4 ـ عدم الختان في العبد الكبير \ 5 ـ عدم الحيض في الجارية 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الرابع : الخيارات-2   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2343


ومنها : عدم الختان في العبد الكبير فإنّهم عدّوه من العيب عرفاً دون عدم الختان في الصغير فإنّه ليس من العيوب .

ولا يخفى أنّ عدم الختان المعبّر عنه بالغلفة ليس من العيوب في حدّ نفسه بحيث يعدّ غير المختون معيباً ولا يتفاوت بذلك قيمته ، والوجه في ذلك : أنّ الختان وعدمه غير دخيلين فيما يطلب من العبيد من الخدمات والقيام بوظائف العبودية فإنه لا يختلف فيها الختان وعدمه كما أشرنا إلى نظيره سابقاً ، وعليه فلا يكون الأغلف معيباً لما قد عرفت من أنّ العيب هو عبارة عن فقد وصف له دخالة في مالية المال عند العقلاء وبه يختلف قيمته ، وقد ذكرنا أنّ قيمة العبد لا يختلف بالختان وعدمه ، فلا يقاس الغلف بالثيبوبة لأنها عيب لما تقدّم من أن للبكارة في النساء والاماء مدخلية تامّة في ماليتها عند العقلاء بخلاف الغلفة .

فالمتحصّل : أنّ عدم الختان في حدّ نفسه ليس من العيوب وإنما يعدّ عيباً عند العرف بلحاظ حكم الشارع عليه بوجوب الختان ، وختان الكبير أمر خطري على ما قيل ، هذا .


ــ[323]ــ

ولكن الصحيح أنّ الحكم الشرعي بالوجوب أيضاً لا يوجب عدّه عيباً ، أمّا فيما إذا كان العبد كافراً فظاهر ، لأنّ الكافر يقرّ على دينه وهو لا يرى الختان واجباً ولا يجب على المولى ختانه فلا يكون مورداً للخطر وحكم الشارع عليه بالوجوب وقد عرفت أنّ عدم الختان بنفسه أيضاً ليس من العيوب .

وأمّا إذا كان العبد مسلماً فهو وإن كان مورداً لحكم الشارع بوجوب الختان فيما إذا لم يكن معذوراً عن الختان من جهة ضعف بدنه ونحوه ، إلاّ أنّ كونه محكوماً بوجوب الختان لا يوجب عدّه من العيب ، إذ احتمال الخطر في ختان الكبير ممّا لا يعتنى به عند العقلاء فإنه احتمال ضعيف ، والظاهر أنّ كونه في معرض الخطر إنّما كان في الأزمنة المتقدّمة وأمّا في أمثال زماننا هذا مع وجود الأدوية والأدوات فلا يحتمل فيه خطر عند العقلاء ، لأنه ليس إلاّ قطع عضو زائد فهو نظير غيره من الجروح بل هو أهون من غيره فلا وجه لاحتمال الخطر بوجه ، هذا .

بل يمكن أن يقال : إنه كان في الأزمنة المتقدّمة أيضاً غير محتمل الخطر ، لأنّ الكفّار الذين آمنوا في زمان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كانوا يختنون لا محالة ولم يسمع خطر منهم بوجه ، وكذا في غير زمانه (صلّى الله عليه وآله) فإنه ربما كان بعض الكفّار يدخلون في الإسلام ويختنون ولم نسمع خطراً منهم ، وعليه فليس في الختان احتمال خطر حتى يعدّ ذلك من العيوب ، هذا كلّه.

على أنّا لو سلّمنا أنّ الختان أمر خطري واحتماله ممّا يعتنى به عند العقلاء وليس من الاحتمالات الضعيفة ، فلا نسلّم أنّ ذلك يوجب العيب ، فإنّ الختان لو احتمل فيه الخطر على وجه عقلائي يرتفع عنه وجوب الختان رأساً فلا يجب عليه الختان ، وقد مرّ أنّ عدم الختان في نفسه أيضاً ليس بعيب ولا حكم شرعي متوجّه إليه حتى يوجب الخطر وبه يعدّ عيباً ، هذا كلّه .

ثم إنه إذا بنينا على أنّ عدم الختان عيب فهو إنما يوجب الخيار فيما إذا لم يعلم

ــ[324]ــ

المشتري بعدم ختان العبد ولا بكونه مجلوباً من بلاد الكفر ، وأمّا إذا كان عالماً بعدم ختانه أو جهله ولكنه علم بأنه مجلوب من بلاد الكفر فلا يثبت في حقّه الخيار ، لأنّ غلبة الغلفة في العبيد المجلوبين من بلاد الكفر توجب عدم التزام البائع بوصف الختان لأنها في حكم التبرّي كما مرّ .

ويلحق بذلك عدم تلقيح الجدري في العبد فيما إذا كان مع عدمه مورداً للخطر والهلاك فإنه أيضاً في معرض التلف ويعدّ عيباً لو تحقّق كونه كذلك بعدم التلقيح (ولابدّ من فرض ذلك فيما لم يمكن التلقيح بعد البيع وإلاّ للُقّح بعده) .

