الثالثة : الاختلاف في الفسخ 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الرابع : الخيارات-2   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2222


الاختلاف في الفسخ

أما الثالث وهو ما إذا اختلفا في الفسخ وعدمه ، ففيه مسائل :

المسألة الاُولى : إنّ المشتري الذي ثبت له الخيار باتّفاقهما إذا ادّعى الفسخ واعترف بحلّه العقد فهذا يتصوّر على وجهين : لأنّ هذا النزاع تارةً مع بقاء الخيار واُخرى مع انقضائه . فإن كان خياره باقياً فلا ينبغي الإشكال في أنّه يتمكّن من الفسخ حينئذ وله أن ينشئه ثانياً ، ولا يرد عليه أنه مع دعواه الفسخ أوّلا لا يتمكّن

ــ[288]ــ

منه ثانياً لأنّه لغو محض ولا أثر له بعد إنشائه سابقاً ، وذلك لأنّ فائدة فسخه ثانياً هو علمنا إجمالا بأنّ المعاملة انحلّت ورجع الثمن إلى ملك المشتري كما رجعت العين إلى ملك البائع إمّا بهذا الفسخ أو بالفسخ السابق ، فالانحلال معلوم والشك في السبب والاستناد ، وهذا الشك لا أثر له بعد العلم بتحقّق الفسخ ، إذ لا أثر لكونه بهذا السبب أو بالسبب الأول ، كما أنّ اعترافه بفسخه سابقاً لا أثر له بحيث لا يصحّ منه إنشاؤه ثانياً بدعوى أنّه لغو ، لما عرفته من أثره ، هذا كلّه فيما إذا فسخ ثانياً .

وأمّا إذا لم يفسخ بانشائه ثانياً بل إنما اعترف بفسخه الذي هو فعل نفسه وأخبر عنه ، فهل يسمع ذلك الاقرار منه ولا يحتاج معه إلى إقامة البيّنة وغيرها من لوازم التداعي أو لا بل يحتاج إلى المحاكمة وإقامة البيّنة على فسخه ؟ الصحيح هو الأول ، وقد ذكروا في وجه ذلك أمرين وصحّحوه من جهتهما .

فتارةً يستدلّ على صحّة إقراره بالقاعدة التي ادعوا عليها الارتكاز كما يستفاد من بعض الأخبار(1) أيضاً وهي قاعدة من ملك شيئاً ملك الاقرار به وهذه القاعدة ممّا لا إشكال فيه في الجملة ، وإنما الخلاف في خصوصياتها ، وهذا كما في الولي إذا اعترف ببيع مال الصغير فإنه وإن لم يرجع إلى الاعتراف على نفسه إلاّ أنه لمّا كان مالكاً لبيع الصغير ومتمكّناً منه كان اعترافه وإقراره به مسموعاً ومتّبعاً  . وكذا في دعوى الزوج طلاق زوجته لأنه مالك لطلاقها ويتمكّن منه شرعاً فيسمع إقراره به بلا حاجة إلى بيّنة ونحوها ، ولا يسمع إنكار الزوجة طلاقه بوجه ، وفي المقام أيضاً نقول إنّ المشتري قد ملك فسخ العقد حسب الفرض وله أن يعترف بذلك ويسمع اعترافه به بلا حاجة إلى إقامة البيّنة بوجه .

واُخرى يستدلّ على صحّة إقراره بالفسخ بوجه آخر لا من جهة القاعدة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) منها ما ورد في الوسائل 18 : 281 / أبواب بيع الحيوان ب26 .

ــ[289]ــ

المتقدّمة ، وهو أن يقال إنّ نفس إخباره عن فسخه فسخ وإنشاء له ، لا بمعنى أنّ الإخبار إنشاء لأنّهما لا يجتمعان ، فإنّ الإخبار متقوّم بقصد الحكاية والانشاء متقوّم بعدم قصدها ، بل بمعنى أنّ هذا الإخبار لازم لانشاء الفسخ فهو نظير المدلول الالتزامي للإخبار وإن لم يكن عينه ، فإنّ المدلول الالتزامي مدلول لمدلول الأخبار  ، وأمّا الفسخ مدلول أي ملزوم لنفس الإخبار .

وهذا نظير ما ذكروه في رجوع الزوج في أيّام العدّة فإنّه إذا اعترف برجوعه يكفي ذلك في الرجوع بمعنى أنه بنفسه رجوع ، إذ لا يعتبر في الرجوع إلاّ الرضا بالزوجية وإظهار ذلك الرضا والاعتراف والإخبار بالفسخ والرجوع يظهران رضاه القلبي ويبرزانه ، فيكفيان في الرجوع بمعنى أنه بنفسه يكون مصداقاً للرجوع  ، وكذلك الحال في المقام فإنّ الفسخ ليس إلاّ عبارة عن رضاه بحلّ العقدة القلبية ، وإظهار ذلك الرضا واعترافه وإخباره بالفسخ يظهران رضاه بحلّ العقدة فيكونان مصداقاً للفسخ ، وهذا من غير فرق بين كونه صادقاً في اعترافه وإخباره وكونه كاذباً فيه كما إذا أقرّ بكذبه بعد ذلك فإنّ مجرد الإخبار ولو عن كذب يكون مصداقاً للفسخ كما مرّ .

