الأقوال في وجوب الإعلام بالعيب - الكلام في صحّة المعاملة مع الغش 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الرابع : الخيارات-2   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2859


القول في وجوب الإعلام بالعيب

البائع إن لم يعلم بالعيب في المبيع فلا كلام فيه ، وأمّا إذا علم بالعيب فهل يجب عليه الإعلام بالعيب مطلقاً أو لا يجب كذلك بل يستحبّ ، أو أنه يتخيّر بين الإعلام والتبرّي من العيب ، أو أنّ هناك تفصيلا بين العيب الجلي كالعمى في العبد فلا يجب البيان وبين العيب الخفي فيجب عليه الإعلام مطلقاً أو مخيّراً بينه وبين التبرّي فالأقوال خمسة ولكل قائل .

ومبنى جميع هذه الأقوال الخمسة كما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)على صدق الغش في بيع المعيب وعدمه بعد ما تقدّم في المكاسب المحرّمة(2) من أنّ الغش حرام في الشريعة المقدّسة ، فيكون الكلام والبحث في أنّ الغش هل ينطبق على المقام أو لا ينطبق بعد مفروغية حرمة الغش ، وأمّا صحة المعاملة أو فسادها فسيأتي الكلام فيهما بعد ذلك إن شاء الله تعالى .

وربما يقال والقائل هو السيد (قدّس سرّه) في حاشيته(3) بعدم صدق الغش على بيع المعيب مع السكوت عن ذكر عيبه وملخّص ما أفاده في وجه ذلك : أنّ الغش وإن كان في مقابلة النُصح إلاّ أنّهما ليسا من النقيضين أو من الضدّين اللذين لا ثالث لهما ، بل بينهما واسطة ككل من لا يشتغل بالمعاملة ولا بشيء آخر فإنه لا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 5 : 336 .

(2) مصباح الفقاهة 1 (موسوعة الإمام الخوئي 35) : 461 .

(3) حاشية المكاسب (اليزدي) : 90 من مبحث الخيارات .

ــ[247]ــ

غاش ولا ناصح ، نعم ربما يكون البائع ناصحاً فيقول للمشتري إنّ مالي هذا معيب ولا إشكال في حسنه ، واُخرى يكون غاشاً كمن باع ماله مع العلم بعيبه ورداءته إلاّ أنه وصفه بأوصاف كذا على خلاف الواقع فإنه أيضاً غش محرّم ، وثالثة يبيعه مع العلم بعيبه إلاّ أنه يسكت في مقام البيع ولا يوصفه ولا يبيّن عيبه ، فلا يكون مثله ناصحاً ولا غاشاً ، فإنّ المشتري هو الذي غفل ولم يسأل عن عيبه ولم يدقّق الحال وسامح في الاشتراء ، فلا يكون البيان واجباً عليه حينئذ ولا يصدق عليه الغش كما هو ظاهر .

وملخّص ما ذكره (قدّس سرّه) أنّ الغش ليس أمراً عدمياً أعني عدم النصح حتى يصدق الغاش على كل من ترك النصح بل بينهما واسطة ، فمجرد بيع المعيب بلا نصح لا يدخل في الغش ، نعم لو أبرزه بصورة الصحيح أو سئل عنه ولم يبيّن العيب لا محالة يكون غاشاً ، وهذا من دون فرق بين العيب الخفي والجلي ، وقد ورد في جواز ترك بيان الجلي رواية وهي صحيحة محمد بن مسلم(1) في من خلط الحنطة الردية بالجيّدة فقال (عليه السلام) لا بأس به إذا رئيا ، هذا ملخّص كلامه (قدّس سرّه) وهو إيراد منه على ما هو ظاهر كلام شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من حرمة ترك الإعلام في الخفي والجلي ، هذا .

ولا يخفى أنّ ترك إعلام العيب من البائع وسكوته عنه غش محرّم بلا فرق في ذلك بين الخفي والجلي ، وذلك لما تقدّم من أنّ بيع البائع بلا بيان العيب التزام منه بسلامة المبيع وإخبار منه بأنه صحيح ، وبذلك أثبتنا للمشتري الخيار وقلنا إنه إذا ظهر فيه عيب يثبت للمشتري الخيار لأجل الاشتراط عند العقلاء بلا حاجة في ذلك إلى الأخبار ، لما تقدّم من أنّ الخيار عند تخلّف الشرط على القاعدة ، وليست في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 18 : 112 / أبواب أحكام العيوب ب9 ح1 .

