الثانية : الاختلاف في المُسقط 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الرابع : الخيارات-2   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2161


ــ[275]ــ

اختلاف المتبايعين في المسقط

قد عرفت أنّ النزاع بين المتبايعين يقع تارةً في موجب الخيار وقد أشبعنا الكلام فيه مفصّلا ، واُخرى في مسقط الخيار ، وذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) أنّ فيه مسائل :

الاُولى : فيما إذا اختلفا في علم المشتري بالعيب وعدمه فادّعى البائع أنه كان عالماً بالعيب فلا خيار له لأنّ العلم يسقط الخيار من الابتداء وإن كان مقتضيه وهو العيب موجوداً ، وأنكره المشتري وأنه لم يكن عالماً به فله الخيار ، فيقدّم قول المشتري على قول البائع لأنه ينكر العلم فيثبت له الخيار .

وربما يتوهّم أنّ هذا الكلام منه (قدّس سرّه) يخالف ما ذكره في سائر الخيارات كما في خيار الغبن حيث ذكر أنّ مدّعي الجهل وعدم العلم بالغبن هو المدّعي ، والمنكر هو من يدّعي عدم الخيار والعلم أعني البائع ، وأمّا في المقام فقد عكس الأمر وجعل مدّعي الجهل وعدم العلم منكراً ومدّعي عدم الخيار والعلم مدّعياً وهما متنافيان هذا .

ولكن الصحيح هو ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) ولا تهافت في البين وذلك لما تقدّم في خيار الغبن من أنّ مدركه هو الشرط الارتكازي العقلائي ، لأنّ العقلاء يشترطون تساوي قيمة المالين في معاملاتهم حسب الارتكاز ، ومن ذلك قلنا إنّ خيار الغبن من أحد أفراد خيار تخلّف الشرط ، وعليه فإذا اختلفا في علم المغبون بالغبن بعدم تساوي القيمتين وجهله فيرجع ذلك إلى الاختلاف في عدم الاشتراط والاشتراط ، فإنّ الاقدام مع العلم بالغبن معناه عدم اشتراط التساوي فإذا وقع الخلاف في الاشتراط وعدمه وادّعى البائع عدم الاشتراط والمشتري

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 5 : 347 .

ــ[276]ــ

ادّعى الاشتراط فيقدّم قول البائع لموافقة قوله الأصل وهو عدم الاشتراط .

وهذا بخلاف المقام لأنّ خيار العيب ثبت بالتعبّد والأخبار وقد اُخذ في موضوعه أمران عدميان أحدهما عدم التبرّي وثانيهما عدم البيان ، وقد عرفت أنّ البيان لا موضوعية له وإنّما اُخذ طريقاً إلى علم المشتري بالعيب ، ومعنى ذلك أنّ المعتبر في موضوع الخيار عدم علم المشتري بالعيب ، فإذا اختلفا وادّعى البائع علمه وعدم ثبوت موضوع الخيار وادّعى المشتري ثبوت موضوعه وأنه لم يبيّن له فلا محالة يقدّم قول المشتري لموافقته الأصل وهو عدم العلم ، وعلى البائع إثبات العلم بالعيب  ، فما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) متين .