ولعلّ هذا مراد شيخنا الشهيد (قدّس سرّه) على ما حكي عنه في الدروس بقوله : ويمكن جعل إقراره انشاءً(1) وإلاّ فلا معنى لاحتمال كون الاخبار انشاءً لأنّهما لا يجتمعان ، وعليه فلا محالة يكون اعترافه بالفسخ مسموعاً بلا حاجة إلى إقامة البيّنة عليه(2) هذا كلّه مع سماع اعتراف المشتري بالفسخ .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الدروس 3 : 286 .

(2) ومن ذلك يظهر الحال فيما إذا كان الاختلاف بعد انقضاء زمان الخيار فإنّه لا يجري فيه شيء من الوجهين المتقدّمين ، فيحتاج إثبات الفسخ إلى إقامة البيّنة عليه ولم يتعرّض له سيّدنا الاُستاذ باستقلاله ، فلا تغفل .

ــ[290]ــ

وأمّا إذا فرضنا عدم سماع إقراره إمّا من جهة كون النزاع بعد مضي الخيار أو من جهة البناء على عدم سماع الاعتراف ولو مع بقاء الخيار أو لوجه آخر فاحتاج مدّعي الفسخ إلى البيّنة ، فإن أقام البيّنة على مدّعاه فهو ، وأمّا إذا لم يتمكّن من إقامتها ووصلت النوبة إلى حلف منكر الفسخ ففي هذه الصورة يختلف الحال ، لأنّ مدّعي الفسخ إن كان هو المشتري وكان البائع منكراً له فلا يجب عليه الحلف ، كما أنه ليس للمشتري إحلافه على عدم فسخ المشتري واقعاً بل لعلّه فسخها في داره ولكنّه لا أثر له بل يدّعي عدم علمه بفسخ المشتري وهذا كاف في انحلال الدعوى وعدم ثبوت الفسخ ، هذا فيما إذا ادعى المشتري الفسخ فقط لا علم البائع به .

وأمّا إذا ادّعى المشتري علمه بفسخه فله إحلاف البائع على عدم علمه بفسخه ، ففي هذه الصورة يحلف البائع على عدم علمه بالفسخ لا على عدم فسخه واقعاً لأنه غير عالم به . وأمّا إذا كان المدّعي للفسخ هو البائع وكان المشتري منكراً له لترقي القيمة السوقية ولم يتمكّن البائع من إقامة البيّنة على فسخ المشتري ووصلت النوبة إلى حلف المشتري المنكر للفسخ ، فيحلف على عدم فسخه واقعاً لأنّه فعله وهو عالم بعدمه ، لا أنه يحلف على عدم علمه به كما هو ظاهر ، هذا .

ثم إنه إذا لم يتمكّن المشتري مثلا من إثبات الفسخ بوجه وحكمنا بلزوم المعاملة فهل يتمكّن من مطالبة البائع بالأرش ، لأنّ إنكاره الفسخ اعتراف باستحقاق المشتري للأرش ، أو أنه لا يتمكّن منه لأنّه باعتقاده يرى المعاملة مرتفعة بفسخه ؟

ــ[291]ــ

احتمل شيخنا الأنصاري(1) وجهين في المقام : أحدهما ثبوت مطالبته بالأرش لئلاّ يخرج من الحقّين . وثانيهما : عدم الأرش لاعترافه بالفسخ وأنّه ليس له ذلك .

وعن الشهيد في الدروس(2) أنّه احتمل استحقاق المشتري أخذ أقل الأمرين من الأرش وما زاد على القيمة السوقية من الثمن وتوضيحه : أنّه إذا اشترى المبيع بدينار وربع وكانت قيمته السوقية ديناراً واحداً ، وحينئذ الأرش إمّا مساو مع تلك الزيادة أعني ربع الدينار أو أكثر منها أو أقل .

فإن كان مساوياً معها وبمقدارها فنقطع باستحقاق المشتري لها أعني الزيادة أي الربع ، لأنّه إمّا فسخ المعاملة وصادق في دعوى الفسخ أو كاذب في دعواه ، فعلى تقدير صدقه يستحق الثمن وهو دينار وربع والمفروض أنّ قيمته السوقية دينار فيستحق مطالبة الربع من البائع لأنّ الثمن أكثر من القيمة الواقعية بالربع ، وعلى تقدير كذبه وعدم فسخه فيستحق الأرش لا محالة وقد فرضناه بمقدار الربع ، فالربع ممّا يستحقّه المشتري على كل حال .

وأمّا إذا كان الأرش أكثر من الربع فنقطع باستحقاقه للربع إمّا لفسخه واستحقاقه الثمن وهو دينار وربع وقيمته دينار واحد ، أو لأجل استحقاقه الأرش وهو أكثر من الربع ، فالربع الأقل ممّا يستحقّه المشتري قطعاً ، وأمّا الزيادة فلم تثبت لاعترافه بعدم استحقاقه الأرش وأنه فسخه .

