجرد كون المبيع فاقداً لوصف

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) حاشية المكاسب (اليزدي) : 88 من مبحث الخيارات .

ــ[229]ــ

الصحة حال البيع لتخلّف الشرط الضمني وسقوطه بعد الزوال لا دليل عليه ، فنلتزم بالردّ دون الأرش ، كما نلتزم بذلك في كل خيار يثبت بالاشتراط الضمني أو بغير الضمني كما إذا اشترط الكتابة في العبد ولكنّه لم يكن متّصفاً بالكتابة حين المعاملة وتعلّمها عند المشتري ، لأنّا نلتزم في مثله بالخيار بين الردّ والامضاء لتخلّف الشرط الصريح  .

وثانياً : يمكن أن يقال بثبوت كل من الرد والأرش وعدم سقوطهما بزوال العيب قبل الردّ ، وذلك لأنّ أكثر الأخبار وإن دلّت على ثبوتهما في المبيع المعيب إلاّ أنه لا مفهوم لها حتى تنفي الردّ والأرش في غير المبيع المعيب بل هي ساكتة عن غيره  ، وعليه فيكفينا في الالتزام بهما رواية زرارة التي عبّر عنها شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بالصحيحة ، لأنّها دلّت على أنّ إحداث الحدث علّة منحصرة في لزوم المعاملة عند فرض عدم البيان وعدم التبرّي ووقوع الشراء على ما به عيب وعوار في الواقع ، فإذا كان المبيع معيباً في الواقع ولم يبيّن له ولم يتبرّأ إليه فله الخيار إن لم يحدث فيه حدثاً ، وليس له الخيار ويمضي عليه البيع إن أحدث فيه ذلك ، فإذا لم يحدث فيه حدثاً فله الردّ والأرش لاطلاق الرواية لأنها جعلت الاحداث علّة منحصرة في اللزوم ، فإن تحقّق تحقّق اللزوم وإلاّ فلا ، والمفروض عدمه فلا لزوم في العقد وله الردّ كما أنّ له الأرش ، ولم يقيّد جواز المعاملة بصورة عدم ارتفاع العيب بل قيده بصورة عدم إحداث الحدث فقط ، وفي غيرها لا لزوم زال العيب أم لم يزل وكذلك نقول في الأرش ، وهذه الرواية تكفي في الحكم بثبوت الأرش والردّ ولا يعارضها سائر الأخبار الدالّة على الخيار في المبيع المعيب ، إذ لا مفهوم لها حتى تنفيه عن غيره وتعارض مع هذه الرواية ، فإذن فالزائل العائد كأنه لم يعد فيحكم بكل من الردّ والأرش كما إذا لم يزل العيب أصلا .

ــ[230]ــ

ثم إنّ شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) ذكر من الموارد التي يكون التصرف فيها مسقطاً للردّ والأرش ما إذا تصرّف في المعيب بعد العلم بالعيب ، وقد نقل عن ابن حمزة في الوسيلة(2) أنه يرى التصرف حينئذ موجباً لسقوط كل من الرد والأرش . أمّا الردّ فلما مرّ من أن التصرف وإحداث الحدث مانع عن الردّ . وأمّا الأرش فلعدم الدليل عليه فيما إذا تصرّف في المعيب بعد العلم بعيبه .

والكلام في ذلك يقع من جهتين : الجهة الاُولى : في أنّ التصرف بعد العلم بالعيب هل يمنع عن ثبوت الأرش حينئذ أو لا مانع عن الأرش حينذاك . الجهة الثانية : في أنّ الدليل هل يشمل صورة التصرف في المبيع مع العلم بالعيب ويقتضي ثبوت الأرش في هذه الصورة أيضاً أو أنه لا مقتضي للأرش فيها .

أمّا الكلام في الجهة الاُولى : فإن قلنا بأنّ التصرّف مسقط تعبّدي لاستفادته من بعض أخبار خيار الحيوان كقوله (عليه السلام) « أرأيت إن لامس أو قبّل أو نظر منها إلى ما لا يجوز النظر إليه » الخ(3) فلا محيص حينئذ من الاقتصار على مقدار التعبّد شرعاً ، والمقدار الذي تعبّدنا الشارع بكون التصرف مسقطاً هو الردّ فقط ، وأمّا الأرش فلا لأنه لم يرد رواية تدلّ على التعبّد في سقوط الأرش بالتصرف ، فإذن لا يكون التصرف مانعاً عن ثبوت الأرش بعد التصرف فيما إذا تصرّف مع العلم بالعيب .

