ماء البئر 

الكتاب : فقه الشيعة - كتاب الطهارة ج‌2   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 204

فقه الشيعة - كتاب الطهارة؛ ج‌2، ص: 11

الجزء الثاني

[تتمة كتاب الطهارة]

مباحث المياه ماء البئر الماء المستعمل في رفع الحدث ماء الاستنجاء ماء الغسالة الماء المشكوك

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 12‌

[تتمة فصل في المياه]

[ماء البئر]

______________________________
ماء البئر بمنزلة الجاري اعتصام ماء البئر الأخبار الدالة على الاعتصام القول بانفعال ماء البئر الأخبار الموهم للانفعال و الجواب عنها فروع تبتنى على القول بالانفعال طرق ثبوت نجاسة الماء طرق ثبوت كريّة الماء

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 13‌

فصل ماء البئر النابع بمنزلة الجاري لا ينجس (1) إلا بالتغير، سواء كان بقدر الكر أو أقل.

______________________________
فصل في ماء البئر

(1) يقع الكلام في ماء البئر في مقامين (الأول): في تنجسه بالملاقاة- و ان كان بقدر الكر فما زاد- و عدمه (الثاني): في حكم نزح المقدرات المنصوصة بناء على القول بعدم النجاسة، و ان الأمر بالنزح في النصوص هل يحمل حينئذ على الوجوب التعبدي- كما عن العلامة في المنتهى و الشيخ في التهذيب و ان نسب اليه القول بالنجاسة أيضا- [1] أو يحمل على الوجوب الشرطي، أو على الاستحباب كذلك، أو لا يثبت شي‌ء من هذه الأمور حملا لتلك النصوص على التقية- كما يأتي الكلام على ذلك كله.

______________________________
[1] منشأه اختلاف الأصحاب في فهم مراد الشيخ «قده» في كتابيه التهذيب و الاستبصار راجع مفتاح الكرامة ج 1 ص 79- 80 و التهذيب ج 1 ص 332 طبعة النجف عام 1377 هو الاستبصار ج 1 ص 32 طبعة النجف عام 1385 ه‍.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 14‌

..........

______________________________
أقوال علماء الشيعة في ماء البئر أما المقام الأول. فاختلفت فيه الخاصة على أقوال- بعد اتفاقهم على نجاسة ماء البئر بالتغير و طهره بزواله.

(الأول): التنجس مطلقا، و هو المشهور بين قدماء الأصحاب، بل عن بعضهم دعوى الإجماع عليه.

(الثاني): البقاء على الطهارة مطلقا، و هو المشهور بين المتأخرين و عن بعض دعوى إجماعهم عليه.

(الثالث): التفصيل بين الكر و ما دونه فلا ينجس في الأول و ينجس في الثاني- كما عن الشيخ ابى الحسن محمد بن محمد البصروي من قدماء أصحابنا الإمامية- فلم تكن عنده خصوصية لماء البئر، فحاله عنده حال المياه الراكدة في اشتراط عدم انفعالها بالكرية، فلو لم تكن للبئر مزية على المياه الراكدة فلا تقل عنها. و من هنا أشكل بعضهم [1] على القائلين بالنجاسة باستلزام قولهم دوران الانفعال مدار المادة، و هو غريب، إذ بدونها لا يحكم بانفعال الماء فيما لو كان كرا خارج البئر فكيف يحكم به فيما إذا كان كرا أو أكثر و متصلا بالمادة في البئر.

(الرابع): التفصيل بين ما إذا كان الماء مشتملا على ذراعين في أبعاده الثلاثة فلا ينجس و الا فينجس، و يمكن إرجاعه الى ما قبله من اعتبار الكرية الا انه حدد الكر بهذا المقدار، نسب هذا التفصيل إلى الجعفي، هذه أقوال الخاصة.

______________________________
[1] كما في الجواهر ج 1 ص 199 طبع النجف عام 1378 ه‍.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 15‌

..........

______________________________
أقوال علماء السنة و أما علماء السنة [1] فاختلفوا ايضا فذهب أبو حنيفة إلى القول بانفعال ماء البئر بملاقاة النجس مطلقا. و ذهب مالك الى القول بعدم انفعاله مطلقا الا مع التغير، و انه يندب النزح بقدر ما تطيب به النفس و ذهب الشافعي و أحمد إلى التفصيل بين ما إذا كان قلتين فلا ينجس الا بالتغير، و ما كان أقل فينجس بمجرد الملاقاة، و هذا يشبه التفصيل بين الكر و الأقل عند بعض أصحابنا الا ان الكثير عندهما هو ما كان قلتين. و عن الشافعي انه خص التنجس بما إذا كان وقوع النجس في البئر بالاختيار و الا- كما إذا وقع بإطارة الريح و نحوه- فلا ينجس و ان كان أقل من القلتين. ثم اختلفت أقوالهم في المقدار الواجب من النزح اختلافا شديدا حتى في نجاسة واحدة كميتة الإنسان هذه أقوال المذاهب الأربعة، و أما غيرها فلا بد في الاطلاع عليها من مراجعة كتبهم.

النظر في الأخبار و كيف كان فالمتبع هو اخبار الباب. و هي على طائفتين. (الأولى) ما تدل على اعتصام البئر و عدم انفعالها بالملاقاة (الثانية): ما تدل بظاهرها على انفعالها بها- كالقليل الراكد- فلا بد من ملاحظة كل من الطائفتين و الجمع بينهما ان أمكن و إلا فتطرح إحداهما.

______________________________
[1] ج 1 من كتاب الفقه على المذاهب الأربعة الطبعة الخامسة ص 7، و هكذا في الطبعة الأولى- التي هي ترتيب عبد الرحمن الجزيري- ص 42- 44 الا ان هناك اختلافا في الترتيب بين الطبعتين و إسقاطا لجملة أمور ذكرت في الطبعة الاولى.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 16‌

..........

______________________________
الأخبار الدالة على اعتصام ماء البئر أما الطائفة الاولى: و هي عمدة أدلة القائلين بالطهارة فهي عدة روايات.

(منها): صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع [1] المروية بعدة طرق عن الرضا عليه السّلام قال ماء البئر واسع لا يفسده شي‌ء [2] الا ان يتغير ريحه أو طعمه فينزح حتى يذهب الريح و يطيب طعمه لأنّ له مادة.

و هذه ظاهرة بل صريحة في الدلالة على اعتصام ماء البئر و عدم انفعاله بملاقاة النجس، لان الظاهر ان المراد ب‍ «السعة» السعة في الحكم- بمعنى عدم قبول النجاسة- لا السعة التكوينية- بمعنى الكثرة- لأن اللائق بمقام الامام المبين للأحكام انما هو الأول دون الثاني، كما انه ليس المراد منها الكرية، لعدم ثبوت اصطلاح من الشارع و لا من المتشرعة في إرادة الكر من لفظ «واسع»، فيتعين الحمل على السعة في الحكم، على انه عليه السّلام فسر السعة بقوله: «لا يفسده شي‌ء» الظاهر في عدم النجاسة [3] دون عدم الفساد التكويني- بمعنى عدم القذارة و الكثافة- الذي لا يخفى على أحد و يعرفه كل ناظر الى الماء، على ان استثناء صورة التغير قرينة جلية على ان المراد من المستثنى منه عدم تنجس ماء البئر بملاقاة النجس- الذي هو المراد‌

______________________________
[1] الوسائل ج 1 ص 105، الباب 3 من أبواب الماء المطلق الحديث 12، و في الباب 14، الحديث 6 و 7.

[2] و في الاستبصار ج 1 ص 33، الحديث 87 طبع النجف عام 1375 ه‍ (لا ينجسه شي‌ء).

[3] و يؤيده ما في الاستبصار ج 1 ص 33، الحديث 87 طبع النجف عام 1375 ه‍ من نقل الرواية: (لا ينجسه شي‌ء).

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 17‌

..........

______________________________
من لفظ شي‌ء- فان التغير يوجب نجاسة الماء بلا كلام. فيكون المستثنى منه نقيض ذلك أضف الى ذلك كله تعليله عليه السّلام ذلك بقوله: «لان له مادة» فإن المناسب لمقامه عليه السّلام ان يكون تعليلا لحكم شرعي لا لأمر تكويني واضح لكل أحد، و هذا من دون فرق بين أن يكون تعليلا للصدر أو الذيل، أما على الأول فواضح، و أما على الثاني فلأنه حينئذ يكون تعليلا «ليطهر» المقدر في الكلام بعد النزح الموجب لذهاب التغير لدلالته حينئذ على ان المادة تكون رافعة للنجاسة من دون حاجة الى مطهر خارجي، فتدل على دفعها بها بطريق أولى، لأن الدفع أهون من الرفع. و بالجملة ملاحظة هذه القرائن توجب صراحة الصحيحة في الدلالة على المطلوب- اى عدم انفعال ماء البئر بملاقاة النجس. و مقتضى إطلاقها عدم الفرق بين الكر و الأقل، فلا ينبغي المناقشة في دلالتها، فما ذكره الشيخ «قده» في الاستبصار
«1» من أن المراد انه لا يفسده شي‌ء فسادا لا ينتفع بشي‌ء منه الّا بعد نزح جميعه الّا ما يغيره لأنه إذا لم يتغير ينجس و ينزح منه مقدار و ينتفع بالباقي، خلاف الظاهر جدا، و من هنا قال «2» المحقق الهمداني «قده»: «ان طرح الرواية ورد علمها إلى أهله أولى من إبداء هذا النحو من الاحتمالات العقلية التي لا يكاد يحتمل المخاطب ارادتها من الرواية خصوصا في جواب المكاتبة [1] و قال:

______________________________
[1] و قد نقلت هذه الصحيحة على وجه المكاتبة أيضا كما في الوسائل في الباب- 14- من أبواب الماء المطلق، الحديث 7.

______________________________
(1) ج 1 من كتاب الاستبصار ص 33 طبع النجف عام 1375 ه‍ و هكذا في التهذيب ج 1 ص 409 طبع النجف عام 1377 ه‍.

(2) كتاب الطهارة من مصباح الفقيه ص 32.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 18‌

..........

______________________________
انما التجأ الى مثل هذا التوجيه الذي يتوجه عليه وجوه من الاعتراض بعد التزامه بالنجاسة لترجيح اخبارها فرارا عن طرح مثل هذه الصحيحة المشهور نقلها عن ابن بزيع».

هذا كله من جهة دلالة الصحيحة، و هي واضحة لا مجال للمناقشة فيها.

و أما المناقشة في سندها: بان أعراض المشهور من أصحابنا الأقدمين عنها، و عدم افتائهم بمضمونها- مع وضوح دلالتها، و كونها بمرأى منهم و مسمع- يسقطها عن الحجية، لأن ذلك قرينة على اطلاعهم على جهة ضعف فيها خفيت على المتأخرين.

فمندفعة أولا: بمنع الكبرى، لما ذكرناه مرارا من أن مجرد إعراض المشهور عن رواية معتبرة لا يقدح في حجيتها، لما حققنا في محله من انه لا أصل لما اشتهر من ان عمل الأصحاب برواية ضعيفة جابر لضعفها، و إعراضهم عن رواية معتبرة كاسر لقوتها، و ثانيا: بأن المقام ليس من صغريات تلك الكبرى، لأنها انما تكون في مورد تفرد الرواية و عدم وجود معارض لها، و في المقام- بعد إن كانت الأخبار متعارضة- يحتمل أن يكون طرحهم لهذه الصحيحة من باب ترجيح المعارض عليها، و تقديم أخبار النجاسة لجهة مرجحة في نظرهم ككثرة العدد، و الموافقة للاحتياط، و نحو ذلك، بحيث لو لا المعارض لعملوا بهذه الصحيحة، فيكون طرحها من باب ترجيح معارضها عليها لا لضعف فيها.

(و منها): صحيحة على بن جعفر «1» عن أخيه موسى بن جعفر‌

______________________________
(1) الوسائل ج 1 ص 127- الباب- 14- من أبواب الماء المطلق، الحديث 8.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 19‌

..........

______________________________
عليه السّلام قال: «سألته عن بئر ماء وقع فيها زبيل (زنبيل خ ل) من عذرة رطبة أو يابسة، أو زبيل من سرقين أ يصلح الوضوء منها؟ قال لا بأس» و هذه صريحة أيضا في عدم انفعال ماء البئر بملاقاة النجس، لنفي البأس عن الوضوء منه مع وقوع زنبيل من العذرة فيه، ضرورة عدم جواز الوضوء بالماء النجس.

و قد نوقش في دلالتها بوجوه (أحدها) احتمال عدم إصابة العذرة للماء، لان وصول الزنبيل الى الماء لا يستلزم وصول العذرة اليه فالقدر المعلوم انما هو وصول نفس الزنبيل الى الماء و أما العذرة- التي فيه- فيشك في إصابتها الماء.

و يندفع أولا: بأن الظاهر من قول السائل: «زنبيل من عذرة» انه بيان لمقدارها لا انها كانت في الزنبيل فوقعت في البئر لان «من» بيانية و لا يصلح ان تكون بيانا لنفس الزنبيل فلا بد و ان تكون بيانا لمقداره فلو كان المراد وقوع العذرة مع ظرفها كان الأنسب أن يسئل عن «زنبيل فيه العذرة» و ثانيا: لو سلم ذلك كان احتمال عدم وصول الماء إلى العذرة بعيدا جدا لان المتعارف ان يصنع الزنبيل من ورق النخيل و نحوها و هو مما ينفذ فيه الماء لا من غيره مما يمنع النفوذ كالحديد فلو فرض ذلك لم يكن وجه لسؤال مثل على بن جعفر عن وقوعه في البئر، إذ في هذا الفرض لا يحتمل نجاسة الماء بوجه.

(ثانيها): حمل العذرة على مدفوع غير الإنسان من الحيوانات المأكولة اللحم- كالبقرة و الشاة.

و يندفع أولا: بأن العذرة- على ما صرح به أهل اللغة- مرادفة‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 20‌

..........

______________________________
للخرء و الغائط و هي مدفوع الإنسان، أو مطلق مدفوع الحيوان النتن، كخرء الكلب و الهرة و نحوهما، كما أطلق على ذلك في بعض الروايات [1] ايضا فلا تطلق هذه الكلمة على فضلة ما يؤكل لحمه، كما لا يطلق عليها ما يرادفها في اللغة الفارسية. و ثانيا: لو سلم عدم الاختصاص بذلك كان مقابلتها مع السرقين قرينة على ارادة عذرة ما لا يؤكل لحمه، لان السرقين- و هو معرب سرگين- انما يطلق على مدفوع ما يؤكل لحمه من الحيوانات.