وأمّا إذا كان الأرش أقل من الربع كما إذا كان درهمين فيقطع باستحقاقه لهذا الأقل على كلا تقديري الفسخ وعدمه ، إمّا من جهة الفسخ واستحقاقه الثمن وهو

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 5 : 353 .

(2) الدروس 3 : 287 .

ــ[292]ــ

زائد عن القيمة الواقعية بربع دينار ، وإمّا للأرش وهو درهمان ، وأمّا الزائد عليهما فلم يبثت إذ لم يثبت الفسخ حسب الفرض ، فأقل الأمرين راجع إلى المشتري على أي حال (فيما إذا لم يتمكّن المشتري من إثبات الفسخ) .

وما أفاده الشهيد (قدّس سرّه) متين على تقدير مطالبة المشتري بالأرش من البائع ، وأمّا إذا لم يطالبه به فلا يثبت أرش على ذمّة البائع حتّى يقال بالقطع باستحقاق المشتري أقل الأمرين ، فلا يستحق الأرش لعدم المطالبة ولا الفسخ لعدم الثبوت ، لما تقدّم من أنّ الأرش غرامة يثبت بالمطالبة لا أنه دَين على ذمّة البائع من الابتداء حتى يأتي دعوى القطع بأقل الأمرين ، فما أفاده متين على تقدير مطالبة المشتري بالأرش وأمّا مع عدمها فلا يستحق شيئاً كما عرفت .

المسألة الثانية : ما إذا اتّفقا على أنّ للمشتري الخيار واتّفقا أيضاً على أنّ المشتري قد فسخ ولكنّهما اختلفا في زمان الفسخ وأنه هل كان في زمان الخيار كأوّل الوقت بناء على الفورية ، أو في زمان بقاء العين حتى يكون مؤثّراً ، أو أنه كان بعد انقضائه لفوات الفور أو لأجل تلف العين حتى لا يكون مؤثّراً .

ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) أنّ هذه المسألة نظير مسألة ما إذا اختلف الزوج والزوجة في زمان الرجوع وأنه هل وقع في زمان العدّة حتى يؤثّر أو بعد انقضائها حتّى لا يؤثّر ، وقد أجرى (قدّس سرّه) في المقام كلاًّ من الاستصحاب الموضوعي أعني استصحاب عدم حدوث الفسخ في زمان الخيار ، والاستصحاب الحكمي وهو استصحاب بقاء العقد وملكية المال للمشتري ، ولم يعلم وجه الجمع بينهما ، لأنّ الاستصحاب الموضوعي إن صحّ جريانه في المقام فلا يبقى معه مجال لاستصحاب الحكم ، وإن لم يجر الأصل الموضوعي فالحكمي وإن صح في حدّ نفسه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 5 : 354 .

ــ[293]ــ

إلاّ أنه لا وجه لاجراء الموضوعي حينئذ ، ثمّ احتمل (قدّس سرّه) جريان أصالة الصحة في الفسخ حيث إنّهما يتنازعان في أنّ الفسخ صحيح مؤثّر أو فاسد وغير مؤثّر ، وإذا شككنا في صحة عقد أو إيقاع فلا محالة نحمله على الصحيح وبها نحكم بنفوذ فسخ المشتري .

ثم ذكر أنه لو كان منشأ النزاع الاختلاف في زمان وقوع العقد مع الاتّفاق على زمان الفسخ فلاستصحاب عدم العقد إلى الزمان القريب من الفسخ حتى يصح الفسخ وجه . مثلا إن اتّفقا على وقوع الفسخ يوم الثلاثاء واختلفا في أنّ العقد هل وقع في نفس اليوم كي يكون الفسخ فورياً وواقعاً في زمان الخيار بناءً على فورية الخيار ، أو فيما قبله من الأيّام حتّى يلغو الفسخ لوقوعه بعد انقضاء الخيار فيستصحب عدم وقوع العقد إلى يوم الثلاثاء ويصح الفسخ ، ولكن يضعّف بأنّ هذا الاستصحاب لا يثبت وقوع الفسخ في أول الزمان حتى يصح . هذه خلاصة ما أفاده في المقام ، وتحصّل منه عدم نفوذ الفسخ عنده في هذه المسألة .

واعلم أنّ هذه المسألة سيّالة بمعنى أنها لا تختص بالمقام بل تجري في كل متعلّق أو موضوع مركّب من أمرين علمنا بوجودهما وشككنا في أنّ وجود أحدهما هل كان في زمان وجود الآخر أو أنه كان بعد زمان وجوده .

أمّا المتعلّق نظير الصلاة والطهارة فيما إذا علمنا بأنّ المصلّي كان متطهّراً قبل الصلاة ثم علمنا بصدور الصلاة منه كما علمنا بصدور حدث منه وشككنا في أنّ الحدث هل وقع بعد الصلاة حتى تصح الصلاة لوقوعها في زمان الطهارة أو أنّ الحدث وقع قبل الصلاة كي تبطل الصلاة لعدم تحقّقها في زمان وجود الطهارة ولابدّ من فرض هذا المثال فيما إذا لم تجر قاعدة الفراغ كما إذا علم بغفلته حين الصلاة مثلا .

