القول في الأرش 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الرابع : الخيارات-2   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2349


الجهة السادسة : أنه ذكر بعض الأصحاب أنّ عيوب السنة نظير غيرها من العيوب في الأحكام فيحكم فيها بثبوت كل من الردّ والأرش من الابتداء أو بعد تعذّر الردّ لوطء أو موت ونحوهما ، ولكن الصحيح أنه لا أرش في المقام ، لما قد تقدّم أنّ ثبوت الأرش على خلاف القاعدة ، والعقلاء إنما يحكمون بجواز الردّ عند ظهور


ــ[342]ــ

العيب في المبيع دون الأرش ، وهو إنما يثبت على خلاف القاعدة فلابدّ من الاقتصار فيه على مورده وهو غير عيوب السنة ، إذ لم يرد في شيء من الأخبار المستفيضة ما يدل على الأرش فيها ، بل كلّها اشتمل على أنّ المبيع يرد من العيوب الأربعة المتقدّمة فلا أرش في المقام .

نعم لو قلنا إنّ الأرش على طبق القاعدة وأثبتنا أنّ مواد تلك العيوب أيضاً كانت موجودة حال العقد وقبله كما قيل ، فلا محالة يثبت الأرش في المقام أيضاً ، إلاّ أنّ كليهما على خلاف الواقع ، لأنّ الأرش ليس على وفق القاعدة ، وهذه العيوب لا دليل على كونها في المبيع قبل ظهورها فيه ، إذ من الممكن أن يحدث في ملك المشتري كما إذا جنّ لدهشة عرضته على ما تقدّم ، هذا تمام الكلام في عيوب السنة .

الكلام في العيوب المتفرّقة

قد تقدّم الميزان في صدق العيب على نحو الكلّية ، والغرض في المقام التنبيه والاشارة إلى بعض العيوب . قد ذكروا أنّ الكفر من العيوب ، وذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) أنّ الكفر ليس في نفسه بعيب ، لأنه ليس على خلاف الخلقة الأصلية ، فإنّها لا تقتضي شيئاً من الكفر أو الإيمان ، نعم في الإنسان قوّة لو لم يزلها عن نفسه بشهواته لأوصلته إلى الإسلام أعني التوحيد فقط ، دون البنوّة لأنّها ليست من الفطرة ، أو توصله إلى البنوّة أيضاً ، لأنّ حقيقة الإسلام من شؤون التوحيد وهو مقتضى الفطرة البشرية .

وكيف كان فالخلقة في نفسها لا تقتضي شيئاً من الكفر أو الإسلام فلا يكون عيباً ، إلاّ أنّ الغالب في العبيد والإماء في بلاد الإسلام لمّا كان هو الإسلام ، فالإقدام

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 5 : 389 .

ــ[343]ــ

على شرائها يقتضي اشتراط الإسلام فيها بحسب الارتكاز والغلبة وتخلّفه يوجب خيار تخلّف الشرط ، هذا .

والصحيح هو ما ذكره العلاّمة (قدّس سرّه)(1) من التفصيل بين أنحاء الكفر فإنّ مثل التهوّد والتنصّر لا يكون عيباً في العبيد ، لأنّ الإسلام في العبد كما أنه يوجب رغبة بعضهم إلى شرائه كذلك التهوّد والتنصّر فيه يوجب رغبة نوع آخر من العقلاء في شرائه حتى من المسلمين غير المبالين في الدين ، ولو من جهة ملاحظة أنّ العبد المسلم يشتغل في مقدار من الزمان بالوظائف الإسلامية فتبقى أشغاله وأفعاله على حالها ، فيشتري اليهودي أو النصراني لئلاّ يشغل نفسه بالعبادات اللازمة على المسلمين ويشتغل باُمور مولاه ، فالكفر بذلك نظير الخصاء في العبد الذي يرغب إليه بعض الفسقة ويبذل بازائه المال ، فلا يكون الخصاء موجباً لنقص القيمة ، فالتهوّد والتنصّر لا يكونان بعيب .

وأمّا النجاسة فهي مضافاً إلى كونها محل خلاف في أهل الكتاب ، لا تمنع عن الاشتغال بالأفعال التي لا يشترط فيها الطهارة ، فلا تكون عيباً .

وأمّا الكفر بمثل التوثّن والتمجّس فهو عيب وموجب لعدم رغبة النوع إليه بملاحظة أنّهما يمنعان عن مثل الوطء فيما إذا كان المبيع أمة لأجل النهي الشرعي وفوات مثل هذه الفائدة من العيب كما هو واضح ، فما أفاده العلاّمة متين .

ثم إنه (قدّس سرّه) تعرّض في أثناء كلامه إلى أنّ العيب هو عدم قابلية المبيع للانتفاع نوعاً ، وأمّا عدمها بالاضافة إلى شخص المشتري فلا يعدّ من العيب .

وهو كما أفاده (قدّس سرّه) لأنه إذا اشترى اُخت مملوكته فإنه لا يمكنه الانتفاع بها بالوطء لعدم جواز الجمع بين الاُختين كانتا مملوكتين أو إحداهما مملوكة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التذكرة 11 : 197 .

ــ[344]ــ

والاُخرى زوجة ، إلاّ أنه لا يوجب العيب في المملوكة ، أو فرضنا العبد ممن ينعتق عليه ، فإنّ المناط هو عدم الانتفاع به بحسب النوع فإنه الذي يوجب نقصان قيمته دون شخص المشتري .

ومن جملة العيوب وجود علامة الوقف في المبيع ولو بحسب الاشتهار إن لم يبلغ إلى حدّ الحجّية ، والوجه في ذلك أنّ اشتهار الوقف في المبيع كالدار أو وجود علامته فيه يوجب نقصان قيمته لا محالة فلا محالة يدخل تحت ضابطة العيب .

ومنها : كون العبد ساحراً أو نمّاماً أو شارب الخمر ، والانصاف أنّ هذه الاُمور إن بلغت إلى حدّ يوجب الفتنة وفوات الانتفاعات منها بحسب النوع فلا محالة توجب نقصان قيمته ويكون عيباً ، وأمّا إذا لم يبلغ إلى تلك المرتبة فلا لأنه لا يوجد عبد يكون عادلا بتمام معنى العدالة فلو لم يكن نمّاماً فلا محالة كاذب أو يتّصف بغيره من الاُمور القادحة في العدالة ، إلاّ أنّها لا تعد عيباً كما هو ظاهر وبذلك يلحق كون الرقيق خشن الصوت أو رطب الكلام فإنها ممّا لا يوجب تبعّض القيمة كما تقدّم ، هذا تمام الكلام في المقام ويقع البحث بعد ذلك في الأرش .