(ثالثها): احتمال ارادة نفى البأس بالوضوء منه بعد النزح المقدر، جمعا بين المطلق و المقيد، لإطلاق نفى البأس في هذه الصحيحة، فيقيد بما دل على وجوب النزح.

(و يندفع): بأن هذا أشبه بالألغاز المنافية للحكمة و ليس الجمع المذكور من الجمع العرفي، و فتح باب هذه الاحتمالات في الروايات يوجب تأسيس فقه جديد.

(و منها): صحيحة معاوية بن عمار «2» عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «سمعته يقول: لا يغسل الثوب، و لا تعاد الصلاة مما وقع في البئر الا ان ينتن، فإن أنتن غسل الثوب، و أعاد الصلاة، و نزحت البئر».

و هذه ظاهرة في عدم انفعال ماء البئر بملاقاة ما وقع فيه من النجاسات ما لم يتغير، لدلالتها على عدم وجوب غسل الثوب الذي اصابه‌

______________________________
[1] كما في صحيحة عبد الرحمن بن ابي عبد اللّه. قال: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يصلى و في ثوبه عذرة من انسان أو سنور أو كلب، أ يعيد صلاته؟ قال: ان كان لم يعلم فلا يعيد» (الوسائل ج 2 ص 1060 الباب- 40- من أبواب النجاسات، الحديث 5)

______________________________
(2) الوسائل ج 1 ص 127- الباب- 14- من أبواب الماء المطلق، الحديث 10.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 21‌

..........

______________________________
من مائها، و عدم إعادة الصلاة الواقعة في ذلك الثوب، و لا يبعد ان يكون استثناء التغير بالنتن دون سائر الأوصاف قرينة على أن المفروض وقوعه في البئر خصوص الميتة النجسة من انسان أو شاة أو فأرة و نحو ذلك- مما يغلب وقوعها في البئر- لسرعة تغير الماء بريح النجس حينئذ دون و صفية الآخرين و أما احتمال شمول إطلاق ما وقع في البئر للشي‌ء الطاهر فهو ضعيف، و ذلك بملاحظة استثناء صورة التغير، فإن التغير بالطاهر لا يوجب نجاسة الماء قطعا.

(و منها): صحيحته الأخرى عن الصادق عليه السّلام «1» في الفأرة تقع في البئر، فيتوضأ الرجل منها و يصلى و هو لا يعلم، أ يعيد الصلاة و يغسل ثوبه؟ فقال: «لا يعيد و لا يغسل ثوبه».

و الظاهر من وقوع الفأرة في البئر موتها فيها، لأنه كناية عن ذلك، كما في غير العربية من اللغات، و دلالتها على عدم انفعال ماء البئر بميتة الفأرة ظاهرة. و ربما (يناقش): فيها باحتمال إرادة صورة الشك في سبق وقوع الفأرة في البئر على الوضوء، فتجري استصحاب الطهارة في الماء حال الوضوء و حال اصابته للثوب كما هو مقتضى القاعدة، و عليه فلا دلالة فيها على عدم تنجس ماء البئر بملاقاتها.

(و يندفع): بأن عطف الوضوء بالفاء- الدال على الترتيب- يدل على ان مفروض السؤال هو سبق وقوع الفأرة على الوضوء و إن تأخر العلم به عنه، فلا ينبغي المناقشة في دلالتها على المطلوب، و عدم استثناء صورة التغير لعله كان لعدم تغير ماء البئر بميتة الفأرة لصغرها.

______________________________
(1) الوسائل ج 1 ص 127- الباب- 14- من أبواب الماء المطلق، الحديث 9.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 22‌

..........

______________________________
و منها موثقة أبي بصير «1» قال: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام بئر يستقى منها و يتوضأ به، و غسل منه الثياب و عجن به، ثم علم أنه كان فيها ميت؟ قال: لا بأس، و لا يغسل منه الثوب، و لا تعاد منه الصلاة».

و الظاهر أن المراد من الميت خصوص ميت الإنسان- كما هو المنسبق منه عند الإطلاق- أو الأعم منه و من غيره مما له نفس سائلة، فلا يعم الميتة الطاهرة [1] و دلالتها على سبق وقوع النجس في البئر على الاستعمالات من الاستقاء و الوضوء و الغسل و العجن ظاهرة جدا و إن كان العلم به متأخرا عنها، فالاحتمال المتقدم هنا أضعف. و لا يخفى: أنه لا إطلاق لها لتشمل صورة التغير بالنجس من جهة ترك الاستفصال في الجواب بين المتغير و غيره، لان مفروض السؤال انما هو حصول العلم بوقوع الميت في البئر بعد الاستعمالات المذكورة، و لا يمكن ذلك الا مع فرض عدم التغير حين الاستعمال، إذ لو كان الماء متغيرا حينه لعلم ذلك عادة في صفات الماء من الطعم و اللون و الرائحة.

هذا كله في ذكر الأخبار الدالة على اعتصام ماء البئر و عدم انفعاله بملاقاة النجس. و مقتضى إطلاقها عدم الفرق بين الكر و الأقل، كما أشرنا.

______________________________
[1] بل مع فرض التعميم يمكن الاستدلال بها ايضا من جهة ترك الاستفصال في الجواب بين الميتة الطاهرة و النجسة لحكمه عليه السّلام بعدم البأس و عدم وجوب غسل الثوب و اعادة الصلاة مطلقا.

______________________________
(1) الوسائل ج 1 ص 126 الباب- 14- من أبواب الماء المطلق الحديث 5.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 23‌

..........

______________________________
القول بالتفصيل بين الكر و الأقل حكى عن الشيخ البصروي أنه وافق مشهور المتأخرين في القول بعدم تنجس ماء البئر لو كان كرا و قال بتنجسه فيما إذا كان أقل. و يستدل له بموثقة عمار «1» قال: «سئل أبو عبد اللّه عليه السّلام عن البئر يقع فيها زبيل عذرة يابسة أو رطبة؟ فقال: لا بأس إذا كان فيها ماء كثير».

و في الحدائق «2» نسبتها الى (أبى بصير) و الظاهر أنه سهو قلم، أو اشتباه من النساخ، إذ لم يوجد رواية بهذا المتن عن أبى بصير.

و كيف كان فتقريب الاستدلال بها واضح، لأن مفهوم الشرط فيها ثبوت البأس بماء البئر إذا لم يكن فيها ماء كثير، فيقيد بها إطلاق ما دل على عدم انفعال ماء البئر مطلقا.

و فيه أولا: انه ليس للشارع و لا للمتشرعة اصطلاح في لفظ «الكثير» بمعنى الكر، فالمراد به الكثرة العرفية. و الظاهر ان اعتبارها في مفروض السؤال انما هو لعدم حصول التغير في ماء البئر بزنبيل من العذرة، لأن وقوع هذا المقدار من العذرة في البئر يوجب تغيرها إذا لم يكن فيها ماء كثير يستولي على النجاسة الواقعة فيها و إن كان بمقدار الكر، فالتقييد بالكثرة في الرواية انما هو لأجل عدم حصول التغير لا لأجل اشتراط عدم الانفعال بها، فمرجعه إلى التفصيل بين التغير و عدمه لا الكر و الأقل.

______________________________
(1) الوسائل ج 1 ص 128 الباب 14 من أبواب الماء المطلق، الحديث 15. و في ص 140 في الباب 20 الحديث 5.

(2) ج 1 ص 362 طبع النجف عام 1376 ه‍

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 24‌

..........

______________________________
و ثانيا: ان صحيحة بن بزيع المتقدمة
«1» صريحة في عدم انفعال البئر مطلقا و لو لم تبلغ حد الكر، لأنها قد حصرت سبب انفعالها في التغير بالنجاسة، و انها لا تنفعل في فرض عدم التغير، لاعتصامها بالمادة. فلو سلم دلالة الموثقة على اشتراط الكرية، و انها المراد من لفظة «كثير» قدمت عليها الصحيحة تقدم النص على الظاهر، لأن الحصر ب‍ «الا» و التعليل بوجود المادة لعدم الانفعال في فرض عدم التغير أصرح من الجملة الشرطية في المفهوم.

و يستدل له أيضا برواية الحسن بن صالح الثوري «2» عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «إذا كان الماء في الركي كرا لم ينجسه شي‌ء قلت: و كم الكر؟ قال: ثلاثة أشبار و نصف طولها، في ثلاثة أشبار و نصف عمقها، في ثلاثة أشبار و نصف عرضها» و لكنها ضعيفة السند ب‍ (الحسن بن صالح) على أنه لم يعمل بها أحد من الأصحاب، لأنها قد فسرت الكر في موردها بما يبلغ مجموع مساحته اثنين و ثلاثين شبرا و بعض الشبر- كما سبق «3»- و لم يلتزم أحد من الأصحاب بهذه المساحة في مقدار الكر.

فهذه الطائفة من الروايات كسابقتها لا تصلح لتقييد إطلاق أخبار الطهارة، فالقول بالتفصيل ضعيف [1].

______________________________
[1] و قد يستدل لهذا القول بإطلاق ما دل على انفعال الماء القليل الشامل للبئر و يرده ان

______________________________
(1) تقدمت في ص 16.

(2) الوسائل ج 1 ص 118 الباب 9 من أبواب الماء المطلق، الحديث 8. و في ص 122 في الباب 10 الحديث 5 بتفاوت في المتن.

(3) في الجزء الأوّل: القسم الثاني ص 174- 175 الطبعة الثانية.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 25‌

..........

______________________________
الأخبار الدالة على الانفعال و القول بانفعال ماء البئر و لا بد من النظر في الأخبار التي استدل بها لهذا القول.

(الطائفة الثانية): من الأخبار هي ما استدل بها للقول بتنجس ماء البئر بملاقاة النجس و إن بلغ حد الكر، فتكون معارضة للطائفة الأولى، و هي ايضا على طوائف.

(الأولى): الأخبار «1» المتواترة إجمالا التي ورد الأمر فيها بنزح المقدرات المختلفة باختلاف النجاسات التي تقع في البئر فإن ظاهر الأمر به- بمناسبة الحكم و الموضوع- هو الإرشاد إلى تنجس ماء البئر بملاقاة النجس و ان النزح يكون مطهر إله، نظير الأمر بغسل الثوب الملاقي للبول أو غيره من النجاسات، فإنه إرشاد إلى نجاسة البول و تنجس الثوب به، و انه يطهر‌

______________________________
- النسبة بينه و بين ما دل على عدم انفعال ماء البئر العموم من وجه. و دعوى انصرافه الى ما يبلغ الكر، لأنه الغالب في الآبار غير مسموعة، إذ مجرد الغلبة في الوجود لا يوجب الانصراف ما لم يلحق غير الغالب بالنادر، بل يمكن منع الغلبة أيضا، فحينئذ تقع المعارضة بين الطرفين في البئر القليل، و الترجيح مع اخبار الطهارة، أما أولا: فلنصوصية صحيحة ابن بزيع في ان المادة علة لعدم انفعال ماء البئر و لو كان قليلا، فتتقدم على اخبار انفعال الماء القليل تقدم النص على الظاهر، و يكون نتيجة الجمع بينهما ان المانع عن الانفعال أمران الكرية و المادة إلغاء للانحصار في كل من الطرفين. و اما ثانيا: فلأن تقديم أدلة انفعال القليل يوجب لغوية عنوان البئر و إسقاطه عن الموضوعية بخلاف العكس، و لو سلم بقاء المعارضة كان المرجع قاعدة الطهارة، أو عمومات الفوق الدالة على طهارة مطلق المياه لو سلمت عن الخدشة في إسنادها.

______________________________
(1) ذكرت في الوسائل ج 1 من ص 125 الى ص 143 في الباب 14 و 15 و 16 و 17 و 18 و 19 و 20 و 21 و 22 من أبواب الماء المطلق.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 26‌

..........

______________________________
بالغسل، و مثله الأمر بتعفير الإناء بالتراب عند و لوغ الكلب، فإن الأوامر المتعلقة بالنزح و الغسل و التعفير كلها ظاهرة في الإرشاد إلى تنجس الملاقي للنجس و طهره بهذه الأمور، فظهور هذه الأخبار- في نفسها- في الدلالة على تنجس ماء البئر بملاقاة النجس مما لا يقبل الإنكار. و أما إرادة الوجوب التعبدي أو الشرطي مع بقاء الماء على طهارته فخلاف ظاهر الأمر في أمثال المقام- مما يكون ظاهر الأمر فيه إرشادا الى ان المأمور به- كالنزح و الغسل و التعفير- مزيل لنجاسة ما اصابه النجس.

على أن في بعض هذه الروايات قد صرح الامام عليه السّلام بأن نزح الدلاء مطهر للبئر، و ظاهره الطهارة الشرعية، كما في صحيحة على بن يقطين «1» عن أبى الحسن موسى بن جعفر عليه السّلام قال: «سألته عن البئر تقع فيها الحمامة و الدجاجة أو الكلب أو الهرة؟ فقال: يجزيك ان تنزح منها دلاء، فان ذلك يطهرها إن شاء اللّه تعالى».

و في بعضها تقرير الامام عليه السّلام للسائل على كون النزح مطهرا لماء البئر كما في صحيحة بن بزيع «2» قال: «كتبت الى رجل أسأله ان يسأل أبا الحسن عليه السّلام عن البئر تكون في المنزل للوضوء، فيقطر فيها قطرات من بول أو دم، أو يسقط فيها شي‌ء من عذرة، كالبعرة و نحوها، ما الذي يطهرها حتى يحل الوضوء منها للصلاة؟ فوقّع عليه السّلام بخطه في كتابي ينزح دلاء منها».

فان الظاهر من قول السائل: «ما الذي يطهرها» هو مفروغية نجاسة‌

______________________________
(1) الوسائل ج 1 ص 134 الباب 17 من أبواب الماء المطلق، الحديث 2.

(2) الوسائل ج 1 ص 130 الباب 14 من أبواب الماء المطلق، الحديث 21.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 27‌

..........

______________________________
البئر بوقوع النجس فيها، و لم يردعه الامام عليه السّلام عن ذلك.

هذا مضافا الى قرائن أخرى داخلية في بعض أخر من هذه الروايات تدل على ذلك (منها): تعليقه عليه السّلام جواز الشرب و الوضوء من البئر- فيما إذا وقع فيها النجس- على النزح، و هذا من أحكام نجاسة الماء قبل النزح، و الا فمع طهارته لا فرق في الجواز بين ان يكون الشرب أو الوضوء قبله أو بعده، و ذلك في عدة روايات، كما في رواية الفضل البقباق «1» قال: «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام في البئر يقع فيها الفأرة، أو الدابة، أو الكلب أو الطير، فيموت؟ قال: يخرج ثم ينزح من البئر دلاء ثم يشرب منه و يتوضأ» و كما في صحيحة على بن جعفر «2»- في حديث- قال: «سألته عن رجل ذبح دجاجة أو حمامة فوقعت في بئر، هل يصلح أن يتوضأ منها قال عليه السّلام: ينزح منها دلاء يسيرة ثم يتوضأ منها.»‌

فإنه عليه السّلام لم يرخص في الشرب و الوضوء الا بعد نزح الدلاء، و ظاهر ان ذلك لنجاسة الماء قبله.

