صور ترافع المتبايعين دعواهما إلى الحاكم - لو باع الوكيل فوجد المشتري به عيباً 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الرابع : الخيارات-2   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2254


ثم إنّ الاختلاف بأحد الوجوه الثلاثة بين المتبايعين تارة لا ينجر إلى التحاكم والترافع واُخرى ينجر إلى التحاكم ، فعلى الأول لا كلام في البين ، وأمّا على الثاني فلا يخلو إمّا أن تقوم البيّنة لكل من المدّعي والمنكر وإمّا أن تقوم لأحدهما دون الآخر ، وإمّا أن لا يكون في البين بيّنة لا للمدّعي ولا للمنكر ، وهذه صور ثلاث :

أمّا الصورة الاُولى : فهي تبتني على المسألة المعروفة من أنّ بيّنة الداخل هل هي كبيّنة الخارج أو أنّ بيّنة الخارج متقدّمة على بيّنة الداخل ، والمراد بالخارج هو المدّعي كما أنّ المراد بالداخل هو المنكر لموافقة قوله للأصل وكأنه داخل في الحكم والمدّعي خارج وأجنبي عن الأصل ، والمشهور أنّ بيّنة الخارج متقدّمة على بيّنة الداخل ، وهو كذلك وذلك لأنّ قوله (صلّى الله عليه وآله): « إنّما أقضي بينكم

ــ[260]ــ

بالبيّنات والأيمان »(1) بعد ضمّه إلى قوله (عليه السلام) : « البيّنة للمدّعي واليمين على من أنكر  »(2) الذي هو كالشرح للأول يقتضي حصر اعتبار البيّنة في بيّنة المدّعي الذي هو المراد بالخارج ، كما أنّ اعتبار اليمين منحصر بالمنكر نعم قد وردت في النصوص(3) أنّ بيّنة ذي اليد متقدّمة على بيّنة المدّعي الذي لا يد له ، إلاّ أنه لا يقتضي الحكم بتقدّم بيّنة المنكر على بيّنة المدّعي مطلقاً ، لأنّها أي النصوص المذكورة مضافاً إلى إعراض المشهور عنها وضعفها أخصّ من المدّعى ، لأنّ المدّعى تقدّم بيّنة المنكر على بيّنة المدّعي مطلقاً وإن لم يكن ذا اليد مع أنّها خصّت تقدّم بيّنة المنكر على بيّنة المدّعي فيما إذا كان ذا اليد ، وعليه فلا يمكننا التعدّي إلى جميع الموارد  ، إذ لعلّ ذلك من خصوصيات اليد وكونها بحيث لا تسقط إلاّ بما إذا قامت على خلافها بيّنة غير مبتلاة بالمعارض ، وأمّا البيّنة المعارضة بمثلها فلا توجب سقوط اليد عن الاعتبار بل البيّنتان تتساقطان وتبقى اليد بحالها من الاعتبار ، وعليه فالبيّنة بيّنة المدّعي وهو المشتري وتتقدّم على بيّنة المنكر الذي هو البائع إلاّ فيما إذا كان المنكر ذا اليد .

وأمّا الصورة الثانية : فإن كانت البيّنة للمدّعي فلا إشكال في اعتبارها وثبوت الدعوى بها لا محالة ، وأمّا إذا كانت للمنكر ففي اعتبارها وحجّيتها خلاف والأقوى عدم اعتبار بيّنة المنكر لما تقدّم من أنّ ضمّ قوله (صلّى الله عليه وآله) إلى قوله (عليه السلام) يدلّ على أنّ البيّنة دليل للمدّعي ولا اعتبار لها بالاضافة إلى المنكر كما ذهب إليه المشهور وهو الصحيح .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 27 : 232 / أبواب كيفية الحكم ب2 ح1 .

(2) ورد مضمونه في الوسائل 27 : 233 / أبواب كيفية الحكم ب3 .

(3) الوسائل 27 : 250 / أبواب كيفية الحكم ب12 ح2 .