ــ[345]ــ

القول في الأرش

الأرش عبارة عن المال الذي يطالبه البائع من المشتري على تقدير كون الثمن معيباً أو يطالبه المشتري من البائع فيما إذا كان المثمن معيباً ، والغالب هو الثاني لأنّ الثمن بحسب الغالب يكون من النقود والصحة فيها غالبية بخلاف المثمن ، وكيف كان فهذا هو المراد بالأرش في المقام ، ولا كلام لنا في الاصطلاح والألفاظ فإن شئت فعبّر عنه بلفظ آخر ، إلاّ أنّ الفقهاء قد أطلقوا عليه لفظ الأرش ، وهو في اللغة(1) بمعنى الفساد ، إلاّ أنّهم اصطلحوا به في الدية والمال الذي يطالبه أحد المتعاملين عن الآخر ، وقد جروا على هذا الاصطلاح في المقام وغيره من المقامات ومنها المال المأخوذ في جناية الإنسان على عبد غيره في غير المقدر الشرعي .

إذا عرفت المراد بالأرش في المقام فتفصيل القول فيه يتم في ضمن جهات :

الجهة الاُولى : في أنّ الأرش هل هو على وفق القاعدة بحيث لو لم يكن في البين ما يدلّ عليه من الأخبار وغيرها أيضاً كنّا نلتزم به ، أو أنه على خلاف القاعدة ويحتاج فيه إلى دلالة دليل ؟ الظاهر كما مرّت الاشارة إليه غير مرّة هو الثاني ، وذلك لأنّ وصف الصحة نظير غيره من الأوصاف ممّا لا يقابل بالمال وإنما الثمن يقع في مقابل ذات الشيء ، وليست الأوصاف كالأجزاء من حيث مقابلتها

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المصباح المنير : 12 مادّة « أرش » .

ــ[346]ــ

بالمال ، لما ذكرناه غير مرّة من أنّ البيع الواقع بازاء شيء ينحل إلى بيوع متعدّدة حسب تعدّد أجزائه ، فبيع شيء بدرهم ينحل إلى بيع نصفه بنصف الدرهم وثلثه بثلثه وهكذا ، نعم الأوصاف التي منها وصف الصحة توجب زيادة قيمة المال وماليته ، لأنّ المال الذي يبذل بازاء الصحيح أكثر ممّا يبذل بازاء المعيب ، كما أنّ ما يعطى في مقابل الكاتب أو النظيف أكثر ممّا يعطى بازاء غير الكاتب أو غير النظيف ولعلّه ظاهر .

ومن هنا صحّت معاملة المتجانسين فيما إذا كان أحدهما صحيحاً والآخر معيباً وكانا بحسب القيمة أو العدد متساويين كما إذا اشترى عشرة دراهم صحيحة بعشرة دراهم معيبة ، فإنّ المعاملة صحيحة حينئذ بلا خلاف فيها بينهم ، إلاّ أنّ صحتها تبتني على ما ذكرناه من عدم مقابلة وصف الصحة بالمال وإلاّ لبطلت المعاملة المذكورة لاستلزامها الربا الحرام ، وذلك لأنّ درهماً من العشرة المعيبة حينئذ لابدّ من أن يقع بازاء وصف الصحة في العشرة الصحيحة ويكون العشرة في طرف الصحيحة مقابلة بتسعة دراهم في طرف المعيبة ويزيد أحدهما على الآخر بدرهم وهو زيادة محرّمة ، وحيث إنّ المعاملة المذكورة صحيحة فيستكشف منها أنّ الصحة ممّا لا يقابل بالمال .

بل لو قوبلت بالمال في معاملة بطلت كما إذا اشترى عشرة صحيحة بإحدى عشر معيبة بأن يقع أحد الدراهم في طرف المعيبة بازاء وصف الصحة في طرف الصحيحة لأنّها كما تقدّمت من الربا المحرّم ، فإذا لم يكن وصف الصحة مقابلا بالمال فلا يكون ذمّة البائع مشغولة بشيء زائد عمّا دفعه إلى المشتري حتى يستحقّه المشتري ، نعم إذا ظهر أنّ المال معيب يثبت له خيار تخلّف الوصف الذي هو بمعنى تخلّف الشرط ومن هذه الجهة يثبت له الخيار بين ردّه وإبقائه ، وأمّا مطالبة المشتري شيئاً زائداً عن ذات المبيع فلا مقتضي له كما عرفت .

ــ[347]ــ

وكذا الأدلّة الخاصة لا تستفاد منها كون الأرش على طبق القاعدة .

وكيف كان ، فالأوصاف وإن كانت مقوّمة لمالية المال كما عرفت بحيث لا يبذل بازائه شيء إذا فقد عنه الأوصاف ، لأنّ العقلاء إنما يبذلون المال في مقابله فيما إذا كانت له أوصاف ومنافع يرغبون إليها ، ومن هنا لا يبذلون المال في مقابل العين إذا سلبت عنها أوصافها ومنافعها ، إلاّ أنّها مع ذلك لا تقابل بالمال ، والأدلة الخاصة إنما أثبتت استحقاق الأرش بالمطالبة وأنه إذا طالب البائع به يستحقّه لئلاّ يعمل خياره في الفسخ ، وأمّا قبل المطالبة فلا دليل على استحقاقه بل غاية ما هناك أنه لم يعمل خياره ، وأمّا أنه يتمكّن من إلزام البائع به فلا ، وهذا كما ثبت في وصف الصحة كذلك لا مانع عنه في سائر الأوصاف كما في وصف الكتابة أو غيره إذا طالبه المشتري بالتفاوت وقد رضي به البائع ودفعه إليه لئلاّ يفسخ المعاملة ، وكما أنه لا يتمكّن من إلزام البائع به في وصف الكتابة كذلك لا يتمكّن من إلزامه به في وصف الصحة .