المسألة الثانية : إذا اختلفا في زوال العيب بعد علم المشتري بالعيب أو قبله  ، فادّعى البائع أنّ زواله كان قبل علمك بالعيب فلا خيار ، وادّعى المشتري زواله بعد علمه بالعيب فخياره باق بناءً على أنّ زواله بعد العلم لا يسقط الخيار وهذه المسألة مبتنية على ما تقدّم في محلّه من أنّ موضوع الخيار هو ظهور العيب لا هو بنفسه وأنّ زوال العيب وعدمه ممّا لا أثر له في بقاء الخيار ، وأمّا إذا قلنا بأنّ موضوعه نفس العيب الواقعي أو قلنا بأنّ زوال العيب يمنع عن الردّ لأنّ المعتبر في هذا الخيار أنّ أخذ الثمن موقوف على ردّ المعيب فإذا زال العيب فلا يتعلّق الردّ بالمعيب ، ويعتبر في الردّ أن يتعلّق بالمعيب ومع زواله لا معيب حتى يردّ ، فلا محالة يسقط الخيار فلا يبقى للنزاع في المقام أثر ، أمّا بناءً على أنّ موضوعه نفس العيب الواقعي فواضح ، لأنّهما يعترفان بوجوده في الواقع فيثبت له الخيار ولا ثمرة في النزاع في زواله قبل العلم أو بعده ، إذ لا أثر لظهور العيب بل الأثر مترتّب على نفس العيب الواقعي وهو ثابت باعترافهما ، وأمّا بناءً على أنّ الزوال يمنع عن الردّ فكذلك  ، إذ المفروض أنّ المشتري لا يتمكّن من الردّ حينئذ أي ردّ المعيب ، فخياره ساقط زال قبل علمه أم زال بعده ، فهذا النزاع إنّما يثمر فيما إذا بنينا على أنّ الزوال لا

ــ[277]ــ

يمنع عن الردّ وأنّ الردّ لا يعتبر أن يتعلّق بالمعيب بل تعلّقه بما كان معيباً كاف في أخذ الأرش (عملا باطلاق رواية زرارة حيث أثبت الخيار في شراء ما به عيب أو عوار سواء زال بعد ذلك أم لم يزل) وبنينا أيضاً على أنّ موضوع الخيار ليس هو نفس العيب الواقعي بل الموضوع هو ظهور العيب ووجدانه كما تقدّم ، وحينئذ إذا اختلفا في زواله قبل العلم به أو بعده فلا محالة يترتّب عليه الثمرة ، لأنه إن زال قبل علم المشتري فلا يثبت له الخيار لأنّ موضوعه ظهور العيب ووجدانه على الفرض ، وأمّا إذا زال بعده فيثبت له الخيار لظهور العيب وفرضنا أنّ الزوال لا يمنع الردّ ، فلابدّ في هذه المسألة من البناء على كلا الأمرين من أنّ الزوال لا يمنع عن الردّ ومن أنّ موضوع الخيار هو وجدان المعيب لا وجوده الواقعي ، هذا .

ولا يخفى أنّ النزاع حينئذ يرجع إلى النزاع في أصل ثبوت الخيار وعدمه لا إلى سقوطه وبقائه ، هذا أوّلا .

وثانياً : أنّ شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) قد استدلّ في المسألة على تقديم قول المشتري باستصحاب بقاء العيب وعدم زواله قبل العلم مع أنّ الموضوع للخيار هو ظهور العيب ووجدانه ، وإثبات هذا باستصحاب بقاء العيب من المثبت بلا خلاف إذ لا أثر لبقاء العيب في حدّ نفسه ، واستصحابه لاثبات أنه وجده وعلم به من المثبت ، فالصحيح هو تقديم قول البائع وعلى المشتري إثبات الخيار وأنه وجده معيباً ، هذا .

ثم إنّهما إذا اختلفا بعد حدوث عيب جديد وزوال أحد العيبين أعني القديم والجديد في أنّ الزائل هل هو العيب القديم أو أنّ الزائل هو الجديد كما إذا كانت في إحدى عيني العبد نقطة بيضاء ثم حدث عند المشتري نقطة بياض في عينه الاُخرى ثم زالت إحداهما ووقع الخلاف في الزائل هل هو القديم أو الجديد ، فادّعى البائع أنّ الزائل هو القديم فلا خيار في البين وادّعى المشتري أنّ الزائل هو الجديد فالخيار

ــ[278]ــ

باق .

ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) أنّ الأصل بقاء العيب القديم الموجب للخيار ، ولا يعارضه استصحاب بقاء العيب الجديد لأنه لا أثر له ، والأثر إنما هو لبقاء العيب القديم وارتفاعه ، ثم نقل عن الشافعي على ما نقله في التذكرة(2)التفصيل بين الردّ والأرش وأنّ الردّ لا يمكن والأصل فيه مع البائع والأرش ثابت والأصل فيه مع المشتري ، وهذه المسألة أيضاً مبتنية على ما تقدّم في مسألة أنّ العيب الحادث يمنع عن الردّ مطلقاً أو مع بقائه دون ما إذا زال ، فإن قلنا إنّ العيب الجديد يمنع عن الردّ زال أم لم يزل تمسّكاً وأخذاً باطلاق رواية زرارة حيث علّقت الحكم أي عدم الردّ على إحداث الحدث سواء زال بعد ذلك أم لم يزل ، فلا يبقى للاختلاف ثمرة ، إذ المفروض اتّفاقهما على أنّ العيب قد حدث فيه جديداً فيسقط الخيار لا محالة زال أم لم يزل ، كما أنه إذا قلنا بكفاية وجود العيب القديم حين الشراء في الخيار أي الأرش وعدم اعتبار بقائه حين الردّ تمسكاً باطلاق رواية زرارة حيث علّقت الخيار على شراء شيء وبه عيب بلا تقييده بالبقاء ، لأمكننا إثبات الأرش على البائع ، ولا يبقى ثمرة للخلاف في أنّ الزائل هو الحادث أو القديم ، لأنه على أي حال محكوم بدفع الأرش بناءً على هذا القول ، نعم لو قلنا بأنّ العيب القديم إنما يؤثّر في الأرش على تقدير بقائه ، يكون للخلاف في أنّ الزائل هو العيب الحادث أو القديم ثمرة ، لأنه على تقدير كونه هو القديم يرتفع وجوب الأرش عن البائع ، فهذا النزاع إنما يثمر بناء على ما ذكره العلاّمة (قدّس سرّه) من أنّ العيب الجديد إنّما يمنع عن الخيار مع بقائه ، وأمّا مع ارتفاعه فلا ، وحينئذ يتشكّل للمشتري دعويان : إحداهما

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 5 : 347 .

(2) التذكرة 11 : 130 ـ 131 .

ــ[279]ــ

دعواه الردّ لأنّ المال معيب والبائع ينكر ذلك لحدوث عيب جديد ، والثانية دعواه الأرش ومطالبته من البائع والبائع ينكر ذلك لدعواه ارتفاع العيب القديم .

أمّا الدعوى الاُولى فالأصل فيها مع البائع لأصالة بقاء العيب الجديد وهو يمنع عن الردّ ، ولا يعارضه استصحاب بقاء العيب القديم لأنه لا أثر له ، إذ الأثر مترتّب على بقاء العيب الحادث لأنه الذي يمنع عن الردّ ، وبقاء العيب القديم وعدمه لا مدخلية له في الخيار لأنه يثبت بأصل وجوده فلا يتمكّن المشتري من الردّ وعليه إثبات أنّ الزائل هو العيب الجديد .

وأمّا الدعوى الثانية أعني دعواه الأرش بعد عدم تمكّنه من إثبات الردّ فالأصل فيها مع المشتري ، لأنّ الأصل بقاء العيب القديم ، ولا يعارضه استصحاب بقاء العيب الجديد لأنه لا أثر له في الأرش وعدمه ، اللهمّ إلاّ إثبات أنّ الزائل هو القديم وهو من الاُصول المثبتة فيقدّم قول المشتري دون البائع على عكس الدعوى الاُولى ، فممّا ذكرناه يظهر أنّ ما حكي عن الشافعي في المقام هو الصحيح وأنه يفصّل بين الردّ فيقدّم فيه قول البائع والأرش ، ويقدّم فيه قول المشتري وإن كان قائله هو الشافعي .

