2 ـ الاختلاف في كون شيء عيباً وعدمه \ 3 ـ الاختلاف في تقدّم العيب على البيع وتأخّره 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الرابع : الخيارات-2   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2311


المسألة الثانية من النزاع في سبب الخيار : ما إذا اتّفقا على وجود وصف في المبيع ولكنّهما اختلفا في أنه عيب أو أنه غير عيب كما إذا كان الفرس ذا ألوان مختلفة وكان رأسه بلون وبدنه بلون آخر ادّعى المشتري أنه عيب وقال البائع أنه غير موجب للعيب ولم يتمكّن من الرجوع إلى أهل الخبرة ، والحال في هذه الصورة هو الحال في الصورة السابقة ، لأنّ مرجع النزاع إلى أنه هل وقع العقد على ما به عيب أو عوار أو لم يقع على المعيب ، واستصحاب عدم وقوع العقد على ما به عيب بمعنى استصحاب عدم اتّصاف العقد الواقع بكونه واقعاً على ما به عيب محكّم أو استصحاب الملكية كما مرّ ، نعم لا يثبت بذلك كون الوصف عيباً أو ليس بعيب .

ثم إنّهما إذا اتّفقا على أنّ الوصف الموجود يوجب نقص مالية الشيء ولكنّه ليس بعيب ككون الثوب مخيطاً أو مقطوعاً أو مصبوغاً وكون الرقي أو البطيخ مكسوراً بالسكين فإنها لا يعدّ عيباً إلاّ أنّك عرفت كونها مستلزمة لنقص القيمة فإنّ المكسور من البطيخ مثلا لا يبقى أكثر من يوم بخلاف غير المكسور والطالب له قليل ، وكذا الحال في خياطة الثوب فإنها غير عيب ولكن توجب نقصان قيمة المال لعدم رغبة أكثر الناس في المخيط لاختلافهم في طول أبدانهم وعرضها ، ومنه الحنطة المدقوقة لأنّ المطحون لا يبقى إلى مدّة تبقى فيها الحنطة ، ومن أجل ذلك ادّعى البائع عدم استحقاق المشتري بمطالبة الأرش ، لأنّ الأرش هو مقدار التفاوت في المعيب ، وليس المبيع معيباً في المقام ، وليس النقص في كل مقام موجباً للأرش ، كان حكم هذه الصورة أيضاً كسابقها ، فإنّ مدّعي الخيار والعيب لابدّ
من إثبات أنّ العقد وقع على ما به عيب وبدونه يتمسّك بالاستصحاب أو

ــ[256]ــ

بأصالة اللزوم كما تقدّم ، نعم لو ثبت أنّ كل نقص عيب فلا يبقى للنزاع في الخيار والعيب بعد الاتّفاق على النقص مجال .

المسألة الثالثة : ما إذا اتّفقا على وجود العيب في المبيع فعلا ولكنّهما اختلفا في تقدّمه على وقوع البيع وتأخّره عنه أو في كونه واقعاً في زمان خيار المشتري أو قبل القبض ، وبالجملة اختلفا في حدوث العيب في زمان ضمان البائع وتأخّره عنه فإن كانت في البين قرينة قطعية على أحد الطرفين كما إذا قامت القرينة على عدم وقوع العيب قبل البيع كما إذا كان رأس العبد مكسوراً ويجري منه الدم الجديد ويدّعي المشتري أنّ هذا كان قبل البيع ، والمفروض أنّ البيع وقع قبل سبعة أيّام ، أو قامت القرينة على سبق العيب على العقد كما في الجروح التي تعلم أنها غير حاصلة يوم العقد مثلا فلا كلام في البين .

وأمّا إذا لم تكن قرينة قطعية في البين فيجري في هذه الصورة ما ذكرناه في الصورة الاُولى لأنها بعينها هي الصورة الاُولى ، فإنّ وقوع العيب في يد المشتري بعد العقد ، ممّا لا أثر له حتى يقع مورداً للخلاف ، وإنما الأثر يترتّب على وجود العيب حين وقوع العقد ، لأنّ موضوع الخيار هو شراء شيء به عيب أو عوار فالبائع يدّعي وقوعه في يد المشتري بعد العقد حتى يثبت عدم وقوع العقد على ما به عيب وينتفي الخيار ، والمشتري يدّعي وقوع العيب في يد البائع ليثبت وقوع العقد على ما به عيب ، فوقوع العقد على المعيب وكونه موجوداً حين العقد هو محل النزاع وقد عرفت أنّ استصحاب عدم اتّصاف الشراء بكونه واقعاً على المعيب أو استصحاب الملكية محكّم وهو ينفي موضوع الخيار . وشيخنا الأنصاري إنما أفرد هذه الصورة لا لأجل افتراقها عن الصورة الاُولى بل لأجل التعرّض إلى بعض خصوصياتها كما سيأتي إن شاء الله تعالى .

ومنه يظهر أنّ الحكم في هذه الصورة هو استصحاب عدم وقوع العقد وعدم

ــ[257]ــ

اتّصافه بكونه واقعاً على المعيب ، سواء كان تاريخ أحدهما أعني العقد وحدوث العيب معلوماً أو كان كلاهما مجهولي التاريخ ، إذ لا أثر لتأخّر وقوع العقد حتى يدّعى جريان الأصل فيما جهل تاريخه عند حدوث حادثين شك في تقدّمهما وتأخّرهما فلو فرضنا أنّ حدوث العيب معلوم التاريخ ووقوع العقد مشكوك التاريخ لا يمكننا استصحاب تأخّر وقوع العقد عن تاريخ حدوث العيب ، إذ لا أثر لوقوع العقد متأخّراً عن حدوث العيب ، بل الأثر مترتّب على وقوع العقد على ما به عيب أو عوار ، فيمكننا إثبات عدمه باستصحاب عدم اتّصاف العقد الواقع بكونه واقعاً على المعيب .

