4 ـ عدم جريان قاعدة الفراغ والتجاوز مع الغفلة 

الكتاب : مصباح الاُصول - الجزء الثاني   ||   القسم : الأصول   ||   القرّاء : 1734


ــ[367]ــ

 الأمر الرابع: هل يشترط جريان قاعدة الفراغ والتجاوز بعدم العلم بالغفلة حين العمل ليكون احتمال الفساد من جهة احتمال الغفلة، واحتمال الصحة لاحتمال عدم الغفلة، أم تجري حتى مع العلم بالغفلة حين العمل، فيكون احتمال الصحة من جهة احتمال مصادفة الواقع من باب الاتفاق؟

 ذهب جماعة منهم المحقق النائيني (قدس سره)(1) إلى الثاني، لاطلاق النصوص، كقوله (عليه السلام) في موثقة ابن بكير: «كل ما شككت فيه مما قد مضى فأمضه كما هو»(2).

 والتحقيق هو الأوّل، لعدم إطلاق في النصوص من هذه الجهة، لما ذكرناه سابقاً (3) من أنّ قاعدة الفراغ والتجاوز ليستا من القواعد التعبدية، بل من الاُمور الارتكازية العقلائية، فان سيرة العقلاء جارية على عدم الاعتناء بالشك في العمل بعد وقوعه، باعتبار أنّ الغالب عدم وقوع الغفلة حين الاشتغال بالعمل، فيكون مرجع قاعدة الفراغ إلى أصالة عدم الغفلة الكاشفة نوعاً عن صحة العمل، فلا مجال لجريانها مع العلم بالغفلة. وقد ذكرنا سابقاً أنّ الأدلة الشرعية وافية بهذا المعنى، ولذا استظهرنا منها كون القاعدة من الأمارات لا من الاُصول التعبدية.

 وعلى تقدير تسليم الاطلاق للنصوص يكون التعليل الوارد في بعض الأدلة مقيداً له، وهو قوله (عليه السلام): «هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك»(4)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أجود التقريرات 4: 238 ـ 239، فوائد الاُصول 4: 650.

(2) الوسائل 8: 237 ـ 238 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 23 ح 3.

(3) في أوّل البحث ص 315.

(4) الوسائل 1: 471 / أبواب الوضوء ب 42 ح 7.

ــ[368]ــ

وقوله (عليه السلام): «وكان حين انصرف أقرب إلى الحق منه بعد ذلك»(1) فان مقتضى هذا التعليل هو الاقتصار على موارد يكون المكلف فيها أذكر وأقرب إلى الواقع حين العمل منه حين الشك، فلا مجال لجريانها مع العلم بالغفلة حين العمل، لعدم كونه أذكر حين العمل مع الغفلة، كما هو ظاهر.

 وأجاب المحقق النائيني (قدس سره) عن هذا التعليل بأ نّه من قبيل الحكمة لا من قبيل العلة، فلا يكون الحكم دائراً مدار وجوده.

 وفيه: أنّ الميزان في الحكمة والعلة هو فهم العرف، ففي كل مورد فهم العرف من الكلام دوران الحكم مدار التعليل فهو علة، وإلاّ فهو حكمة، ولا ينبغي الاشكال في أنّ المستفاد من التعليل المذكور عرفاً كون عدم الاعتناء بالشك دائراً مدار كونه أذكر، لما ذكرناه من كونه ناظراً إلى أصالة عدم الغفلة الكاشفة نوعاً عن الواقع.

 ومما يتوهّم دلالته على جريان قاعدة الفراغ حتى مع العلم بالغفلة والنسيان حال العمل: الخبر المذكور في الوسائل(2)، ومضمونه لزوم تحويل الخاتم في الغسل وإدارته في الوضوء، وفي ذيله: «فإن نسيت حتى تقوم في الصلاة فلا آمرك أن تعيد الصلاة» فيدعى أنّ مفاده جريان قاعدة الفراغ، مع علم المكلف

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8: 246 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 27 ح 3.

(2) نقل في الوسائل عن محمّد بن يعقوب عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد عن علي بن الحكم عن الحسين بن أبي العلاء، قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الخاتم إذا اغتسلت، قال (عليه السلام): حوّله من مكانه. وقال (عليه السلام): في الوضوء تديره، فان نسيت حتى تقوم في الصلاة، فلا آمرك أن تعيد الصلاة» [ الوسائل 1: 468 / أبواب الوضوء ب 41 ح 2 ].

ــ[369]ــ

بكونه ناسياً حين العمل.

 ولكنّ الظاهر عدم دلالة الخبر على المدعى، إذ ليس فيه ما يدل على أنّ السؤال إنّما كان من جهة الشك في وصول الماء، وأنّ الحكم بالتحويل والادارة إنّما كان من هذه الجهة، بل ظاهره كون التحويل في الغسل والادارة في الوضوء مطلوباً في نفسه، لا لرفع الشك في وصول الماء، وإلاّ لم يكن لذكر خصوص التحويل في الغسل والادارة في الوضوء وجه، لكفاية العكس أيضاً في إيصال الماء، بل يكفي كل واحد من التحويل والادارة فيهما، فاعتبار هذه الخصوصية يشهد بكونهما مطلوبين في نفسهما، غاية الأمر أ نّه علم من الخارج عدم وجوبهما في الغسل والوضوء، بل نفس هذا الخبر يدل على عدم وجوبهما، فان مفاد قوله (عليه السلام): «فان نسيت فلا آمرك أن تعيد الصلاة» أ نّهما ليسا شرطاً لصحة الغسل والوضوء، بل من الاُمور الراجحة المستحبة، فليس الخبر المذكور راجعاً إلى الشك في وصول الماء، فاذا شك في وصول الماء يجب تحصيل العلم بوصـوله بنزع الخاتم أو تحريكـه، على ما هو مذكور في خبر علي بن جعفر(1).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نقل في الوسائل عن محمّد بن يعقوب عن محمّد بن يحيى عن العمركي عن علي بن جعفر (عليه السلام) عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال «سألته عن المرأة عليها السوار والدملج في بعض ذراعها لا تدري يجري الماء تحته أم لا كيف تصنع إذا توضأت أو اغتسلت؟ قال (عليه السلام): تحرّكه حتى يدخل الماء تحته أو تنزعه. وعن الخاتم الضيّق لا يدري هل يجري الماء تحته إذا توضأ أم لا كيف يصنع؟ قال (عليه السلام): إن علم أنّ الماء لا يدخله فليخرجه إذا توضأ» [ الوسائل 1: 467 ـ 468 / أبواب الوضوء ب 41 ح 1 ].

ــ[370]ــ

 فتلخّص مما ذكرناه: اختصاص جريان قاعدة الفراغ بموارد احتمال الغفلة، إذ لم يدل دليل على جريانها مع العلم بالغفلة والنسيان حال العمل.




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net