أمّا الموضوع فهو كالمقام وكرجوع الزوج في زمان العدّة ونظير رجوع المرتهن في إذنه في بيع العين المرهونة إذا اختلفا في أنه رجع عن إذنه قبل بيع العين أو

ــ[294]ــ

بعده ، ونظير الفسخ في زمان بقاء خيار المجلس أو الحيوان إذا اختلفا في أنّ الفسخ وقع قبل انقضائه أو بعده ، وقد عرفت أنّ شيخنا الأنصاري ذهب في جميع المسائل المتقدّمة إلى البطلان وعدم صحة الفسخ أو الرجوع أو الصلاة كما مرّ .

وذكر السيّد في حاشيته(1) أنّ الحكم في جميع تلك المسائل هو الصحة ونفوذ الفسخ والرجوع وصحة الصلاة من جهة أنّ أحد جزأي المتعلّق أو الموضوع محرز بالوجدان والجزء الآخر بالأصل ، مثلا الصلاة ممّا نعلم بوجوده بالوجدان ونشك في تحقّق الطهارة معها وارتفاعها والأصل بقاء الطهارة حين الصلاة ، أو الأصل عدم حدوث الحدث قبل الصلاة .

ونقول في المقام : إنّ الفسخ محرز بالوجدان وأمّا بقاء الخيار فيثبت بالاستصحاب لأصالة عدم ارتفاع الخيار في زمان الفسخ ، ولا يعارض هذا الاستصحاب بما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من استصحاب عدم تحقّق الفسخ في زمان الخيار ، لأنّ هذا الأصل لا أثر له ولا يثبت وقوع الفسخ بعد الخيار  ، لأنّه من اللوازم العقلية للمستصحب ، وهذا ظاهر .

وتوهّم جريان الاستصحاب في نفي موضوع الأثر كالفسخ في زمان الخيار أو الصلاة في زمان الطهارة ، لأنّ المؤثّر ليس هو طبيعي الفسخ أو الصلاة بل خصوص الفسخ الواقع في زمان الخيار أو الصلاة الخاصة الواقعة في زمان الطهارة وحيث إنّا نشك في تحقّقه فالأصل عدم تحقّق الفسخ الخاص أعني الواقع في زمان الخيار أو عدم تحقّق الصلاة المتخصّصة بالطهارة وبه يرفع الأثر ، مندفع بما ذكرناه غير مرّة من أنّ الموضوعات أو المتعلّقات المركّبة من جزأين أو أكثر لم يؤخذ فيها عنوان وتقيّد بوجه ، بل الظاهر من أدلّتها اعتبار تحقّق هذا الجزء في عين زمان الجزء

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) حاشية المكاسب (اليزدي) : 95 من مبحث الخيارات .

ــ[295]ــ

الآخر ، فما دلّ على أنّ الطهور معتبر في الصلاة لم يدلّ على تقيّد الصلاة بكونها عن طهارة ، بل ظاهره اعتبار وجود الصلاة في زمان وجود الآخر أعني الطهور ، وكذا في المقام فإنّ ما دلّ على اعتبار بقاء الخيار في زمان الفسخ لم يدل على تقيّد الفسخ بكونه واقعاً في زمان الخيار بل غايته اعتبار وجود الفسخ في زمان وجود الخيار بمعنى أنّ المعتبر هو ذات الجزأين والمفروض أنّ كلتا الذاتين محرزتان إحداهما بالوجدان والاُخرى بالأصل ، ونفس الاستصحاب يقتضي كون الفسخ في زمان الخيار وأين لنا شك في بقاء الموضوع أو المتعلّق حينئذ حتى نستصحب عدمه ، إذ المفروض أنّ الموضوع ثابت بضمّ الوجدان إلى الأصل أو المتعلّق محرز بهما فلا شك في وجودهما كي نرفعها بالأصل ، وكذا الحال في الصلاة فكما أنّا إذا كنّا شككنا في أثناء الصلاة في طهارتنا كنّا نستصحب الطهارة ونكتفي بتلك الصلاة في الامتثال كذلك الحال فيما إذا شككنا في طهارتنا بعد الصلاة  ، والوجه في ذلك ما عرفت من أنّ المعتبر ذات الجزأين في زمان واحد وإحداهما محرزة بالوجدان والاُخرى بالأصل وعليه فنحكم بالصحة في جميع المسائل المتقدّمة ، هذا ما ذكره السيّد (قدّس سرّه) في المقام ، وهو وما أفاده شيخنا الأنصاري في طرفي النقيض.

والصحيح في المقام هو التفصيل وبيان ذلك : أنّ الشك(1) في تحقّق أحد الجزأين في زمان الجزء الآخر تارةً فيما إذا لم يكن وجود الجزء الآخر محدوداً معيّناً بل هو بحيث يبقى إلى آخر الأبد إذا لم يرفعه رافع ونشك في رافعه ولأجل ذلك نشك

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وبعبارة اُخرى : أنّ الجزأين اللذين اعتبر اجتماعهما في زمان واحد تارة يكون كلاهما زمانياً كالطهارة والصلاة واُخرى يكون أحدهما زماناً والآخر زمانياً نظير الفسخ في خيار الحيوان الذي هو ثلاثة أيام أو رجوع الزوج في العدّة التي هي زمان  ، وغيرهما من الأمثلة ، كذا أفاده في المرّة الثانية .