والمتحصّل : أنّ الأرش ثبت على خلاف القاعدة ، وعلى خلاف بناء العقلاء .

وممّا يؤكّد ما ذكرناه : أنّا أشرنا في أوائل هذا الخيار إلى أنّ الأرش إنما يثبت بعد عدم تمكّن المشتري من الرد بتصرف ونحوه ولا يثبت من حين المعاملة ، فلو كان على وفق القاعدة لكان ثابتاً من الابتداء . هذا مضافاً إلى أنّ لازم ذلك أنّ يلتزم باشتغال ذمّة البائع بالثمن من ابتداء المعاملة كما يلتزمون به في فقد الأجزاء هذا .

ولكن السيد (قدّس سرّه)(1) ذهب في حاشيته إلى أنّ الأرش على طبق القاعدة مع تسليمه لما ذكرناه آنفاً بتمامه ، بدعوى أنّ للمعاملة مرحلتين : إحداهما

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) حاشية المكاسب (اليزدي) : 101 من مبحث الخيارات .

ــ[348]ــ

مرحلة الظاهر ، وثانيتهما مرحلة اللبّ والواقع ، والثمن وإن كان لا يقع بازاء وصف الصحة في مرحلة الظاهر ومن هنا حكمنا بصحة المعاملة في المتجانسين الفاقد أحدهما لوصف الصحة كما مرّ ، إلاّ أنها بحسب اللبّ ليس كذلك ، فإنّ المشتري إنما يبذل الثمن في مقابل الذات ووصف صحته بحيث لو كان عالماً بعدم صحته لما رضي بدفع المال في مقابله ، فإذا طالبه بالأرش فقد فسخ المعاملة بالاضافة إلى وصف الصحة بمعنى أنه أراد استرداد ما دفعه في مقابل وصف الصحة وفسخ المعاملة بالاضافة إليه ، فلا محالة يستحق الجزء الواقع في مقابل وصف الصحة فيكون الأرش على طبق القاعدة ويستحقّه بالمطالبة وإن لم يدل عليه دليل أيضاً ، هذا .

ولا يخفى أنّ ما أفاده (قدّس سرّه) يشبه بالعرفان ولا يمكن المساعدة عليه بوجه  ، لأنه إن أراد من المعاملة ما يبذل بازاء المال(1) ففيه : أنها ممّا لا يتّصف بالظاهر والواقع ، لأنّ المعاملة كما ذكرناها في محله أمر اعتباري يبرز في الخارج بمبرز ما ، وهذا لا ظاهر فيه ، بل إن تحقّق فهو موجود بحسب الظاهر والواقع وإلاّ فهو معدوم ، والاتّصاف بهما إنما يتم في الاُمور الواقعية كما إذا رأى جسماً وتخيّل أنه حجر وكان في الواقع إنساناً ، وأمّا في الاُمور الاعتبارية فلا ، وحينئذ فإن اعتبر مقداراً من المال في مقابل وصف الصحة وأبرزه فقد بذل المال في مقابل وصف الصحة ظاهراً وواقعاً ، وإن لم يبذله إلاّ في مقابل ذات المال فلم يقع في مقابل الصحة شيء لا بحسب الظاهر ولا بحسب الواقع ، ولعلّه (قدّس سرّه) نظر بهذا الكلام إلى اختلاف الدواعي وأنّ داعي المشتري إلى بذل كذا مقدار من الثمن في مقابل المبيع إنما هو وصف صحته بحيث لو لم يكن بهذا الوصف لما بذله في مقابله ، وحينئذ فما أفاده (قدّس سرّه) متين ، إلاّ أنّ تخلّف الدواعي لا يوجب الأرش وإلاّ لسحبناه إلى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كذا عبّر (دام ظلّه) والأولى أن يقال إنه إن أراد بالمعاملة وقوع المال في مقابلة شيء .

ــ[349]ــ

غير وصف الصحة من الأوصاف كما إذا بذل مقداراً من المال في مقابل العبد بداعي أنه كاتب ثم ظهر خلافه مع أنه ولا غيره من الفقهاء لا يلتزمون بالأرش في غير وصف الصحة ، نعم غاية ما في الباب أنّ تخلّف الداعي يوجب الخيار أعني خيار تخلّف الوصف أو الشرط ، وأمّا الأرش فلا .

والمتحصّل : أنّ الأرش ليس على وفق القاعدة وأنه غرامة تعبّدية ثبتت بالأخبار ولولاها لما كنّا نلتزم به بوجه ، وعليه فلابدّ من ملاحظة أنّ الأخبار أثبتت الأرش في أي مورد وبأيّة كيفية .

الجهة الثانية : في كيفية الأرش المستفادة من الأخبار :

لا يخفى أنّ الأرش ليس هو نفس التفاوت الواقعي بين قيمتي الصحيح والمعيب ، وإنما هو عبارة عن الأخذ من الثمن بنسبة تفاوت قيمة معيب الشيء وصحيحه ، مثلا إذا اشترى شيئاً بخمسة وعشرين درهماً وكان صحيحه يسوى بخمسين ومعيبه بخمسة وعشرين فلا يؤخذ حينئذ نفس التفاوت بين قيمتي الصحيح والمعيب بحسب الواقع الذي هو عبارة عن خمسة وعشرين بحيث يبقى العين للمشتري مجاناً وبلا عوض ، بل يؤخذ من الثمن المسمّى بنسبة تفاوت قيمة المعيب والصحيح وهي النصف في المثال فيؤخذ من الثمن نصفه أعني اثنى عشر ونصفاً .

وهذا لا من جهة ما ربما يقال من أنّ الأخذ بنفس التفاوت الواقعي يستلزم اجتماع العوض والمعوّض ، وذلك لما عرفت من أنّ وصف الصحة لا يقابل بالمال حتى يكون الأرش من أجزاء العوض ويكون اجتماعه مع المبيع عند المشتري من اجتماع العوض والمعوّض ، بل الأرش غرامة تعبّدية يثبت بالدليل ، وليس هناك اجتماع عوض مع العوض بل هو اجتماع الغرامة مع المعوّض ، ولا مانع من أن تكون الغرامة أزيد من المعوّض كما التزموا بذلك في ديّة جناية الجاني إذا وقعت الجناية على عبد الغير وفرضنا الديّة من المقدّر الشرعي وكان العبد كبيراً عاجزاً لا يسوى

ــ[350]ــ

إلاّ بنصف الديّة المقدّرة شرعاً .