 
 

ــ[261]ــ

وأمّا الصورة الثالثة التي لا بيّنة فيها في البين وأحدهما يدّعي والآخر ينكر فهي على قسمين : لأنّ المنكر تارةً ينكر وجود العيب في المبيع بحسب الواقع ويقول إنّ المبيع لم يكن معيباً في الواقع ونفس الأمر ، واُخرى ينفي علمه بعيبه ويقول إنّي لا أدفع الأرش لعدم علمي بعيبه وإنما اعتمدت في البيع على أصالة السلامة أو بغيرها من الاُصول .

أمّا القسم الأوّل أعني ما إذا أنكر العيب بتاتاً وبحسب الواقع فيتوجّه عليه اليمين ، وإذا حلف ولم يردّها إلى المدّعي فيثبت بها الدعوى عند الحاكم فيجب على المدّعي أن يرتّب الآثار عليها فلا يمكنه مطالبته بالأرش حتى في صورة علمه الوجداني بمخالفة حلف المنكر مع الواقع وكذبه في حلفه ، فلا يصح له المقاصّة من مال المنكر لعلمه بظلمه وكذبه وعدم صدقه في عدم استحقاق الأرش كما لا يبقى اعتبار لبيّنة المدّعي لو أقامها بعد حلف المنكر ، ولا يمكن رفع اليد عن حلفه إلاّ باعتراف نفس المنكر على كذبه في حلفه فإنه يرفع اعتبار الحلف حينئذ ، كل ذلك بالنصوص والأخبار تعظيماً لاسم الجلالة وتجليلا لذلك الاسم المبارك ، ولكي تفصل الخصومة بين المتخاصمين وترتفع الدعوى الذي لأجله اُسّست قواعد القضاء شرعاً ، هذا كلّه بالاضافة إلى حكم الحاكم ووظيفته .

وأمّا وظيفة المنكر في حد نفسه فهل له الحلف على نفي العيب الواقعي باستصحاب العدم الأزلي وغيره من الاُصول فيما إذا لم يكن عالماً بعدمه في الواقع أو لا ؟ الصحيح عدمه ، لأنّ اعتبار الحلف وجوازه إنما هما لنفي متعلّقه عن الواقع وهذا إنّما يكون في موارد العلم بعدم الشيء واقعاً دون موارد العلم بعدمه في الظاهر لما عرفت من أنّ ظواهر الأخبار هي اعتبار الحلف على النفي الواقعي دون الظاهري فلا اعتبار ولا حجّية فيه فيما إذا تعلّق بعدمه الظاهري حتى فيما جاز للحالف ذلك كما إذا ورّى في حلفه ، إلاّ أنه لا يكون حجّة ولا يصح أن يعتمد عليه الحاكم في حكمه

ــ[262]ــ

نعم لو قامت القرينة الخارجية على أنّ المراد أعم من نفي الواقع والظاهر لما كان به بأس كما في الحلف على الطهارة ونحوها .

وأمّا القسم الثاني : وهي الحلف على عدم العلم بالعيب فلا ينبغي الاشكال في جوازه ، لأنه حلف على نفي أمر واقعي ويثبت بها آثار عدم العلم كما إذا كان مدّعى المشتري علم البائع بالعيب ، إلاّ أنّ مثل هذا الحلف لا يمنع عن إثبات المدّعي مدّعاه بعد ذلك الحلف بالبيّنة ونحوها ، وليس هذا الحلف كالحلف في صورة دعوى عدم العيب واقعاً بالبت ، وهذا من غير فرق بين صورة اختيار البائع المنكر للمبيع وعدم اختياره ، لأنه على كلا التقديرين يحلف على عدم علمه بالواقع وتعيّبه ولكن الكلام في ذلك يقع من جهتين :

الجهة الاُولى : في أنّ حلفه بعدم العلم هل يوجب ارتفاع الخصومة واقعاً وبها يثبت عدم الخيار للمشتري نظير الحلف على عدم العيب في الواقع بتاتاً حتى لا يسمع الدعوى بعده ولا يعتنى بالبيّنة إذا أقامها بعد الحلف أو لا .

