استصحاب القسم الرابع من الكلي 

الكتاب : مصباح الاُصول - الجزء الثاني   ||   القسم : الأصول   ||   القرّاء : 1974


ــ[141]ــ

 وأمّا القسم الرابع: وهو ما إذا علمنا بوجود عنوانين يحتمل انطباقهما على فرد واحد على ما مثلنا به، فالظاهر أ نّه لا مانع من جريان الاستصحاب فيه، لتمامية أركانه من اليقين والشك، فانّ أحد العنوانين وإن ارتفع يقيناً، إلاّ أنّ لنا يقيناً بوجود الكلي في ضمن عنوان آخر ونشك في ارتفاعه، لاحتمال انطباقه على فرد آخر غير الفرد المرتفع يقيناً، فبعد اليقين بوجود الكلي المشار إليه والشك في ارتفاعه، لا مانع من جريان الاستصحاب فيه.

 نعم، قد يبتلى هذا الاستصحاب بالمعارض كما فيما ذكرنا من المثال، وهو أ نّه إذا علمنا بالجنابة ليلة الخميس مثلاً وقد اغتسلنا منها، ثمّ رأينا منياً في ثوبنا يوم الجمعة، فنعلم بكوننا جنباً حين خروج هذا المني، ولكن نحتمل أن يكون هذا المني من الجنابة التي قد اغتسلنا منها، وأن يكون من غيرها، فاستصحاب كلي الجنابة مع إلغاء الخصوصية وإن كان جارياً في نفسه، إلاّ أ نّه معارض باستصحاب الطهارة الشخصية، فانّا على يقين بالطهارة حين ما اغتسلنا من الجنابة ولا يقين بارتفاعها، لاحتمال كون المني المرئي من تلك الجنابة، فيقع التعارض بينه وبين استصحاب الجنابة فيتساقطان، ولا بدّ من الرجوع إلى أصل آخر. وأمّا فيما لا معارض له كما إذا علمنا بوجود زيد في الدار وبوجود متكلم فيها يحتمل انطباقه على زيد وعلى غيره، فلا مانع من جريان استصحاب وجود الانسان الكلي فيها، مع القطع بخروج زيد عنها إذا كان له أثر شرعي.

 وبالجملة: كلامنا إنّما هو في جريان الاستصحاب في نفسه مع قطع النظر عن المعارض، وقد عرفت أنّ جريانه هو الصحيح. وأمّا عدم الجريان من جهة الابتلاء بالمعارض فهو مشترك فيه بين هذا القسم والأقسام الاُخر، فانّ

ــ[142]ــ

الاستصحاب فيها أيضاً قد يتبلى بالمعارض فلا يكون جارياً.

 وقد يفصّل في جريان الاستصحاب في هذا القسم بين ما إذا علم بوجود فردين وشك في تعاقبهما وعدمه، وبين ما إذا لم يعلم به، بل علم بوجود عنوانين يحتمل انطباقهما على فردين وعلى فرد واحد، فالتزم في الأوّل بجريان الاستصحاب دون الثاني.

 مثال الأوّل: ما إذا علم أحد بوضوءين وبحدث، ولكن لا يدري أنّ الوضوء الثاني كان تجديدياً ليكون الحدث بعدهما وباقياً فعلاً، أو كان رافعاً للحدث ليكون متطهراً فعلاً، فالوضوء الأوّل في هذا الفرض قد انتقض بالحدث يقيناً، وإنّما الشك في بقاء الطهارة حين الوضوء الثاني لاحتمال كونه بعد الحدث، وحيث إنّ هذا الشخص متيقن بالطهارة حينه إمّا بسببية الوضوء الأوّل لو كان تجديدياً، وإمّا بسببيته لو كان رافعاً للحدث، وشاك في ارتفاعها، فلا مانع من استصحابها.

 وكذا الحال فيما إذا علم بالجماع مثلاً مرتين وبغسل واحد، لكن لا يدري أنّ الجماع الثاني وقع بعد الاغتسال حتى يكون جنباً بالفعل، أو قبله ليكون متطهراً بالفعل، فهو يعلم بارتفاع الجنابة الحاصلة بالجماع الأوّل بالغسل، ويشك في بقاء الجنابة حال الجماع الثاني، لاحتمال حدوثه بعد الغسل، وحيث إنّه يعلم بجنابته حين الجماع الثاني ويشك في ارتفاعها، فلا مانع من استصحابها.

 وهذا بخلاف الصورة الثانية، وهي ما إذا لم يعلم بوجود فردين، ولكنّه يعلم بعنوانين يحتمل انطباقهما على فرد واحد، كمن رأى في ثوبه منياً واحتمل أ نّه من جنابة اُخرى غير التي اغتسل منها، فانّه لا يجري فيه الاستصحاب، لأنّ

ــ[143]ــ

الجنابة المتيقنة قد ارتفعت يقيناً، والجنابة الاُخرى مشكوكة الحدوث من الأوّل، هذا.