ــ[296]ــ

في سعة وجود ذلك الجزء وضيقه . واُخرى يكون الشك المذكور فيما إذا كان وجود الجزء الآخر محدوداً معيّناً لا نشك في سعته وضيقه .

أمّا الأول فكالطهارة فإنّ وجودها غير محدود بشيء ويبقى إلى آخر الأبد لو لم يطرئها رافع ، وحيث يشك في حدوث الحدث قبل الصلاة أو بعدها فلا محالة يحصل لنا الشك في سعة تلك الطهارة بحيث تعم حال الصلاة وضيقها وعدم شمولها لحال الصلاة ، ففي هذه الموارد متعيّن ما ذكره هذا القائل ، لأنّ وجود الصلاة محرز بالوجدان وسعة الطهارة وشمولها لحال الصلاة بالأصل فيتم كلا الجزأين ، وحينئذ لا يبقى لاستصحاب عدم تحقّق الصلاة الخاصة مجال بل يكون غلطاً حينئذ ، لما عرفت من عدم أخذ العنوان والتقيّد في الصلاة وإنّما الدليل دلّ على اعتبار وجود الصلاة في زمان وجود الطهارة والمفروض أنّا عالمون بتحقّق الصلاة في زمان وجود الطهارة بالوجدان والتعبّد ، فلا شك في وجود المتعلّق أو الموضوع حتى يجري استصحاب عدم تحقّق الموضوع الخاص .

وبالجملة : فإن أراد شيخنا الأنصاري في هذه الموارد استصحاب عدم الجزء فقد عرفت أنّ أحدهما محرز بالوجدان والآخر بالأصل ولا شك لنا في تحقّقهما ، وإن أراد استصحاب عدم المجموع أعني الصلاة المتخصّصة بالطهارة فقد مرّ أنّ المجموع بهذا العنوان لم يقع متعلّقاً لحكم ولا موضوعاً له وإنما الدليل اعتبر وجود ذاتهما في زمان واحد وقد علمنا بهما بالوجدان والتعبّد .

والمتحصّل : أنّ الجزأين إذا كان كلاهما زمانياً كما هو الحال في الطهارة والصلاة فلا محالة يجري فيه استصحاب أحدهما ، وحيث إنّ الآخر محرز بالوجدان فبه يلتئم كلا جزأي الموضوع ، لأنّ المستفاد من لسان الدليل ليس إلاّ اعتبار كون أحدهما موجوداً في زمان وجود الآخر وأمّا الأزيد من ذلك فلا ، والمفروض أنّ وجود الصلاة محرز بالوجدان في زمان ، وكون هذا الزمان زمان الطهارة قد اُحرز

ــ[297]ــ

بالاستصحاب ، فالاستصحاب يثبت أنّ هذا الزمان زمان الطهارة وأنّها لم ترتفع في هذا الزمان ، وإيقاع الصلاة في زمان حكم الشارع بكونه زمان الطهارة وجداني فيتحقّق كلا الجزأين وحينئذ لا يبقى لنا شك في تحقّق الصلاة في زمان الطهارة حتى يتمسّك باستصحاب عدم تحقّق الصلاة في ذلك الزمان ، لأنّك عرفت أنّ تحقّق الصلاة في زمان الطهارة وجداني ومن هنا لا يفرق الحال بين المثال وبين ما إذا شككنا في بقاء الطهارة قبل أن ندخل في الصلاة فإنّ استصحاب الطهارة يثبت أنّ الزمان زمان الطهارة فنوقع الصلاة في ذلك الزمان بالوجدان ، فهل يتوهّم أحد حينئذ أن يتمسّك باستصحاب عدم تحقّق الصلاة في زمان الطهارة .

وبالجملة : أنّ الجزأين الزمانيين لما لم يستفد من دليلهما سوى اعتبار أن يكون زمان واحد جامعاً لهما ، وبعبارة اُخرى لا يستفاد من اعتبار الطهارة في الصلاة إلاّ كون المصلّي متطهّراً (فكونه مصلّياً يثبت بالوجدان وكونه متطهّراً بالاستصحاب) أمكن إحراز أحدهما بالوجدان والآخر بالأصل ، هذا في الطهارة والصلاة .

ولا يبعد أن يكون الفسخ في خيار المجلس أيضاً من هذا القبيل ، لأنّ المستفاد من دليله هو اعتبار أن يكون الفسخ ما دام لم يفترقا ، فأحد الجزأين عدم الافتراق والآخر هو الفسخ ، والمفروض أنّ الفسخ محرز بالوجدان وأمّا عدم افتراقهما فيحرز بالأصل ، فنعلم بالوجدان بايقاع الفسخ في زمان حكم الشارع فيه بعدم الافتراق ، ومعه لا يبقى مجال لاستصحاب عدم تحقّق الفسخ في زمان عدم الافتراق ، وذلك لأنّ الدليل دلّ على اعتبار أن يكون هذان الأمران موجودين في زمان واحد والمفروض إحرازهما في زمان بالوجدان والأصل ، ومن هنا لو كان أحد المتبائعين أعمى أو كانا في ليل مظلم وشك في افتراق الآخر وعدمه له أن يفسخ تمسكاً باستصحاب عدم الافتراق .