ومنها : عدم الحيض في الجارية فيما إذا كان من شأنها أن تحيض .

ولا يخفى أنّ عدم الحيض من صفات الكمال في حدّ نفسه لأنّ الحيض يوجب منع الزوج عن الانتفاعات منها مدّة من الزمان وعدمه كمال ، إلاّ أنّ طبيعة المرأة لمّا كانت بحيث تقذف الدم بحسب عادتها وكان الحيض من الاُمور التي يقتضيها طبيعتها لأنه كما في الرواية عبارة عن قذف الرحم للدم الزائد ، كان عدمه أي عدم الحيض كاشفاً عن اختلال في المزاج أو مرض في البدن ولأجله لا تقذف الطبيعة الدم فيما إذا لم يستند ذلك إلى مانع .

وبعبارة اُخرى : أنّ الحيض لمّا كان من مقتضيات طبيعتها فعدمه إمّا أن يكون مستنداً إلى وجود مانع عنه كشرب دواء يمنع عن الحيض لو تحقّق مثل هذا الدواء وهذا لا يكون عيباً كما مرّ ، وإمّا أن يكون مستنداً إلى مرض وضعف في مزاجها (أي فيما لم يستند إلى مانع) فيكون عدم الحيض كاشفاً عن وجود عيب في المرأة ومن هنا يكون الأغلب في النساء عدم الولادة بعد انقطاع حيضها فلا تلد بعده لعلّة تعرضها بعدم الحيض ، فهو بنفسه ليس من العيوب بل كاشف عنه ، وبه يحكم بالخيار وللمشتري أن يرد الجارية بذلك ، ومن ذلك يظهر أنّ عدم الحيض الكاشف عن العيب ممّا لا مناص من الالتزام بكونه موجباً للخيار ولو لم يكن في

ــ[325]ــ

البين رواية أيضاً ، فلو ورد في ذلك رواية كما وردت فلا محالة تكون مؤكّدة لما تقتضيه القاعدة .

وقد روى الكليني (قدّس سرّه) في الصحيح عن عدّة من أصحابه عن سهل بن زياد وأحمد بن محمد جميعاً عن ابن محبوب عن مالك بن عطيّة عن داود بن فرقد قال « سألت أبا عبدالله عن رجل اشترى جارية مدركة فلم تحض عنده حتى مضى لها ستة أشهر وليس بها حمل ، قال (عليه السلام) إن كان مثلها تحيض ولم يكن ذلك من كبر فهذا عيب تردّ منه »(1) وقد عرفت أنّ مقتضى القاعدة أيضاً هو ذلك بلا حاجة إلى الرواية .

ثم لا يخفى أنّ ما ذكره جملة من الأكابر على ما حكي عنهم من تقييد الحكم بالخيار بما إذا مضت ستّة أشهر اعتماداً على الرواية المتقدّمة فمما لا يمكن المساعدة عليه ، وذلك لأنّ التقييد بستة أشهر إنما كان في كلام الراوي دون كلام الإمام (عليه السلام) وكشف عدم الحيض عن المرض لا يتوقّف على مضي ستة أشهر بل بعد شهرين أو ثلاثة أشهر يمكن الاستكشاف أيضاً ، بل ربما يمكن الاستكشاف بعد البيع بلا مضي زمان كما إذا علم بعده أنها لم تحض عند البائع سنة أو مدة اُخرى وهذا ظاهر ، نعم عدم الحيض في شهر بل في شهرين لا يكون كاشفاً لأنه أمر عادي  .

وبالجملة أنّ المعتبر هو المنكشف دون الكاشف حتى يتقيّد بمدة ونحوها ، وفي كل مورد انكشف العيب في الجارية بعدم حيضها فيحكم بالخيار كان قبل ستة أشهر أو بعدها ، لأنّ هذا هو مقتضى كون عدم الحيض كاشفاً عن العيب ولا يكون عدمه بنفسه عيباً كما تقدّم .

بقي في الرواية إشكال آخر وملخّصه : أنّها مخالفة لما عليه المشهور من أنّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 18 : 101 / أبواب أحكام العيوب ب3 ح1 ، الكافي 5 : 213 / 1 .

ــ[326]ــ

التصرف في المبيع يمنع عن الردّ بالخيار ، لأنه (عليه السلام) حكم بجواز ردّ الجارية بعد ستة أشهر مع أنه من البعيد عدم تصرف المشتري فيها ولو بقوله لها أغلقي الباب  ، ولأجل ذلك أسقطها بعضهم عن الاعتبار .

ولا يخفى أنّ الرواية صحيحة وسيأتي(1) عند التعرّض لأحداث السنة أنّ تلك الصحيحة وما ضاهاها تكشف عن بطلان القاعدة التي أسّستها المشهور وهي كون التصرف في المبيع ولو بمثل قوله جئني بالماء مانعاً عن الردّ ، وليست القاعدة بحيث يرفع اليد لأجلها عن الرواية الصحيحة فلا إشكال في الرواية .
ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في الصفحة 341 ـ 342 الجهة الخامسة .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net