والعجب من شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) حيث تمسك في الدعوى الاُولى بأصالة بقاء العيب القديم وقال إنّ أصالة بقاء العيب الجديد لا أثر لها مع أنّ الأمر بالعكس ولا أثر لبقاء العيب القديم إلاّ إثبات أنّ الزائل هو الجديد حتى يثبت له الردّ وهو من الاُصول المثبتة ، وكلّما تأمّلت في المقام لتوجيه كلام شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) لم أقف له على توجيه ، لأنّه (قدّس سرّه) مع التفاته إلى أنّ الأصل مثبت تمسك به في المقام .

المسألة الثالثة : إذا اختلف البائع والمشتري في حدوث عيب جديد عند المشتري غير العيب الذي اتّفقا عليه ، فادّعى البائع أنّ هذا العيب الجديد قد حدث

ــ[280]ــ

عندك وادّعى المشتري أنه قد حدث عند البائع ، أو اختلفا في زيادة العيب وعدمها فادّعى البائع أنّ العيب قد زاد عمّا كان عليه عند المشتري وادّعى المشتري أنّ الزيادة حصلت عند البائع ، أو اختلفا في أصل الزيادة وادّعى أحدهما أنه زاد وادّعى الآخر عدم زيادته ، ففي جميع هذه الصور تارةً تكون الدعوى من المشتري على البائع واُخرى تكون الدعوى من البائع على المشتري ، وذلك لأنّ المشتري تارةً يدّعي على البائع حدوث عيب جديد غير العيب المتسالم عليه عند البائع ، أو حدوث الزيادة عنده لأجل أن يثبت له الردّ من ناحية العيب الجديد أو الزيادة ، أو لأجل أن يطالبه بأرشين للقديم والجديد أو بأرش واحد لو كان تبرّى من العيب المتسالم عليه ، أو أسقطه المشتري ويطالبه بأرش زائد في صورة دعوى الزيادة ويدّعي البائع عدم حدوثه عنده أو عدم زيادته وأنه لا حق لك في الردّ من جهته أو في مطالبة الأرش الزائد ، ففي هذه الصورة أعني كون الدعوى من المشتري في جميع صور الاختلاف المتقدّمة يكون المدّعي هو المشتري والمنكر هو البائع ، وعلى المشتري إثبات أنّ العيب الآخر أو الزيادة حدث عند البائع ، وذلك لأصالة عدم حدوث عيب آخر زائداً على العيب المتّفق عليه عند البائع وعدم حدوث الزيادة وأثرها عدم استحقاق المشتري للردّ أو لمطالبة أرشين أو أرشاً زائداً ، وهذا ممّا لا إشكال فيه فيقدّم قول البائع في جميع الصور المتقدّمة .

وبعبارة اُخرى مرجع النزاع في هذه الصورة إلى النزاع في أصل وجود العيب وعدمه ، وقد تقدّم أنّ المشتري المدّعي لوجود عيب مقتض للخيار لابدّ من أن يثبت مدّعاه ، ولكن هذه الصورة خارجة عمّا نحن بصدده لأنّها ترجع إلى الدعوى في أصل ثبوت الخيار وعدمه ولا يرجع إلى النزاع في المسقط وكلامنا إنما هو في الثاني كما هو واضح .

فلابدّ من فرض النزاع والكلام فيما إذا كانت الدعوى من البائع على

 
 

