الأمثلة التي ذكرها الشيخ في المقام - معارضة أصالة الصحة مع الاستصحاب 

الكتاب : مصباح الاُصول - الجزء الثاني   ||   القسم : الأصول   ||   القرّاء : 3147


 المثال الأوّل: ما إذا شك في أنّ الشراء الصادر من الغير كان بما لا يملك كالخمر والخنزير، أو بعين معيّنة من أعيان ماله، فلا يحكم بخروج تلك العين من تركته، لجريان أصالة الصحة في البيع، لكونه لازماً لصحة البيع.

 أقول: ما ذكره من عدم الحكم بخروج العين عن ملكه مما لا إشكال فيه، إلاّ أن ابتناء ذلك على عدم حجية أصالة الصحة بالنسبة إلى اللوازم ليس على ما ينبغي، إذ المثال المذكور ليس مورداً لجريان أصالة الصحة أصلاً، لما ذكرناه سابقاً (1) من أن جريانها متوقف على إحراز قابلية الفاعل والمورد، فمع احتمال وقوع البيع على الخمر والخنزير لا مجال لجريان أصالة الصحة.

 المثال الثاني: ما نقله عن العلامة(2) (قدس سره) وهو ما إذا اختلف المؤجر والمستأجر، فقال المؤجر: آجرتك الدار مثلاً كل شهر بكذا، وقال المستأجر: آجرتني سنة بكذا، فالمؤجر يدعي فساد الاجارة، لعدم تعيين المدة، والمستأجر يدعي صحتها، ففي تقديم قول المستأجر نظر.

 ومحل استشهاد الشيخ (قدس سره) هو قول العـلامة: ففي تقديم قول المستأجر نظر، إذ الوجه في تقديمه أصالة الصحة، وكون منافع الدار في هذه السنة للمستأجر لازم عقلي لصحة الاجارة المذكورة، للعلم بأنّ الاجارة المرددة بين ما يقوله المؤجر وما يقوله المستأجر لو كانت صحيحة، لوقعت على ما يقوله المستأجر.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في الجهة الخامسة ص 398.

(2) راجع قواعد الأحكام 2: 310.

ــ[404]ــ

 وتحقيق هذا البحث يقتضي التكلم في مقامين: المقام الأوّل: في صحة الاجارة وفسادها فيما إذا قال المؤجر آجرتك كل شهر بدرهم. المقام الثاني: في حكم الاختلاف المذكور على القول بالصحة وعلى القول بالفساد.

 أمّا المقام الأوّل: فالمشهور فيه فساد الاجارة، لعدم تعيين المدة وهو شرط في صحة الاجارة. وذهب بعضهم إلى صحتها بالنسبة إلى الشهر الأوّل، وفسادها بالنسبة إلى غيره، وهو التحقيق. أمّا الفساد بالنسبة إلى غير الشهر الأوّل، فلعدم معلومية المدة، بل ربما تكون غررية، كما إذا اختلفت الاُجرة في الشهور كما في المشاهد المشرفة، فان إجارة الدار في أيام الزيارة ليست متساوية مع غيرها. وأمّا الصحة بالنسبة إلى الشهر الأوّل، فلأن عقد البيع والاجارة وأمثالهما وإن كان بحسب اللفظ واحداً، إلاّ أ نّه بحسب اللب ينحل إلى عقود متعددة بتعدد المتعلق، فقوله: آجرتك الدار كل شهر بدرهم، ينحل إلى إجارات متعددة بتعدد الشهور، فلا مانع من صحة الاجارة بالنسبة إلى الشهر الأوّل، لكون المدة معلومة، ولا يضرّ بها بطلان الاجارة بالنسبة إلى غيره.

 ولذا ذكرنا (1) أن بيع ما يَملك وما لا يَملك وبيع ما يُملك وما لا يُملك صحيح بالنسبة إلى ما يَملك وما يُملك. والأوّل كما إذا باع مناً من الحنطة من ماله، ومناً من الحنطة من مال زيد بدرهمين، وقال: بعتك منّين من الحنطة كل منّ بدرهم، فلم يمضه زيد. والثاني كما إذا باع شاة وخنزيراً، وقال: بعتك الشاة والخنزير كل واحدة منهما بدرهم، فالبيع من هذه الجهة نظير العام الاستغراقي ينحل إلى بيوع متعددة بحسب تعدد أفراد المبيع، بل ينحل بحسب أجزاء مبيع واحد على تقدير تساوي الأجزاء من حيث القيمة.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الفقاهة 4: 390، 5: 5.