(و منها): تفصيله عليه السّلام بين صورتي تغير البئر بالنجاسة و عدمه بالنزح المزيل للتغير في الأولى، و بنزح دلاء معينة في الثانية، فإنه عليه السّلام أمر- في جملة من الروايات- بالنزح الى ان يزول التغير فيما إذا تغير الماء بالنجس، و فيما إذا لم يتغير أمر بنزح دلاء معينة حسب اختلاف النجاسات.

و لا إشكال في نجاسة الماء بالتغير، فتكون المقابلة قرينة على نجاسته بالملاقاة أيضا الا ان الفرق بينهما انه يطهر في الأول بالنزح المزيل للتغير، و في الثاني‌

______________________________
(1) الوسائل ج 1 ص 135 الباب 17 من أبواب الماء المطلق، الحديث 6.

(2) الوسائل ج 1 ص 141 الباب 21 من أبواب الماء المطلق، الحديث 1.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 28‌

..........

______________________________
بنزح دلاء معينة. و من تلك الروايات:

موثقة سماعة «1» قال: «سألت أبا عبد اللّه (ع) عن الفأرة تقع في البئر، أو الطير قال عليه السّلام: ان أدركته قبل ان ينتن نزحت منها سبع دلاء، و ان كانت سنورا أو أكبر منه نزحت منها ثلاثين دلوا، أو أربعين دلوا، و ان أنتن حتى يوجد ريح النتن في الماء نزحت البئر حتى يذهب النتن من الماء».

و رواية أبى خديجة [1] عن ابى عبد اللّه عليه السّلام قال: «سئل عن الفأرة تقع في البئر قال عليه السّلام: إذا ماتت و لم تنتن فأربعين دلوا، و إذا انتفخت فيه، و نتنت نزح الماء كله».

فالإنصاف ان دلالة هذه الطائفة من الروايات على نجاسة ماء البئر بالملاقاة- لا سيما بملاحظة هذه القرائن- مما لا ينبغي التأمل فيها.

(و دعوى): ان شدة اختلاف هذه الاخبار في تعيين مقدار الدلاء المنزوحة في نجاسة واحدة قرينة داخلية على ارادة مراتب الاستحباب، لأنّها تدل على عدم الاهتمام بشأنها، و حصول العمل بالاستحباب في كل من المقادير المذكورة.

(مندفعة): بان اختلاف الروايات في بيان عدد الواجب بالزيادة و النقيصة لا قرينية فيه على الاستحباب و إلغاء الوجوب بالمرة، بل مقتضى الجمع العرفي بينها هو وجوب الأقل، لعدم المعارض فيه، و استحباب الزائد كما في تسبيحات الركوع و السجود و نحو ذلك. هذا مضافا الى ان ثبوت‌

______________________________
[1] الوسائل ج 1 ص 138 الباب 19 من أبواب الماء المطلق، الحديث 4. و الظاهر انها موثقة، لأن أرجح الأقوال في ابي خديجة- و هو سالم بن مكرم- انه ثقة. راجع تنقيح المقال ج 2 ص 5.

______________________________
(1) الوسائل ج 1 ص 135 الباب 17 من أبواب الماء المطلق، الحديث 4.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 29‌

..........

______________________________
الاستحباب التعبدي- على نحو لو أريد طم البئر كان نزح المقدر مستحبا ايضا- بعيد جدا.

الجمع بين الأخبار و عليه فلا بد من الجمع بين هذه الطائفة و التي دلت على الطهارة فإن كان هناك جمع عرفي فهو، و الا فيرجع الى المرجحات السندية من موافقة الكتاب أو مخالفة العامة و ستعرف ان الترجيح مع اخبار الطهارة فيقع الكلام في المقام الثاني في الجمع بين أخبار الطهارة و اخبار النزح و حكم نزح المقدرات المنصوصة بناء على القول بالطهارة قيل في الجمع وجوه. (أحدها): حمل الأمر بالنزح في هذه الأخبار على الوجوب مع بقاء البئر على الطهارة- كما عن الشيخ في التهذيب و العلامة في المنتهى- بتقريب ان الأمر حقيقة في الوجوب، فيبقى على ظاهره، و لا ينافي وجوب النزح طهارة الماء، و بذلك يجمع بين الطائفتين إبقاء لكل منهما على ظاهرها.

و الجواب عن ذلك: انه ان كان المراد الوجوب النفسي- على نحو لو أريد طم البئر لم يجز ذلك بل كان النزح واجبا ايضا، و أثره ان يكون المخالف فاسقا مستحقا للعقاب كما إذا خالف غيره من الواجبات النفسية- فغير محتمل في نفسه. و من هنا لم يذكر في شي‌ء من الأخبار انه من المكلف بذلك، هل هو المالك أو من أوقع النجس في البئر عينا أو أحد المكلفين كفاية مع أن هذا الأمر كان ما ينبغي التنبيه عليه في الروايات.

و ان كان المراد الوجوب الشرطي- بمعنى انه يشترط في حصول الطهارة عن الحدث و الخبث بماء البئر نزح المقدرات و إن كان الماء‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 30‌

..........

______________________________
طاهرا، و كذا يتوقف رفع حرمة الشرب أو استعماله في المأكول على ذلك- مع انه بعيد ايضا قد صرح في جملة من الروايات المتقدمة
«1» في الطائفة الأولى بأنه لا تجب اعادة الوضوء، و لا غسل الثياب إذا استعمل فيهما ماء البئر التي وقع فيها النجس، و لا يمكن ذلك الا مع عدم اشتراط الطهارة عن الحدث و الخبث بالنزح، فالحمل على الوجوب بكلا معنييه غير صحيح و ان كان الوجوب الشرطي أوفق لأصل ظهور الأمر في الإرشاد في المقام.

(ثانيها): ان يحمل الأمر بالنزح على الاستحباب جمعا بين الطائفتين نسب ذلك الى مشهور المتأخرين القائلين بالطهارة.

و الجواب عنه: انه ان كان المراد بذلك الاستحباب النفسي فلا يتم إلا إذا كان الأمر بالنزح مولويا أريد به الطلب، إذ مقتضى الجمع العرفي حينئذ ان يصرف عن ظهوره في الوجوب الى الاستحباب بقرينة أخبار الطهارة، كما في جميع الأوامر المولوية المحمولة على الاستحباب لقرينة متصلة أو منفصلة تدل على الترخيص في الترك. و اما إذا كان الأمر به إرشادا إلى تنجس البئر بملاقاة النجس- كما هو الصحيح- فلا يمكن حمله على الاستحباب لأنه حينئذ بمنزلة الاخبار عن التنجس فتعارض ما دل على الطهارة على وجه المباينة و لا تكون إحداهما قرينة على الأخرى، كي يمكن الجمع بينهما بما ذكر بتقديم ظهور القرينة على ذيها، فحمل الأمر الإرشادي- الذي هو بمنزلة الحكاية عن النجاسة- على الاستحباب المولوي بقرينة أخبار الطهارة ليس من الجمع العرفي. على ان أخبار الطهارة لا تصلح ان تكون قرينة على الاستحباب إذ غاية ما هناك رفع اليد عن ظهور هذه الاخبار في الحكم‌

______________________________
(1) تقدمت في ص 21 و 22.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 31‌

..........

______________________________
بالنجاسة، و أما الحكم بالاستحباب فلا، إذ لا مانع حينئذ من حملها على الوجوب الا من جهة قرينة خارجية. هذا مضافا الى بعد الاستحباب النفسي- في نفسه- كالوجوب النفسي، إذ يبعد جدا ان يكون أحد المستحبات نزح البئر التي وقع فيها النجس و ان أريد طمها- كما أشرنا.

فيكون المقام نظير ما ورد في أخبارنا من الأمر بإعادة الوضوء عند القبلة، و مس الفرج، أو الذكر [1] فان ظاهره الإرشاد إلى ناقضية هذه الأمور للوضوء.

و في بعضها التصريح بأن القي‌ء و الرعاف [2] ايضا ينقضان‌

______________________________
[1] كما في رواية أبي بصير عن ابى عبد اللّه- ع- قال: «إذا قبل الرجل مرأة من شهوة، أو مس فرجها أعاد الوضوء» (الوسائل ج 1 ص 193 الباب 9 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 9).

و موثقة عمار عن ابى عبد اللّه- ع- قال: «سئل عن الرجل يتوضأ، ثم يمس باطن دبره؟ قال: نقض وضوءه، و ان مس باطن إحليله فعليه ان يعيد الوضوء، و ان كان في الصلاة قطع الصلاة و يتوضأ، و يعيد الصلاة، و ان فتح إحليله أعاد الوضوء و أعاد الصلاة» (الوسائل ج 1 ص 193 في الباب المذكور، الحديث 10).

و في الوسائل: يجب حمل الحديثين على التقية لموافقتهما لها، قاله جماعة من الأصحاب.

[2] كما في رواية سماعة قال: «سألته عما ينقض الوضوء؟ قال: الحدث تسمع صوته، أو تجد ريحه، و القرقرة في البطن إلا شيئا تصبر عليه، و الضحك في الصلاة و القي‌ء» (الوسائل ج 1 ص 186 الباب 6 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 11).

و رواية ابى عبيدة الحذاء عن ابى عبد اللّه- ع- قال: «الرعاف و القي‌ء و التخليل يسيل الدم إذا استكرهت شيئا ينقض الوضوء، و ان لم تستكرهه لم ينقض الوضوء» (الوسائل ج 1 ص 187 في الباب المذكور، الحديث 12).

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 32‌

..........

______________________________
الوضوء فتعارض الأخبار الدالة على عدم ناقضية هذه الأمور
«1» و ما دلت على حصر النواقض «2» في النوم و الجنابة و ما يخرج من الأسفلين من البول و الغائط و الريح و المنى، إذ لا يمكن حمل تلك الأخبار على استحباب الوضوء بقرينة الإجماع، أو بقرينة الأخبار المذكورة، و إن قيل به، لعدم استعمال الأمر فيها في الطلب المولوي كي يحمل على الاستحباب جمعا لظهور الأمر في تلك الأخبار في الإرشاد إلى الناقضية و قد صرح في بعضها بذلك كما ذكرنا، و لا يمكن حمله على الاستحباب، فلا محمل له الا التقية، لموافقته للعامة «3» و كذلك المقام.

و ان كان المراد باستحباب النزح هو الاستحباب الشرطي- بمعنى انه يشترط في رفع كراهة استعمال ماء البئر التي وقع فيها النجس نزح المقدرات المنصوصة- فهو ايضا ليس بجمع عرفي، لأن ظاهر الأمر في المقام الوجوب الشرطي- بمعنى اشتراط جواز الاستعمال بالنزح، و هذا هو معنى الإرشاد إلى النجاسة- فالحمل على الاستحباب الشرطي بمعنى ارتفاع كراهة الاستعمال لا يكون جمعا عرفيا.

نعم يمكن الاستدلال على الاستحباب بموثقة أبي أسامة و أبى‌

______________________________
(1) كما في الروايات المتضافرة ذكرها في (الوسائل ج 1 ص 184 و 187 و 191 في الباب 6 و 7 و 9 من أبواب نواقض الوضوء).

(2) كما في الروايات المتضافرة ذكرها في (الوسائل ج 1 ص 177 و 179 في الباب 2 و 3 من أبواب نواقض الوضوء).

(3) راجع المجلد الأول من كتاب الفقه على المذاهب الأربعة ص 66 و 67 و 75.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 33‌

..........

______________________________
يوسف
«1» عن ابى عبد اللّه عليه السّلام قال: «إذا وقع في البئر الطير و الدجاجة و الفأرة فانزح منها سبع دلاء قلنا: فما تقول في صلاتنا، و وضوءنا، و ما أصاب ثيابنا؟ فقال لا بأس به» فإن الأمر بالنزح فيها ليس للإرشاد إلى النجاسة قطعا- مع ان الواقع في البئر الميتة النجسة من الطير و الدجاجة و الفأرة- لما في ذيلها من التصريح بعدم البأس بالصلاة و الوضوء و ما أصاب الثوب من مائها، لأن نفى البأس عما ذكر لا يصح الا مع طهارة الماء، فلا بد من حمل الأمر بالنزح على الإرشاد إلى رفع القذارة الموجبة لكراهة الاستعمال الا ان ذلك من أجل اتصال القرينة المانعة عن انعقاد ظهور الأمر في الإرشاد إلى النجاسة، و هذا بخلاف الأوامر المطلقة التي انعقد ظهورها في ذلك، لان حملها على الاستحباب بقرينة أخبار الطهارة ليس من الجمع العرفي، إذ فرق بين القرينة المتصلة و المنفصلة من هذه الجهة في أمثال المقام، فتدبر. فإذا ثبت الاستحباب في مورد الرواية أمكن دعواه في غيره من النجاسات بعدم القول بالفصل.

كما أنه يمكن الاستدلال على ذلك بما ورد «2» من الأمر بالنزح في الميتة الطاهرة إذا وقعت في البئر- كالوزغة و العقرب و نحوهما- فالميتة النجسة تكون اولى بذلك.

(ثالثها): حمل الأمر بالنزح على الإرشاد إلى مرتبة ضعيفة من النجاسة ترتفع بالنزح، و لا تثبت لها أحكام النجاسة من حرمة الشرب و بطلان الوضوء و الغسل و بقاء نجاسة المغسول و غير ذلك من أحكامها،

______________________________
(1) الوسائل ج 1 ص 128 الباب 14 من أبواب الماء المطلق، الحديث 12.

(2) كما في الوسائل ج 1 ص 137 و ص 142 الباب 19، و الباب 22 من أبواب الماء المطلق.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 34‌

..........

______________________________
لاختصاص تلك الأحكام بالمرتبة القوية منها، و يحمل ما دل على طهارة ماء البئر على مطلق الطهارة التي تجامع المرتبة الضعيفة من النجاسة جمعا بين الدليلين بدعوى ان هذا هو الذي يساعده الفهم العرفي في أمثال المقام.

(و فيه): ان هذا في نظر العرف من الجمع بين الضدين، لان أذهان العامة لا تساعد في مثل قولنا هذا طاهر و نجس على حمل كل منهما على مرتبة لا تنافي الأخرى، بل يعد ذلك من الألغاز، لثبوت التضاد بينهما في نظرهم، فالجمع بينهما بما ذكر يكون من التدقيقات العقلية التي لا يصار إليها في الخطابات العرفية.

