إذا كان أحد الحادثين معلوم التاريخ والآخر مجهول التاريخ 

الكتاب : مصباح الاُصول - الجزء الثاني   ||   القسم : الأصول   ||   القرّاء : 1964


 وأمّا إذا كان أحد الحادثين معلوم التاريخ والآخر مجهول التاريخ، فقد ذكرنا أ نّه يتصور بصور أربعة، لأنّ الأثر تارةً مترتب على الوجود الخاص من السبق أو اللحوق، واُخرى على العدم. وعلى الأوّل فامّا أن يكون الأثر مترتباً على الوجود المحمولي المعبّر عنه بمفاد كان التامة، وإمّا أن يكون مترتباً على الوجود النعتي بمعنى الاتصاف بالسبق أو اللحوق المعبّر عنه بمفاد كان الناقصة. وعلى الثاني إمّا أن يكون الأثر مترتباً على العدم المحمولي المعبّر عنه بمفاد ليس التامة وإمّا أن يكون مترتباً على العدم النعتي المعبّر عنه بمفاد ليس الناقصة. وتفسير العدم النعتي بمفاد ليس الناقصة مجرد تعبير، فان معنى العدم النعتي هو الاتصاف بالعدم، فيكون مفاده القضية الموجبة معدولة المحمول لا القضية السالبة على نحو مفاد ليس الناقصة.

 أمّا إذا كان الأثر مترتباً على الوجود بمفاد كان التامة، فلا إشكال في جريان الاستصحاب في نفسه، إلاّ أ نّه يسقط بالمعارضة فيما إذا كان الأثر للطرفين مع العلم الاجمالي بسبق أحدهما على الآخر وعدم احتمال التقارن على ما تقدم بيانه في مجهولي التاريخ (1)، فلا حاجة إلى الاعادة.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع ص 215.

ــ[230]ــ

 وأمّا إذا كان الأثر مترتباً على الوجـود النعتي بمعنى الاتصاف بالسبق أو اللحوق، أو كان مترتباً على العدم النعتي بمعنى الاتصاف بالعدم، فقد استشكل صاحب الكفاية(1) (قدس سره) في جريان الاستصحاب فيهما، لما تقدم منه في مجهولي التاريخ، من أنّ الاتصاف بالوجود أو العدم ليست له حالة سابقة، حتى يجري الاستصحاب فيه. وقد تقدم(2) جوابه من أنّ عدم الاتصاف له حالة سابقة، فنستصحب عدم الاتصاف، ونحكم بعدم ترتب أثر الاتصاف على ما تقدم بيانه في مجهولي التاريخ.

 وأمّا إن كان الأثر مترتباً على العدم المحمولي المعبّر عنه بمفاد ليس التامة، بأن كان مترتباً على عدم أحدهما في زمان وجود الآخر، كمسألة موت المورّث وإسلام الوارث، فان موضوع الارث مركب من وجود الاسلام وعدم الحياة، ففصّل الشيخ(3) وصاحب الكفاية(4) والمحقق النائيني(5) (قدس سرهم) بين معلوم التاريخ ومجهوله، فاختاروا جريان الاستصحاب في مجهول التاريخ، وعدمه في معلومه.

 أمّا جريانه في مجهول التاريخ فواضح، لأن عدمه متيقن، ونشك في انقلابه إلى الوجود في زمان وجود الآخر والأصل بقاؤه.

 وأمّا عدم جريانه في معلوم التاريخ، فقد ذكر صاحب الكفاية (قدس سره)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كفاية الاُصول: 421.

(2) في ص 216.

(3) فرائد الاُصول 2: 667.

(4) كفاية الاُصول: 421.

(5) فوائد الاُصول 4: 508، راجع أيضاً أجود التقريرات 4: 146 ـ 148.

ــ[231]ــ

له وجهاً، والمحقق النائيني (قدس سره) وجهاً آخر تبعاً للشيخ (قدس سره).

 أمّا ما ذكره صاحب الكفاية (قدس سره) فهو ما تقدم منه في مجهولي التاريخ من عدم إحراز اتصال زمان الشك بزمان اليقين، فتكون الشبهة مصداقية، فانّا إذا علمنا بعدم الموت وعدم الاسلام يوم الجمعة، وعلمنا بالموت يوم السبت، وشككنا يوم الأحد في أنّ الاسلام وقع ليلة السبت حتى يرث أو يوم الأحد حتى لا يرث، وحيث إنّ الأثر لعدم الموت في زمان وجود الاسلام لا للعدم مطلقاً في عمود الزمان ويكون زمان وجود الاسلام مردداً بين ليلة السبت ويوم الأحد، لم يحرز اتصال زمان الشك بزمان اليقين، لأ نّه إن كان حدوث الاسلام ليلة السبت، فزمان الشك متصل بزمان اليقين، وإن كان حدوث الاسلام يوم الأحد، فزمان الشك منفصل عن زمان اليقين، هذا.

 وقد تقدم الجواب عنه في مجهولي التاريخ(1) من أنّ الميزان في الاستصحاب هو اليقين الفعلي مع الشك في البقاء، لا اليقين السابق، والمراد من اتصال زمان الشك بزمان اليقين عدم تخلل يقين آخر بين المتيقن السابق والمشكوك اللاحق، وفي المقام كذلك، فانّ يوم الأحد لنا يقيناً بعدم الموت يوم الجمعة، ولنا شك في بقائه إلى زمان حدوث الاسلام، فهذا المتيقن مشكوك البقاء بلا تخلل يقين آخر بينهما، فلا مانع من جريان الاستصحاب، فان حدوث الموت يوم السبت وإن كان متيقناً لنا، إلاّ أنّ وجوده حين وجود الاسلام مشكوك فيه، فالأصل عدم وجوده حين الاسلام، ومقتضاه عدم الارث.

 وأمّا ما ذكره العلامة النائيني (قدس سره) فهو أنّ مفاد الاستصحاب هو الحكم ببقاء ما كان متيقناً في عمود الزمان وجرّه إلى زمان اليقين بالارتفاع،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع ص 221.

ــ[232]ــ

وليس لنا شك في معلوم التاريخ باعتبار عمود الزمان حتى نجرّه بالتعبد الاستصحابي، فان عدم الموت متيقن يوم الجمعة وحدوثه معلوم يوم السبت، وبقاؤه معلوم إلى يوم الأحد، فليس لنا شك متعلق بالموت حتى نجري الاستصحاب.

 وفيه: أنّ الموت وإن كان معلوم الحدوث يوم السبت، إلاّ أنّ الأثر لا يترتب عليه، فانّ الأثر لعدم حدوث الموت في زمان الاسلام، وحدوثه حين الاسلام مشكوك فيه، ولا منافاة بين كونه معلوماً باعتبار ذاته ومشكوكاً فيه باعتبار وجوده حين الاسلام، فانّه لا تنافي بين كون شيء معلوماً بعنوان ومشكوكاً فيه بعنوان آخر، كما ذكرنا مثاله سابقاً (1) من أ نّا نعلم بموت عالم ونشك في انطباقه على المقلَّد، فموت العالم بعنوان أ نّه عالم معلوم، وبعنوان أ نّه مقلد مشكوك فيه، فلا مانع من جريان الاستصحاب في المقام، بلا فرق بين معلوم التاريخ ومجهوله، غاية الأمر سقوطه بالمعارضة في بعض الصور على ما تقدم تفصيله في مجهولي التاريخ.
ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 228.




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net