الصحيح المختار في معنى العيب - ظهور الثمرة بين خيار العيب وتخلّف الشرط في موارد 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الرابع : الخيارات-2   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2289


فالصحيح في المقام أن يقال : قد عرفت من مطاوي ما ذكرناه في بحث خيار العيب وغيره أنّ العقلاء إنما يبذلون المال بازاء الأشياء والطبائع بداعي أوصافها ومنافعها وفوائدها القائمة بها بحيث لولا تلك الأوصاف والمنافع لم يدفعوا


ــ[311]ــ

المال بازاء الطبيعة الخالية ، ففي الحقيقة يبذلون الأموال في مقابل تلك الأوصاف والمنافع  ، لا بمعنى أنّ المال يقع بازاء تلك الأوصاف أو المنافع ، بل المعاملة تقع بين المال ونفس العين إلاّ أنّ مالية العين قائمة بتلك المنافع والأوصاف ، لأنّ الحنطة البيضاء تسوى بأكثر ممّا تسوى به الحنطة السوداء ، وكذا الحال في الاُرز بحسب اختلافها في الأوصاف .

ثم إنّ تلك الأوصاف والمنافع المقوّمة لمالية المال على قسمين : فقسم منها ممّا لا يحتاج إلى البيان والاشتراط بل بناء العقلاء في كل مكان على وجوده فكان تحقّقه ووجوده في المبيع مفروغ عنه عندهم ، والقسم الآخر ما لا يكون وجوده مفروغاً عنه عند نوع العقلاء وإنما يرغب إليه شخص المشتري أو البائع فيشترطه في المبيع كاشتراط كون الاُرز من قسم الداني لقلّة ثمنه أو لكونه موافقاً لغرضه ، لأنّ جميع المتعاملين لا يرغبون في القسم العالي ، وهذا ظاهر .

ثم إنّ متعلّق المبيع والمعاملة إذا كان مشتملا على جميع الأوصاف التي يرغب فيها نوع العقلاء أو شخص المشتري أو البائع إلاّ أنّ قيمته كانت أكثر ممّا يسوى به في السوق ، فهذا هو مورد خيار الغبن وقد عرفت حكمه وأنه من جهة الارتكاز يوجب الخيار ، وأمّا إذا كانت قيمته مساوية لما يسوى به في السوق إلاّ أنّ العين لم تكن واجدة للوصف الذي يرغب فيه شخص المشتري أو البائع فيكون هذا من قبيل خيار تخلّف الشرط وقد تقدّم أيضاً ، وأمّا إذا لم تكن العين واجدة للوصف الذي يرغب فيه نوع العقلاء ويأخذونه مفروغاً عنه في المبيع فيكون ذلك من خيار العيب ، وعليه فالمناط في العيب هو ما يراه العقلاء عيباً وقد عرفت أنه يتحقّق في الأوصاف التي يرغب فيها العقلاء وكأنّها مفروغ عنها في المبيع فيكون فقد تلك الأوصاف موجباً للعيب ، وربما تكون الزيادة عيباً ، والجامع هو النقص عمّا يراه العقلاء لازماً في المبيع بجعل المبيع بشرط شيء أو بشرط لا (حتى يرجع الزيادة إلى

ــ[312]ــ

النقص) فتكون مثل الثيبوبة في الإماء المجلوبة من دار الكفر غير محكومة بالعيب لأنّ البكارة في مثلها ليست مفروغاً عنها عند العقلاء حتى يكون فقدها عيباً ، وأمّا مثل كون العبد آبقاً أو سيّئ الخُلق أو كونه بصدد قتل مولاه ليشرد فهو عيب ، لأنّ عدمها مفروغ عنه عند العقلاء ، ونظيره كون الرقي المشترى فاسداً وهكذا .

ثم إنّ ذلك ممّا لا يفرق فيه بين الأوصاف الأصلية والعرضية كما تقدّم ، بل المناط كون وجود الوصف في المبيع مفروغاً عنه عند العقلاء ، فإذا اشترى كتاباً قد ذهبت قوّة أوراقه من كثرة بقائه في موضع رطب بحيث يتمزّق عند وضع اليد عليها فإنه يعدّ عيباً عند العقلاء ، وكذا كون العبد سارقاً أو آبقاً ، وهذا ظاهر (فلا يختص العيب بالأوصاف الذاتية الخلقية) .