بل يستحيل اجتماعهما عقلا لو كان المراد الطهارة المطلقة، كما هو ظاهر أدلتها، لأنها لا تجامع و لو مع مرتبة ضعيفة من النجاسة. نعم يمكن تصوير اجتماع مرتبتين خفيفتين منهما، سواء قلنا بأنهما من الأمور الواقعية التي كشف عنها الشارع، أو من الأحكام الشرعية، أما على الأول فواضح. و أما على الثاني فلأنه لا تضاد في الأحكام بأنفسها- كما ذكرنا في محله- و انما التضاد بينهما إما من ناحية المبدء، أو من ناحية المنتهى، و لا تضاد في المقام من ناحية المبدء كما هو ظاهر، كما انه لا تضاد بينهما من ناحية المنتهى، لاجتماع أحكامهما كما ذكر، و لا ينافي ذلك عدم قابلية الاعتبار للشدة و الضعف لانه لو تمّتا كانتا في المعتبر لا في الاعتبار.

ترجيح أخبار الطهارة فتحصل من جميع ما ذكرنا: ان الوجوه التي ذكرت في المقام جمعا بين الاخبار ليس شي‌ء منها جمعا عرفيا.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 35‌

..........

______________________________
و عليه تكون المعارضة باقية على حالها، فلا بد من الرجوع الى المرجحات السندية، و هي- كما قررنا في محله- اثنان، الأول موافقة الكتاب و الثاني مخالفة العامة، و الترجيح في المقام مع اخبار الطهارة، لثبوت المرجحين فيها. أما «الأول» فلموافقتها للكتاب العزيز في قوله تعالى
«وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً» «1» و قوله تعالى «وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ» «2» الا انها مبنية على شمول الآيات الكريمة للطهارة عن الخبث بمعناها الشرعي المصطلح، و قد ناقشنا في أول مباحث المياه «3» في شمولها لذلك، لعدم ثبوت الاصطلاح المذكور في عصر نزول الآيات فتحمل على إرادة الطهارة بمعناها اللغوي- و هي النظافة- نعم ذكرنا هناك في ذيل الآية الثانية ان شمولها للطهارة عن الحدث مما لا بد منه، لنزولها في وقعة بدر التي احتاج فيها أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و آله الى غسل الجنابة و الوضوء، فانزل اللّه عليهم المطر، ليتطهروا به. على ان الصلاة كانت مشروطة بها من أول تشريعها كما دل عليه آية الوضوء، فإذا تدل الآية الكريمة بالالتزام على طهارة الماء، للملازمة بين كون الماء رافعا للحدث و كونه طاهرا في نفسه، لعدم ارتفاع الحدث بالماء النجس، و بهذا التقريب يتم موافقة اخبار طهارة البئر للكتاب العزيز.

و لو أغمضنا النظر عن ذلك وصلت النوبة إلى (المرجح الثاني) و هو‌

______________________________
(1) الفرقان 25: 48.

(2) الأنفال 8: 11.

(3) في القسم الثاني من الجزء الأول ص 10- 11، الطبعة الثانية.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 36‌

..........

______________________________
مخالفة أخبار الطهارة للعامة
«1» فإنهم ذهبوا الى القول بالنجاسة، إما مطلقا كأبي حنيفة، أو مع اشتراط ان يكون ماء البئر أقل من قلتين كالشافعي و أحمد، نعم ذهب مالك الى القول بعدم انفعال الماء من دون تغير مطلقا من دون فرق بين ماله مادة و غيره، و لكن مع ذلك تكون أخبار الطهارة مخالفة له أيضا، لأنها قد دلت على أن سبب اعتصام البئر انما هو وجود المادة، و مفهومه أنه مع انقطاعها تنفعل بالملاقاة إذا لم يكن هناك عاصم آخر كالكرية و مذهب مالك عدم الانفعال مطلقا و لو كان الماء قليلا بلا مادة، فلا يمكن ان تكون في أخبار الطهارة تقية من شي‌ء من المذاهب الأربعة بخلاف أخبار النجاسة، فتدبر.

و لو أغمضنا النظر عن ذلك ايضا كان المرجع قاعدة الطهارة، لتساقط الاخبار بالمعارضة، إذ لم يثبت عندنا دليل على التخيير- كما ذكرنا في محله.

فظهر مما ذكرنا أنه يشكل الحكم باستحباب النزح من جهة الجمع بين الأخبار، إذ بعد حمل أخباره على التقية، أو سقوطها عن الحجية بالمعارضة كيف يمكن الاستدلال بها على الاستحباب.

و مما يؤيد صدور أخبار النزح على وجه التقية ما يلوح من بعضها من إجمال الإمام عليه السّلام في الجواب مع اقتضاء المقام للشرح و البيان و ذلك كما في صحيحة ابن بزيع المتقدمة «2» فإن قوله عليه السّلام: «ينزح دلاء منها» من دون تعيين لعددها يظهر منه آثار التقية، حيث أجمل عليه السّلام في‌

______________________________
(1) ذكرنا المصدر في تعليقة ص 15.

(2) تقدمت في ص 26.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 37‌

..........

______________________________
الجواب مع ان المقام كان مقتضيا للبيان، لأن السائل إنما سأل عما يحتاج إليه في مقام العمل، و ما يكون مطهرا للبئر على وجه يمكن الوضوء منها، فلا يمكن حمل الرواية على بيان نوع المطهر، لظهور السؤال في كونه عن المطهر بخصوصياته، دون أصله و نوعه، و أنه هل هو النزح أو غيره؟ فجوابه عليه السّلام عن ذلك بقوله: «ينزح دلاء» الشامل بإطلاقه لدلاء ثلاثة- التي هي أقل مراتب الجمع- إعراض عن السؤال تقية، إذ لم يقل أحد من الفريقين بكفاية ذلك في مورد الرواية- من البول و الدم و العذرة.

كما ظهر انها ليست من المطلقات التي يمكن تقييدها بدليل منفصل- كما قيل- لأن إيكال القيد و البيان إلى دليل منفصل في مثل ذلك مناف للحكمة، إذ لا يناسب الامام عليه السّلام بل كل من كان بصدد بيان الأحكام- كالمفتين- ان يجملوا في جواب مثل هذه الأسئلة التي تقتضي الشرح و البيان في أجوبتها- لا سيما في المكاتبات- إلا إذا كان هناك محذور في ذلك.

و هل هذا الا نظير أن يستفتي العالم فيما يراه مطهرا للثوب المتنجس بالبول- مثلا- فيجيب بأنه اغسله بالماء الشامل بإطلاقه للغسل مرة واحدة مع فرض أنه قائل بالتعدد فيه، فان مثل هذا الجواب- مع اقتضاء المقام لبيان الواقع- قبيح لا يصار اليه الا إذا كانت هناك تقية في الجواب الحقيقي.

هذا مضافا الى أن نفس هذا الراوي قد روى صحيحته الأخرى التي هي كالصريحة في عدم انفعال ماء البئر، و هي قوله عليه السّلام: «ماء البئر واسع لا يفسده شي‌ء الا أن يتغير ريحه، أو طعمه، فينزح حتى يذهب الريح و‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 38‌

..........

______________________________
يطيب طعمه، لأن له مادة»
«1» فلو كانت هذه الصحيحة في مقام بيان الحكم الواقعي و أنه النجاسة لوقع السائل في الحيرة، لتناقض الجوابين، و كان عليه أن يسأل الإمام عليه السّلام عن رفع مشكلة ذلك مع أنه لم يظهر منه التوقف.

و مثل هذه الصحيحة في ظهور أثر التقية عليه قوله عليه السّلام في صحيحة على بن يقطين: «يجزيك ان تنزح منها دلاء» «2» إذ لم يقل أحد بكفاية مطلق الدلاء- الشامل لدلاء ثلاثة- في موردها من الحمامة و الدجاجة و الكلب و الهرة [1].

فتحصل: ان الترجيح يكون مع اخبار الطهارة، و أما (القدح) فيها بأن أعراض مشهور القدماء عنها- و عدم اعتمادهم عليها مع انها قد خرجت على أيديهم، و لا يحتمل خفائها عليهم، و هم أبصر بمعاني الأخبار و بالقرائن المقترنة بها، و مع ذلك رجحوا أخبار النجاسة- يكشف عن اطلاعهم على خلل في أخبار الطهارة خفيت على المتأخرين. (فمردود): بان هذا أشبه بمقالة خطابية، لمنعه كبرى و صغرى، أما الكبرى فلان أعراض المشهور عن رواية معتبرة لا يسقطها عن الحجية- كما مر مرارا- و أما الصغرى فلانه يحتمل ان لا يكون أعراض القدماء عنها لخلل فيها بل كان لترجيح في أخبار النجاسة في نظرهم، إما لكونها موافقة للاحتياط، أو لكونها أكثر عددا، أو من جهة انها أقوى دلالة حتى أنهم تصدوا لتوجيه‌

______________________________
[1] المشهور في الحمامة و الدجاجة أن ينزح سبع دلاء، و في الكلب و السنور أربعون دلوا.

______________________________
(1) الوسائل ج 1 ص 105 الباب 3 الحديث 12، و في الباب 14 ج 1 ص 126 و 127 الحديث 6 و 7 من أبواب الماء المطلق.

(2) تقدمت في ص 26.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 39‌

..........

______________________________
أخبار الطهارة بما لا ينافي النجاسة- كما سبق
«1»- جمعا بين الطائفتين.

و مما يؤيد القول بالطهارة و ترجيح اخبارها استبعاد نجاسة ماء البئر فيما إذا كان كرا أو أكثر مع ان له مادة، فإنها لو لم توجب مناعة في الماء عن الانفعال بالنجاسة فلا تقتضي انفعالها.

الأخبار الناهية عن اغتسال الجنب في البئر (الطائفة الثانية): ما ورد فيه النهى عن اغتسال الجنب في البئر.

كصحيحة عبد اللّه بن أبى يعفور، و عنبسة بن مصعب جميعا «2» عن ابى عبد اللّه عليه السّلام قال: «إذا أتيت البئر و أنت جنب، فلم تجد دلوا، و لا شيئا تغرف به فتيمم بالصعيد، فان رب الماء (خ ل هو) رب الصعيد، و لا تقع في البئر، و لا تفسد على القوم مائهم».

(بدعوى): أن الإفساد ظاهر في التنجيس- كما اعترف به القائل بالطهارة فيما استدل به من الأخبار، كقوله عليه السّلام في صحيحة بن بزيع المتقدمة «3»: «ماء البئر واسع لا يفسده شي‌ء» أي لا ينجسه- هذا مضافا الى أن الأمر بالتيمم لا يصح الا مع فرض نجاسة الماء، و الا فمع وجود ماء طاهر لا يسوغ التيمم، فتدل الصحيحة على تنجس ماء البئر باغتسال الجنب فيها لنجاسة بدنه.

______________________________
(1) في ص 17.

(2) الوسائل ج 2 ص 965 الباب 3 من أبواب التيمم، الحديث 2، و في الباب 14 من أبواب الماء المطلق ج 1 ص 130 الحديث 22.

(3) في ص 16.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 40‌

..........

______________________________
(و يدفعها): أن لفظ «الفساد»- في نفسه- غير ظاهر في النجاسة لا لان له معنيين أو أكثر، من دون قرينة معينة على ارادة بعضها دون بعض بل لأن له معنى كليا، و مفهوما عاما تكون النجاسة أحد مصاديقه في نظر الشرع، فلا بد من نصب قرينة في الكلام تدل على ارادتها منه، و ليس في الرواية ما يصلح لذلك، أما أولا: فلأنه لم يفرض في الرواية نجاسة في بدن الجنب كي يكون ذلك قرينة على إرادة النجاسة من لفظ «الفساد»، و لا غلبة خارجية توجب الحمل عليها، لأن طهارة بدنه ليس فردا نادرا ينصرف الإطلاق عنه، بل لا يبعد دعوى العكس، لقلة المياه في العصور السابقة، و كان اغتسالهم- غالبا- بالماء القليل حتى في الحمامات، لأخذه من الحياض الصغار لأنه لم يكن فيها خزانات ماء يدخلها الناس كالمعمولة اليوم، فلا محالة كانوا يضطرون إلى تطهير البدن قبل الغسل لئلا يفسد الغسل لتنجس الماء بملاقاة البدن (و بالجملة): اغتسال الجنب في البئر مع طهارة بدنه لا يوجب نجاستها الا عند بعض العامة [1] القائلين بنجاسة الماء المستعمل في رفع الحدث، و سيأتي في الفصل الآتي فساد هذا القول ان شاء اللّه تعالى. و أما ثانيا: فلانه لو سلم نجاسة بدن الجنب، و تنجس البئر بدخوله فيها بطل غسله لنجاسة الماء حينئذ بملاقاة بدنه، فكان التعليل ببطلان الغسل اولى من التعليل بإفساد الماء على القوم، بل هو المتعين، و هذا أقوى شاهد على ان علة النهي عن وقوع الجنب في البئر، و اغتساله فيها ليس تنجس الماء بذلك، بل شي‌ء آخر، و هو تضرر الغير به، دون الغاسل، فكأن قوله عليه السّلام: «و لا تفسد على القوم مائهم» بمنزلة التعليل للنهى عن وقوعه في البئر، بحيث لو فرض‌

______________________________
[1] كأبي حنيفة و أصحابه- كما أشرنا الى ذلك في الجزء الأول.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 41‌

..........

______________________________
عدم مزاحمة الغير بالاغتسال فيها، امّا لكونها ملكاله، أو لعدم حق للغير في استعمالها، أو فرض عدم حاجة الناس إليها لصح غسله، لانتفاء علة النهي حينئذ.

فإذا لا بد من حمل الفساد على معنى آخر غير النجاسة، و لا يخلو ذلك من أحد أمرين، إما ارادة تنفر الطباع عن ماء البئر إذا اغتسل فيها الجنب لتنفرها عن الماء الراكد الذي دخل فيه انسان لا سيما إذا اغتسل فيه من الجنابة و ان كان بدنه طاهرا، لأنه لا يخلو- غالبا- من الوسخ و العرق و نحوهما مما يوجب النفرة عن الماء و ان لم يكن نجسا، فلا محالة يمتنع عن استعماله في الأكل و الشرب، و نحوهما، و هذا مما يوجب صعوبة الأمر عليهم و يدخلهم الضرر بذلك، و هذا هو المراد من إفساد الماء على القوم و إما ارادة تغيره بالوحل و الأوساخ المترسبة في قعر البئر- غالبا- بدخول انسان فيها، فيفسد الماء على القوم ايضا بذلك.

