(مسألة 397) : الميّت كالجنين ، ففي قطع رأسه أو ما فيه اجتياح نفسه لو كان حيّاً عشر الدية ولو كان خطأً (4) ،
ـــــــــــــــــــــــــــــــ (4) على المشهور شهرة عظيمة ، بل عن الخلاف والانتصار والغنية الإجماع
ــ[518]ــ
عليه(1) .
وتدل على ذلك صحيحة حسين بن خالد عن أبي الحسن (عليه السلام) ، قال : سُئِل أبو عبدالله (عليه السلام) عن رجل قطع رأس ميّت «فقال : إنّ الله حرّم منه ميتاً كما حرّم منه حيّاً، فمن فعل بميّت فعلاً يكون في مثله اجتياح نفس الحيّ فعليه الدية» فسألت عن ذلك أبا الحسن (عليه السلام) «فقال : صدق أبو عبدالله (عليه السلام) ، هكذا قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) » قلت : فمن قطع رأس ميّت أو شقّ بطنه أو فعل به ما يكون فيه اجتياح نفس الحيّ فعليه دية النفس كاملة ؟ «فقال : لا ، ولكن ديته دية الجنين في بطن اُمّه قبل أن تلج فيه الروح وذلك مائة دينار وهي لورثته ، ودية هذا هي له لا للورثة» قلت : فما الفرق بينهما ؟ «قال : إنّ الجنين أمر مستقبل مرجو نفعه ، وهذا قد مضى وذهبت منفعته فلما مثّل به بعد موته صارت ديته بتلك المثلة له لا لغيره يحجّ بها عنه ويفعل بها أبواب الخير والبرّ من صدقة أو غيره» الحديث(2) .
ثمّ إنّ هذه الرواية صحيحة على ما رواه البرقي في المحاسن ، وأمّا على ما رواه الكليني والشيخ والصدوق (قدس سرهم) فهي ضعيفة ، فإنّ في سند الكليني محمّد بن حفص الذي يروي عنه إبراهيم بن هاشم وهو مجهول ، وأمّا محمّد بن حفص الثقة الذي هو وكيل الناحية ومن أصحاب العسكري (عليه السلام) فلا يمكن أن يروي عنه إبراهيم بن هاشم ، ولا يمكن أن يروي هو عن حسين بن خالد . وأمّا الشيخ فقد رواها بطريقين ، في أحدهما : محمّد بن حفص
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الخلاف 5 : 299 ، الانتصار : 542 / 301 ، الغنية 2 : 415 .
(2) الوسائل 29 : 325 / أبواب ديات الأعضاء ب24 ح2 ، المحاسن 2: 16 / 16 ، الكافي 7 : 349 / 4 ، التهذيب 10 : 273 / 1073 ، والاستبصار 4 : 298 / 1121 ، الفقيه 4 : 117 / 404 .
ــ[519]ــ
المتقدّم، وفي الآخر: محمّد بن أشيم وهو ضعيف . وأمّا الصدوق فأيضاً رواها بطريقين، في أحدهما: موسى بن سعدان وعبدالله بن القاسم ، والأوّل ضعيف ، والثاني مشترك بين الثقة وغير الثقة ، وفي الآخر إرسال .
فالنتيجة : أنّ الرواية صحيحة ولا مناص من العمل بها ، ومقتضى إطلاقها ثبوت الدية على الجاني ولو كان ذلك خطأ ، فإنّ نصوص العاقلة منصرفة عن ذلك والإجماع غير تامّ . فإذن العبرة إنّما هي بإطلاق الصحيحة . ويؤيّد ذلك تنزيله منزلة الجنين قبل ولوج الروح ، وقد تقدّم أنّ ديته مطلقاً على الجاني ولو كانت الجناية عليه خطأً محضاً .
وأمّا النصوص المطلقة الظاهرة في ثبوت الدية الكاملة في قطع رأس الميت ، كصحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) : في رجل قطع رأس الميّت «قال : عليه الدية ، لأنّ حرمته ميّتاً كحرمته وهو حيّ»(1) .
وصحيحة عبدالله بن مسكان عن أبي عبدالله (عليه السلام) : في رجل قطع رأس الميّت «قال : عليه الدية ، لأنّ حرمته ميّتاً كحرمته وهو حيّ»(2) .
فتحمل على هذه الصحيحة ، نظراً إلى أنّ لسانها لسان التفسير والحكومة .
بقي هنا اُمور :
الأوّل : أنّ الشهيد الثاني في الروضة والمسالك نسب الصحيحة المتقدّمة إلى سليمان بن خالد وكذا صاحب الجواهر (قدس سرهما) (3) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 29 : 327 / أبواب ديات الأعضاء ب 24 ح 4 .
(2) الوسائل 29 : 327 / أبواب ديات الأعضاء ب 24 ح 6 .
(3) الروضة البهية 10 : 295 ، المسالك 2 : 401 (حجري) ، جواهر الكلام 43 : 384 .
ــ[520]ــ
وفيه : أنّ ذلك اشتباه منهما ، فإنّ الرواية على جميع النسخ الموجودة عندنا عن حسين بن خالد لا عن سليمان بن خالد .