ــ[281]ــ

المشتري في جميع الصور الخلافية المتقدّمة ، وهذا كما إذا أراد المشتري فسخ العقد والردّ وقد ادّعى البائع عدم استحقاق المشتري للفسخ والردّ بدعوى حدوث عيب جديد أو زيادة العيب عند المشتري والمشتري ادّعى عدمه ، وفي جميع الصور المتقدّمة الخلافية يكون البائع مدّعياً والمشتري منكراً لأصالة عدم حدوث المسقط عند المشتري وأثرها تمكّنه من الردّ ، ولا تعارضها أصالة عدم حدوثه عند البائع لأنّها لا أثر لها في حدّ نفسها ، وإثبات حدوثه عند المشتري بتلك الأصالة من أوضح أنحاء المثبت لأنه من اللوازم العقلية لعدم حدوثه عند البائع للعلم الاجمالي بحدوثه عنده أو عند المشتري ، وهذا من غير فرق في ذلك بين الاختلاف في حدوث العيب الجديد عند المشتري والاختلاف في حدوث الزيادة عنده والاختلاف في أصل الزيادة ، لأنّ الأصل في جميعها مع المشتري وعلى البائع إثبات تحقّق المسقط .

وما حكي عن الدروس(1) من حكمه بحلف البائع دون المشتري ، إن كان ناظراً إلى الوجه الأول وهو صورة كون الدعوى من المشتري على البائع فهو متين لأنّ المدّعي حينئذ هو المشتري وعليه إثباتها والبائع منكر فيقدّم بحلفه ، وإن كان ناظراً إلى الوجه الثاني أعني كون الدعوى من البائع على المشتري فقد عرفت ما فيه ، لأنّ البائع حينئذ مدّع وعليه إثباتها ولا يتقدّم بحلفه.

ثم إنّا لو حملنا كلامه على الوجه الأول يرد عليه : أنّ الحكم بتقديم قول البائع بحلفه لا يختصّ بخصوص ما إذا كان اختلافهما في وجود عيب آخر وحدوثه عند المشتري ، بل الحكم يجري فيما إذا كان اختلافهما في زيادة العيب المتّفق عليه عند المشتري ، بل يأتي فيما إذا اختلفا في أصل حدوث الزيادة عنده كما مرّ لأنّه في جميع

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الدروس 3 : 289 .

ــ[282]ــ

تلك الصور مدّع والبائع منكر فيتقدّم قوله بحلفه ، ولماذا فرّق (قدّس سرّه) بين صورة الاختلاف في حدوث العيب الآخر عند المشتري وبين صورة الاختلاف في حدوث الزيادة عنده ، حيث حكم في الصورة الاُولى بتقديم قول البائع بحلفه وأمّا في الصورة الثانية فأفتى بتقديم قول المشتري ثم احتمل تقديم قول البائع بقوله ويحتمل حلف البائع إجراء للزيادة مجرى العيب الجديد الخ ، وقد عرفت أنّ الصورتين من واد واحد والحكم فيهما واحد وهو تقديم قول البائع إذا كانت الدعوى من المشتري على البائع ، بل وكذلك الحكم فيما إذا اختلفا في أصل الزيادة ، فلا وجه لما ادّعاه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من أنّ الحكم بتقديم قول البائع يختص بما إذا اتّفقا على وجود الزائد واختلفا في تقدّمه وتأخّره ، وأمّا إذا كان الاختلاف في أصل الزيادة فلا إشكال في تقديم قول المشتري الخ ، وقد عرفت أنّ الصحيح هو تقديم قول البائع إذا كانت الدعوى من المشتري على البائع حتى في هذه الصورة ، نعم لو كانت الدعوى من البائع على المشتري لكان قول المشتري مقدّماً في جميع الصور الثلاثة الخلافية.

إن قلت : إنّ حكم الشهيد (قدّس سرّه) بتقديم قول المشتري عند اختلافهما في حدوث الزيادة عند المشتري أو عند البائع لعلّه ناظر إلى ما إذا لم يكن للعيب الجديد حالة سابقة من حيث العدم والوجود ، بل كان ممّا لو وجد لوجد من الأزل ولو انعدم لانعدم كذلك ، فلا زمان نقطع بعدمه ليجري استصحاب عدم حدوثه حتّى ينفع البائع ، فإذا لم يجر الأصل فلا يحكم بتقديم قول البائع ، وأيضاً ما أفاده مبني على عدم جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية حتى يستصحب في المقام عدم اتّصاف المبيع بالعيب الجديد عند البائع ، ولذا حكم (قدّس سرّه) بعدم تقديم قول البائع في هذه الصورة .