و مما ذكرنا يعلم وجه الأمر بالتيمم مع وجود الماء، إذ لا ينحصر وجهه في نجاسة الماء بدخول الجنب فيه- كما توهم في تقريب الاستدلال- بل يكفى فيه مزاحمة حق الغير و لو بإفساد الماء على أحد الوجهين المذكورين- الموجبين لسقوطه عن الانتفاع- فانتقال الفرض الى التيمم انما هو لاستلزام الغسل ضررا على الغير من غير جهة النجاسة.

فظهر ان الأمر بالتيمم ايضا لا يصلح أن يكون قرينة على إرادة النجاسة من لفظ «الفساد» كما انه غير ظاهر فيها في نفسه. و أما (النقض):

بصحيحة ابن بزيع حيث حملنا لفظ «الفساد» فيها على النجس (فمندفع): بان‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 42‌

..........

______________________________
الموجب لذلك وجود قرائن في تلك الصحيحة أشرنا إليها هناك
«1».

الأخبار الناهية عن ماء البئر إذا وقعت فيه الميتة (الطائفة الثالثة): ما دل بمفهومه على ثبوت البأس بماء البئر فيما إذا وقع فيها الميتة النجسة.

كرواية أبي بصير «2» قال: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عما يقع في الآبار؟ فقال: أما الفأرة، و أشباهها فينزح منها سبع دلاء إلّا أن يتغير الماء فينزح حتى يطيب، فان سقط فيها كلب فقدرت أن تنزح مائها فافعل، و كل شي‌ء وقع في البئر ليس له دم، مثل العقرب، و الخنافس، و أشباه ذلك، فلا بأس».

فان نفى البأس عن وقوع ما ليس له نفس سائله- كالعقرب و الخنافس و نحوهما- في البئر يدل بمفهومه على ثبوت البأس بوقوع ماله نفس سائله، و ظاهر البأس في المقام النجاسة.

و ربما يناقش: فيها بان ثبوت البأس أعم من النجاسة، لإمكان إرادة الكراهة في الاستعمال.

و يندفع: بأن مناسبة الحكم و الموضوع قرينة على ارادة خصوص النجاسة، لأن ظاهر السؤال عما يقع في الآبار هو السؤال عن تنجس البئر بوقوعه فيها و عدمه، لأنه المهم في نظر السائل دون مجرد الكراهة و حصول القذارة في الماء، إذ المانع عن استعمال مائها فيما هو محل الابتلاء من‌

______________________________
(1) في ص 16- 17.

(2) الوسائل ج 1 ص 136 الباب 17 من أبواب الماء المطلق، الحديث 11.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 43‌

..........

______________________________
الاستعمالات المشروطة بالطهارة هو النجاسة، دون غيرها من الأحكام غير الإلزامية.

نعم يشكل الاستدلال بها من جهة ان مقتضى إطلاق المفهوم ثبوت البأس سواء تغير ماء البئر بوقوع الميتة النجسة فيها أم لا، لأن المفهوم تابع للمنطوق في الإطلاق و التقييد، و لم يقيد المنطوق بصورة عدم التغير و عليه فلا بد من تقييد المفهوم بما دل من الروايات المتقدمة على عدم انفعال ماء البئر ما لم يتغير، جمعا بين المطلق و المقيد. و إن أبيت إلا عن الإطلاق فلتكن هذه الرواية كبقية الروايات الدالة على النجاسة المعارضة لاخبار الطهارة، فتحمل على التقية- بناء على عدم إمكان الجمع بين الطائفتين.

أخبار التباعد بين البئر و البالوعة (الطائفة الرابعة): الأخبار الدالة على لزوم التباعد بين البئر و البالوعة بسبعة أذرع أو خمسة حسب اختلاف الأرض رخاوة و صلابة و اختلاف فوقية البئر أو البالوعة. بدعوى: ان اعتبار التباعد بينهما بالمقادير المذكورة ليس إلا لأجل تنجس البئر بالبالوعة لو كان البعد أقل و الا فلا وجه لاعتبار البعد المخصوص بل في بعضها التصريح بالنجاسة فيما لو كان البعد أقل.

(منها): مرسلة قدامة بن أبى زيد الجماز «1» عن بعض أصحابنا عن ابى عبد اللّه عليه السّلام قال: «سألته كم أدنى ما يكون بين البئر بئر الماء و البالوعة فقال: إن كان سهلا فسبع أذرع، و ان كان جبلا فخمس أذرع.»‌

______________________________
(1) الوسائل ج 1 ص 145 الباب 24 من أبواب الماء المطلق، الحديث 2.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 44‌

..........

______________________________
(و منها): رواية حسن بن رباط
«1» عن ابى عبد اللّه عليه السّلام قال:

«سألته عن البالوعة تكون فوق البئر؟ قال: إذا كانت فوق البئر فسبعة أذرع، و ان كانت أسفل من البئر فخمسة أذرع من كل ناحية، و ذلك كثير». و نحو هما غيرهما.

و يدفعها: انه لم ينحصر وجه اعتبار التباعد بالمقادير المذكورة في تنجس البئر بالبالوعة لو كان البعد أقل، إذ من المحتمل ان يكون ذلك لأجل التحفظ على البئر من تغيرها بها، لغلبة النجاسة عليها، فيتنجس بها لا بالملاقاة، أو يكون ذلك من جهة دفع القذارة العرفية الموجبة لتنفر الطباع من دون حصول أي نجاسة أصلا، كما يؤيد ذلك رواية محمد بن القاسم «2» عن أبى الحسن عليه السّلام: «في البئر يكون بينها و بين الكنيف خمسة أذرع أو أقل أو أكثر يتوضأ منها؟ قال: ليس يكره من قرب و لا بعد، يتوضأ منها و يغتسل ما لم يتغير الماء» فإنها صريحة في عدم تنجس البئر بالبالوعة سواء كانت بعيدة منها أم قريبة ما لم تتغير.

و نحوها رواية أبي بصير «3» انه قال: «نزلنا في دار فيها بئر إلى جنبها بالوعة ليس بينهما الا نحو من ذراعين، فامتنعوا من الوضوء منها، فشق ذلك عليهم، فدخلنا على أبى عبد اللّه عليه السّلام، فأخبرناه فقال: توضؤا منها، فان لتلك البالوعة مجاري تصب في واد ينصب في البحر» فإنها أيضا تدل على‌

______________________________
(1) الوسائل ج 1 ص 145 الباب 24 من أبواب الماء المطلق، الحديث 3.

(2) الوسائل ج 1 ص 126 الباب 14 من أبواب الماء المطلق، الحديث 4 و في الباب 24 ج 1 ص 146 الحديث 7.

(3) الوسائل ج 1 ص 145 الباب 24 من أبواب الماء المطلق، الحديث 4.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 45‌

..........

______________________________
طهارة ماء البئر مع قرب البالوعة منها بنحو ذراعين، فعليه يتعين حمل تلك الروايات على دفع القذارة جمعا.

نعم في حسنة الفضلاء «1» الثلاثة (زرارة و محمد بن مسلم و أبى بصير) التصريح بالنجاسة. كلهم قالوا: «قلنا له بئر يتوضأ منها يجرى البول قريبا منها أ ينجسها؟ قال: فقال: ان كانت البئر في أعلى الوادي يجري فيه البول من تحتها، فكان بينهما قدر ثلاثة أذرع، أو أربعة أذرع، لم ينجس ذلك شي‌ء، و ان كانت أقل من ذلك نجسها.» و لفظ «النجاسة» في هذه الرواية و ان كانت ظاهرة في إرادة النجاسة المصطلحة الا انه لا يمكن العمل بظاهرها حتى عند القائلين بانفعال ماء البئر، لأن مجرد تقارب البالوعة مع البئر من دون سراية إليها لا يوجب الانفعال باتفاق الأصحاب، و من هنا صرح القائلون بالانفعال بلزوم العلم بالسراية في صورة قرب أحدهما من الأخر فإذا يدور الأمر بين تقييدها بصورة العلم بالسراية، أو حمل النجاسة على معنى القذارة العرفية الموجبة لتنفر الطباع عن الماء و ليس الأول أولى من الثاني.

(و دعوى): ان التحديد المذكور في الروايات إنما هو بلحاظ أن الغالب حصول العلم بالسراية فيما إذا كان البعد أقل من المقادير المذكورة، فيظهر انها بصدد بيان ضابط كلى لحصول العلم بها، فإذا كان البعد بينهما أقل من ثلاثة أذرع أو أربعة يحصل العلم بالسراية، و إذا كان بهذا المقدار أو أكثر فلا علم بها (مجازفة): لا دليل عليها، لإمكان حصول العلم بالسراية فيما إذا كان البعد أكثر من هذا المقدار، و عدم حصوله فيما لو كان أقل. و يؤيد ذلك‌

______________________________
(1) الوسائل ج 1 ص 144 الباب 24 من أبواب الماء المطلق، الحديث 1.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 46‌

..........

______________________________
اختلاف الروايات [1] في مقدار البعد فإنه أقوى شاهد على انها ليست في مقام بيان ضابط كلى لتنجس البئر بالبالوعة، بل هي بصدد بيان أمر راجح لولاه لم يكن مانع عن استعمال الماء. هذا مع إمكان حمل الحسنة على إرادة صورة تغير الماء بالنجاسة فيما إذا كان البعد أقل من ثلاثة أذرع أو أربعة، لأن المنساق منها كثرة النجاسة بجريان البول في قرب البئر و من هنا نهى عليه السّلام في ذيلها عن الوضوء بماء البئر فيما إذا استنقع البول كله في الأرض، فإن ذلك مما يوجب تغير الماء، فهذه الحسنة أيضا لا دلالة فيها على انفعال ماء البئر بمجرد الملاقاة، و لو سلم فلا بد من الخروج عن ظاهرها بنفس اخبار التباعد الدالة على الطهارة جمعا، و مع الغض عن ذلك فهي معارضة بالأخبار الدالة على عدم انفعال ماء البئر، و قد عرفت ان الترجيح مع تلك الاخبار، لموافقتها للكتاب و مخالفتها للعامة، فيكون حال هذه الطائفة حال سائر الأخبار الدالة على نجاسة البئر المحمولة على التقية.

فتحصل من جميع ما ذكرنا ان اخبار طهارة ماء البئر معتبرة السند، و ظاهرة الدلالة. و أما اخبار النجاسة فهي على طائفتين (إحداهما): ما هي صريحة في النجاسة غير قابلة للتأويل فتقع المعارضة بينها و بين تلك الاخبار و الترجيح مع أخبار الطهارة لموافقتها للكتاب، و مخالفتها للعامة،

______________________________
[1] راجع الوسائل في الباب المذكور فإن الحسنة قد دلت على اعتبار التباعد بينهما بثلاثة أو أربعة أذرع فيما لو كانت البئر فوق البالوعة بالجهة، و في صورة العكس يعتبر تسعة أذرع.

و في رواية محمد بن سليمان الديلمي انه يكتفى في الصورة الأولى بأذرع، و في الصورة الثانية لا أقل من اثنى عشر ذراعا «ح 6» و في رواية العلاء انه إذا كان البئر مما يلي الوادي فعشرة اذرع «ح 8» و قد استظهر منها ان المراد بكونها تلي الوادي يعنى كونها في جهة الشمال.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 47‌

..........

______________________________
فتحمل أخبار النجاسة على التقية (ثانيتهما): ما تكون ظاهرة في ذلك، فيجمع بينها و بين أخبار الطهارة بحملها على إرادة القذارة العرفية الموجبة لتنفر الطباع و من المعلوم اهتمام الشارع بنظافة المياه التي يستعملها الناس، فيكون الأمر بالنزح لأجل دفع هذا الاستقذار العرفي، نظير الأمر بسكب مقدار من الماء الذي وقع فيه فأرة، أو عقرب، أو أشباه ذلك كما ورد في:

رواية هارون بن حمزة الغنوي «1» عن ابى عبد اللّه عليه السّلام قال:

«سألته عن الفأرة، و أشباه ذلك يقع في الماء، فيخرج حيا، هل يشرب من ذلك الماء، و يتوضأ منه؟ قال: يسكب منه ثلاث مرات، و قليله و كثيره بمنزلة واحدة، ثم يشرب منه و يتوضأ منه.».

إذ لا خلاف في طهارة العقرب، و كذلك الفأرة إذا خرجت من الماء حيا، فليس أمره عليه السّلام بالسكب الا لدفع الاستقذار عن سطح الماء، فإذا سكب منه مقدار ارتفع ذلك، كما انه بنزح دلاء من البئر يخرج الماء الذي في سطحها، إذ التنفر في أمثال هذه الموارد يكون- غالبا- عن سطح الماء لا عن جميعه فيزول بإزالة ما عليه من السطح الظاهر. و أما (دعوى): انه لا يمكن الالتزام بالطهارة، لمخالفته لإجماع القدماء على القول بالنجاسة (فمندفعة): بأن الإجماع التعبدي في المقام معلوم العدم، إذ القائلون بالنجاسة انما يستدلون بالأخبار الدالة على ذلك، و يأولون أخبار الطهارة، و لا أقل من احتماله، و معه لا حجية لمثل هذا الإجماع، بل لا بد من ملاحظة سند المجمعين، أو ما يحتمل استناد هم إليه.

______________________________
(1) الوسائل ج 1 ص 138 الباب 19 من أبواب الماء المطلق، الحديث 5.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 48‌

..........

______________________________
فروع بقيت فروع تبتنى على القول بانفعال ماء البئر لا بأس بالإشارة إلى بعضها:

طهارة آلات النزح بالتبع (الأول): لو قلنا بانفعال ماء البئر فهل يطهر آلات النزح- كالدلو و الرشاء- و ثياب النازح، و بدنه، و نحو ذلك مما جرت العادة بملاقاته لماء البئر عند النزح- كأطراف البئر- تبعا لطهارة البئر بتمام النزح؟ صرح جمع من الأصحاب بحصول الطهارة التبعية لها، و هو الصحيح، و لا بد من إخراج ما لم تجر العادة بإصابة ماء البئر له عند النزح، كثوب المار على البئر حينه، و نحو ذلك، فان محل الكلام انما هو المباشر للنزح، و ما ينزح به و نحوهما مما جرت العادة بإصابة الماء له لا مطلقا.

و يستدل على ذلك بوجوه (أحدها): ما عن المحقق في المعتبر في حكم الدلو من انه لو كان نجسا بعد انتهاء النزح لم يسكت عنه الشارع. و هذا الوجه صحيح متين، و هو كما يجري في الدلو يجري في غيره مما جرت العادة بملاقاة ماء البئر له عند النزح، كالرشا، و ثوب النازح، و يده، و نحو ذلك، لكثرة الابتلاء بهذه الأمور عند عامة الناس، فلو كانت نجسة لزم التنبيه عليه مع انه لم يرد في شي‌ء من الروايات التعرض لذلك، سؤالا و جوابا و عدم البيان في مقام الحاجة- لا سيما إذا كانت شديدة- دليل على عدم النجاسة و انها تطهر بتبع طهارة البئر.