ــ[248]ــ

أخبار خيار العيب تأسيس للخيار وإن كانت مؤسسة للأرش لأنه التزم بسلامة المبيع ببيعه عند العقلاء ، بل قد عرفت أنّ الالتزام المعاملي معلّق على التزام البائع بصحة المبيع ، وذكرنا أنّ مثل هذا التعليق لا يمنع عن صحة العقد (لأنه تعليق على أمر حاصل بالفعل ويعلمان به وهو مقوّم لصحة المعاملة) وقد عرفت أيضاً أنّ معنى الالتزام بوجود الأوصاف الخارجة عن اختياره هو جعل الخيار على تقدير عدمه كما أنّ معنى الالتزام بالأعمال أي شرطها يستلزم الخيار على تقدير عدمها ، مضافاً إلى الحكم التكليفي المتعلّق بإيجاد ما التزم به لعموم « المؤمنون عند شروطهم  »(1)وهذا هو الفارق بين الالتزام بالوصف والالتزام بالعمل فراجع .

وكيف كان ، سواء قلنا بأنّ المعاملة معلّقة على الالتزام بصحة المبيع أم لم نقل تقدّم أنّ بيع البائع بلا بيان العيب التزام عند العقلاء بصحة المبيع وإخبار عملي بصحته وعدم عيبه ، فإذا كان الأمر كذلك فلا محالة يصدق عليه الغش لأنه أخبر بعمله عن صحته مع أنه معيب وأبرزه وأظهره صحيحاً وهو في الواقع معيب وهذا من الغش المحرّم في الشريعة المقدّسة وقد قال (صلّى الله عليه وآله) : « ليس منّا من غش مسلماً »(2) وهذا بلا فرق بين العيب الخفي والجلي ، نعم لو كان الجلاء بمثابة يعلم به المشتري ولا يجهل به لعمىً في بصره أو لعدم كونه من أهل الخبرة بالشيء بحيث علم بالعيب وكان عنده مبيّناً فلا يجب الإعلام والبيان لأنه من اللغو الظاهر حينئذ إذ المفروض أنه عنده معلوم ، فالمناط هو علم المشتري بالعيب وعدمه لا مجرّد كون العيب جلياً وإن لم يظهر للمشتري لمانع ونحوه .

ونتيجة ما ذكرناه وجوب الإعلام بالعيب خفياً كان أم جلياً . نعم هذا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 21 : 276 / أبواب المهور ب20 ح4 .

(2) الوسائل 12 : 241 / أبواب أحكام العشرة ب137 ح1 .

ــ[249]ــ

الوجوب وصدق الغش على ترك الإعلام يختص بما إذا لم يتبرّأ البائع من العيب فإنه إذا تبرّأ منه معناه أنه لا يلتزم بصحة المبيع ولا يخبر بسلامته بعمله ، سواء كان عالماً بعيبه أيضاً أم لم يكن ، وسواء أخبر بعيبه أم لم يخبر به حتى مع سؤال المشتري إلاّ أنه يتبرّأ من العيب فإنه يخرجه عن الالتزام بسلامة المعيب ، ولابدّ للمشتري من أن يحصّل الوثوق بصحته بأصالة السلامة أو بغيرها ، فمع تبرّي البائع إذا ظهر فيه عيب فلا يصدق عليه الغش لأنّ القصور أو التقصير حينئذ من ناحية المشتري حيث لم يتفحّص عنه مع تبرّي البائع . وعليه فاللازم على البائع أحد أمرين : إمّا الإعلام بالعيب وهو الأحوط أو التبرّي عنه حين المعاملة ، فالصحيح من الأقوال الخمسة هو القول الثالث أعني التخيير بين الإعلام والتبرّي ، هذا كلّه في الحكم التكليفي من حيث وجوب الإعلام وعدمه .

وأمّا الكلام في حكم المعاملة وضعاً وأنّ المعاملة مع الغش صحيحة أو فاسدة ، فقد حكي عن المحقّق الثاني والشهيد الثاني في جامع المقاصد(1)والمسالك(2) عدم بطلان المعاملة في مثل شوب اللبن ومزجه بالماء ، ثم أوردا على أنفسهما بأنّ المزج بغير الجنس يوجب جهالة مقدار المبيع لأنه إنّما يشتري اللبن دون الماء ولا يعرف مقداره ، فالمعاملة باطلة للجهل بالمقدار ، وأجابا عنه بأنّ العلم بمقدار المجموع يكفي في صحة المعاملة ولا يشترط فيها العلم بمقدار كل واحد من الأجزاء كما لو باع ماله منضمّاً إلى مال الغير ثم ظهر أنه مستحق فتصح المعاملة في ماله ، هذا .

وتفصيل الكلام في المقام : أنّ العيب في المبيع تارةً غير مستند إلى المزج بغير

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) جامع المقاصد 4 : 333 .

(2) المسالك 3 : 129 و285 .