 ولكنّ الانصاف جريان الاستصحاب في الصورتين، والفرق المذكور ليس بفارق فيما هو ملاك الاستصحاب من تعلق اليقين والشك بأمر واحد، وذلك لأنّ الكلي متيقن حين اليقين بوجود العنوان الثاني، وارتفاعه مشكوك فيه لاحتمال انطباق العنوان الثاني على فرد آخر غير الفرد المرتفع يقيناً، وما ذكره من أنّ أحد الفردين مرتفع يقيناً والفرد الآخر مشكوك الحدوث إنّما يقدح في جريان الاستصحاب في الفرد دون الكلي، لتمامية أركانه من اليقين في الحدوث والشك في البقاء بالنسبة إلى الكلي.

 ولعل وجه الفرق بين الصورتين ما يظهر من عبارته بل هو مصرّح به من أ نّه في فرض العلم بوجود فردين يكون وجود الكلي متيقناً حين وجود الفرد الثاني إمّا بوجود الفرد الأوّل أو بوجود الفرد الثاني، وارتفاعه مشكوك فيه لاحـتمال كون وجوده بوجود الفرد الثاني، فيجري الاستصحاب في الكلي، وهذا بخلاف الصورة الثانية فانّه لا علم فيها إلاّ بوجود فرد واحد وهو متيقن الارتفاع، والفرد الآخر مشكوك الحدوث والأصل عدمه، فالشك في بقاء الكلي مسبب عن الشك في حدوث الفرد الآخر وهو مدفوع بالأصل، فلا مجال لاستصحاب الكلي لكونه مرتفعاً بالتعبد الشرعي.

 والجواب عن ذلك يظهر مما ذكرناه(1) في دفع الاشكال عن القسم الثاني من استصحاب الكلي، وملخص ما ذكرنا هناك: أنّ منشأ الشك في بقاء الكلي ليس هو الشك في حدوث الفرد الطويل، بل منشؤه الشك في أنّ الحادث هل هو

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 125 ـ 129.

ــ[144]ــ

الفرد الطويل أو القصير، ولا يجري فيه أصل يرفع به الشك في بقاء الكلي(1). مضافاً إلى أنّ بقاء الكلي ليس من الآثار الشرعية لحدوث الفرد الطويل حتى ينفى بالأصل.

 ففي المقام نقول: إنّ منشأ الشك في بقاء الكلي ليس هو الشك في حدوث الفرد الآخر، بل منشؤه هو الشك في أنّ الحادث بهذا العنوان هل هو الفرد المرتفع يقيناً أو غيره، فالشك في بقاء الجنابة في المثال نشأ من الشك في أنّ الجنابة الموجودة حال خروج المني المرئي في الثوب هل هي الجنابة التي قد ارتفعت، أو أ نّها غيرها، ولا يجري أصل يرتفع به الشك في بقاء الكلي. مضافاً إلى أنّ بقاء الكلي ليس من الآثار الشرعية لحدوث فرد آخر ليحكم بعدم بقائه بأصالة عدم حدوث فرد آخر، وعليه فلا مانع من جريان استصحاب بقاء الكلي.

 وربّما يقال بعدم جريان الاستصحاب في هذا القسم من أقسام استصحاب الكلي، نظراً إلى أ نّه لا بدّ في جريان الاستصحاب من إحراز صدق عنوان نقض اليقين بالشك على رفع اليد عن اليقين السابق، وفي المقام لم يحرز هذا، لأ نّه بعد اليقين بارتفاع الفرد المتيقن واحتمال انطـباق العنوان الآخر عليه، يحتمل أن يكون رفع اليد عن اليقين به من نقض اليقين باليقين، فلا يمكن التمسك بحرمة نقض اليقين بالشك، فانّه من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية.

 وجوابه: أنّ احتمال الانطباق إنّما هو في نفس العنوان لا بوصف أ نّه متيقن، فانّه بهذا الوصف يستحيل انطباقه على الفرد الأوّل بالضرورة، ففي المثال

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [ ذكر (قدس سره) هناك أنّ هذا الجواب لا يتم على المختار من جريان استصحاب العدم الأزلي فلاحظ ].

ــ[145]ــ

المتقدم إنّما نحتمل انطباق نفس عنوان المتكلم على زيد، إلاّ أ نّه بوصف أ نّه متيقن لا يحتمل أن ينطبق عليه، فبعد اليقين بوجود المتكلم في الدار لا يرتفع هذا اليقين باليقين بخروج زيد عنها، بل الشك في بقائه فيها موجود بالوجدان، فلا مانع من جريان الاستصحاب فيه.

 وبالجملة: الشبهة المصداقية غير متصورة في الاُصول العملية، لأنّ موضوعها اليقين والشك، وهما من الاُمور الوجدانية، فامّا أن يكونا موجودين أو لا، فلا معنى لاحتمال اليقين واحتمال أن يكون رفع اليـد من اليقين السابق من نقض اليقين باليقين.

 ونظير المقام ما إذا علمنا بموت شخص معيّن واحتمل أ نّه هو المجتهد الذي نقلّده، فهل يصح أن يقال: إنّه لا يمكن جريان استصحاب حياة المجتهد لاحتمال أن يكون هذا الشخص الذي تيقّنا بموته منطبقاً عليه، فنحتمل أن يكون رفع اليد عن اليقين بحياته من نقض اليقين باليقين، مع أنّ اليقين بحياة المجتهد والشك في بقائها موجودان بالوجدان، فكما لا مانع من جريان الاستصحاب فيها لتمامية أركانه، فكذا في المقام بلا فرق بينهما.
 




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net