وأمّا إذا قلنا بأنّ التصرف مسقط من أجل أنه كاشف عن الاسقاط لا من أجل التصرف فحينئذ يتمحّض النزاع في الصغرى فقط أي يقع الكلام في أنّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 5 : 326 .

(2) الوسيلة : 257 .

(3) الوسائل 18 : 13 / أبواب الخيار ب4 ح3 (مع اختلاف يسير) .

ــ[231]ــ

التصرف في المبيع بعد العلم بالعيب كاشف عن الرضا بالمبيع فقط دون العيب ، فله المطالبة بالأرش لأنه إنما أسقط الردّ لا الأرش ، أو أنه كاشف عن الرضا بالمبيع وبالعيب وكأنه أقدم على شراء المعيب مع العلم بالعيب فيسقط به الردّ والأرش معاً وكيف كان فيكون البحث صغروياً محضاً وأنه أراد إسقاطهما أو إسقاط أحدهما ، ولا مجال للبحث الكبروي في أنّ التصرف مسقط أو لا ، إذ المفروض أنّا بنينا على أنه مسقط لأجل الكشف عن رضا المتصرف ، ولا فرق في الاسقاط والتجاوز عن الحق بين اللفظي منه والفعلي ، لأنّ المشتري غير ملزم بمطالبة الأرش وإنّما هو جائز في حقّه وحق ثابت له وله أن يطالب به وله أن يتجاوز عنه ، فإذن لا يبقى مجال للبحث الكبروي ، ولابدّ من تشخيص أنّ المتصرّف ماذا أراد بتصرّفه فهل أراد إسقاط الردّ أو هو مع الأرش .

وأمّا الجهة الثانية : فإن بنينا على أنّ الأرش كالردّ يثبت من الابتداء أي من حين تحقّق العقد وأنه يولد أمرين أحدهما الردّ والثاني الأرش ، فحينئذ يكون الأرش ثابتاً في حقه من الابتداء قبل التصرف وبعده مع العلم أو بدونه ، فلا يختص بما إذا تصرف فيه مع الجهل بالعيب ، وأمّا إذا قلنا بأنّ الأرش يثبت بعد التصرف الذي يمنع عن الردّ لا من الابتداء فقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) أنّ الأرش لا يختص بصورة التصرف قبل العلم بالعيب بل الأخبار تدل على أنّ الأرش يعم التصرف قبل العلم بالعيب وما بعده ، ثم أمر بالمراجعة إلى الأخبار بقوله فليراجع .

ونحن قد راجعنا الروايات ولم نجد منها ما يدلّ على عمومية الأرش وثبوته مع التصرف بعد العلم بالعيب إلاّ روايتين : إحداهما رواية ميسر عن أبي عبدالله

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 5 : 326 .

ــ[232]ــ

(عليه السلام) « قال كان علي (عليه السلام) لا يردّ الجارية بعيب إذا وطئت ولكن يرجع بقيمة العيب » الخ(1) وثانيتهما رواية عبدالملك عن أبي عبدالله « قال لا تردّ التي ليست بحبلى إذا وطئها صاحبها وله أرش العيب »(2) وهاتان الروايتان مطلقتان في ثبوت الأرش بالتصرف كان مع العلم بالعيب أم بلا علمه ، وليس فيهما تقييد الأرش بما إذا تصرّف فيه مع الجهل بالعيب ثم علم به ، وهذا بخلاف سائر الأخبار لأنها مشتملة على التقييد بالجهل بقوله (عليه السلام) « ثم علم بذلك العيب  »(3) أو « ثم وجد فيها عيباً »(4) وهكذا .