الجهة الثانية : في أنه إذا لم يوجب رفع الخصومة واقعاً بحيث لا تسمع دعوى المشتري ولا يعتنى باقامته البيّنة فهل يوجب حلفه بنفي العلم ارتفاع المرافعة ظاهراً موقتاً ، إلى أن يقيم المشتري البيّنة على دعواه بحيث لا يمكنه مطالبة البائع بالأرش أو الثمن على تقدير الفسخ إلى أن يقيم البيّنة أو لا .

أمّا الجهة الاُولى : فلا وجه لاحتمال أن يكون حلفه بعدم العلم رافعاً للخصومة وموجباً لعدم سماع الدعوى بعده ، وذلك لعدم تعلّق حلفه بنفي ما ادّعاه المشتري ، لأنه إنما يدّعي تعيّب المبيع واقعاً والبائع يثبت بحلفه عدم علمه بالعيب فما يدّعيه المشتري لا ينكره ولا ينفيه البائع وما ينفيه البائع لا يدّعيه المشتري فلماذا ترتفع به الخصومة حتى لا يسمع البيّنة والدعوى بعده ، فهذا الاحتمال ساقط من أساسه وإن احتمله بعضهم على ما حكاه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) .

ــ[263]ــ

وأمّا الجهة الثانية : فقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) أنّ له وجهاً ولكن التحقيق أنّ الحاكم الشرعي إذا رفع إليه الخصومة لابدّ له من حلّها وفصلها ولا يمكنه تأجيل الدعوى وتأخيرها إلى مدّة ليرى أنّ المشتري يقيم البيّنة أو لا يقيمها ، وليس الحاكم الشرعي كالمحاكم العرفية التي ربما تؤجّل المرافعة إلى مدّة وأجل فلا محيص له من فصلها ورفعها ، وعليه فحيث إنّ البائع منكر فيوجّه إليه الحلف على عدم العيب واقعاً الذي يدّعيه المشتري ، وحيث إنه معترف بعدم علمه بالواقع فيجبره على ردّ الحلف إلى المدّعي ، فإن ردّ فهو وإلاّ يردّه الحاكم إلى المدّعي فإن نكل المشتري أي المدّعي فلا حق له في مطالبة الأرش أو الثمن ، وإن حلف فيحكم الحاكم بثبوت الأرش أو الثمن على البائع ظاهراً وبه ترتفع المخاصمة والمرافعة فلا يسمع بعده الدعوى والبيّنة كما تقدّم ، بل لو كان البائع أيضاً محقّاً في الواقع فلا يجوز له المقاصة في الدنيا بل يبقى حقّه إلى الآخرة ، هذا .

والمتحصّل : أنّ ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من أنّ ردّ الحلف إلى المدّعي موافق للقواعد هو الصحيح ، هذا .

ثم إنّ شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(2) تعرّض إلى مسألة الوكالة في المقام والذي أراه من المناسب أن يؤخّر هذه المسألة وتذكر في أحكام الخيار ، لأنها لا تختص بخيار العيب بل تأتي في خيار الغبن وغيره من الخيارات فيما إذا باع الوكيل ثم ادّعى المشتري غبنه ، وكيف كان فحيث إنّ شيخنا الأنصاري تعرّض لها في المقام فنحن أيضاً نتعرّض لها تبعاً له (قدّس سرّه) .

فنقول : الوكيل على قسمين : لأنه تارة يكون وكيلا في مطلق التصرّفات من

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 5 : 342 .

(2) المكاسب 5 : 342 .

ــ[264]ــ

البيع والشراء ونحوهما كما قد يتّفق في بعض الوكلاء كالوكلاء المفوّضين ونظير المضاربة لأنّ المضارب يكون مطلق العنان من حيث البيع والشراء وغيرهما من التصرّفات . واُخرى يكون وكيلا في مجرد البيع فقط بحيث تنتهي دورة وكالته بإيقاع البيع .