بل الوجه في عدم كون الأرش عبارة عن نفس التفاوت بين القيمتين الواقعيتين هو أنه لا مقتضي لكون الأرش عبارة عن نفس التفاوت ، فإنّ الأخبار(1) الواردة في الأرش بعضها بلسان أنه يردّ البائع أرش العيب ، وبعضها الآخر بلسان أنّه ينقص عن قيمة المبيع بقدر قيمة العيب ، وبعضها الآخر بلسان أنه ترد قيمة العيب ، وعلى كل حال فظاهرها أنّ الأرش هو بعض الثمن لا تمامه وظهورها العرفي في استرداد بعض الثمن مما لا يكاد يخفي ، ومن البديهي أنّ الأرش على تقدير كونه عبارة عن نفس التفاوت ربما يكون أزيد من الثمن وهو على خلاف ظواهر الأخبار لأنّ قوله (عليه السلام) يردّ وينقص ظاهران في أنه بعض الثمن لا تمامه ، وعليه يكون الأرش عبارة عن المعنى الثاني دون الأول لعدم المقتضي له لا لأجل وجود المانع فلا تغفل .

وأمّا وجه عدم تعرّضهم (عليهم السلام) لذلك في الأخبار أي لكون الأرش عبارة عن نسبة التفاوت بين قيمتي الصحيح والمعيب ، فهو أنّ الأخبار إنما وردت على طبق الغالب ، والغالب هو عدم الغبن في المعاملة وفي مثلها وردت أنّ الأرش هو قيمة العيب ونحوها ، ومن هنا لم تشمل ما إذا كانت قيمته مستوعبة للثمن لأنّها إنما تكون كذلك في صورة الغبن في المعيب والغالب خلافها .

وأمّا ما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(2) بعد ردّ ما يتوهّم من ظاهر كلام جماعة من القدماء من تمثيله بما إذا اشترى جارية بدينارين وكانت معيبها تسوى مائة وصحيحها تسوى أزيد فيلزم استحقاق مائة دينار الخ ، فممّا لا محصّل

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 18 : 102 / أبواب أحكام العيوب ب4 ، 5 ، 6 ، 7 .

(2) المكاسب 5 : 393 .

ــ[351]ــ

له  ، لأنّ المحتمل في المقام أمران : أحدهما كون الأرش عبارة عن نفس التفاوت بين القيمتين . وثانيهما : كونه عبارة عن نسبة التفاوت بينهما من الثمن بأن يقوّم المبيع على تقدير كونه صحيحاً بكذا ويقوّم أيضاً معيباً بأن يقال إنّ هذا الشيء يسوى بكذا لو كان صحيحاً ومعيبه بكذا ويؤخذ بنسبة التفاوت بينهما من الثمن ، وأمّا احتمال أن يكون الأرش عبارة عن نفس قيمة المعيب كما هو ظاهر مثال شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) فهو غير متحقّق ولم يحتمله أحد ولعلّه صدر من سهور القلم ونحوه .

إلى هنا تحصّل : أنّ الأرش هو ما يؤخذ من الثمن بنسبة تفاوت قيمة المعيب إلى قيمة الصحيح ، وأمّا ما في بعض الأخبار كرواية زرارة المتقدّمة في أوائل هذا الخيار من قوله (عليه السلام) « ويردّ عليه بقدر ما نقص من ذلك الداء والعيب من ثمن ذلك لو لم يكن به »(1) أي لو لم يكن به عيب ، فهو وإن كان بحسب بادىء النظر ظاهراً في كون الأرش عبارة عن نفس التفاوت ، إلاّ أنّ الصحيح أنه أيضاً غير مناف لما ذكرناه ، لأنّ الروايات الواردة في الأرش إنما سيقت على طبق الغالب والغالب في المعاملات وقوع البيع على المبيع بقيمته السوقية وعدم الغبن فيها ، وكون الثمن مساوياً للقيمة الواقعية بحيث لا يكون فيها خيار من غير ناحية العيب ويكون نسبة ما بين قيمتي الصحيح والمعيب من الثمن بمقدار نفس التفاوت حينئذ ويصح قوله (عليه السلام) يرد عليه بمقدار النقص والعيب من ثمن ذلك الشيء أي قيمته على تقدير عدم العيب فيه .

والمتحصّل : أنّ الأخبار كلّها ناظرة إلى إثبات الأرش الذي يكون أنقص من الثمن كما هو المطابق للمتفاهم العرفي أيضاً . ويؤيّده أنّا لا نعهد فقيهاً من العرب والعجم يلتزم بردّ الأرش الزائد عن الثمن بأضعافه ، وعليه فإذا اشترى المعيب بقيمة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 18 : 30 / أبواب الخيار ب16 ح2 .

ــ[352]ــ

رخيصة وكان التفاوت أكثر من ثمنه فلا نلتزم فيه بالتفاوت لعدم شمول الأخبار لمثله وكونه على خلاف القاعدة ، والمتيقّن منه بعد سقوط احتمال أن يكون الأرش عبارة عن نفس التفاوت هو الأخذ من الثمن بنسبة قيمة المعيب إلى الصحيح .

واحتمال عدم ثبوت الأرش فيما إذا كان الأرش أكثر من ثمنه واختصاصه بما إذا كان أقل منه مقطوع العدم ، للاتّفاق القطعي من الشيعة والسنّة على ثبوت الأرش في مطلق العيب ، وعليه فلابدّ من الالتزام بالأرش بالمعنى الذي ذكرناه أعني الأخذ بالنسبة من الثمن دون القيمة الواقعية ، وهو يجري في جميع المعاملات وموافق للفهم العرفي أيضاً .

وبعبارة اُخرى مع توضيح زائد : أنّ الوجه فيما ذكرناه من أنّ الأرش إنّما هو التفاوت بين القيمتين بالنسبة إلى الثمن المسمّى دون القيمة الواقعية ، هو أنّ لازم كون الأرش عبارة عن التفاوت بالنسبة إلى القيمة الواقعية الالتزام بوجوب ردّ أكثر من الثمن فيما إذا اشتراه بقيمة رخيصة عن القيمة السوقية ، وقد مرّ أنّ احتمال عدم ثبوت الأرش في مثله واختصاصه بما إذا كان الأرش أقل من الثمن مقطوع العدم ، لأنّ من التزم بالأرش يلتزم به في جميع الموارد  .