إلاّ أنّ هاتين الروايتين لضعف سنديهما قاصرتان عن إثبات الأرش مطلقاً حتى مع التصرف بعد العلم بالعيب ، وليس في غيرهما من الأخبار دلالة على ثبوته مطلقاً ، نعم لا مفهوم لغيرهما في نفي الأرش مع التصرف بعد العلم حتى يتعارضان إلاّ أنهما في نفسهما قاصرتان لضعف السند ، هذا أوّلا .

وثانياً : لو سلّمنا أنّهما معتبرتان بحسب السند فلا يمكن الاعتماد عليهما أيضاً لأنّ غيرهما من الأخبار وإن لم يكن لها مفهوم حتى يعارضهما إلاّ أنّ بينها رواية واحدة ذات مفهوم وهي صحيحة حمّاد عن علي بن الحسين (عليه السلام) وهي لصحتها وقوّتها تتقدّم على الروايتين بعد المعارضة ، والوجه في مفهومها هو أنه (عليه السلام) « قال كان القضاء الأول في الرجل إذا اشترى الأمة فوطئها ثم ظهر على

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 18 : 104 / أبواب أحكام العيوب ب4 ح8 .

(2) الوسائل 18 : 105 / أبواب أحكام العيوب ب5 ح3 .

(3) الوسائل 18 : 30 / أبواب الخيار ب16 ح2 (مع اختلاف يسير) .

(4) الوسائل 18 : 102 / أبواب أحكام العيوب ب4 ح2 .

ــ[233]ــ

عيب  ، أنّ البيع لازم وله أرش العيب »(1) حيث رتّبت الأرش فيما إذا وطئها ثم علم بالعيب ، وحيث إنّها شرطية فمفهومها أنه إذا لم يتأخّر العلم بالعيب عن الوطء بل كان متقدّماً عليه فلا أرش ، ولأجل صحتها تتقدّم على الروايتين ، وحينئذ فيثبت بذلك ما ذهب إليه ابن حمزة من سقوط الأرش بالتصرف بعد العلم بالعيب .

ومن جملة الاُمور التي عدّوها من المسقطات للردّ والأرش : التصرف في المبيع المعيب ولكن العيب لم يكن ممّا يوجب نقصاً في قيمة المبيع كالبغل الخصي أو العبد كذلك ، فإنّ البغل لا نسل له فلا يفرّق فيه بين الخصي وغيره ، وليس هو كالفرس المطلوب فيه الولد حتى يكون الخصاء فيه عيباً ، وكذلك العبد لأنّ الخصي منه ممّا يطلبه جماعة من العقلاء ويرغبون فيه فلا تنقص قيمته ، وفي مثله إذا تصرّف فيه بعد العلم به يسقط الردّ لا محالة ، لما تقدّم من أنّ التصرّف مسقط للردّ كما يسقط الأرش إذ لا فرق بين قيمتي الصحيح والمعيب ، هذا .

ولا يخفى أنّ الأنسب بكتاب شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) وبه أن لا يعدّ التصرّف من جملة الاُمور المسقطة للردّ والأرش ، لأنّ الفرض أنه يسقط الردّ فقط وأمّا الأرش فهو لا يسقط من جهة التصرف بل من جهة عدم الفرق بين الصحيح والمعيب بحسب القيمة ، هذا أوّلا .

وثانياً : أنّ الكلام فيما ثبت فيه الأرش والردّ ولكن نتكلّم في أنّهما يسقطان بأي شيء ، وقد تقدّم أنّ العيب الذي لا ينقص القيمة لا يثبت به الأرش أصلا ، أمّا بحسب الأخبار فلانصرافها إلى عيب يوجب تفاوتاً في قيمة المبيع ولا تشمل ما لا فرق بين صحيحه ومعيبه ، لأنّ العيب لا يصدق عليه ، إذ المراد به ليس مجرد النقص عن الخلقة الأصلية وإلاّ لكان الختان من جملة العيوب الموجبة للأرش ، بل المراد به

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 18 : 104 / أبواب أحكام العيوب ب4 ح7 .

ــ[234]ــ

هو ما يوجب نقص قيمة المال . وأمّا بحسب بناء العقلاء فلما عرفت من أنهم لا يعدّون مجرد النقص عن الخلقة الأوّلية عيباً ، وعليه فلا أرش في المقام حتى يسقط بالتصرف أو بشيء آخر .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net