أمّا الوكيل المفوّض والمطلق فهو نظير الموكّل في أنّ المشتري له أن يرجع إليه وله أن يرجع إلى المالك ، لأنه كالمالك وفعله فعله ، فإذا أنكره الوكيل أو الموكّل فيأتي فيه ما تقدّم من حكم صورة الاختلاف وهذا ظاهر .

وأمّا الوكيل في مجرد البيع فإذا باع المال ثم ادّعى المشتري عيباً في المبيع فهل يتمكّن من أن يرجع إلى الوكيل أو لا ؟ فنقول : إنّ المشتري المدّعي تارةً لا يدّعي كذب الوكيل ولا يكذّبه في دعوى الوكالة بأن يقول إنّ المال ملكك وأنت تدّعي الوكالة حتى لا تدفع الأرش أو الثمن ، واُخرى يدّعي علمه بكذب الوكيل وأنه ماله  .

أمّا الصورة الاُولى التي لا يدّعي المشتري فيها كذب الوكيل بل يحتمل صدقه ، إلاّ أنه يرجع إليه من جهة اليد لأن ظاهرها أنه ملكه ، فليس للوكيل الاعتراف والاقرار بالعيب لأنه أجنبي عن المال ، وليس له هذا الاعتراف فلا يكون اعترافه حجّة ولا يثبت به مدّعى المشتري ، نعم لا مانع من عدّه شهادة إذا استجمع شرائط الشهادة نظير ما ذكروه في الاخبار بالنجاسة من ذي اليد ، لأنّ إخباره بها معتبر بلا خلاف لقيام السيرة عليه من زماننا هذا إلى زمان المعصومين (عليهم السلام) ولكنّه إذا باع ما في يده وبعد ما خرج عن يده أخبر بنجاسة الشيء فلا يسمع إخباره لعدم كونه ذا اليد بالفعل وإن كان يخبر بنجاسته في زمان يده والمفروض أنه في ذلك الزمان كان قوله متّبعاً .

وكذا الحال في المقام لأنّ الوكيل وإن كان له الاعتراف بالعيب حين وكالته

ــ[265]ــ

لأنّ من ملك شيئاً ملك الإقرار به وهو حين وكالته قد ملك التصرّف في العين فله الإقرار بعيبه ، إلاّ أنه إذا انتهت وكالته فلا يقبل إقراره وإخباره لعدم تملّكه شيئاً حين إخباره وإن أخبر بالعيب في زمان وكالته وهذا ظاهر ، وله إرجاع المدّعي إلى المالك والمدّعي متمكّن من الرجوع إلى المالك أيضاً في هذه الصورة فإن اعترف فهو وإلاّ فينتهي الأمر إلى حكم الاختلاف بين المدّعي والبائع .

وأمّا الصورة الثانية أعني ما إذا ادّعى المشتري كذب الوكيل في دعوى الوكالة فلا يمكنه الرجوع حينئذ إلى المالك لدعواه أنّ المال ملك البائع ، والوكيل إذا اعترف في هذه الصورة بالعيب فيثبت عليه الأرش أو دفع الثمن لأنه أجنبي عن المالك .

وتوضيح الكلام في هذه المسألة : أنّ المعاملة إذا وقعت بين المشتري والوكيل وادّعى المشتري وجود عيب في المبيع ففيه جهات كثيرة من الكلام :

الجهة الاُولى : في تعيين من يتوجّه إليه دعوى المشتري بمعنى أنه يرجع إلى الوكيل أو يرجع إلى المالك ، فإن كان المشتري قاطعاً بكذب الوكيل في دعواه الوكالة ويرى الوكيل مالكاً للمال ويكذّب دعوى الوكيل واعتراف الموكّل بالوكالة  ، فلا يتمكّن من أن يرجع إلى المالك حينئذ لاعتقاده كون البائع مالكاً ، بل لابدّ من أن يرجع إلى خصوص الوكيل حتى مع اعتراف المالك بوكالة الوكيل ، لأنّ الاعتراف إنّما ينفع فيما إذا لم يكذّبه المشتري والمفروض أنه يرى اعترافه كذباً باطلا ومعه لا يرجع إلاّ إلى الوكيل .