ــ[298]ــ

ومن هذا القبيل أيضاً مسألة رجوع المرتهن عن إذنه فإنه لم يعتبر في صحة البيع إلاّ بيع الراهن في زمان عدم رجوع المرتهن ، والأول اُحرز بالوجدان والثاني بالاستصحاب ، وهكذا الحال في كل زمانيين لم يعتبر إلاّ اجتماعهما في زمان من دون أخذ شيء آخر في لسان الدليل .

وأمّا الثاني أعني ما إذا كان الجزء الآخر محدوداً معيّناً بأن كان زماناً والآخر زمانياً نظير الفسخ في خيار الحيوان لأنّ الشرط فيه ثلاثة أيّام وهي زمان والفسخ زماني ، أو رجوع الزوج في عدّة الزوجة التي هي عبارة عن عدد من الأيّام وهي زمان ونحوهما ، فلابدّ في مثله من ملاحظة الدليل لنرى أنه دل على اعتبار أن يكون الزمان ظرفاً لذلك الجزء الآخر الزماني أعني اتّصاف كونه واقعاً في ذلك الزمان ، أو أنه لم يدل إلاّ على اعتبار وجود الزمان ووجود ذلك الزماني بلا أخذ الظرفية والاتّصاف في البين ، فإن لم يدل الدليل إلاّ على اعتبار وجودهما بلا اعتبار الظرفية ونحوها كما استظهرناه في مثل الصوم والصلاة لأنّ المستفاد من قوله تعالى (أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ)(1) وقوله تعالى : (أَقِمْ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ)(2) وقوله (عليه السلام) في بعض الأخبار(3)، ما مضمونه « إنّ الصلاة لابدّ من تحقّقها قبل أن يغرب الشمس » ليس إلاّ اعتبار الصيام وعدم الليل أو الصلاة وعدم غروب الشمس ، فإذا شككنا في بقاء الوقت فلنا أن نتمسّك باستصحاب عدم غروب الشمس ، والمفروض أنّ الصلاة قد وقعت في ذلك الزمان بالوجدان ، أو نتمسك باستصحاب عدم الليل والمفروض علمنا بأنّنا صائمون ، أو نستصحب بقاء

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البقرة 2 : 187 .

(2) الاسراء 17 : 78 .

(3) منها ما في الوسائل 4 : 125 / أبواب المواقيت ب4 ح3 .

ــ[299]ــ

الليل فيما إذا شككنا في بقائه وبه نحرز كلا جزأي الموضوع أعني الصوم وعدم الليل والصلاة وعدم الغروب كما ذكرناه في القسم الأول مفصّلا . وأمّا استصحاب عدم تحقّق الصيام في النهار أو عدم الليل أو عدم تحقّق الصلاة قبل الغروب فقد عرفت أنه لا يجري لعدم الشك في تحقّقهما لاحراز وجودهما بالوجدان كما مرّ .

وأمّا إذا دلّ دليلهما على اعتبار كون الزمان ظرفاً للزماني ففي مثله لا يجري استصحاب الزمان أصلا ، لا أنه يجري ويعارض بأصالة عدم تحقّق الصلاة مثلا قبل الغروب ، وذلك لأنّ الاستصحاب لابدّ فيه من أثر شرعي ولا أثر لاستصحاب الزمان في مفروض الكلام ، لأنّ استصحاب عدم الغروب لا يثبت أنّ الصلاة قد وقعت فيه أي اتّصافها بكونها قبل الغروب ، لأنّ استصحابه إنّما هو بمفاد كان التامة وهو لا يثبت الاتّصاف كما لا يخفى ، والمفروض أنّ الاتّصاف مأخوذ في لسان الدليل والاستصحاب لا يثبته إلاّ على القول بالأصل المثبت ، لا أنه يجري ولكنه يعارض باستصحاب عدم تحقق الصلاة قبل الغروب.

ومن هنا يظهر أنّ في هذه الموارد إن كان لأصالة عدم تحقّق الصلاة قبل الغروب مثلا أثر فلا محالة تجري بلا معارض ، وإلاّ فلا يجري أصل في البين لعدم الأثر لكلتا الأصالتين حسب الفرض ، هذا .

وقد ذكرنا(1) تفصيل الكلام في استصحاب الزمان في بحث جريان الاستصحاب في الزمان والزماني ، وفيما ذكرناه هناك ما ينفع المقام فليراجع .

ثم إنّ ما ذكرناه في المقام لا يفرق فيه بين أن يكون الشك في تحقّق الفسخ في زمان الخيار ناشئاً من الشك في زمان العقد كما إذا علم تاريخ الفسخ وشك في أنّ العقد هل وقع يوم الثلاثاء حتى يكون الفسخ الذي علمنا بوقوعه يوم الجمعة واقعاً

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الاُصول 3 (موسوعة الإمام الخوئي 48) : 147 .