الثاني : أ نّه قد يقال بأنّ حسين بن خالد مردّد بين الثقة وهو الخفّاف ، وغير الثقة وهو الصيرفي، ولا قرينة على أ نّه هو الأوّل ، والمفروض أ نّهما في طبقة واحدة ، ولكن قد ذكرنا في كتابنا المعجم مفصّلاً بأنّ المراد من حسين بن خالد المطلق هو الخفّاف ، فلاحظ(1) .
الثالث : هو أ نّه ورد في ذيل هذه الرواية على طريق الكليني والشيخ : قلت : فإن أراد رجل أن يحفر له ليغسله في الحفرة فسدر الرجل ممّا يحفر فدير به فمالت مسحاته في يده فأصاب بطنه فشقّه فما عليه ؟ «فقال : إذا كان هكذا فهو خطأ وكفّارته عتق رقبة ، أو صيام شهرين متتابعين ، أو صدقة على ستّين مسكيناً مدّ لكلّ مسكين بمدّ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) » ورواه الصدوق نحوه إلاّ أ نّه قال : «إن كان هكذا فهو خطأ وإنّما عليه الكفّارة» إلخ ، وهو يدلّ على ثبوت الكفّارة في الجناية الخطائي على الميّت .
واستشكل عليه في الجواهر بعدم وجدان العامل بها من هذه الناحية(2) .
ولكنّ الذي يسهّل الخطب هو أنّ هذا الذيل موجود في رواية الكليني والشيخ والصدوق ، وقد تقدّم أ نّها ضعيفة بهذه الطرق ولم يكن موجوداً في رواية البرقي التي هي صحيحة .
وأمّا تعبير صاحب الجواهر (قدس سره) عنها بالحسنة وكذا الشهيد الثاني
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المعجم 6 : 249 ـ 250 / 3390 .
(2) الجواهر 43 : 387 .
ــ[521]ــ
وفي قطع جوارحه بحسابه من ديته (1) ، وهي لا تورث وتصرف في وجوه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(قدس سره) في المسالك فقد ظهر أ نّه لا وجه له ، فإنّها ضعيفة بجميع تلك الطرق .
الرابع : أنّ المستفاد ممّا رواه الصدوق (قدس سره) في ذيل الرواية أ نّه لا دية فيما إذا كانت الجناية على الميت خطأً ، فإنّ كلمة : «إنّما» ظاهرة في الحصر ، ولأجل ذلك مال صاحب الجواهر (قدس سره) إلى ذلك إن لم يكن إجماع على ثبوت الدية(1) .
ولكنّه يندفع أوّلاً : بأنّ الرواية ضعيفة .
وثانياً : كلمة «إنّما» لم يثبت وجودها في الرواية ، فإنّها غير موجودة في نسخ الكافي والتهذيب والاستبصار .
وعليه ، فلا موجب للقول بعدم الدية فيما كانت الجناية على الميّت خطأً .
(1) بلا خلاف ظاهر بين الأصحاب ، وتدلّ على ذلك صحيحتا عبدالله بن سنان وعبدالله بن مسكان المتقدّمتان ، بتقريب : أنّ في تعليل ثبوت الدية في قطع رأس الميّت فيهما دلالة على أنّ حاله حال الحيّ من حيث ثبوت الدية . وعليه ، فكما أنّ في قطع يد الحيّ أو رجله أو نحو ذلك من أعضائه دية ، كذلك في قطع يد الميّت أو رجله أو نحوها من أعضائه .
وتدلّ عليه أيضاً صحيحة صفوان ، قال : قال أبو عبدالله (عليه السلام) : «أبى الله أن يظنّ بالمؤمن إلاّ خيراً ، وكسرك عظامه حيّاً وميّتاً سواء»(2) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الجواهر 43 : 387 .
(2) الوسائل 29 : 329 / أبواب ديات الأعضاء ب 25 ح 4 .
ــ[522]ــ
القرب له (1) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ويؤيّده تنزيل ذلك منزلة الجنين قبل ولوج الروح ، وقد تقدّم ثبوت الدية في أعضائه وجوارحه(1) .
(1) من دون خلاف بين الأصحاب ، بل ادّعي عليه الإجماع ، وتدلّ على ذلك صحيحة حسين بن خالد المتقدّمة .
ولكن خالف في المسألة علم الهدى والحلّي على ما حكى عنهما ، فذهبا إلى أنّ ديته لبيت مال المسلمين(2) ، واستشهد لذلك برواية إسحاق بن عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال : قلت : ميّت قُطع رأسه «قال : عليه الدية» قلت : فمن يأخذ ديته ؟ «قال الإمام : هذا لله» الحديث(3) .
وفيه ـ مضافاً إلى أ نّها ضعيفة سنداً ـ : لا ينافي صرفها في وجوه البرّ ، فإنّ الإمام (عليه السلام) يأخذها ويصرفها في مواردها .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص 506 .
(2) الانتصار : 542 / 301 ، السرائر 3 : 419 .
(3) الوسائل 29 : 326 / أبواب ديات الأعضاء ب 24 ح 3 .
|