قلت : لو كان نظره (قدّس سرّه) إلى تلك العيوب ، وبنينا على عدم جريان

ــ[283]ــ

الاستصحاب في الأعدام الأزلية أيضاً لما كان وجه لتقديم قول المشتري أيضاً وذلك لأنّ أصالة عدم حدوث العيب وإن لم تجر حينئذ إلاّ أنّ أصالة عدم استحقاق المشتري للأرش بلا مانع ، للقطع بعدم استحقاقه له قبل المطالبة ونشك في أنه هل استحقّه بها أم لا والأصل عدم استحقاقه للأرش كما تقدّم ، وكيف كان فلم نعرف لما أفاده الشهيد (قدّس سرّه) وجهاً .

المسألة الرابعة : إذا اختلفا في تبرّي البائع وعدمه وادّعاه البائع وأنكره المشتري قدّم قول منكر التبرّي ، لأنّ الأصل عدم تبرّي البائع وبذلك يتم موضوع الخيار وهو الشراء من غير تبرّي البائع ، والشراء متحقّق بالوجدان وعدم التبرّي بالأصل فيلتئم كلا جزئي الموضوع ، لأنّ عدم التبرّي قد أخذ في موضوع الخيار وهو مسبوق بالعدم فلا مانع من جريان استصحاب عدمه ، وهذا ظاهر .

إلاّ أنّ في المقام مكاتبة وهي مكاتبة جعفر بن عيسى ربما يتوهّم أنّ ظاهرها ينافي ما ذكرناه من تقديم قول منكر التبرّي ، وذلك لأنّه كتب إلى أبي الحسن (عليه السلام) « جعلت فداك المتاع يباع (يبيعه الدلاّل) في من يزيد فينادي عليه المنادي فإذا نادى عليه برئ من كل عيب فيه (بقوله تبرأت من كل عيب) فإذا اشتراه المشتري ورضيه ولم يبق إلاّ نقد الثمن فربما زهد فيه فإذا زهد فيه ادّعى فيه عيوباً وأنّه لم يعلم بها ، ويقول له المنادي قد برئت منها ، فيقول المشتري لم أسمع البراءة منها ، أيصدّق فلا يجب عليه الثمن أم لا يصدق ؟ فكتب (عليه السلام) أنّ عليه الثمن  »(1) وهي كما ترى ظاهرة في أنّ منكر البراءة لا يسمع قوله ، هذا .

وفيه أوّلا : أنّ الرواية أخص من المدّعى ، لاختصاصها بما إذا وقع الخلاف في سماع التبرّي وعدمه ، وكلامنا في اختلافهما في أصل التبرّي وعدمه ، فلو كانت

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 18 : 111 / أبواب أحكام العيوب ب8 ح1 .

ــ[284]ــ

المكاتبة معتبرة في حدّ نفسها فلابدّ من الاقتصار على موردها وهو ما إذا تبرّى البائع ولكن المشتري لم يسمعه ، ولعلّ المشتري أيضاً لا ينكر تبرّي البائع بل يعترف بصحّة دعواه إلاّ أنه يدّعي عدم سماعه ، وأمّا إذا قلنا إنّ الغرض من نفي السماع إنكار أصل تبرّي البائع فنقول :