(ثانيها): ما عنه أيضا من ان استحباب نزح الزائد على المقدار‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 49‌

..........

______________________________
الواجب دليل على عدم نجاسة الدلو. بيان ذلك: انه قد اختلفت الروايات في عدد الدلاء المنزوحة في بعض النجاسات بالزيادة و النقصان، فجمعوا بينها بحمل الأقل على الواجب، و الزائد على الاستحباب، فلو بقي الدلو على نجاسته بعد تمام النزح الواجب لتنجس البئر ثانيا بملاقاة الدلو عند نزح المقدار المستحب، فيلزم تطهيرها ثانيا بالنزح المقدر لها، فإذا لا يمكن العمل بالاستحباب، و كان جعله لغوا محضا. (و دعوى): إمكان العمل به بتطهير الدلو بعد النزح الواجب خارج البئر، ثم إدلاؤه في البئر لنزح المستحب (مردودة): بأن الناظر في الروايات يقطع بخلافه، إذ لو كان الأمر كذلك لزم بيانه. و هذا الوجه كسابقه في غاية المتانة إلا انه لا يختص بالدلو بل يجري في مطلق آلات النزح- كالرشا- إذا جرت العادة بملاقاتها لماء البئر عند النزح المستحب.

(ثالثها): ما ذكره في الحدائق «1» من التمسك بأصالة البراءة عن وجوب تطهير هذه الأشياء بعد تمام النزح، لعدم ورود حكم ذلك في شي‌ء من الروايات. و ضعفه ظاهر، إذ لا مجال للتمسك بالأصل مع وجود عمومات أدلة الانفعال، فلا بد في إزالة النجاسة من ورود المطهر إلا ان يدل دليل خاص على عدم الحاجة إليه، كما عرفت وجوده في المقام.

ثم انه على القول بعدم انفعال البئر، و تخصيص النجاسة بصورة التغير لا يسعنا القول بالطهارة التبعية فيما ذكر لو زال تغيرها بالنزح، لعدم تمامية الوجهين في هذه الصورة، إذ لا يكثر الابتلاء بذلك بمثابة يكون سكوت الشارع مخلا بالغرض. كما ان اختلاف الروايات في المقدرات انما هو في‌

______________________________
(1) ج 1 ص 372- 373 طبع النجف عام 1376 ه‍.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 50‌

..........

______________________________
النجاسة بالملاقاة لا بالتغير، فلا يتأتى الوجه الثاني أيضا، فإذا لا بد من الجري على طبق القاعدة الأولية من الحكم ببقاء نجاسة الملاقي لماء البئر من آلات النزح و ثياب النازح و نحوها.

النزح التدريجي و الدفعى (الفرع الثاني): هل يعتبر في طهارة البئر- على القول بانفعالها- نزح الدلاء تدريجا، أو يكفي إخراج الماء بأي وجه اتفق كأن ينزح بدلو كبير يسع عدد الدلاء الصغيرة، أو يسحب الماء بالمكائن، و نحو ذلك مما يمكن إخراج المقدر به دفعة واحدة، أو يفصل بين النجاسة بالملاقاة، فيجب النزح بالدلاء تدريجا الا ان يجب نزح الجميع، و بين النجاسة بالتغير فيكفي مطلق الإخراج.

الأظهر هو الثالث، أما في صورة التغير فظاهر، إذ المقصود زواله بالامتزاج بما يخرج من المادة، كما يظهر من قوله عليه السّلام في صحيحة ابن بزيع: «فينزح حتى يذهب الريح، و يطيب طعمه، لأن له مادة» بل قد عرفت سابقا ان الظاهر من الصحيحة هو ان المطلوب زوال التغير بأي وجه كان، و لو بعلاج، أو من قبل نفسه. لأن المجعول غاية للنزح انما هو ذهاب الريح و طيب الطعم، و عليه لا محذور في سحب ما يزيل تغيره دفعة، أو دفعتين بأنبوب أو دلو كبير و نحوهما، و هكذا لو قلنا بلزوم نزح الجميع في صورة التغير، أو كان المقدر في النجاسة بالملاقاة نزح الجميع- كما في بعض النجاسات [1]- إذ العبرة حينئذ بإخراج جميع الماء و إعدامه و لو بالغور في الأرض، و تجدد ماء البئر من المادة. و يلحق به ما كان المقدر فيه نزح مقدار‌

______________________________
[1] كالمسكر، و الفقاع، و المني، و أحد الدماء الثلاثة، و موت البعير.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 51‌

..........

______________________________
كر من الماء، إذ المقصود فيه إخراج هذا المقدار.

و أما في صورة التنجس بالملاقاة و لزوم نزح مقدار خاص (فربما يقال): ان المقصود أيضا نزح المقدار المعين- كأربعين دلوا- و هو حاصل بمطلق الإخراج، كالنزح بدلو يسع هذا العدد مرة واحدة. و التحديد بالعدد في الروايات انما هو للانضباط، و حصول العلم بخروج المقدار لا لخصوصية فيه (و يرده): انه لا قطع لنا بذلك، لاحتمال ان يكون لتكرر النزح دخل في حصول الطهارة، لأن الماء يخرج من المادة شيئا فشيئا بالمقدار الذي يؤخذ منها بالدلاء، و يختلط بماء البئر تدريجا، فيستهلك الماء القذر بالامتزاج بالماء النظيف على هذا النحو، و هذا بخلاف ما لو أخذ من البئر مقدار أربعين دلوا- مثلا- مرة واحدة، فإنه لا يخرج من المادة دفعة هذا المقدار كي يستهلك فيه الماء القذر، و من الجائز دخل الكيفية المزبورة في حصول الطهارة الشرعية، فمقتضى الجمود على ظاهر الروايات الواردة في نزح المقدرات هو تعدد النزح بالعدد المعين- كالأربعين و الخمسين و نحوهما- عم لا عبرة بخصوص ما يسمى دلوا عرفا أو لغة، بل يكفى مطلق ما يسع هذا المقدار من الماء- كالقدر و نحوه- تعيين دلاء النزح (الفرع الثالث): هل للدلو الذي ينزح به تقدير خاص؟ فعن بعضهم الاكتفاء بما يعتاد على تلك البئر إذا كان مما يستقى به في البلد غالبا، و عن آخرين اعتبار ان يكون ثلاثين رطلا، و عن الجعفي أنه أربعون رطلا. و يمكن‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 52‌

..........

______________________________
الاستدلال له بما في الفقه الرضوي [1] من اعتبار الدلاء الهجرية- و هي أربعون رطلا- الا انه قد مر مرارا ضعف رواياته، بل لم يعلم كونه رواية فالصحيح عدم اعتبار تقدير خاص، بل يكفي أقل الدلاء المتعارفة، لصدق الدلو عليه عرفا، كما هو الحال في جميع المقدرات المختلفة بالزيادة و النقصان، فان الضابط الكلى فيها هو الأخذ بأقل المتعارف، كما في تقدير المسافة بالإقدام على ما مر
«2».

تطهير البئر بالمياه العاصمة (الفرع الرابع): هل تختص البئر- على القول بانفعالها- بمطهرية النزح، أو يكفي في تطهيرها اتصالها بالمياه العاصمة- كالكر و الجاري و المطر- على ما هو الحال في سائر المياه المتنجسة؟ قولان: فعن المشهور طهرها بغير النزح من المطهرات، و عن جملة آخرين طهرها بالنزح خاصة، و هو الأظهر، إذ لا عموم في سائر المطهرات بحيث يشمل البئر، بمعنى انه ليس في أدلة مطهرية الجاري أو الكر أو المطر عموم أو إطلاق يشمل المقام، لأن العمدة في الاكتفاء في تطهير الماء المتنجس باتصاله بالعاصم هو عموم التعليل المستفاد من قوله عليه السّلام في صحيحة ابن بزيع «3» «لأن له مادة» فإنا قد ذكرنا انه يستفاد منه ان الاتصال بمطلق العاصم كاف في رفع نجاسة‌

______________________________
[1] في الفقه الرضوي ص 5 «و إذا سقط في البئر فأرة، أو طائر، أو سنور، و ما أشبه ذلك فمات فيها، و لم يتفسخ نزح منه سبعة أدل من دلاء هجر- و الدلو أربعون رطلا-».

______________________________
(2) في الجزء الأول: القسم الثاني ص 184- الطبعة الثانية.

(3) تقدمت في ص 16.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 53‌

و نزح المقدرات في صورة عدم التغير مستحب (1) و أما إذا لم يكن له مادة

______________________________
الماء المتنجس، فلو قطعنا النظر عن هذه الصحيحة لم يبق في البين ما يصح الاستدلال به على كفاية الاتصال بالمياه العاصمة في تطهير البئر، إذ القائلون بانفعالها لم يعتمدوا على هذه الصحيحة من جهة إعراض مشهور القدماء عنها، فارتكبوا فيها ضروبا من التأويل كما سبق
«1» و عليه فينحصر مطهر البئر في النزح لا غير. نعم لو فرض استهلاك ماء البئر في الماء العاصم، كما إذا اتصل بالجاري على نحو صار جزأ منه، أو القى عليها أكرار من الماء و كانت هي كرا أو أقل بحيث خرجت عن إطلاق الاسم عليها تطهر بذلك، إلا ان هذا خروج عن محل الكلام.

و هناك فروع أخر مترتبة على القول بتنجس البئر لا يهمنا التعرض لها بعد ظهور فساد هذا القول، و ان الأقوى هو القول بالاعتصام.

استحباب النزح

(1) القول باستحباب النزح يبتنى على حمل الأمر به في الأخبار على ذلك جمعا بينها و بين ما دل على اعتصام البئر، إلا انه قد ذكرنا «2» في ذيل تلك الأخبار ان ظاهر الأمر بالنزح هو الإرشاد إلى نجاسة البئر و مطهرية النزح- كما في أمثاله- فلا يمكن حمله على الاستحباب لعدم كونه من الأوامر المولوية القابلة للحمل على الاستحباب جمعا بينها و بين ما دل على الترخيص، و من هنا حملناها على التقية، لعدم إمكان الجمع العرفي فيها، و‌

______________________________
(1) في ص 17.

(2) في ص 26.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 54‌

نابعة فيعتبر، في عدم تنجسه الكرية (1) و ان سمى بئرا، كالآبار التي يجتمع فيها ماء المطر و لا نبع لها.

[ (مسألة 1) ماء البئر المتصل بالمادة إذا تنجس بالتغير فطهره بزواله]

(مسألة 1) ماء البئر المتصل بالمادة إذا تنجس بالتغير فطهره بزواله و لو من قبل نفسه (2)

______________________________
عليه لا وجه للحكم باستحباب النزح مولويا. نعم الاستحباب الشرطي بمعنى اشتراط دفع القذارة بالنزح لا محذور فيه كما سبقت
«1» استفادته من بعض الأخبار.

البئر بلا مادة

(1) لأنه من الماء الراكد، فينفعل بالملاقاة إذا كان أقل من الكر، و مجرد تسميته بئرا لا أثر له في عدم الانفعال، لأن المستفاد من التعليل في صحيحة ابن بزيع ب‍ «ان له مادة» أن الملاك في اعتصام البئر كونها ذا مادة لا مجرد تسميتها بئرا.

نجاسة البئر بالتغير

(2) لأن العبرة بزوال التغير بأي وجه اتفق. و لا دخل للنزح أو غيره في ارتفاع النجاسة، لأن العاصم لماء البئر- على القول باعتصامه- انما هو وجود المادة، فإذا ارتفع المانع- و هو التغير- بأي وجه كان أثر المقتضي أثره. و أما ما ورد في صحيحة ابن بزيع و غيرها من الروايات من الأمر بالنزح الى ان يزول التغير يستفاد منها- بحسب الارتكاز العرفي- ان النزح‌

______________________________
(1) في ص 31- 32.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 55‌

فضلا عن نزول المطر عليه، أو نزحه حتى يزول، و لا يعتبر (1) خروج ماء من المادة في ذلك.

[ (مسألة 2) الماء الراكد النجس كرا كان أو قليلا يطهر بالاتصال]

(مسألة 2) الماء الراكد النجس كرا كان أو قليلا يطهر بالاتصال (2) بكر طاهر، أو بالجاري، أو النابع غير الجاري و ان لم يحصل الامتزاج على الأقوى، و كذلك بنزول المطر.

______________________________
مقدمة لزوال التغير لا ان له دخلا في ارتفاع النجاسة.

(1) لأن الظاهر من قوله عليه السّلام في الصحيحة: «لأن له مادة» كفاية الاتصال بها- سواء تجدد خروج الماء منها أم لا- فإطلاق التعليل يشمل صورة عدم الخروج أيضا.

كيفية تطهير المياه

(2) لوجوه سبقت «1» على وجه التفصيل في الفصل الأول من مباحث المياه تدل على كفاية الاتصال بالعاصم في تطهير الماء المتنجس من دون اعتبار الامتزاج، عمدتها عموم التعليل في صحيحة ابن بزيع لطهر ماء البئر بعد زوال تغيره ب‍ «أن له مادة» الشامل لمطلق العاصم بعد إلغاء خصوصية مادة البئر بمقتضى الفهم العرفي، و الشامل بإطلاقه لصورة عدم الامتزاج، و قد سبق «2» بعض الكلام في ذلك في تطهير الماء المتنجس بالمطر أيضا.

______________________________
(1) في ذيل «مسألة 13» من الفصل الأول في الجزء الأول: القسم الثاني ص 78- 83.

(2) في ذيل «مسألة 2» ص 225- 227 من الجزء الأول: القسم الثاني.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 56‌

[ (مسألة 3) لا فرق بين أنحاء الاتصال في حصول التطهير]

(مسألة 3) لا فرق بين أنحاء الاتصال (1) في حصول التطهير، فيطهر بمجرده و ان كان الكر المطهر- مثلا- أعلى و النجس أسفل، و على هذا فإذا ألقى الكر لا يلزم نزول جميعه، فلو اتصل ثم انقطع كفى. نعم إذا كان الكر الطاهر أسفل، و الماء النجس يجرى عليه من فوق لا يطهر الفوقاني بهذا الاتصال.

[ (مسألة 4) الكوز المملو من الماء النجس إذا غمس في الحوض يطهر]

(مسألة 4) الكوز المملو من الماء النجس إذا غمس في الحوض يطهر (2) و لا يلزم صب مائه، و غسله.