فلا محيص حينئذ من أن يقال إنّ الأرش ليس عبارة عن الأخذ بالنسبة من القيمة الواقعية أي بنفس التفاوت بين القيمتين ، وإنما هو أمر آخر لابدّ من استفادته بمعونة القرائن في الأخبار وهو ما ذكرناه من كونه عبارة عن الأخذ بالنسبة من الثمن المسمّى وهو أيضاً موافق للفهم العرفي كما لا يخفى .

وأمّا الأخبار فهي بأجمعها إمّا ظاهرة في كون الأرش ملحوظاً من القيمة الواقعية وإمّا ساكتة عن تعيين أنه ملحوظ من القيمة الواقعية أو من الثمن المسمّى وهذا كقوله (عليه السلام) في بعض الأخبار « يرد عليه بقدر ما نقّصه الداء

ــ[353]ــ

والعيب  »(1) فإنه ساكت عن بيان المقيس عليه وأنه يردّ عليه بقدر ما نقّصه الداء من الثمن المسمّى أو من القيمة الواقعية ، فلابدّ في تعيين الأرش من الاعتماد على قرائن الأخبار وما يستفاد منها بحسب الفهم العرفي .

وأمّا ما في بعض الأخبار من أنه يوضع من ثمنه بمقدار ما نقصه العيب فقد تقدّم وعرفت أنّها منزّلة على بيان المعاملة الغالبة العرفية وهي المعاملة مع تساوي الثمن والقيمة الواقعية وعدم الغبن فيها بحيث لا يكون فيها خيار من غير ناحية العيب ، فيكون الثمن المسمّى حينئذ مساوياً للقيمة السوقية الواقعية ، فلا دلالة فيها على تعيين الأرش بالاضافة إلى القيمة الواقعية كما لا يخفى .

فلابدّ من الاعتماد على الفهم العرفي والقرائن وقد مرّ أنّ ما يساعد عليه الفهم العرفي هو ملاحظة التفاوت من الثمن المسمّى دون القيمة الواقعية ، وسرّ هذا الفهم العرفي هو أنّ ضمان البائع لوصف الصحة ليس بضمان يد كما في الغصب حتى يحكم بضمانه للتالف بقيمته الواقعية كما إذا زال وصف الكتابة عن العبد تحت يد شخص آخر فإنه يضمنها بقيمتها الواقعية وهو واضح ، وذلك لأنّ الثمن ملك للبائع وليس هو ملكاً لشخص آخر حتى يضمنه البائع ، كما أنّ المبيع ملك للمشتري ولم يتصرف البائع في مال غيره أي غير نفسه حتى يضمنه بضمان اليد ، كما أنّ ضمانه لوصف الصحة ليس من ضمان المعاوضة حتى يحكم بضمانه للقيمة المسماة أي الثمن ، وذلك لما عرفت من أنّ وصف الصحة لا يقابل بالمال ولا يعاوض بشيء حتى يضمنها بضمان معاوضي ، لأنه مثلا إذا اشترى كذا مقداراً من الحنطة على وجه كلّي في ذمّة البائع ولم يرد البائع إليه تمام ما في ذمّته وأعطاه ناقصاً عمّا في ذمّته بمنّ ففي مثله يضمن البائع للمشتري نفس ذلك الجزء الكلّي الناقص كالمنّ ويطالبه المشتري بنفس ذلك

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تقدّم مصدره في الصفحة السابقة .

ــ[354]ــ

الناقص ويجب على البائع تحصيله ودفعه إلى المشتري ، ولا يضمن له قيمة الناقص بحسب القيمة الواقعية .

وأمّا إذا كان المبيع شخصياً كما إذا اشترى عشرة أمنان معيّنة في الخارج ولم يدفع البائع إليه تمامها ، فإنّه حينئذ يضمن للمشتري قيمة الجزء الناقص بحسب القيمة المسماة ، وليس للمشتري أن يطالبه بتحصيل منّ من الحنطة مثلا ، لأنّ ملكه هو الموجود الخارجي ولم يسلم له فيضمن قيمته المسماة ، ويسمّى ذلك بالضمان المعاوضي لأنّه بدفعه الثمن في مقابل المبيع يضمن البائع له ذلك المبيع فإذا لم يدفع إليه يطالب بما يخصّه من الثمن ، نعم للمشتري الخيار في ردّ المعاملة أو قبولها مع النقص باسترداد ما يقابله من الثمن ، وليس المقام من ذلك القبيل لأنّ الصحّة لم يقابل بشيء حتّى يضمنها البائع بالضمان المعاوضي وغاية ما يدلّ عليه الأخبار الواردة في الأرش هو أنّ وصف الصحة عند الشارع بمنزلة الجزء في الجملة لا في تمام آثاره  ، ومن الظاهر أنّ تخلّف الجزء إنّما يوجب عدم انتقال ما يقابله من الثمن المسمّى إلى البائع ولا ربط له بالقيمة الواقعية ، نعم ليس وصف الصحة كالجزء في جميع آثاره حتى في ضمان البائع لما يقابله من الثمن من عينه بل هو كالغرامة لا يختص بعين الثمن ، وكذا ليس نظير الجزء في انفساخ المعاملة بانتفائه بل هو كالجزء حكماً لا حقيقة ونزّل منزلة الجزء في خصوص ضمانه من الثمن لا بحسب القيمة الواقعية والذي ألجأنا إلى تفسير الأرش بما عرفت هو اتّفاق الشيعة والسنّة على عدم كونه عبارة عن نسبة التفاوت من القيمة الواقعية بل لم يختلف اثنان في أنّه نسبة التفاوت من الثمن المسمّى وهذا ظاهر .