وأمّا إذا كان المشتري جاهلا بالحال ولم يدّع كذب الوكيل في دعواه الوكالة وإنما رجع إليه من جهة قاعدة اليد ، لأنّ ظاهرها تمكّن ذي اليد من التصرفات وقد اعترف الموكّل بوكالة الوكيل فيتمكّن من الرجوع إلى كل منهما ، أمّا إلى الوكيل فلأجل قاعدة اليد ، وأمّا إلى الموكّل فلأجل اعترافه بأنّ المال ملكه .

ــ[266]ــ

وأمّا إذا كان المشتري عالماً بصحة دعوى الوكيل ويعتقد أنه وكيل وأنّ المال ليس له فلا يتمكّن إلاّ من الرجوع إلى المالك دون الوكيل ، لأنّ وكالته قد انتهت باتيان مورد الوكالة والمفروض علمه بصدق وكالته فيكون الوكيل أجنبياً حينئذ ولا يصح له الرجوع إليه ، اللهمّ إلاّ أن يكون الوكيل مفوّضاً بمعنى أن يكون وكيلا بحسب الحدوث والبقاء (لا بالمعنى المصطلح في التفويض) .

فتحصّل : أنه في مورد يتخيّر بين أن يرجع إلى المالك وأن يرجع إلى الوكيل وفي مورد آخر يرجع إلى الوكيل ، وفي ثالث يرجع إلى الموكّل .

الجهة الثانية : أنّ المشتري سواء وجّهت الدعوى إلى الوكيل أم وجّهها إلى الموكّل هل يكون اعتراف الوكيل نافذاً في حقّ الموكّل وبه تتمّ دعوى المشتري من كون المال معيباً ، أو ليس له هذا الاعتراف ؟ الصحيح أنّ اعترافه غير نافذ ولا يتم به الدعوى ، لأنه أجنبي عن المالك والمال فكيف يقبل اعتراف أحد على شخص آخر من دون ربط ، نعم لا مانع من قبول اعترافه فيما إذا كان وكيلا مفوّضاً أي بحسب الحدوث والبقاء ولعلّ هذا ظاهر .

الجهة الثالثة : أنّ المشتري إذا وجّهت الدعوى إلى الوكيل إمّا لتعيّن إرجاعه إليه وإمّا من أجل أنه أحد فردي التخيّر في الرجوع ، فإن تمّت الدعوى على المشتري وردّت دعواه ولم يثبت أنّ المال معيب فهو ولا كلام ، وأمّا إذا تمّت الدعوى للمشتري وحكم الحاكم بكون المال معيباً فيقع الكلام في مدرك هذا الحكم وأنّ الحاكم بماذا حكم بالعيب فإنّ مدركه منحصر في ثلاث : فامّا أن يستند إلى بيّنة أقامها المشتري على دعواه ، أو يستند إلى اعتراف الوكيل بوجود العيب في المبيع
أو يستند إلى عين المشتري التي ردّت إليه من طرف الوكيل وحلف المشتري بأنّ المال كان معيباً ، وهذه وجوه ثلاثة ولا رابع في البين .

فإن كان المستند هو البيّنة فلا ينبغي الاشكال في صحة حكم الحاكم

ــ[267]ــ

ونفوذها على الموكّل ، فيؤخذ منه الثمن أو الأرش بلا خلاف في ذلك لأنها حجّة .

كما أنّ المستند إن كان اعتراف الوكيل فلا إشكال في عدم نفوذه على الموكّل لأنّ الوكيل أجنبي عن المال والموكّل وبأيّ وجه يقبل اعترافه على الموكّل وقد تقدّم ذلك أيضاً .