ثم لا يخفى أنّ المراد بالعيب هو العيب في مقام المعاملة والبيع لا العيب في الموجود بما هو موجود ، فإنّ وجود وصف أو فقده ربما يعدّ من العيب عند العقلاء في نفس ذلك الشيء إلاّ أنه ممّا لا يوجب نقصاً في القيمة في مقام البيع وهكذا كما إذا كان للعبد يد ثالثة قد خرجت من ظهره فإنه عيب في العبد بلا كلام إلاّ أنه لا ينقص قيمته فيما إذا لم يمنع عن قوّته وعمله ، وكذا إذا كانت أعضاؤه أو بدنه أسود لحرق ونحوه فإنه عيب ولكنه لا يوجب نقص قيمته ، فإنّ المطلوب من العبد هو العمل ولا يطلب منه عدم كونه ذا عضو زائد أو عدم كونه أسود . نعم هذان يمنعان في الأمة فيوجبان نقص قيمتها فإنّ اليد الثالثة يوجب استنكار هيئتها ومانعاً عن الرغبة فيها ، بخلاف العبد فإنّ المطلوب منه هو العمل والمفروض أنّ وجود عضو زائد في ظهره لا يمنعه عن القيام بوظيفة العبودية ، وأمثال هذه العيوب خارجة عن محل الكلام ومثلها لا يوجب الخيار ، وذلك لأنّ الروايات قد جعلت الخيار مردّداً بين الردّ وأخذ الأرش ، ففيما لا يعقل فيه هذا التردّد لعدم الأرش لا يثبت فيه الخيار  ، والمفروض في المقام أنه لا فرق في قيمة العبد بين كونه ذا يد ثالثة في ظهره

ــ[313]ــ

وعدمه وحيث لا أرش فلا يثبت فيه الخيار ، ومن هنا يظهر الوجه في عدم عدّهم كفر العبد من العيوب الموجبة للخيار مع أنه من أظهر أفراد العيب ولا يتصوّر عيب فوقه ، إلاّ أنه عيب في نفس العبد لا فيه بما أنه مبيع ، فإنّ قيمة العبد لا تختلف بكفره وإيمانه ولا يوجب النقص في العبودية .

والمتلخّص من جميع ذلك : أنّ العيب عبارة عن نقص الوصف القائم بالشيء الذي له دخل في ماليته عند العرف والعقلاء ، والمراد بالنقص أعم من الزيادة (بإرادة النقص أعم من النقص الحقيقي أو النقص عمّا اُخذ في الشيء بشرط لا) وليس المدار على النقص عن الخلقة الأصلية ، لأنّ مرسلة السيّاري ضعيفة مضافاً إلى عدم انحصار العيب به كما عرفت في مثل الإباق ونحوه ممّا لا ربط له بالخلقة حتى أنّ بعض الروايات قد نصّ على كون الإباق عيباً مع أنه غير راجع إلى النقص عن الخلقة ، فكل وصف قائم بالشيء ويراه العرف والعقلاء دخيلا في ماليته ويأخذون وجوده فيما يبذلون بازائه المال مفروغاً عنه ، يكون فقده ونقصه عيباً .

ومن ذلك يظهر أنّ الخصاء في العبيد والثيبوبة في الإماء المجلوبة من بلاد الكفر عيب ، وذلك لأنّ وصف البكارة في الإماء ممّا له مدخلية في قيمتها عند العقلاء والعرف ، فيكون فقدها نقصاً وعيباً ، ولا تكون غلبة الثيبوبة في الإماء المجلوبة من بلاد الكفر موجبة لخروجها عن العيب ، لأنّ البكارة القائمة بالإماء دخيلة فيما يبذلونه العقلاء من المال في مقابلها فعدمها عيب ، نعم غلبة الثيبوبة في المذكورات توجب خروجها عن حكم العيب فلا يوجب تخلّقها خيار العيب ، لأنّ غلبتها توجب علم المشتري بعدم بكارتها أو توجب التبرّي عن عيب الثيبوبة فلا يثبت معها خيار العيب ، إلاّ أنّ كونها عيباً ممّا لا ينبغي التأمّل فيه .

وعلى ذلك يحمل ما ذهب إليه الفقهاء من عدم كون الثيبوبة في الإماء المجلوبة من بلاد الكفر عيباً ، فمرادهم أنّها لا توجب ثبوت أحكام العيب لا أنّها خارجة

ــ[314]ــ

عن موضوعه .