الجهة الثالثة : في أنّ الأرش هل يجب أن يكون من عين الثمن كما ذهب إليه

ــ[355]ــ

بعض الأوائل والأواخر وقرّبه السيد (قدّس سرّه) في حاشيته(1) أو لا يتعيّن أن يكون من عينه ويصح دفعه من مال آخر كما هو المشهور ؟

الصحيح هو الثاني ، لما عرفت من أنّ الأرش ثبت على خلاف القاعدة وأنه غرامة ، والظاهر منه أنّ الواجب هو طبيعي الغرامة والأرش وأمّا خصوصية كونه من عين الثمن فيحتاج إلى دليل وهو مفقود ، ولا دلالة في شيء من الأخبار الواردة في المقام على لزوم كون الأرش من نفس الثمن حتى في مثل رواية زرارة المتقدّمة لأنّ قوله (عليه السلام) فيها « يردّ عليه بقدر ما نقص ... من ثمن ذلك » اُريد بالثمن فيها القيمة دون الثمن الشخصي المسمّى في المعاملة .

نعم ، هناك روايتان ظاهرتان في بدء النظر في تعيّن الأرش من عين الثمن حيث قال فيهما : ويوضع من ثمنها بقدر العيب ، إلاّ أنّ التحقيق أنّهما أيضاً لا يدلاّن على تعيّن كون الأرش من الثمن ، والوجه في ذلك أنّ الوضع من الثمن غير الردّ منه فإنّ ظاهر الوضع أنّ الثمن بعدُ عند المشتري ولم يدفعه إلى البائع ، وحينئذ إمّا أن يكون الثمن كلّياً في ذمّة المشتري كما هو الغالب في المعاملات ، وإمّا أن يكون الثمن شخصياً معيّناً .

فإن كان كلّياً في ذمّة المشتري فمعنى وضع الأرش من ذلك الثمن أنّ البائع وإن ملك الثمن الكلّي في ذمّة المشتري إلاّ أنّ المشتري أيضاً قد ملك درهمين مثلا من باب الأرش في ذمّة البائع ، وحيث إنّه أي المشتري مديون للبائع فبالنسبة إلى مقدار الدرهمين يتهاتران ويبرأ ذمّته ويدفع إليه الباقي ، وهذا لا دلالة له على أنّ الأرش لابدّ من أن يكون من عين الثمن كما هو ظاهر .

وإن كان الثمن شخصياً فالثمن الشخصي وإن كان ملكاً للبائع حينئذ بتمامه إلاّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) حاشية المكاسب (اليزدي) : 101 من مبحث الخيارات .

ــ[356]ــ

أنّ للمشتري أن يضع عنه بمقدار ما يستحقّه عليه من الأرش ويدفع إليه الباقي ، لأنّ ما يستحقّه على البائع هو مثل ما يستحقّه البائع على المشتري ، فلا دلالة فيهما على المدّعى بوجه .

فالصحيح أنّ الأرش غرامة ولا يجب دفعها من عين الثمن بوجه ، بل الواجب هو طبيعي الغرامة كما عرفت .

الجهة الرابعة : في أنّ الأرش هل يتعيّن أن يكون من النقدين مطلقاً ، أو يصح من غيرهما مطلقاً ، أو أنه يجب دفعه من النقدين إذا طالبهما المشتري لا مطلقاً  ؟

لا ينبغي الإشكال في أنّ المشتري إذا طالبه بالأرش من النقدين يتعيّن على البائع دفعه منهما ، لأنّهما المتمحّضان في المالية دون غيرهما من الأموال ، ولا يمكن تبديل غيرهما بشيء آخر بالسهولة ، وهو الظاهر من قوله (عليه السلام) « يرد عليه بقدر ما نقّصه العيب من ثمن ذلك » أي من ثمنه من النقود ، ولا يبرأ ذمّة البائع بدفع الأرش من غيرهما ، هذا فيما إذا طالبه المشتري بالنقدين .

وأمّا إذا لم يطالبه بهما بل رضي بدفعه من غيرهما فلا ينبغي الإشكال حينئذ في كفاية ذلك عن الأرش .

ولكن يبقى الكلام في بحث آخر علمي لا ثمرة عملية له ، وهو أنّ المدفوع من غير النقدين هل هو عين الأرش ونفسه أو أنه بدله ؟ قوّى الأول شيخنا الأنصاري(1) إلاّ أنّ الصحيح هو الثاني لما عرفت من أنّ الغرامة الثابتة على ذمّة البائع بأخبار الأرش ظاهرة في النقدين وهما اللذان اشتغلت بهما ذمّته ابتداء ، إلاّ أنّ الحقّ لمّا كان بينهما ولم يكن يعدوهما كان لهما تبديل النقدين إلى جنس آخر

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 5 : 397 .

ــ[357]ــ

فرضاهما بدفع غير النقدين تكون مبادلة ثانية ، والمدفوع من غير النقدين بدل الأرش لا نفسه .

الجهة الخامسة : هل يمكن أن يكون الأرش مستوعباً لتمام الثمن أو أنه أمر غير معقول وأنه لابدّ أن يكون الأرش ناقصاً عن الثمن في جميع المقامات ؟

ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) أنّ الأرش لا يعقل أن يكون مستغرقاً لتمام الثمن ، والحقّ معه (قدّس سرّه) والوجه في ذلك : أنّا وإن لم نعتبر المالية في صحة المعاملة وذكرنا في أوائل البيع أنّ شراء شيء لا مالية له صحيح ومثّلنا بما إذا وجد شخص خطاً من خطوط جدّه مثلا عند آخر وأراد شراءه منه بثمن لكثرة حبّه لجدّه فاشتراه بثمن غال ، فإنّ بيعه صحيح وله غرض عقلائي في مثله أيضاً ، إلاّ أنه لا يسوى بشيء عند العقلاء ، لأنّ خطّ جدّه كخطّ غيره ممّا لا قيمة له ، وكيف كان فلم نعتبر في صحته المالية .

إلاّ أنّ الكلام في المقام لمّا كان في الأرش وهو إنما يعقل فيما له مالية وقيمة وإلاّ فلا يفرق بين صحيحه ومعيبه ، كان مفروض الكلام في بيع شيء له مالية ، وإذا فرضنا أنّ الأرش استغرق قيمته كما إذا ظهر الرقي حامضاً لا يسوى عند العقلاء بشيء فمعناه أنه لا منفعة ولا مالية لذلك المبيع المعيب ، إذ لو كان له منفعة أو مالية لكان يسوى بشيء ولما استوعب الأرش تمام ثمنه ، وحيث إنّ البيع وقع على عنوان المال وقد ظهر لا مال فلا محيص من الالتزام ببطلان المعاملة حينئذ ، لأنّ الموجود غير جنس المبيع وتخلّف الصور النوعية والأجناس يوجب البطلان .