______________________________
(1) أى سواء تساوى سطح الماء النجس مع سطح الطاهر أم اختلفا، أما في صورة التساوي فلا إشكال في كفاية الاتصال، لما دل على ان مجرد الاتصال بالعاصم كاف في حصول التطهير- كما أشرنا إليه آنفا- و أما في صورة علو المطهر فقد سبق
«1» في بحث ماء الحمام ان تقوم السافل بالعالي و ان كان على خلاف المرتكز العرفي، إلا ان النصوص الواردة في ماء الحمام قد دلت على دفع هذا الارتكاز و التعبد بتقومه به دفعا و رفعا كما أوضحنا الكلام فيه هناك و أما في صورة العكس، و علو الماء المتنجس فلا دليل على تقوم العالي بالسافل، لتعددهما بنظر العرف، و عدم ورود تعبد بالوحدة من الشرع في هذه الصورة، كما سبق الكلام في ذلك في بحث ماء الحمام أيضا.

(2) أي نفس الكوز، و أما الماء النجس الذي فيه فهو كغيره من المياه النجسة، و قد سبق منه «قده» انه يكفى في تطهيرها مجرد الاتصال بالعاصم من دون حاجة الى الامتزاج، فلا موجب للتكرار، و أما نفس الكوز فيطهر بالغمس في الماء الكثير- كالحوض- كما أفاد، لشمول إطلاقات أدلة الغسل‌

______________________________
(1) في ص 237- 240 من الجزء الأول: القسم الثاني- الطبعة الثانية.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 57‌

[ (مسألة 5) الماء المتغير إذا القى عليه الكر فزال تغيره به يطهر]

(مسألة 5) الماء المتغير إذا القى عليه الكر فزال تغيره به يطهر (1) و لا حاجة الى إلقاء كر آخر بعد زواله. لكن بشرط (2) ان يبقى الكر الملقى على حاله من اتصال أجزائه، و عدم تغيره.

فلو تغير بعضه قبل زوال تغير النجس، أو تفرق بحيث لم يبق مقدار

______________________________
للغسل مرة واحدة، و لا حاجة الى صب ما في الكوز لانه يطهر بالاتصال بالحوض، و يصدق الغسل بالماء الطاهر على المجموع. و أما ما ورد من الأمر بغسل الأواني ثلاث مرات، في موثقة عمار
«1» فسيأتي في محله انه مختص بالماء القليل.

(1) لعموم التعليل الوارد في صحيحة ابن بزيع- التي هي العمدة في كفاية الاتصال بالعاصم في تطهير المياه النجسة- لأن المستفاد منها ان الاتصال بالمادة سبب للطهارة، و ان التغير مانع عن تأثيرها بحيث إذا ارتفع أثر المقتضي أثره من دون فرق في ذلك بين ان يكون زوال التغير مقارنا للاتصال أو كان قبله. و مورد الصحيحة و ان كان بقاء الاتصال الى ما بعد زوال التغير إلا انه لا يكون مخصصا لعموم التعليل، و عليه يطهر الماء المتغير إذا زال تغيره بإلقاء كر عليه، لتقارن الزوال مع الاتصال بالعاصم، و لا دليل على لزوم سبق زوال التغير، بل مقتضى الإطلاق المذكور عدمه.

(2) و لا بد من اشتراط أمر آخر زائدا على الأمرين المذكورين في المتن و هو زيادة المطهر على الكر بمقدار يكون الباقي بعد زوال التغير عن الملقى و الملقى اليه كرا تاما، لأن مقدارا منه يتغير بإلقائه على الماء المتغير لا محالة، فلا بد من فرض زيادته على الكر بالمقدار المذكور.

______________________________
(1) الوسائل ج 2 ص 1074 الباب 51 من أبواب النجاسات، الحديث 1.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 58‌

الكر متصلا باقيا على حاله تنجس و لم يكف في التطهير. و الأولى إزالة التغير أولا ثم إلقاء الكر، أو وصله به.

[ (مسألة 6) تثبت نجاسة الماء- كغيره- بالعلم]

(مسألة 6) تثبت نجاسة الماء- كغيره- بالعلم (1)

______________________________
كيف تثبت نجاسة الماء؟ 1- ثبوتها بالعلم

(1) الأقوال فيها ثلاثة. المشهور ثبوتها بالعلم، و ما يلحق به من الأمارات المعتبرة، كالبينة، و خبر العدل، و نحوهما. و عن ابن البراج انه اقتصر في طريق ثبوتها على العلم، و أنكر ثبوتها حتى بالبينة التي هي أقوى الأمارات، و عن الشيخ في النهاية و ابى الصلاح الحلبي القول بثبوتها بمطلق الظن، سواء حصل من أمارة شرعية أم من غيرها من الأسباب.

ثبوتها بالأمارات الشرعية و الصحيح هو ما ذهب اليه المشهور المدعى عليه الإجماع- كما سيتضح ان شاء اللّه تعالى- و أما القولان الآخران فبين مفرّط و مفرط، إذ لا ينحصر طريق إثبات النجاسة في العلم، كما انه لا يجوز الاكتفاء بمطلق الظن في إثباتها لأن حالها حال سائر الموضوعات الخارجية. و ليعلم ان محل الكلام إنما هو حدوث النجاسة لا بقائها، إذ لا خلاف بينهم في حجية استصحاب النجاسة حتى عند القائل باعتبار العلم في إثباتها، فلو علم بالحدوث و شك في البقاء جرى الاستصحاب بلا كلام بينهم. كيف و قد ادعى المحدث الأسترآبادي الإجماع على حجية الاستصحاب في الموضوعات.

و توضيح الحال في المقام إنما يتم بذكر أدلة كل من القولين الآخرين و تزييفها.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 59‌

..........

______________________________
القول بثبوت النجاسة بمطلق الظن استدل الحلبي على ما ذهب اليه من حجية مطلق الظن في إثبات النجاسة بابتناء الشرعيات على الظن، و قبح ترجيح المرجوح على الراجح، كما استدل له أيضا بجملة من الاخبار التي يستظهر منها الاكتفاء بالظن في إثباتها كالأخبار الناهية عن الصلاة في الثوب المشترى من النصراني [1] أو الذي أعاره [1] ممن يشرب الخمر حتى يغسله، إذ ليس ذلك إلا من جهة أنه مظنة النجاسة، لأنه في معرض ملاقاة بدن الكافر، أو شارب الخمر مع الرطوبة- غالبا.

(و فيه): أما دعواه ابتناء الشرعيات على الظن فان كان مراده بذلك انه لا يعتبر خصوص العلم في الشرعيات فهو و إن كان صحيحا، إلا انه لا تترتب عليه حجية مطلق الظن و لو كان من غير طريق معتبر لا في الأحكام، و لا في الموضوعات، بل غاية ما يترتب على ذلك حجية الظنون الخاصة. و ان كان مراده حجية مطلق الظن في الشرعيات فممنوع جدا، لعدم قيام دليل على ذلك إلا في خصوص الصلاة و القبلة. نعم لو تم دليل الانسداد‌

______________________________
[1] كصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السّلام (في حديث) قال: سألته عن رجل اشترى ثوبا من السوق للبس لا يدري لمن كان هل تصلح الصلاة فيه؟ قال: ان كان اشتراه من مسلم فليصل فيه، و ان اشترى من نصراني فلا يصل فيه حتى يغسله» (الوسائل ج 2 ص 1071 الباب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 1).

[1] كصحيحة عبد اللّه بن سنان قال: «سأل أبي أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يعير ثوبه لمن يعلم أنه يأكل اللحم البحري «الجري خ ل» و يشرب الخمر فيرده أ يصلي فيه قبل ان يغسله؟ قال:

لا يصلي فيه حتى يغسله» (الوسائل ج 2 ص 1095 الباب 74 من أبواب النجاسات، الحديث 2).

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 60‌

..........

______________________________
- كما تم عند بعض المتأخرين- كان الظن حجة مطلقا، إلا انه يتم في خصوص الأحكام الشرعية دون الموضوعات الخارجية، كالطهارة و النجاسة، و عليه لا ترفع اليد عن استصحاب الطهارة ما لم تقم أمارة معتبرة على خلافه.

و منه يعلم الجواب عما ذكره من قبح ترجيح المرجوح، إذ لا قبح فيه إذا كان لحجة معتبرة من أصل أو امارة، بل هو من ترجيح الراجح، و أما الاخبار المذكورة فهي معارضة في خصوص موردها بأقوى منها دلالة و أكثر عددا [1].

بل في بعض الروايات [1] التصريح بعدم اعتبار الظن بالنجاسة‌

______________________________
[1] و قد وردت روايات كثيرة صريحة في جواز لبس الثياب التي تعملها المجوس، و النصارى، و اليهود، و الصلاة فيها من دون غسل. (منها) رواية معاوية ابن عمار قال: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الثياب السابرية يعملها المجوس، و هم أخباث «إجناب خ ل» و هم يشربون الخمر، و نساؤهم على تلك الحال، ألبسها و لا اغسلها و أصلي فيها؟ قال: نعم. قال معاوية: فقطعت له قميصا و خططته و فتلت له أزرارا و رداء من السابري ثم بعثت بها إليه في يوم جمعة حين ارتفع النهار فكأنه عرف ما أريد فخرج بها الى الجمعة» (الوسائل ج 2 ص 1093 الباب 73 من أبواب النجاسات، الحديث 1).

و نحوها غيرها في نفس الباب المذكور، فراجع الحديث 2 و 3 و 5 و 7 و 9 و في الباب 84 الحديث 3.

و قد ورد ايضا جواز الصلاة في الثوب الذي أعاره الذمي من دون غسل. كصحيحة عبد اللّه بن سنان قال: «سأل أبي أبا عبد اللّه- ع- و انا حاضر اني أعير الذمي ثوبي و انا اعلم انه يشرب الخمر، و يأكل لحم الخنزير فيرده علي فأغسله قبل ان أصلي فيه؟ فقال أبو عبد اللّه- ع-: صل فيه و لا تغسله من أجل ذلك فإنك أعرته إياه و هو طاهر و لم تستيقن أنه نجسه فلا بأس ان تصلي فيه حتى تستيقن أنه نجسه».

(الوسائل ج 2 ص 1095 الباب 74 من أبواب النجاسات، الحديث 1).

[1] كحسنة الحلبي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: «إذا احتلم الرجل فأصاب ثوبه مني

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 61‌

..........

______________________________
فمقتضى الجمع بينها حمل تلك إما على الاستحباب، كما يستظهر من بعض الاخبار [1] أو على حصول العلم بالنجاسة في موردها أو على الاحتياط.

فظهر أن القول باعتبار الظن مطلقا ضعيف غايته.

القول باعتبار خصوص العلم و أما القول باعتبار خصوص العلم في إثبات النجاسة- كما ذهب اليه ابن البراج- فاستدل القائل به بأن الطهارة معلومة بالأصل، و شهادة الشاهدين لا تفيد إلا الظن، فلا يترك المعلوم بالمظنون. و يمكن الاستدلال له بالأخبار الدالة على عدم ثبوت النجاسة إلا بالعلم، كقوله عليه السّلام: «كل شي‌ء نظيف حتى تعلم انه قذر، فإذا علمت فقد قذر و ما لم تعلم فليس عليك» «1» و قوله عليه السّلام: «الماء كله طاهر حتى يعلم انه‌

______________________________
فليغسل الذي أصابه فإن ظن أنه أصابه مني و لم يستيقن و لم ير مكانه فلينضحه بالماء.» (الوسائل ج 2 ص 1022 الباب 16 من أبواب النجاسات الحديث 4).

و صحيحة زرارة قال: «قلت له أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شي‌ء من مني- الى ان قال- فان ظننت انه قد اصابه و لم أتيقن ذلك فنظرت فلم أر شيئا ثم صليت فرأيت فيه؟ قال: تغسل و لا تعيد الصلاة قلت: لم ذلك؟ قال: لأنك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت فليس ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك أبدا.» (الوسائل ج 2 ص 1053 الباب 37 من أبواب النجاسات، الحديث 1).

[1] كرواية ابي علي البزاز عن أبيه قال: «سألت جعفر بن محمد- ع- عن الثوب يعمله أهل الكتاب أصلي فيه قبل ان يغسل؟ قال: لا بأس و ان يغسل أحب إلي» (الوسائل ج 2 ص 1093 الباب 73 من أبواب النجاسات، الحديث 5).

______________________________
(1) الوسائل ج 2 ص 1054 الباب 37 من أبواب النجاسات، الحديث 4).

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 62‌

..........

______________________________
قذر»
«1» و قول أمير المؤمنين عليه السّلام: «ما أبالي أبول أصابني أو ماء إذا لم أعلم» «2».

(و الجواب): أما عن الدليل الأول فبأن الطهارة الثابتة بالأصل إنما هي طهارة ظاهرية ثابتة للشاك بالاستصحاب، أو بقاعدة الطهارة، و مع فرض حجية البينة يرتفع موضوع الأصل، لأنها إحراز تعبدي و إلا فلا تتقدم على شي‌ء من الأصول، و قل مورد لم يكن على خلافها أصل.

و أما عن الدليل الثاني- أعني الإخبار- فبان العلم المجعول غاية للطهارة في مثل هذه الروايات علم طريقي لا موضوعي. فتقوم الأمارات- البينة و خبر العدل و نحوهما- مقامه، لحكومة أدلتها على مثل ذلك، كما حرر في محله فيكون حال العلم المجعول غاية للطهارة الظاهرية كحال العلم المجعول غاية للحل الظاهري بقوله عليه السّلام: «كل شي‌ء يكون فيه حرام و حلال فهو لك حلال ابدا حتى تعرف الحرام منه.»‌

[1] في انه علم طريقي يقوم مقامه الأمارات و الأصول المحرزة. و إلا لانسد باب استنباط‌

______________________________
[1] الوسائل ج 16 ص 495 الباب 64 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 2، مع تصحيح في عدد أبواب الكتاب.

و مثله خبر عبد اللّه بن سليمان المروي في الوسائل ج 17 ص 90 الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 1. و خبر معاوية بن عمار، الحديث 7 في نفس الباب ص 92. و يقرب من هذا المضمون روايات أخر في البابين المذكورين، و في الباب 4 من أبواب ما يكتسب به من كتاب التجارة ج 12 ص 59.

______________________________
(1) الوسائل ج 1 ص 100 الباب 1 من أبواب الماء المطلق: الحديث 5.

(2) الوسائل ج 2 ص 1054 الباب 37 من أبواب النجاسات، الحديث 5.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 63‌

و بالبيّنة (1).

______________________________
الأحكام الشرعية، لعدم العلم الوجداني بها إلا في موارد قليلة، فظهر مما ذكرنا انه كما تثبت النجاسة بالعلم الوجداني تثبت بالعلم التعبدي أيضا، فإذا لا بد من ملاحظة ما ثبت اعتباره شرعا، و هي أمور. منها البينة- كما يأتي.