وممّا يشهد على ما ذكرناه : ما ذكره المحقّق الثاني في جامع المقاصد(1) أو نقله عن العلاّمة من أنّ الثيبوبة إنّما تكون عيباً فيما إذا لم يعلم المشتري بأنّها مجلوبة من بلاد الكفر لا مطلقاً ، فإن علم المشتري بكونها مجلوبة من دار الكفر وعدمه ممّا لا يعقل أن يكون موجباً لتعيّبها وعدمه ، فإنّ العلم طريق لا موضوعية له ، فلا محالة يريد بذلك أنّ ارتفاع أحكام العيب عن الثيبوبة مشروط بعلم المشتري بأنّ الأمة من الإماء المجلوبة من دار الكفر حتى يعلم أنّ الغالب فيها هو الثيبوبة ، وأمّا مع عدم علمه بالحال أو اعتقاده بأنّها من الإماء المتولّدة في بلاد الإسلام فلا يعلم بغلبة الثيبوبة فيها كما لا يخفى فيثبت لها أحكام العيب .

فالمتحصّل : أنّ الغلبة أو الخلقة الأصلية ليستا مناط العيب وعدمه ، بل المناط فيه هو كون الوصف ممّا له مدخلية في مالية الشيء بحسب بناء العقلاء كانت الغلبة على وفقه أو لم تكن ، ومن هنا لو فرضنا سنة تعيّبت فيها الثمرات لأجل الحرّ أو البرد الشديدين بحيث لا يوجد الصحيح إلاّ نادراً كما قد يتّفق ذلك في المركّبات من الليمون والبرتقال ، لا يمكن أن يقال إنّ الثمرات ليست معيبة ، لأنّ الغالب فيها ذلك ، وهذا ظاهر .

ثم إنّه قد اتّضح من جميع ذلك : أنّ مرادنا بالعيب في هذا المقام أعني خيار العيب وبيان معنى قوله (عليه السلام) « أيّما رجل اشترى شيئاً وبه عيب » الخ(2) هو العيب في مقام البيع والمالية أي فقد الوصف الدخيل في ماليته ، وأمّا العيب غير الموجب لنقصان المالية فلا يوجب الخيار ولو مع صدق العيب عليه لغة ، لأنّه ناقص

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لاحظ جامع المقاصد 4 : 327 .

(2) الوسائل 18 : 30 / أبواب الخيار ب16 ح2 .

ــ[315]ــ

أو زائد عن الخلقة الأصلية فهو خارج عن محل الكلام ، فمثل الخصاء في الديك أو وجود يد زائدة في العبد غير المانع عن وظيفته كما تقدّم خارجان عن محل الكلام ولا يثبت بتخلّفه الخيار أعني خيار العيب ، نعم إطلاق العقد يقتضي أن يكون الفرد المتعلّق عليه البيع نظير سائر الأفراد من حيث الوصف فيثبت بتخلّفه خيار تخلّف الشرط دون خيار العيب ، إلاّ أنّ الظاهر أنّ هذا البحث أعني كون الخيار الثابت له خيار تخلّف الشرط أو خيار العيب ممّا لا يترتّب عليه ثمرة ، وذلك لأنّ الأرش لا يثبت في المقام لعدم التفاوت في قيمة المال بين صحيحه ومعيبه ، وأمّا مجرد الردّ فهو ممّا لا يترتّب على كونه من جهة العيب أو تخلّف الشرط ثمرة .

وربما يتوهّم كما في كلام شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) ثبوت الثمرة على كون الخيار خيار عيب أو خيار تخلّف الشرط في موردين :

أحدهما : فيما إذا تصرّف المشتري في المال أو حدث فيه عيب آخر أو تلفت العين بنفسها ، فإنّ الخيار لو كان هو خيار العيب فلا محالة يسقط حينئذ فلا يبقى له خيار لأنّها من مسقطات الردّ كما تقدّم ، وأمّا إذا كان الخيار خيار تخلّف الشرط فلا وجه لسقوط خياره ، لأنّ حدوث الحدث أو تلف العين لا دليل على كونه موجباً لسقوط خيار تخلّف الشرط ، هذا .

وقد أجاب شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) عن هذه الثمرة بقوله فتأمّل والظاهر أنّ مراده (قدّس سرّه) من ذلك هو أنّ الخيار في المقام لا يسقط على كلا التقديرين . أمّا على تقدير كون الخيار خيار تخلّف الشرط فلما عرفت ، وأمّا بناءً على أنه من خيار العيب فلأنّ إسقاط المذكورات لخيار العيب أمر على خلاف القاعدة فيكتفى فيه بمقدار ثبت فيه النص وهو إنما دلّ على كونها مسقطاً للخيار فيما

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 5 : 359 .