ــ[405]ــ

 وأمّا المقام الثاني: فعلى القول بالفساد يكون المؤجر مدعياً للفساد والمستأجر مدعياً للصحة، ولا وجه لتقديم قول المستأجر، لعدم إحراز وقوع الاجارة على السنة ليحكم بصحتها بمقتضى أصالة الصحة. وجريانها في الاجارة على إجمالها لا يثبت وقوعها على السنة وكون منفعة الدار للمستأجر فيها، إلاّ على القول بالأصل المثبت ولا نقول به ـ كما تقدّم(1) ـ فيحكم بتقديم قول المؤجر وفساد الاجارة إلاّ أن يثبت المستأجر صحتها.

 وأمّا على القول بصحة الاجارة بالنسبة إلى الشهر الأوّل، فيكون المؤجر أيضاً مدعياً للصحة، فيدخل في باب التداعي، إذ المؤجر يدعي فرداً من الاجارة الصحيحة، والمستأجر يدعي فرداً آخر منها، فلو لم تقم البينة من طرف أصلاً، تصل النوبة إلى التحالف، فيتحالفان وتنفسخ الاجارة بالتحالف، نظير ما إذا اختلف البائع والمشتري في المثمن مع الاتفاق على صحة البيع، أو اختلفا في الثمن، فبعد التحالف ينفسخ البيع، ويردّ كل من الثمن والمثمن إلى مالكه. وأمّا التقييد بقوله هنا ـ بعد قوله: فالأقوى صحة العقد في الشهر الأوّل ـ على ما في جامع المقاصد(2) وإن لم يكن في عبارة الشيخ (قدس سره)، فلم يتضح لنا إلى الآن وجهه.

 المثال الثالث: ما نقله الشيخ أيضاً عن العلامة (قدس سره) وهو ما إذا اختلف المؤجر والمستأجر في تعيين المدة أو الاُجرة، فادعى المستأجر التعيين وأنكره المؤجر، واستشكل في تقديم قول المستأجر لأصالة الصحة، ثمّ قال:

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في التنبيه الثامن من تنبيهات الاستصحاب ص 181.

(2) جامع المقاصد 7: 308.

ــ[406]ــ

والأقوى التقديم فيما لم يتضمن دعوى. وقال في جامع المقاصد(1) في شرح هذه العبارة: إنّ المستأجر إن ادعى تعيين المدة أو الاُجرة باُجرة المثل أو أزيد منها: لم يتضمن قوله دعوى شيء سوى صحة الاجارة، فيقدّم قوله بمقتضى أصالة الصحة، وإن ادعى التعيين بأقل من اُجرة المثل يكون مدعياً لشيء زائد على صحة الاجارة يكون ضرراً على المؤجر، فلا وجه لتقديم قوله، إذ الزائد المذكور من لوازم صحة الاجارة، وليست أصالة الصحة حجةً بالنسبة إلى اللوازم كما ذكرنا.

 وردّه المحقق النائيني(2) (قدس سره) أ نّه لو ادعى المستأجر التعيين باُجرة المثل أو أزيد، لا مجال لجريان أصالة الصحة، لعدم ترتب أثر عليها، فانّ اُجرة المثل ثابتة في ذمة المستأجر، سواء كانت الاجارة صحيحة أم فاسدة. أمّا في صورة الصحة فواضح. وأمّا مع الفساد، فلقاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.

 أقول: ما ذكره المحقق النائيني (قدس سره) يتم فيما إذا كان اختلاف المؤجر والمستأجر بعد انقضاء المدة. وأمّا لو كان اختلافهما في أثناء المدة فلا يكون جريان أصالة الصحة لغواً، فانّه لو استأجر داراً في شهر مثلاً، واختلفا في الاُجرة في أثناء الشهر، فادعى المستأجر تعيين الاُجرة وأنكره المؤجر، فأصالة الصحة وإن كانت بالنسبة إلى ثبوت اُجرة المثل غير مثمرة، إلاّ أ نّها تثمر بالنسبة إلى تسليم العين، فعلى تقدير جريانها ليس للمؤجر مطالبة العين المستأجرة إلى انقضاء المدة، وللمستأجر الانتفاع بها في بقية المدة، بخلاف ما إذا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) جامع المقاصد 7: 310.

(2) أجود التقريرات 4: 253، فوائد الاُصول 4: 669.

ــ[407]ــ

حكمنا بعدم جريانها، إذ عليه للمؤجر مطالبة العين وعلى المستأجر تسليمها، والظاهر أنّ مورد كلام العلامة هو ما إذا كان الاختلاف قبل انقضاء المدة، فالوجه في شرح مراده هو ما ذكره في جامع المقاصد.