وأمّا إذا فرضنا أنّ للمعيب منفعة نادرة فهو خارج عن محل الكلام ، لأنه حينئذ يسوى بالمال غاية الأمر أنّ المبذول بازائه يكون قليلا فلا يكون الأرش

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 5 : 398 .

ــ[358]ــ

مستوعباً لتمام ثمنه .

نعم ذكر شيخنا الأنصاري أنّ الأرش المستوعب لتمام الثمن يتصوّر في العيب الحادث بعد البيع كما إذا اشترى شيئاً وقبضه ثم حدث فيه عيب في ثلاثة أيام أعني زمان الخيار الذي قلنا بضمان البائع للعيب الحادث فيه وكان العيب مستوعباً لتمام قيمته ، فإنّ المشتري يطالب البائع حينئذ بتمام الثمن ويبقى العين مملوكة له أي للمشتري وإن لم يكن مالا ، أو إذا فرضنا عدم كونه ملكاً أيضاً فهو متعلّق حقّ المشتري ومع ذلك يطالب البائع بتمام ثمنه الذي هو الأرش حسب الفرض ، هذا .

ولا يخفى ما فيه ، فإنّ الأرش إنما يختص بالعيب السابق على العقد ، وأمّا ما حدث بعده ولو في زمان الخيار أو قبل القبض فلا دليل على ثبوت الأرش في مثله لأنه على خلاف القاعدة وإنما أثبتته الأخبار في العيب السابق على البيع ، هذا كلّه فيما إذا لم يكن الأرش مستوعباً لتمام الثمن فضلا عمّا إذا كان مستوعباً له ، نعم البائع ضامن للعيب الحادث في زمان الخيار أو قبل القبض ، إلاّ أنّ معنى ضمانه كما سيأتي في أحكام الخيار والقبض إن شاء الله تعالى انفساخ المعاملة ورجوع الثمن إلى المشتري  ، وفي المقام أيضاً تنفسخ المعاملة بحدوث العيب بعد البيع في زمان الخيار أو فيما قبل القبض ويرجع الثمن إلى المشتري ، إلاّ أنّ المعيب يرجع إلى البائع مالا كان أم ملكاً ، ولا يكون متعلّقاً لملك المشتري أو حقّه ، فيكون التعيّب بعد البيع بما يوجب استيعاب الأرش لتمام القيمة ملحقاً بالتلف فيدخل تحت قاعدة كل مبيع تلف قبل قبضه أو في زمان الخيار فهو من مال بائعه الذي هو بمعنى الانفساخ ورجوع الثمن إلى المشتري ولا يبقى له المبيع ، لا أنه يطالبه بالأرش كما احتمل ما ذكرناه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) فما أفاده (قدّس سرّه) ممّا لا يمكن الالتزام به .

نعم يمكن تصوير الأرش المستوعب لتمام الثمن فيما إذا كان المبيع متموّلا في حدّ نفسه إلاّ أنّ بقاء ماليته احتاج إلى بذل أكثر من قيمته وهذا كالكتاب إذا تعيّب

ــ[359]ــ

أو العبد تمرّض وتوقّف إصلاحهما إلى بذل أكثر من قيمتهما ، ولكنّهما في نفسهما متموّلان وإبقاء ماليتهما يحتاج إلى نفقة زائدة على قيمتهما لا أنّ ماليتهما ارتفعت بتمامها ، وحينئذ إذا اشتراه أحد يتمكّن من مطالبة البائع بالأرش الذي هو أكثر من الثمن مع بقائهما في ملك المشتري وكونهما مالا ، هذا .

ولكن الانصاف أنّ هذا المثال أيضاً غير تام ، لأنّ المفروض أنّ المبيع متموّل ويبذل بازائه مال لامكان الاستفادة منه في شيء في المطالعة أو العتق ونحوهما ومن هنا لو أتلفهما أحد لضمن قيمتهما ، ومع ذلك لا يعقل أن يكون الأرش مستوعباً لتمام الثمن فلا محالة يكون أقل منه ولو بمقدار طفيف ، وأمّا إذا صار بحيث لا يبذل بازائه مال فالكلام فيه هو الكلام في سابقه حيث عرفت أنّ المعاملة باطلة في مثله ، لأنه إنما اشتراه بعنوان أنه مال وقد خرج عن كونه مالا ، فالمعاملة باطلة وإن صحّحنا بيع ما لا مالية له ، إلاّ أنّ في المقام المعاملة وقعت على عنوان المال وتخلّفه يوجب البطلان .

فالصحيح أنّ الأرش المستوعب لتمام الثمن غير معقول ، وهذا في العيوب الخارجية ظاهر فإنّ المبيع إذا استوعب الأرش ثمنه يسقط عن المالية فتبطل المعاملة  ، إلاّ أنّ العلاّمة (قدّس سرّه)(1) على ما حكي عنه صوّر ذلك في العيوب الاعتبارية وذكر أنّ العبد الجاني عمداً يتوقّف بيعه على إجازة المجني عليه والمشتري يتمكّن من الفسخ إذا كان جاهلا فيرجع بثمنه ، كما أنه يتمكّن من إمضائه والمطالبة بالأرش ، فإن كانت الجناية مستوعبة تمام القيمة فالأرش ثمنه أيضاً أي يرجع بتمام الثمن لأنه أرشه إلى آخر ما أفاده (قدّس سرّه) حيث صرّح بجواز مطالبة الأرش المستوعب لتمام قيمة العبد .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التذكرة 11 : 206 .

ــ[360]ــ

وتوضيح ما أفاده في هذا الفرع : هو أنّ جناية العبد إمّا أن تكون عمدية وإمّا أن تكون غير عمدية كالخطأ وشبه العمد لأنه أيضاً ملحق بالخطأ فيما نذكره .