والمتحصّل : أنّ صورة الاختلاف في تقدّم العيب عن العقد وتأخّره عنه ترجع إلى صورة الاختلاف في أصل وجود العيب في المبيع حال العقد وعدمه وهي الصورة الاُولى ، وذلك لأنه لا أثر لحدوث العيب بعد العقد أو بعد القبض أو بعد انقضاء مدّة الخيار ، وإنما الأثر مترتّب على وجود العيب حال العقد وعدمه ، فمرجع الخلاف في تقدّمه وتأخّره إلى أنه هل كان موجوداً حال العقد وعدمه ، وقد عرفت أنّ المرجع في الصورة الاُولى إلى استصحاب عدم اتّصاف العقد بكونه واقعاً على المعيب باستصحاب العدم الأزلي .

وأمّا ما حكاه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) عن ابن الجنيد في هذه الصورة من أنّ القول قول المشتري لأنه المنكر والبائع مدّع ، وذلك لموافقة قول المشتري لأصالة عدم تسليم البائع العين إلى المشتري على الوجه المقصود ، وعلى البائع إثبات أنه سلّمها إليه على الوجه المقصود ، ولأصالة عدم استحقاق البائع الثمن بتمامه وعليه إثبات استحقاقه الثمن بأجمعه ، ولأصالة عدم لزوم هذه المعاملة وعلى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 5 : 340 .

ــ[258]ــ

البائع إثبات لزومها ، وبناءً على ذلك يحلف المشتري وبه يثبت الخيار ، فقد أرجعه أي أرجع شيخنا الأنصاري ما ذكره ابن الجنيد إلى ما ذكره في مسألة اختلاف المتبايعين في كون المبيع على الصفة التي رآه المشتري بتلك الصفة سابقاً وعدمه ، أو كون المبيع متّصفاً بما وصفه له البائع أم لا حيث إنه (قدّس سرّه) في هذه المسألة ذهب إلى أنّ المشتري منكر وعلى البائع إثبات أنّ المبيع كان متّصفاً بتلك الصفة ، هذا .

ولا يخفى أنّا ذكرنا في تلك المسألة أيضاً بأنّ البائع هو المنكر والمشتري مدّع وأنه عليه إثبات عدم اتّصاف المبيع بالصفة ، لأنّ الخيار متوقّف على ذلك وعلى مدّعيه إثباته ، وكذلك في المقام كما مرّ .

وأمّا ما استند إليه ابن الجنيد من أصالة عدم اللزوم ، فيدفعه : أنّ هذه الأصالة غير أصيلة ، لأنه إن اُريد بها الاستصحاب فهو يثبت اللزوم والملكية كما تقدّم ، وإن اُريد بها الاطلاقات فهي أيضاً تثبت اللزوم كما هو ظاهر ، وإن اُريد بها أمر آخر فما ذلك الأمر في المقام ، هذا .

مضافاً إلى أنّا لو سلّمنا جريان أصالة عدم اللزوم في حد نفسه فلا مجرى لها في المقام لأنه محكوم ، والوجه في ذلك هو جريان الأصل الموضوعي أعني أصالة عدم وقوع العقد على المعيب وعدم اتّصافه بكونه واقعاً عليه ، والشك في لزوم المعاملة مسبّب عن الشك في وقوع العقد على المعيب وعدمه ، وإذا أثبتنا عدمه ولو باستصحاب العدم الأزلي فيرتفع الشك في اللزوم .

وأمّا أصالة عدم استحقاق البائع الثمن بتمامه فهي أفحش من أصالة عدم اللزوم ، لأنّ البائع يستحق الثمن بتمامه على كل حال ، كان المال معيباً أم كان صحيحاً ، غاية الأمر أنّ المشتري يتمكّن من استرداد بعض الثمن على تقدير كونه معيباً وعدم تمكّنه من الردّ أو مطلقاً من الابتداء كما ذهب إليه المشهور .

مضافاً إلى أنّ تلك الأصالة محكومة بأصالة عدم اتّصاف العقد بالوقوع على

ــ[259]ــ

المعيب على تقدير تسليم جريان أصالة عدم الاستحقاق في حد نفسها .

وأمّا أصالة عدم تسليم البائع المبيع إلى المشتري على الوجه المقصود ففيها أنّها تبتني على جريان الأصل في المركّبات بعد جريان الأصل في أجزائها ولكنّه غير صحيح ، إذ مع جريان الاُصول في أجزائها وشرائطها لا يبقى مجال لجريان الأصل في المركّب ، وفي المقام لمّا كان أصل التسليم مورداً لليقين وإنّما شككنا في أنه هل وصل على الوجه المقصود أو لا ، وأصالة عدم كون المبيع معيباً وعدم اتّصاف العقد بكونه واقعاً على المعيب يثبت أنّ ما وصل كان على وجه المقصود ولم يكن معيباً ، هذا كلّه .

ثم لو سلّمنا جريان تلك الاُصول بتمامها في المقام فيتوجّه عليه أنّ لازم صحتها في المقام جريانها بتمامها في الصورة الاُولى أيضاً ، لأنّا أثبتنا أنّ هذه الصورة بعينها هي الصورة الاُولى ، مع أنّ شيخنا الأنصاري لم ينقل فيها خلافاً من أحد حتى عن ابن الجنيد فلا تغفل .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net