ــ[250]ــ

الجنس كالعبد المعيب لمرض مزمن فباعه بلا إعلام وليس فيه مزج بغير الجنس . واُخرى يكون العيب مستنداً إلى المزج بغير جنسه ، وهذا تارةً يوجب استهلاك الممتزج في ضمن المبيع كخلط مقدار قليل من الماء باللبن بحيث يستهلك فيه الماء ولا يصدق على مجموعها إلاّ عنوان اللبن . واُخرى يوجب استهلاك المبيع في الممتزج كما إذا خلط مقداراً كثيراً من الماء باللبن بحيث صدق عليه عنوان الماء المضاف باللبن ولم يصدق عليه عنوان المبيع الذي هو اللبن . وثالثة يوجب المزج إيجاد ماهية ثالثة غير حقيقة المبيع وحقيقة الممتزج به كخلط الخلّ بالسكر الموجب لتحقّق السكنجبين وهو حقيقة ثالثة . ورابعةً لا يوجب المزج الاستهلاك بوجه بل يصدق على المجموع عنوان كل من المبيع والممتزج به وهذا كخلط مقدار كثير من التراب في الحنطة من غير استهلاك أحدهما في الآخر كمزج مَنّ من التراب في منّ من الحنطة بحيث يصدق عليه عرفاً أنه حنطة وتراب فهذه خمسة صور .

أمّا الصورة الاُولى : أعني التعيّب من غير ناحية المزج بغير الجنس فلا ينبغي الاشكال في صحة المعاملة فيها غاية الأمر أنه ارتكب معصية بتركه الإعلام وإعماله الغش الحرام ، ولكن يثبت للمشتري الخيار ولا وجه لبطلان المعاملة حينئذ  ، لأنّ النهي لم يتعلّق بعنوان المعاملة بل بعنوان الغش المقارن للمعاملة اتّفاقاً بل لو كان ملازماً معها أيضاً لما أوجب البطلان كما قرّر في محلّه وهو ظاهر .

وأمّا الصورة الثانية : وهي التعيّب بالمزج بغير الجنس مع استهلاك الممتزج في المبيع فهي أيضاً صحيحة وترك الإعلام لا يوجب إلاّ معصية بلا استلزامه فساد المعاملة ، فإنّ المعاملة إنّما وقعت على عنوان اللبن والموجود أيضاً لبن عند العرف حسب الفرض ولم تتغيّر صورته النوعية ، فلا وجه لبطلان المعاملة ، نعم له الخيار لتعيّب المبيع وعدم خلوصه .

ــ[251]ــ

وأمّا الصورة الثالثة : وهي صورة استهلاك المبيع في الممتزج به بحيث لا يصدق عليه عنوان المبيع كاللبن ، فلا ينبغي الاشكال في فساد المعاملة حينئذ لأنّ قوام الشيء إنما هو بصورته النوعية وبتبدّلها يتبدّل إلى شيء آخر ، والمفروض أنّ الموجود ليس متلبّساً بصورة اللبن بل هو عرفاً متّصف بالصورة النوعية المائية فهو غير المبيع والمبيع غير الموجود فالمعاملة باطلة(1).

ومنه يظهر الكلام في الصورة الرابعة ، لأنّ مزجهما قد أوجد ماهية ثالثة وحقيقة اُخرى غير حقيقة المبيع ، وحيث إنّ الصورة النوعية منتفية ومتبدّلة إلى غيرها فلا يصدق عليه عنوان المبيع فتبطل المعاملة لا محالة .

وأمّا الصورة الخامسة : وهي الخلط بلا استهلاك في البين بل مع صدق كل من عنواني المبيع والممتزج عليه بحيث يصدق عرفاً أنه حنطة مع التراب فهي التي يجري فيها إشكال جامع المقاصد والمسالك من أنّ مقدار المبيع وهو الحنطة مجهول .

وجوابهما : بأنّ العلم بمقدار المجموع كاف في صحة المعاملة ، دون الصور المتقدّمة ، وحينئذ نلتزم بصحة المعاملة في خصوص الحنطة دون التراب لأنه خارج عن متعلّق العقد وإن كان مقدار الحنطة مجهولا لما تقدّم في محلّه من أنّ العلم بمقدار المجموع كاف في صحة المعاملة .

فالمتحصّل : أنه لا يمكن الحكم بالفساد في جميع الصور ولا بالصحة كذلك ، بل لابدّ من التفصيل كما مرّ بالصحة في الصورة الاُولى والثانية والفساد في الثالثة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وقد نقل سيّدنا الاُستاذ (دام ظلّه) أنه قيل لمن يشتري اللبن (دوغ) وكان ممزوجاً بماء كثير : إنه كلّ ما كثر ماؤه قلّ داؤه ، فأجابه المخاطب نعم ولكن مع حفظ مرجع الضمير في مائه (فإنه يرجع إلى اللبن) كناية عن أنّك قد أذهبت لأجل خلط الماء الكثير عنوان اللبن ، فلا لبن حتى يقال كلّما كثر ماء اللبن ، بل هو ماء .

ــ[252]ــ

والرابعة ، وأيضاً بالصحة في الصورة الخامسة .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net