وأمّا إذا كان مستند حكمه هو اليمين المردودة إلى المشتري فهل هي كالبيّنة تنفذ على الموكّل أو أنها كالاعتراف لا ينفذ ، كذا ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) إلاّ أنّ الصحيح أنّها ليست كالبيّنة ولا كالاعتراف ، ولا دليل على أحد التنزيلين في البين حتى يقال إنّها كالبيّنة أو أنها كالاعتراف ، بل لا هذا ولا ذاك وإنّما هي أمر ثالث باستقلالها وبرأسها التي بها تفصم المرافعة وترتفع المنازعة والمخاصمة إلاّ أنّ نفوذها على الموكّل (مع كون رادّها إلى المشتري وهو الوكيل أجنبياً عن الموكّل) مشكل ، لأنّها إنما تنفذ في حق الوكيل ولا وجه لنفوذها في حق الموكّل لأنه ليس طرفاً للنزاع بل الدعوى إنما وجّهت إلى الوكيل ، وعليه فتتشكّل دعوى ثانية بين الوكيل والموكّل نتعرّض لها في الجهة الآتية إن شاء الله تعالى .

الجهة الرابعة : أنّ المشتري إذا وجّهت الدعوى إلى الوكيل فإن لم يثبت مدّعى المشتري فهو ، وأمّا إذا ثبتت دعواه فرجع إلى الوكيل بالأرش أو الثمن ورجع الوكيل إلى الموكّل وأنكر الموكّل ذلك وقال لست بملزم باعطاء الأرش أو الثمن لعدم العيب في المبيع ، فلا يخلو الحال إمّا أن يكون الوكيل منكراً للعيب في المبيع وإمّا أن يكون معترفاً بالعيب فيه .

فإن كان الوكيل معترفاً بالعيب ورجع إليه المشتري وحكم الحاكم على طبق دعوى المدّعي ، وحينئذ فإن كان مستند حكمه هو البيّنة فقد تقدّم أنّها نافذة على الموكّل لأنّها تثبت العيب في المبيع ، والموكّل معترف بالوكالة ، وأنّ المال له فيؤخذ منه الأرش أو الثمن ، وأمّا إذا كان مدرك حكمه اعتراف الوكيل أو اليمين المردودة

ــ[268]ــ

إلى المشتري فقد عرفت أنّهما لا تنفذان في حق الموكّل المكذّب للاعتراف أو اليمين فلو رجع المشتري إلى الوكيل فله أن يرجع إلى الموكّل ويشكّل دعوى ثانية بينه أي الوكيل وبين الموكّل ، لأنّ الوكيل يعترف بالعيب والموكّل ينكره ، فإن أثبت الوكيل مدّعاه على الموكّل أو اعترف هو بالعيب فيستقرّ الأرش أو الثمن على ذمّته ، وأمّا إذا لم يتمكّن الوكيل من الإثبات بل الموكّل حلف وأثبت عدم العيب في المبيع فلا يتمكّن الوكيل من أن يرجع إليه فيما خسره من الأرش قطعاً ، لأنّ المفروض أنّ الموكّل أثبت عدم العيب وردّ دعوى الوكيل ، فلا وجه لتغريمه بأخذ الأرش أو الثمن بعد عدم ثبوت دعوى الوكيل ، فلو أخذ منه الأرش فلا محالة يحسب عليه ويخسره الوكيل ، اللهمّ إلاّ أن ينصفه الموكّل وبإنصافه يدفع إليه ما خسره .

وأمّا إذا ردّ الثمن إلى المشتري وقد أثبت الموكّل عدم العيب في المبيع فيبقى المال بين الوكيل والموكّل مردّداً ، لأنّ الوكيل يعترف بأنه ملك للموكّل والموكّل يعترف بأنه ليس ملكه فماذا حكم هذا المال حينئذ ، ولا يبعد أن يكون المال راجعاً إلى الوكيل للمصالحة القهرية ، لا بمعنى احتياجهما إلى مصالحة جديدة بل نفس إنكار الموكّل يكون مصالحة ورضاً بكون المال للوكيل ، لأنّ إنكاره يرجع إلى أنّي راض بأن لا يرجع إليّ المال في مقابلة أخذ الثمن منّي ، فهو رضى منه بكون المال للوكيل إن أدّى هو الثمن ، فيكون المال داخلا في ملك الوكيل في مقابل ما أدّاه من الثمن إلى المشتري ، هذا كلّه فيما إذا اعترف الوكيل بالعيب .

