وظيفة المشتري عند امتناع البائع من القبض - هل يمكن عزل حقّ البائع إذا امتنع من القبض ؟ 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الخامس : الخيارات-3   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 3977


الجهة الرابعة : في بيان وظيفة المشتري والمديون فيما إذا امتنع الدائن عن قبض ماله ولم يجب على الحاكم قبضه . قد عرفت أنّ مقتضى قاعدة لا ضرر أنّ المديون لا يبقى مشغول الذمّة للبائع والدائن فإنه أمر ضرري عليه ، فهل يثبت بذلك ولاية للمديون في تعيين مال الدائن في مال خارجي أو أنه لا ولاية له عليه ؟

الظاهر أنه لا ولاية للمديون على ذلك ولم يدلّ دليل عليه ، بل الولاية في ذلك للحاكم ، وهذا لا من جهة دلالة الدليل على ثبوت الولاية للحاكم في تعيين مال الدائن في مال خارجي بل من جهة الأخذ بالمقدار المتيقن ، وذلك لما أشرنا إليه في


ــ[266]ــ

بحث الولاية(1) من أنه ربما تثبت الولاية للحاكم لا لدلالة دليل عليه بل من جهة أنه المقدار المتيقّن من ثبوت الولاية له ، وعليه فللمشتري أن يعيّن حصة المالك في عين خارجية بإذن الحاكم وإجازته .

الجهة الخامسة : في أنّ المديون هل يثبت له عزل حصة المالك فقط من دون أن يدخل ذلك في ملك البائع والدائن بل يكون باقياً على ملك المديون ، وله أن يتصرف فيه ولو باتلافه لأنه إرجاع لمال الدائن إلى ذمّته ، إلاّ أنه إذا تلف فضمانه على الدائن على عكس المغصوب فإنه ملك لمالكه وإذا تلف فضمانه على غاصبه وفي المقام ما بيد المديون ملك لنفسه إلاّ أنه إذا تلف فيتلف عن الدائن والبائع لأنه متعلّق لحقّه وإذا تلف يرتفع حقه لا محالة ، أو أنه بالعزل يدخل في ملك الدائن ويسقط ولايته في صيرورته ملكاً له بقبضه ؟

ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(2) أنّ غاية ما يثبت بحديث لا ضرر هو سقوط ولاية الدائن في رضايته في تعيين حقه ، لأنّ اعتبار رضاه في ذلك وقبضه أمر ضرري على المشتري وهو موجب لبقاء ذمّته مشغولة إلى الأبد ، وأمّا أنه يدخل في ملكه ولا ولاية له في صيرورته ملكاً له فلا موجب له ، ومثّل له بما إذا جنى عبد أحد على غيره فإنه مملوك لمالكه ولكنه مورد لحق المجني عليه ، فإذا تلف ارتفع حقّه ، وفي المقام أيضاً المعزول مملوك للمشتري وله أن يتصرف فيه ويرجع مال الدائن إلى ذمّته ، إلاّ أنه إذا تلف فيحسب عن الدائن لأنه متعلّق حقّه وقد تلف ، هذا غاية ما أفاده (قدّس سرّه) في المقام .

ولكنّه في غاية البعد عن الصواب والوجه في ذلك : هو أنّا إذا حكمنا بسقوط

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع المجلّد الثانيى من هذا الكتاب الصفحة 175 .

(2) المكاسب 6 : 218 .

ــ[267]ــ

ما في ذمّة المشتري بحديث لا ضرر لأنّ بقاءه في ذمّته ضرري عليه ومناف لجاهه وحرمته بين الناس ، وبنينا على أنّ الموجود الخارجي أيضاً ليس ملكاً للدائن ، فلنا أن نسأل عن ملك الدائن وأنه ثبت في أي مكان وهل ملكه في ذمّة المديون أو أنه متشخّص في الخارج بعزله ، والمفروض أنه ليس في ذمته ولا هو متشخّص في الخارج فملكه متحقّق في أي وعاء وأين ذهب ملكه ، فإذا مات ينتقل إلى ورثته أي شيء .

فالظاهر أنّ المشتري بعزله يعيّن ملك الدائن في الموجود الخارجي وإلاّ فلا معنى لتلفه ، فإنّ ما في الذمّة لا يتصوّر له تلف ، غاية الأمر يكون ذلك بإذن الحاكم كما مرّ فإنه معنى عدم ثبوت الملك في ذمته ، أي له أن يشخّصه في الموجود الخارجي وإلاّ يبقى في ذمّته وهو أمر ضرري عليه .

ومن ذلك يظهر أنّ قياس المقام بتعلّق حق القصاص على عبد الغير لجنايته مع الفارق ، فإنّ في القصاص يثبت حق المجني عليه على عبد الغير وهو مع كونه ملكاً لسيده متعلّق لحق المجني عليه ، وهذا بخلاف المقام فإنّ ملك الدائن كان في ذمّة المديون فإذا فرضنا أنه ضرري ورفعناه بالحديث يتعيّن أن يكون ملكه متشخّصاً في الموجود الخارجي ، فما أفاده (قدّس سرّه) لا يرجع إلى أمر معقول .

ومن ذلك يظهر أيضاً أنّ نماء المعزول للدائن وأنّ المديون ليس له أن يتصرف فيه ويرجعه إلى ذمته اللهمّ إلاّ أن يرضى به الدائن وحينئذ يكون تبديلا ومعاملة معاطاتية .

بقي هناك أمران : أحدهما أنه ظهر من مطاوي ما ذكرناه عدم وجوب الحفظ على المشتري والمديون بعد عزله ، فإنّ المشتري وغيره من المؤمنين في ذلك سواء ، وإنما يجب عليهم حفظ مال الغير حسبة مع عدم تمكّن مالكه من حفظه ، وأمّا مع وجود مالكه وتمكّنه من حفظ ماله وعلمه بأنه يتلف على تقدير عدم قبضه فلا

ــ[268]ــ

يجب عليهم حفظه ، بل له أن يخبر الدائن بأنّ مالك في الطريق أو في المسجد وبه يسقط عن عهدته .

وثانيهما : أنّ شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) ذكر في طي كلماته أنّ مورد رواية لا ضرر من قبيل ما نحن فيه ، وأنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) فيها ألغى ولاية سمرة على شجرته بحديث لا ضرر ، وفي المقام أيضاً تلغى ولاية الدائن على ماله بحديث لا ضرر ونحكم بتعيّنه بعزل المديون ، هذا .

ولا يخفى أنّ حكم النبي (صلّى الله عليه وآله) بقلع الشجرة وإلقائها إلى سمرة في الحديث ليس من جهة تطبيق قاعدة لا ضرر عليه وأنه مقتضى لا ضرر في الإسلام  ، بل من جهة تأديب سمرة لعدم قبوله منحته (صلّى الله عليه وآله) حيث عوّضه بأكثر من شجرته في الدنيا والآخرة ولم يقبله ، وإلاّ فالضرر على الأنصاري لم ينشأ عن بقاء ولاية سمرة على شجرته ، بل إنما نشأ من دخوله عليه بلا استئذان وإسقاط ولاية سمرة لم يكن من باب قاعدة لا ضرر كما بيّناه في بحث لا ضرر(2)فراجع .
ــــــــــــــــ

(1) المكاسب 6 : 216 ـ 217 .

(2) مصباح الاُصول 2 (موسوعة الإمام الخوئي 47) : 616 وما بعدها .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net