ــ[316]ــ

إذا ثبت للمشتري الأرش فحكم (عليه السلام) بأن يأخذ الأرش ولا يردّه لما حدث فيه من العيب أو التلف ، وأمّا مع عدم تحقّق الأرش كما في المقام فلا دليل على أنّ المذكورات تسقط الردّ لأنه على خلاف القاعدة كما مرّ ، وهذا الوجه لا بأس به .

وثانيهما : ما إذا حدث العيب بعد العقد وقبل القبض أو في زمان خيار المشتري فإنه على تقدير كون الخيار خيار عيب يثبت للمشتري الخيار ، إذ يعتبر في المبيع عدم العيب إلى زمان القبض أو إلى انقضاء خيار المشتري ، وهذا بخلاف ما لو كان الخيار خيار تخلّف الشرط فإنه لا يوجب الخيار للمشتري حينئذ ، لأنّ المشترط أن لا يكون العبد خصياً حين وقوع العقد عليه وأمّا بعده قبل القبض أو قبل انقضاء الخيار فلا ، هذا هو ما تعرّضنا له سابقاً عند الكلام في أنّ حدوث العيب بعد العقد وقبل القبض أو قبل انقضاء الخيار موجب للخيار أو لا ، وقلنا إنّ للكلام فيه جهتين إحداهما في أنه موجب للخيار أو لا ، وثانيهما في أنّ ضمانه على البائع أو لا ، وقد أحلنا البحث عن الجهة الثانية إلى أحكام الخيار وتكلّمنا في الجهة الاُولى في المقام فراجع(1) هذا .

ولا يخفى عدم تمامية هذه الثمرة أيضاً ، لأنّها تبتني على التفرقة بين خياري العيب وتخلّف الشرط في حدوث العيب قبل القبض أو قبل انقضاء الخيار ، مع أنّ التفرقة ممّا لا أساس له ، لأنّ المدرك لضمان العيب قبل القبض أو قبل انقضاء الخيار منحصر بالقاعدتين أعني قاعدة كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه وقاعدة أنّ تلف المبيع في زمان الخيار ممّن لا خيار له ، وهاتان القاعدتان إن قلنا بشمولهما لتلف الوصف والجزء أيضاً فنلتزم بأنّ تلف وصف الصحة قبل القبض أو قبل انقضاء الخيار مضمون على البائع في كل من خياري العيب وتخلّف الشرط ، إذ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الصفحة 178 .

ــ[317]ــ

لا وجه لتخصيصهما بخيار العيب بوجه ولم يردا في خصوص العيب .

وإن منعنا عن شمولهما لتلف الوصف أو الجزء وخصّصناهما بتلف نفس العين فلا نلتزم بثبوت الضمان عند تلف وصف الصحة قبل القبض أو قبل الانقضاء لا في خيار العيب ولا في خيار تخلّف الشرط ، إذ لا دليل على ضمان البائع بتلف بعض أجزاء المبيع قبلهما ، فلا فرق في الخيارين من هذه الجهة كما هو ظاهر ، هذا أوّلا .

وثانياً : هب أنّا سلّمنا أنّ القاعدتين مختصتان بخيار العيب وافترض أنه (عليه السلام) صرّح بأنّ تلف وصف الصحة قبل القبض أو قبل الانقضاء من البائع في خصوص مورد خيار العيب دون مورد خيار تخلّف الشرط ، إلاّ أنّ ذلك لا يثبت المدّعى ، وذلك لأنّ غاية مدلول القاعدتين أنّ البائع ضامن لوصف الصحة عند تلفه قبل القبض أو الانقضاء ، ومعنى ضمانه لها أنه يردّ ما يقابلها من نفس الثمن أو من غيره ، وهذا لا ربط له بثبوت خيار العيب ـ أعني الخيار بين الردّ والأرش ـ للمشتري عند حدوث العيب قبلهما ، فسواء كان الخيار خيار العيب أم كان خيار تخلّف الشرط لا يثبت الخيار عند حدوث العيب بعد العقد ، كان قبل القبض أم قبل انقضاء الخيار .

فإلى هنا ثبت أنّ الأرش منتف في أمثال المقام والردّ ثابت ، وأمّا كونه من جهة العيب أو من جهة تخلّف الشرط فهو ممّا لا ثمرة فيه ، هذا تمام الكلام في تحقيق مفهوم العيب ويقع الكلام بعد ذلك في بيان أفراده إن شاء الله تعالى .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net