وأمّا إذا أنكره الوكيل ، فإن ثبت إنكاره فهو ، وأمّا إذا أثبت المشتري مدّعاه على الوكيل فهل يرجع الوكيل إلى موكّله في الأرش أو الثمن الذي أدّاه إلى المشتري أو لا ، فلا يخلو إمّا أن يكون إنكار الوكيل للعيب مستنداً إلى أصالة السلامة أو إلى غيرها من الأمارات والبيّنات من دون أن يكون عالماً به ، وإمّا أن يكون مستنداً إلى علمه الوجداني بعدم العيب في المبيع .

ــ[269]ــ

فإن كان مستنداً إلى أصالة السلامة ونحوها ، فإن كان مدرك حكم الحاكم هو البيّنة فقد عرفت أنّها نافذة على الموكّل بلا حاجة إلى تشكيل دعوى جديدة فيؤخذ منه الأرش أو الثمن ، وأمّا إذا كان مدرك حكمه هو اليمين المردودة إلى المشتري لانحصاره بهما ، لعدم الاعتراف من الوكيل لأنه منكر له حسب الفرض ، فلا يجوز له تشكيل دعوى ثانية بينه وبين الموكّل ، لأنّ الدعوى إنما يتحقّق فيما إذا لم يكن عالماً بصحة ما ينكره الموكّل ولو من جهة أصالة السلامة ، والمفروض أنه يعترف بصحة إنكار الموكل من جهة الأصالة المذكورة أو غيرها ، ومعه كيف يصح له الدعوى على الموكّل ، وحينئذ إذا غرم الوكيل بأخذ الأرش منه فلا يتمكّن من أن يطالبه من الموكّل لاعترافه بعدم توجّه الأرش إلى الموكّل ، وأنّ ما أخذ من الأرش إنّما أخذ على خلاف الواقع ومعه كيف يصح له مطالبة الموكّل .

وأمّا إذا أخذ منه الثمن فقد عرفت أنه لا يمكن مطالبة الموكّل به ، لأنه يراه ملكاً للمشتري فيكون المال مردّداً بين المشتري والموكّل وكل منهما يدّعي أنه ليس له ، ولكن المصالحة القهرية المتقدّمة تأتي في المقام بين الوكيل والمشتري وبها يثبت كونه ملكاً للوكيل بازاء ما دفعه إلى المشتري ، اللهمّ إلاّ أن يعترف الموكّل بكون المال له فيؤخذ منه الأرش أو الثمن حينئذ .

وأمّا إذا كان عالماً بالوجدان بعدم عيب في المبيع ورجع إليه المشتري وأثبت مدّعاه وأخذ منه الأرش أو الثمن ، فقد تقدّم أنه ليس له تشكيل دعوى ثانية بين نفسه وبين الموكّل حينئذ ، بلا فرق في ذلك بين استناد الحاكم إلى البيّنة واستناده إلى اليمين المردودة إلى المشتري ، وبلا فرق بين اعتراف الموكّل بأنّ المال كان معيباً وعدمه ، لأنّ الوكيل عالم بعدم عيبه ويخطّئ غيره أو يكذّبه لاعتقاده صحة إنكار الموكّل وتكذيبه البيّنة أو اليمين المردودة إلى المشتري اللذين هما مستند حكم الحاكم  ، فلو أخذ منه الأرش فهو يكون خسارة على الوكيل كما مرّ .

ــ[270]ــ

وأمّا إذا أخذ منه الثمن فيكون المال مردّداً بين الموكّل والمشتري ، والوكيل يعلم بعدم كونه للموكّل فلا تجري المصالحة القهرية حينئذ لعلمه بفسادها ، فينتهي الأمر إلى إجبار الحاكم لهما على المصالحة كما في كل مال بين شخصين كل منهما يعتقد أنه ليس له ، وما ذكرناه في المقام يجمع جميع الفروع المذكورة في كلام شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) .

ثم لا يخفى أنّ الدعوى والمحاكمة لا تستدعي تفسيق أحد المدّعيين بوجه لاحتمال اشتباه أحدهما فيما يدّعيه .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net