ــ[300]ــ

بعد انقضاء الخيار في خيار الحيوان ، أو أنه وقع يوم الأربعاء حتى يكون الفسخ واقعاً قبل انقضائه ، وبين أن يكون الشك ناشئاً من الشك في زمان وقوع الفسخ كما إذا كان تاريخ العقد معلوماً . وكذا لا يفرق بين صورة كون أحدهما معلوم التاريخ والآخر مشكوكه ، وبين صورة كون كليهما مجهولي التاريخ ، ففي جميع هذه الصور يجري استصحاب بقاء الخيار ونحرز وقوع الفسخ في ذلك الزمان بالوجدان وبه نحكم بنفوذ الفسخ .

بقي الكلام في التمسك بأصالة الصحة في الفسخ وأنه هل يصح الاعتماد عليها في المقام وبها نحكم بتقديم قول المشتري لأنه يدّعي صحّة الفسخ أو لا ؟

والظاهر لا ، وذلك لما تقدّم في محلّه من أنّ أصالة الصحة في العقود والايقاعات وغيرهما كصلاة الميت وتغسيله وغيرهما من الواجبات وإن كانت جارية بلا خلاف ولا ينبغي الشك في جريانها فيها وبها نحكم بصحتها ونرتّب آثار الصحة عليها ، مثلا إذا شككنا في صحة صلاة من يصلّي على جنازة أو يغسّلها فلا محالة نحملهما على الصحيح وبها نحكم بعدم وجوب صلاة الميت أو تغسيله علينا ، أو إذا شككنا في صحة طلاق امرأة نحمله على الصحيح ونحكم بصحة تزويجها ، وكذا غير ذلك من الواجبات والعقود والايقاعات ، ولا يلزمنا إحراز صحتها بالوجدان  .

إلاّ أنّ هذه الأصالة المذكورة الجارية في الموارد المذكورة لم تثبت بدليل لفظي حتى نتمسك باطلاقه ، وإنما ثبتت بالسيرة القطعية المتّصلة بزمان المعصومين (عليهم السلام) لأنّ السيرة جرت على حمل تلك الاُمور على الصحة وترتيب آثارها عليها  ، ولم يوجبوا على أنفسهم إحراز صحتها في سقوطها عن ذمّتهم كما في مثل الصلاة على الميت وغسله ، فمدرك أصالة الصحة هو السيرة .

نعم المدرك على حمل فعل المسلم على الصحيح الشرعي في مقابل الحرام

 
 

ــ[301]ــ

ثابت بدليل لفظي ، إلاّ أنّه ينفي ارتكابه الحرام فقط ولا يقتضي ترتيب آثار الصحة عليه كما هو ظاهر ، فإذا كان المدرك للأصالة المذكورة هو السيرة فلا يمكن التمسك باطلاقه ولابدّ من الاقتصار على المتيقن والمتيقن من جريانها هو ما إذا أحرزنا أهلّية الفاعل وقابليته للعمل ، وأمّا مع الشك في أهلّيته فلا علم بثبوت السيرة فيه  .

فإذا عقد شخص على امرأة بدعوى الوكالة عنها وأنكرت المرأة الوكالة ولأجله شككنا في قابلية العاقد وأهلّيته ، لا يبقى مجال للتمسك بأصالة الصحة وإثبات صحة العقد بها ، وأمثلة ذلك غير عزيزة .

وعليه ففي المقام لا يمكننا التمسك بأصالة الصحة للشك في قابلية الفاسخ وأهلّيته له ، لأنه إنّما يتمكّن منه في زمان محدود كثلاثة أيام في خيار الحيوان أو الآن الأول في غيره بناءً على الفورية ، ولا ندري أنه فسخه في ذلك الوقت أو في خارجه فنشك في أهلّيته ومعه لا علم بثبوت السيرة كما تقدّم .

فالمتحصّل أنّ الأصل منحصر بما ذكرناه فيكون قول المشتري في المقام ونظائره ممّا اُخذ ذات الجزأين في الموضوع أو المتعلّق هو المقدّم وهو المنكر ، هذا كلّه في هذه المسألة .

المسألة الثالثة : ما إذا اختلف البائع والمشتري في الفسخ من جهة دعوى المشتري الجهل بأصل الخيار أو بفوريته كما إذا اتّفقا على أنّ المشتري فسخه في زمان معيّن نفرضه بعد أربعة أيام من العقد ، ولكن المشتري يعتذر بأنّ الوجه في تأخيره جهله بأصل الخيار أو بفوريته وإلاّ لفسخه في وقته ، والبائع يدّعي علمه بالحال . ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) أنّ الأصل عدم علم المشتري لأنّه أمر حادث مسبوق بالعدم فالقول قول المشتري . ونقل عن بعضهم التفصيل بين صورة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 5 : 354 .