ثانياً : لو قلنا بشمول المكاتبة للمقام أي لما إذا اختلفا في التبرّي وعدمه فنقول : إنّ مقتضى القاعدة كما تقدّم تقديم قول منكر التبرّي ، إلاّ أنّ الوجه في حكمه (عليه السلام) في مورد الرواية بتقديم قول البائع هو ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) من أنّ العادة جرت على نداء الدلاّلين حين المعاملة بالتبرّي أو بغيره على وجه يسمعه كل من حضر للمعاملة ، ولا ينادي الدلاّل على وجه لا يسمعه المعامل  ، فيكون قول منكر السماع على خلاف الظاهر ، لأنّ الظاهر سماع نداء الدلاّل في مقام المعاملة ، والمقام من أحد موارد تعارض الأصل والظاهر لأنّ الأصل يقتضي عدم سماعه وعدم تبرّي البائع إلاّ أنّ الظاهر سماعه فنطمئن بكذب ذلك المنكر ، وهذا يختص بخصوص نداء الدلاّل ولا نتعدّى إلى جميع الموارد كما في المعاملة بين شخصين ، وما أفاده (قدّس سرّه) في غاية المتانة .

وأمّا ما ارتكبه صاحب الحدائق (قدّس سرّه)(2) من حمله الرواية على أنّ الإمام (عليه السلام) استفاد من فرض السؤال كذب المشتري في دعواه الانكار وأنّه سمعه ولكن لمّا زهد فيه ادّعى عدم السماع فبيّن (عليه السلام) حكم المشتري وأنه يجب عليه دفع الثمن بينه وبين ربّه ، فهو خلاف الظاهر ، لأنّ السؤال في الرواية إنّما هو عن تصديق الحاكم للمشتري وعدمه وأنّ وظيفته أي شيء لا حكم المشتري

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 5 : 351 .

(2) الحدائق 19 : 91 .

ــ[285]ــ

بينه وبين ربّه ، والإمام (عليه السلام) بيّن حكم تلك القضية وأنّ وظيفة الحاكم تقديم قول مدّعي السماع ، فتكون الرواية على خلاف القاعدة .

وأمّا ما حكي عن الكفاية(1) من جعله الرواية مؤيّدة للقاعدة ، فإن أراد به ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من أنّ مقتضى القاعدة تقديم منكر السماع إلاّ أنّ في خصوص مورد الرواية قامت القرينة على صدق المدّعي لأجل أنّ المنادي لا يخضع في ندائه بل ينادي بصوت جلي يسمعه كل من حضر للمعاملة من الناس فهو متين ولا بأس به ولا بعد في وصوله إلى ما وصل إليه الشيخ (قدّس سرّه) .

وأمّا إذا أراد بيان أنّ تقديم قول المدّعي في السماع هو المطابق للقاعدة ، ففيه أنّه كما عرفت على خلاف القاعدة لأنّها تقتضي تقديم قول منكر التبرّي والسماع .

وثالثاً : أنّ الرواية على تقدير دلالتها على المدّعى في المقام لا يمكن التمسّك بها لأنّها ضعيفة السند كما ذكره الأردبيلي(2) وما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من التأمّل فيما ذكره الأردبيلي ممّا لم أفهمه بوجه ، لأنّها ضعيفة السند بلا كلام كما أنّ ما أفاده السيّد (قدّس سرّه) في حاشيته(3) في توجيه تأمّل الشيخ من أنّ الرواية معمول بها بين الأصحاب لم أصل إلى حقيقته ، لأنّ كونها مورد العمل في غير المقام لا يوجب كونها معتبرة في غير مورد العمل أيضاً كما في المقام ، بل كون نصف رواية معمولا به عند الأصحاب أيضاً لا يوجب اعتبار نصفها الآخر فالصحيح ما أفاده الأردبيلي (قدّس سرّه) .

بقي في المقام إشكال آخر في الرواية وملخّصه : هو أنّ الشروط والقيود ما

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كفاية الأحكام : 94 .

(2) مجمع الفائدة 8 : 437 .

(3) حاشية المكاسب (اليزدي) : 94 من مبحث الخيارات .