فإن كانت الجناية غير عمدية فلا يثبت للمجني عليه على تقدير حياته أو لوليّه على تقدير موته حق في عين العبد ، لأنّ الجناية خطأ وإنما يثبت لهما المطالبة بالدية وأرش الجناية من سيّده ، وللمولى أن يبيع ذلك العبد قبل مطالبة المجني عليه بالدية وبعده ، وليس له ولا لوليّه الممانعة عن بيعه لأنه ليس مورداً لحقّه ، والمالك لابدّ من أن يدفع الدية إلى المجني عليه أو وليّه ، والدية أقل الأمرين من قيمة العبد وأرش الجناية ، فيرى المالك أيّهما أقل يدفعه إلى المجني عليه ، وبيع العبد في هذه الصورة صحيح وليس للمشتري الفسخ .

إلاّ أنّ هذا كلّه فيما إذا كان المالك موسراً متمكّناً من ردّ الدية ، وأمّا إذا كان معسراً فللمجني عليه أن يأخذ بالعبد ويسترقّه بتمامه إذا كانت الدية مستوعبة لقيمته ، أو يسترقّه ببعضه إن كانت أقل من قيمته ، فإن استرقّه بتمامه فالمعاملة الواقعة عليه باطلة ويرجع المشتري الجاهل بالحال إلى المالك بثمنه ، وإن استرقّه ببعضه فيثبت للمشتري خيار تبعّض الصفقة ، وأمّا إذا كان المشتري عالماً بالحال فلا يتمكّن من الرجوع إلى المالك ولا يثبت له الخيار ، هذا فيما إذا كانت الجناية غير عمدية .

وأمّا إذا كانت عمدية فنفس العبد الجاني يكون متعلّقاً لحق المجني عليه أو وليّه ولهما أن يسترقّاه ، كما أنهما مختاران في الاقتصاص منه وفي ردّه إلى مالكه ومطالبته بالدية ، فإذا باع العبد في هذه الصورة فالبيع يتوقّف على إجازة المجني عليه وإلاّ بطل ، فإن أجازه فيجب على المالك أن يدفع الدية إلى المجني عليه وقد عرفت أنها أقل الأمرين من أرش الجناية وقيمة العبد ، وأمّا المشتري فإن كان

 
 

ــ[361]ــ

جاهلا فله أن يفسخ العقد ويرجع بتمام الثمن كما أنّ له الامضاء والمطالبة بالأرش وحينئذ إن كان الأرش مستوعباً لتمام قيمته يرجع على البائع بتمام الثمن أيضاً وهذه هي محل استشهادنا من كلام العلاّمة ، والفرق بينه وبين صورة فسخ العقد ورجوعه بتمام ثمنه أنه فيها يرجع بعين ثمنه ، وأمّا في صورة مطالبة الأرش المستوعب يطالبه بمقدار الثمن وإن لم يكن عينه ، وإن لم يستوعب القيمة فيرجع ببعض الثمن هذه خلاصة ما أفاده العلاّمة في المقام ، وفي هذا الفرع كلام طويل ولكنّا لا نتعرّض إلاّ لجملتين من كلامه .

الجملة الاُولى : ما أفاده هو وغيره من أنّ صحة البيع في موارد تعلّق حق الغير بالعين تتوقّف على إجازة صاحب الحق كما في حق الرهانة أو الجناية ونحوهما إلاّ أنّا ذكرنا في محلّه أنّ بيع العين لا ينافي تعلّق حق الغير بها ، لأنّ ذي الحق له أن يستوفى حقّه منها ، كان مالكها هو البائع أم كان هو المشتري ، ولا خصوصية للمالك  ، وهذا نظير ما إذا مات مالك العين وانتقلت إلى ورثته فإنه لا ينافي حق الغير المتعلّق به ، وما دام لا ينافي البيع حق الغير لا وجه لتوقّف صحته على إجازته لأنه أجنبي عن العين ولا ربط له بها من حيث كونها ملكاً للبائع أو لغيره ، فما أفاده من توقف صحة البيع على إجازة المجني عليه ممّا لا وجه له .

الجملة الثانية : ما أفاده من أنه يرجع عليه بتمام الثمن أيضاً فيما إذا كان الأرش مستوعباً لقيمته ، ولا يخفى عليك أنّ العبد الجاني إمّا أن يكون مع الجناية الصادرة منه مالا ويبذل بازائه شيء عند العقلاء ، وإمّا أن تزول ماليته بجنايته بحيث لا يسوى في الخارج بشيء . فإن كان مالا ويبذل بازائه المال فلا يعقل أن يكون الأرش حينئذ مستوعباً لتمام ثمنه فما معنى أنه يرجع بتمام الثمن أيضاً ، وإن لم تبق له مالية بعد جنايته وسقط عن المالية بها وحينئذ فلا مانع من أن يكون الأرش

ــ[362]ــ

مستوعباً لثمنه ويرجع عليه بتمام الثمن فيما إذا كان جاهلا بالحال ، إلاّ أنه لا يمكن الحكم بصحة المعاملة حينئذ فيما إذا كان عالماً بالحال على مسلك المشهور والعلاّمة (قدّس سرّه) لأنه إذا كان عالماً بأنه جاني وأنه ممّا لا قيمة له فكيف يوقع المعاملة عليه مع أنهم يشترطون في صحتها أن يكون المبيع مالا ، فكون العبد خارجاً عن المالية حينئذ لا يجتمع مع حكمه (قدّس سرّه) بصحة البيع وعدم ثبوت الخيار للمشتري فيما إذا كان عالماً بالحال ، لأنهم يعتبرون المالية في صحة المعاملة ، هذا .

على أنّ هذا الترديد تشقيق محض لا حقيقة له ، أعني قولنا إمّا أن يكون مالا أو لا يكون ، لأنّ العبد ولو بلغت جنايته إلى ما بلغ مال فعلي غاية الأمر أنه في معرض التلف فيما إذا أراد المجني عليه الاقتصاص ، إلاّ أنّ احتمال رضاه بالدية أو إرضائه بها كاف في بذل العقلاء في مقابله المال ، غاية ما هناك أنه لا يسوى بما يسوى به العبد غير الجاني لا أنه لا يقابل بشيء ، فالأرش المستوعب لتمام الثمن غير متصوّر في العيوب الاعتبارية ولا في العيوب الخارجية ، هذا كلّه في مفهوم الأرش .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net