ــ[302]ــ

دعوى المشتري الجهل بأصل الخيار فلا يسمع قوله ، لأنه خلاف الظاهر حيث إنّ ثبوت خيار العيب من الواضحات وقد قلنا بأنه ثابت ببناء العقلاء ، وصورة دعواه الجهل بفورية الخيار فيسمع دعواه لأنّها ممّا لا يعرفه العامّة بل بعض الخاصّة أيضاً هذا .

ولا يخفى أنّ هذا التفصيل الذي نقله شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) ممّا لا يمكن المساعدة عليه ، وذلك لأنّ غاية كون الخيار أمراً معلوماً للعامّة حصول الظن بكذب مدّعي الجهل بالخيار ، وأمّا العلم فلا ، ومن الظاهر أنّ الظن لا دليل على اعتباره مع جريان الاستصحاب على خلافه ، فالحق ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من الرجوع إلى أصالة عدم العلم في كل من موردي دعوى الجهل بالخيار أو بالفورية ، وهذا ظاهر .

وإنّما الكلام في ثمرة هذا النزاع وأنّ دعوى المشتري الجهالة بالخيار أو بالفورية أيّ أثر يترتّب عليها حتى فيما لو صدّقه البائع في مدّعاه ، فإنّ المقام نظير غيره من الخيارات ، مثلا إذا فسخ المشتري في خيار الحيوان أو المجلس بعد أربعة أيام أو بعد الافتراق بدعوى جهله بالخيار في المجلس أو في ثلاثة أيام فهل لجهله ذلك أثر حتى فيما علمنا بصدقه ، لأنّ الفسخ بعد زمان الخيار لا أثر له كان مع العلم أو بدونه ، والدليل دلّ على أنّ عدم الفسخ قبل الافتراق أو قبل مضي الثلاثة يوجب لزوم المعاملة كان مع العلم أم كان مع الجهل .

وكذلك الحال في المقام فإنّه لم يفسخ في زمان الخيار فلا يؤثّر فسخه ولو كان مع الجهل ، إذ لزوم العقد وعدم تأثير فسخه مستند إلى تقصيره في تعلّم أحكام المعاملة أو إلى قصوره ، وعلى أي حال لا يكون فسخه نافذاً فلا يبقى لهذه المنازعة أثر ، وكيف لا فإنّ النزاع المذكور إنما يكون ذا ثمرة فيما إذا قلنا بأنّ الفورية مقيّدة بالعلم بها وحينئذ يدّعي البائع أنّك كنت عالماً بالخيار والفورية ولم تفسخ فسقط

ــ[303]ــ

خيارك والمشتري ينكر علمه ويدّعي جهله بهما حتى لا يسقط خياره ، مع أنّ هذا أمر غير معقول ، فإنّ أخذ العلم قيداً وموضوعاً في متعلّق نفسه مستحيل ، فلا يعقل أن تكون الفورية مقيّدة بالعلم بها ، وحيث لا يكون العلم مأخوذاً في الفورية فلا يكون لدعوى البائع علم المشتري بها وإنكار المشتري له ثمرة ، هذا .

ولكن الظاهر أنّ ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) هو الصحيح ، وذلك لأنّ تحديد الخيار بالفورية والآن الأول في المقام ليس نظير تحديد خيار المجلس بعدم الافتراق أو خيار الحيوان بثلاثة أيام ، لأنّهما قد ثبتا بدليل لفظي وقد دلّ على أنّ الفسخ في غيرهما لا يكون مؤثّراً مع العلم كان أم مع الجهل كما تقدّم .

وأمّا تحديده بالفورية في المقام فلم يثبت بدليل لفظي وإنما ادّعاه من ادّعاه بدعوى أنّ عدم فسخه في الآن الأول كاشف عن رضاه بالعقد والمعاملة ، فعدم فسخه كاشف عن إسقاطه الخيار ، وقد ناقشنا في هذا الدليل سابقاً كما عرفت .

وهذا الوجه كما ترى إنما يتمشّى في مورد العلم بالخيار وبالفورية وأمّا مع جهله بأحدهما فلا يكون عدم فسخه كاشفاً عن إسقاطه الخيار أو عن رضاه بالمعاملة ، ومن هنا لو كان المشتري نائماً أو مغمى عليه إلى سنة لا يمكن لمدّعي الفورية دعوى سقوط خياره ، لأنّ ترك فسخه حينئذ لا يكشف عن رضاه بالمعاملة ، وعليه فمدّعي العلم يريد أن يثبت أنّ عدم فسخك في الآن الأول كاشف عن إسقاطك الخيار وغرض المشتري نفي ذلك وأنّي كنت جاهلا ولم اُسقط خيار نفسي فتترتّب الثمرة على نزاعهما  ، وهذا لا من جهة أنّ الفورية مقيّدة بالعلم بها حتى يقال إنه غير معقول ، بل مقتضي الخيار موجود إلى الأبد وهو ثابت في نفسه مطلقاً بلا مدخلية للعلم والجهل ، إلاّ أنّ غرض مدّعي العلم أنّك أسقطت خيارك وأوجدت المانع عن ذلك المقتضي ، وغرض المشتري نفي ذلك وأنّ المانع لم يتحقّق وخياري باق ، هذا تمام الكلام في اختلاف المتبائعين في الفسخ .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net