ــ[286]ــ

لم تذكر في ضمن العقد لا تكون مورداً للاعتبار ، ومن الظاهر أنّ البراءة عن العيوب كانت وقت النداء لا حين العقد والمعاملة ، فلم يذكر التبرّي في ضمن العقد فلا يبقى له اعتبار حتّى فيما لو صدّقه المشتري في دعواه واعترف بأنّك قد برئت عنه وقت النداء ، إلاّ أنّ الشرط ما دام لم يذكر في ضمن العقد لا يكون معتبراً ، فلا اعتبار في هذا التبرّي وهو بمنزلة العدم ، ومع هذا لماذا حكم الإمام (عليه السلام) بتقديم قول البائع واعتبر الشرط مع عدم ذكره في العقد .

وأجاب عن هذا الإشكال شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) بوجوه : منها أنّ نداء الدلاّل بمنزلة الايجاب فالشرط قد ذكر في ضمن العقد . ومنها : أنّ الشرط معتبر حتّى فيما لم يذكر في ضمن العقد . ومنها غير ذلك فليراجع ، ومن الظاهر أنّ الحاجة إلى الجواب عن هذا الإشكال إنّما هي فيما إذا لم نقل بكفاية مطلق الشرط وإن لم يقع في ضمن العقد وإلاّ فلا إشكال حتّى يجاب عنه .

والصحيح في حلّ الإشكال بناءً على اشتراط ذكر الشرط في ضمن العقد أن يقال : إنّ اشتراط ذكر الشرط في ضمن العقد إنّما هو في الشروط وهي عبارة عن التزام شيء خارج عن المعاملة في الالتزام المعاملي نظير بيع شيء مع اشتراطه خياطة الثوب أو مع الكتابة ونحوهما الراجعة إلى التزام عمل أو صفة وهي التي يعتبر ذكرها في العقد ، والمقام أعني البراءة عن العيوب ليس من قبيل الالتزام في الالتزام بل هي بمعنى رفع الالتزام وتوضيحه : أنّا ذكرنا سابقاً أنّ وصف الصحة نظير تساوي القيمة في خيار الغبن ممّا يشترطه العقلاء بارتكازاتهم في المعاملات وقلنا إنّ الاطلاق في العقود يقتضي الالتزام بالصحة وبتساوي القيمة ونحوهما فالالتزام بها ثابت عند الاطلاق حسب الارتكاز ما دام لم ينصب قرينة على رفع

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 5 : 351 .

ــ[287]ــ

ذلك الالتزام ، وأمّا مع نصبها فلا يبقى التزام بالصحة أو بتساوي القيمتين ، ولا يفرّق في القرينة المنصوبة لأجل رفع الالتزام الثابت بالارتكاز بين كونها سابقة على العقد وكونها مقارنة ، فالتبرّي قرينة على رفع الالتزام لا أنّه التزام في ضمن التزام ونظيره البيان فكما لا يفرّق في بيان العيب في قوله (عليه السلام) « ما لم يتبرّأ إليه ولم يبيّن له » بين كونه سابقاً أو مقارناً ، فكذلك في التبرّي .

ويدلّ على ما ذكرناه : إطلاق قوله « ولم يتبرّأ إليه » بلا تقييده بالتبرّي في ضمن العقد أو سابقاً عليه ، فلا إشكال في الرواية من هذه الجهة .

المسألة الخامسة : وقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في هذه المسألة أنّه لو ادّعى البائع رضى المشتري به بعد العلم بالعيب أو إسقاط الخيار أو تصرّفه فيه ونحوها من المسقطات حلف المشتري لأصالة عدم هذه الاُمور ، ثمّ عقّبه (قدّس سرّه) بأنّه لو وجد في المعيب عيب اختلفا في حدوثه وقدمه إلى آخر ما أفاده (قدّس سرّه) .

ولا يخفى أنّ هذه المسألة تكرار منه (قدّس سرّه) لأنّها بعينها المسألة الثالثة وقد ذكرنا هناك أنّ القول فيها تارةً قول المشتري واُخرى هو قول البائع على تفصيل قد أسلفناه ولا نعيد ، هذا تمام الكلام في الاختلاف في المسقط .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net