 الجهة التاسعة: في حكم معارضة أصالة الصحة مع الاستصحاب، وهي المقصود بالبحث هنا، فنقول: الاستصحاب المعارض بأصالة الصحة إمّا حكمي، وإمّا موضوعي. أمّا الاستصحاب الحكمي، فلا ينبغي الاشكال في تقديم أصالة الصحة عليه، كما إذا شك في صحة بيع لاحتمال الاختلال في شرط من شروطه مع إحراز قابلية الفاعل والمورد، فلا مجال للتمسك بالاستصحاب الحكمي ـ أي استصحاب عدم الانتقال المعبّر عنه بأصالة الفساد ـ بل المتعين هو الحكم بالصحة لأصالة الصحة.

 ولا تترتب على البحث عن أنّ تقديمها على الاستصحاب الحكمي هل هو من باب الحكومة أو التخصيص ثمرة عملية، فلا نتعرض للتكلم في هذه الجهة، إذ بعد استقرار السيرة على الحمل على الصحة في مثل المثال المذكور تكون أصالة الصحة مقدّمةً على الاستصحاب، سواء كان من باب الحكومة أم التخصيص، فلا فائدة في البحث عن هذه الجهة.

 وأمّا الاستصحاب الموضوعي ـ كما إذا شك في صحة بيع لكون المبيع خمراً سابقاً، وشك في انقلابه خلاً حين البيع ـ فلا إشكال في جريان الاستصحاب الموضوعي، فيحكم ببقائه على الخمرية بالتعبد، فلا يبقى شك في فساد البيع، لكونه واقعاً على ما هو خمر بحكم الشارع. وكذا لو شك في صحة بيع لاحتمال كون أحد المتبائعين غير بالغ، فبأصالة عدم بلوغه يحرز كون البيع صادراً من غير البالغ، فيحكم بفساده، ولا مجال لجريان أصالة الصحة في مثله، لا لتقديم

ــ[408]ــ

الاستصحاب الموضوعي عليها، بل لعدم جريانها في نفسها مع قطع النظر عن الاستصحاب المذكور، لما ذكرناه(1) من أ نّها متوقفة على إحراز قابلية الفاعل والمورد، فمع الشك في قابلية المورد ـ كما في المثال الأوّل ـ أو في قابلية الفاعل ـ كما في المثال الثاني ـ لا تجري أصالة الصحة، لعدم تحقق السيرة على الحمل على الصحة إلاّ بعد إحراز القابلية، فهي غير جارية ولو لم يجر الاستصحاب أيضاً، فعدم جريان أصالة الصحة في هذه الأمثلة إنّما هو لعدم المقتضي، لا لوجود المانع.

 واعلم أنّ المحقق النائيني(2) (قدس سره) ذكر في المقام أ نّه على القول بكون أصالة الصحة من الأمارات، والاستصحاب من الاُصول لا إشكال في تقديمها عليه. وعلى القول بالعكس لا إشكال في العكس، وأطال الكلام في تقديم أحدهما على الآخر على القول بكون كليهما من الأمارات أو من الاُصول.

 وظهر بما ذكرناه أنّ هذه التفصيلات لا ترجع إلى محصل، لأ نّا ذكرنا أنّ الدليل على أصالة الصحة هي السيرة، ففي كل مورد جرت السيرة فيه على الحمل على الصحة، فلا محالة تكون أصالة الصحة جاريةً ومقدمةً على الاستصحاب ولو على القول بكونها من الاُصول والاستصحاب من الأمارات، إذ تحقق السيرة على الحمل على الصحة كالنص المخصص لدليل الاستصحاب، وفي مورد لم يحرز قيام السيرة على الحمل على الصحة فيه ـ كما في موارد الشك في القابلية ـ يقدّم الاستصحاب عليها حتى على القول بكونها من الأمارات والاستصحاب من الاُصول، لعدم جريانها في نفسها، لا لمعارضة الاستصحاب

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في الجهة الخامسة ص 393.

(2) أجود التقريرات 4: 254 وما بعدها، راجع أيضاً فوائد الاُصول 4: 669 وما بعدها.

ــ[409]ــ

كما ذكرناه آنفاً، فعلى القول بكونها من الأمارات تكون حينئذ من الأمارات غير المعتبرة، ولا إشكال في تقديم الأصل عليها، هذا تمام الكلام في أصالة الصحة ومعارضتها مع الاستصحاب.
 




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net