2- ثبوت النجاسة بالبيّنة

(1) قد عرفت آنفا انه لا ينحصر طريق ثبوت النجاسة بالعلم، كما انه لا تثبت بمطلق الظن، بل الصحيح- كما هو المشهور- ثبوتها بالعلم و بالأمارات المعتبرة شرعا. (منها): البينة، و هي حجة بلا اشكال، و إن خالف فيها بعضهم. و يقع الكلام في مدرك ذلك، و يستدل على حجيتها بأمور:

(أحدها): الإجماع- كما حكى عن النراقي و غيره- (و فيه): انه لم يعلم كونه إجماعا تعبديا، لاحتمال استناد المجمعين إلى سائر الوجوه الآتية، على انه يمكن المناقشة في تحققه، لوجود المخالف، و هو ابن البراج، فإنه نفى حجية البينة في المقام- كما عرفت- بل حكى الخلاف عن الشيخ و القاضي و الكاتب أيضا، فدعوى الإجماع في المقام ضعيف من وجهين.

(ثانيها): الأولوية القطعية المستفادة من حجية البينة في موارد الخصومات. و تقريبه أن يقال: انه لا اشكال و لا خلاف في حجيتها في تلك الموارد مع معارضتها لقول صاحب اليد و يده، ففي غير موارد الخصومات السالمة عن المعارض تكون حجة بالأولوية القطعية، و بهذا التقريب أراد القائل دفع ما أورد على عموم حجية البينة بحيث يشمل المقام، لعدم وجود عموم في ذيلها، لان قوله صلى اللّه عليه و آله: «إنما أقضي بينكم بالبينات و‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 64‌

..........

______________________________
الايمان»
«1» لا عموم فيه يشمل جميع الموضوعات الخارجية، و إنما هي مختصة بالخصومات و القضاء فيها، فدفع هذا الإيراد بالوجه المذكور. و إن شئت فقل في تقريبه: ان المتتبع في موارد اعتبار البينة لا يشك في عدم مدخلية خصوصيات تلك الموارد فيها، بل العبرة بكونها طريقا الى الواقع تعبدنا الشارع بها من دون لحاظ خصوصية في موردها. نعم أضاف قيودا في بعض المقامات لمصالح هناك، ككون الشهود أربعة في الزنا، و كون الشاهدين رجلين في الهلال، و هذا غير المبحوث عنه في المقام من ثبوت النجاسة بها.

(و فيه): منع واضح، إذ لا قطع بالأولوية، لأنا نحتمل أن تكون حجية البينة في مورد الخصومة لأجل قطع النزاع، و فصل الخصومة بها، إذ لولاه لاختل النظام، و وقع الهرج و المرج بين الناس، و من هنا كان اليمين حجة في باب المرافعات دون غيرها من الموضوعات، إذ لا نحتمل حجية اليمين في إثبات مثل النجاسة، و نحوها، فمن الجائز أن لا يكون الملاك في حجية البينة مجرد طريقيتها و كشفها عن الواقع، لوجود مزية أخرى فيها كما ذكرنا فيكون حال البينة حال اليمين في عدم إمكان التعدي بها عن باب المرافعات.

(الوجه الثالث): رواية مسعدة بن صدقة «2» عن أبى عبد اللّه عليه السّلام قال: «سمعته يقول: كل شي‌ء هو لك حلال حتى تعلم انه حرام بعينه، فتدعه من قبل نفسك، و ذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته، و هو سرقة، و المملوك عندك لعله حرّ قد باع نفسه، أو خدع فبيع قهرا، أو‌

______________________________
(1) الوسائل ج 18 ص 169 الباب 2 من أبواب كيفية الحكم و الدعاوي، الحديث 1 صحيحة هشام بن الحكم.

(2) الوسائل ج 12 ص 60 الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 65‌

..........

______________________________
امرأة تحتك، و هي أختك أو رضيعتك. و الأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك، أو تقوم به البينة».

فإنها قد دلت على انه لا رافع للحلية الثابتة في الأمثلة المذكورة فيها- الثوب و المملوك و الزوجة- إلا العلم بالخلاف، أو قيام البينة عليه، إلا أن هذه الموارد ذكرت من باب المثال، لصراحة قوله عليه السّلام في ذيلها: «و الأشياء كلها على هذا.» في عموم الحكم، فان كلمة «الأشياء» جمع محلى باللام و هو يفيد العموم- لا سيما إذا أكدت بلفظة «كل»- فتدل الرواية على ثبوت الحلية في جميع الأشياء الى أن يعلم الخلاف، أو تقوم البينة على ذلك.

فمقتضى عمومها حجية البينة في سائر الموضوعات- التي لها أحكام شرعية غير الأمثلة المذكورة- و منها النجاسة، لترتب جملة من الأحكام، كحرمة الشرب و الأكل، و عدم جواز الوضوء و الغسل عليها، فإذا قامت البينة على نجاسة شي‌ء تترتب الأحكام المذكورة.

و ربما يناقش في دلالتها: بأن مدلولها حجية البينة على الحرمة، لأن قيام البينة فيها إنما جعل غاية للحل الذي هو المراد من اسم الإشارة، و كونها حجة على الحكم لا يقتضي حجيتها على الموضوع.

و يندفع: بأن مورد الرواية من الشبهات الموضوعية التي تترتب عليها أحكام شرعية، و هو قرينة على ارادة قيام البينة على موضوع الحرمة- الذي هو منشأ الشبهة- ككون الثوب سرقة، و المملوك حرا، و المرأة أختا نسبا أو رضاعا، و جميع ذلك من الموضوعات التي تترتب عليها الحرمة، إلا أنه يحكم بالحلية في الأولين مع الشك بمقتضى اليد التي هي أمارة الملكية، و في الأخير بمقتضى استصحاب عدم تحقق النسب أو الرضاع، و يستمر على‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 66‌

..........

______________________________
ذلك الى أن يعلم بالحرمة، أو تقوم بها البينة باعتبار قيامها على موضوعها. و إلا فالبينة على الحكم لا تكون حجة قطعا، فلا بأس بدلالة الرواية على المطلوب.

و مما يؤيد عمومها رواية عبد اللّه بن سليمان «1» الواردة في الجبن:

«كل شي‌ء لك حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان ان فيه ميتة» إلا انها ضعيفة السند، و دلالتها أيضا لا تخلو عن المناقشة، لكن لا بأس بكونها مؤيدة للمطلوب، هذا.

و لكن الجواب عن هذا الوجه: هو أن رواية «مسعدة» و إن كانت ظاهرة الدلالة كما عرفت إلا انها ضعيفة السند، و إن وقع التعبير عنها بالموثقة في كلمات جملة من الأعلام، كالشيخ الأنصاري، و صاحب الحدائق و غيرهما، لعدم ثبوت وثاقته، بل ضعفه بعضهم كالمجلسي و العلامة، و غيرهما.

(و دعوى): الوثوق برواياته، لمطابقتها لروايات الثقات، و عدم الاضطراب في متنها (غير مسموعة): إذ شي‌ء من ذلك لا يوجب وثاقة الراوي التي هي الميزان في حجية الروايات، و لا الوثوق بصدورها.

و الصحيح في المقام أن يقال: انه لم يثبت للفظ «البينة» حقيقة شرعية في شهادة العدلين، و هي لغة بمعنى ما يتبين به الأمر و يظهر، لأنها من البيان بمعنى الظهور و الاتضاح، و إرادة خصوص شهادة العدلين إنما هي اصطلاح متأخر بين العلماء، أو كان ثابتا من الدور الأخير من زمن الأئمة الأطهار عليهم السّلام. و عليه لا موجب لحمل ما في الكتاب و السنة- لا سيما ما كان عن النبي صلّى اللّه عليه و آله- على ارادة خصوص ذلك، بل من المعلوم‌

______________________________
(1) الوسائل ج 17 ص 91 الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 2.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 67‌

..........

______________________________
عدمه في جملة من الآيات الشريفة. كقوله تعالى
فَقَدْ جٰاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ «1» و قوله تعالى إِنِّي عَلىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي «2» و قوله تعالى «حَتّٰى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ» «3» و قوله تعالى بِالْبَيِّنٰاتِ وَ بِالزُّبُرِ «4» الى غيرها من الآيات التي يراد من البينة فيها ما يتبين به الأمر- بمعنى الدليل و الحجة.

و مثلها ما عن النبي صلّى اللّه عليه و آله: «إنما أقضي بينكم بالبينات و الأيمان.» الحديث [1]- أى بالحجج و الايمان- و المراد: أنه إنما أقضي بينكم بذلك سواء طابقت الواقع أم لا، لا بما أعلمه من طريق النبوة، فلا يذهب أحدكم بمال أخيه ظلما و جورا، كما يظهر ذلك من ذيل هذه الرواية، و روايات أخر [2].

______________________________
[1] كما في صحيحة هشام بن الحكم عن ابي عبد اللّه (ع) قال: «قال رسول اللّه (ص): إنما أقضي بينكم بالبينات و الايمان، و بعضكم ألحن بحجته من بعض، فأيما رجل قطعت له من مال أخيه شيئا فإنما قطعت له به قطعة من النار» (الوسائل ج 18 ص 169 في الباب 2 من أبواب كيفية الحكم و أحكام الدعاوي، الحديث 1).

[2] كما في رواية عدي عن أبيه قال: «اختصم امرؤ القيس و رجل من حضرموت الى رسول اللّه في أرض، فقال: أ لك بينة؟ قال: لا، قال: فيمينه؟ قال: إذن و اللّه يذهب بأرضي، قال: ان ذهب بأرضك بيمينه كان ممن لا ينظر اللّه اليه يوم القيامة، و لا يزكيه، و له عذاب أليم، قال: ففزع الرجل وردها إليه» (الوسائل ج 18 ص 172 في الباب 3 من أبواب كيفية الحكم و أحكام الدعاوي،-

______________________________
(1) الانعام 6: 157.

(2) الانعام 6: 57.

(3) البينة 98: 1.

(4) الفاطر 35: 25.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 68‌

..........

______________________________
و عليه لا موجب لحمل البينة في كلامه صلّى اللّه عليه و آله- هذا- على إرادة شهادة العدلين- بعد ما عرفت من عدم ثبوت حقيقة شرعية لها في ذلك- و حيث انه لا دلالة له على تعيين الحجة عن غيرها، فلا بد في معرفتها من دليل خارج يدل عليه، لأنه إنما يدل على جواز القضاء بما يكون مفروغا عن حجيته، و ما يكون بينة في نفسه مع قطع النظر عن القضاء به، فإنه في مرتبة متأخرة عن حجية ما يقضى به. نعم لما ثبت من الخارج انه صلّى اللّه عليه و آله كان يقضى بشهادة العدلين علمنا انها كانت عنده من مصاديق الحجة، و حيث انه لا تقييد في الكلام باختصاص حجيتها بباب المرافعات نستكشف انها حجة على الإطلاق و لو في غير ذاك الباب.

و يؤيد ما ذكرنا مقابلة اليمين للبينة في الرواية المذكورة، فإن اليمين لا يكون حجة إلّا في باب الخصومات، فكأنه قال صلّى اللّه عليه و آله: أقضى بينكم بما يكون حجة مطلقا، و ما يكون حجة في خصوص باب الخصومات.

(و دعوى): ان مقتضى ذلك جواز القضاء بعلم الحاكم لأنه انكشاف للواقع و بينة عليه- بالمعنى المذكور- موكولة إلى محلها، و لعلنا نقول به إذا‌

______________________________
الحديث 7).

و في تفسير العسكري (ع) عن أمير المؤمنين (ع) قال: «كان رسول اللّه يحكم بين الناس بالبينات و الايمان في الدعاوي، فكثرت المطالبات و المظالم، فقال: ايها الناس إنما أنا بشر و أنتم تختصمون، و لعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، و انما أقضي على نحو ما اسمع منه، فمن قضيت له من حق أخيه بشي‌ء فلا يأخذنه، فإنما اقطع له قطعة من النار» (الوسائل ج 18 ص 169 في الباب 2 من الأبواب المذكورة، الحديث 3).

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 69‌

و بالعدل الواحد (1) على إشكال [1] لا يترك فيه الاحتياط.

______________________________
كان من أسباب عادية، لا بمثل الرمل و الجفر و نحوهما. فتدبر و اللّه الهادي و لم أجد من تمسك بهذا الوجه لحجية البينة، و هو غاية ما يمكننا إثبات حجيتها به على نحو العموم، فان تم، و إلا فلا دليل على اعتبارها بعنوان انها بينة في غير باب المرافعات من الموضوعات الخارجية كالطهارة و النجاسة، كما عرفت.

ثم لا يخفى ان الكلام في حجية البينة إنما يكون مع قطع النظر عن حجية خبر العدل، و الا فلا إشكال في حجيتها، لشمول أدلة حجيته لها لكن لا بعنوان أنها بينة بل بعنوان أنها خبر العدل، إذ لا فرق فيه بين أن يكون واحدا أم متعددا. نعم تظهر ثمرة النزاع في موارد المعارضة، إذ لو قلنا بحجية البينة بعنوانها تتقدم على جميع الأمارات و الأصول عدا الإقرار لأنها أقوى الأمارات، فلو أخبر ذو اليد بطهارة شي‌ء، و قامت البينة على نجاسته قدمت البينة، و هذا بخلاف ما إذا كانت حجة من باب خبر العدل، فإنها لا تتقدم على اخبار ذي اليد، كما يأتي.

3- ثبوت النجاسة بإخبار العدل

(1) اختلفوا في ثبوت النجاسة بخبر العدل على قولين، نسب الى المشهور عدم ثبوتها به، و عن جماعة القول بالثبوت، و هو الأقوى. و العمدة في ذلك هي ما أثبتنا به حجيته في الأحكام، و هي السيرة العقلائية المستمرة على العمل بخبر الثقة في أمور معاشهم و معادهم في الموضوعات و الأحكام‌

______________________________
[1] جاء في تعليقته (دام ظله): «الأظهر ثبوتها به بل لا يبعد ثبوتها بمطلق قول الثقة و ان لم يكن عدلا».

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 70‌

..........

______________________________
من دون ردع من الشارع، فإذا ثبتت حجيته في الأحكام بذلك مع اهتمام الشارع بها كان حجيته في الموضوعات أولى، ثم ان السيرة قد استقرت على مجرد كون المخبر ثقة متحرزا عن الكذب- كما أشرنا- فلا نعتبر العدالة في المخبر، و لا حصول الوثوق الفعلي من خبره، بل يكفى كون المخبر ثقة متحرزا عن الكذب و إن لم يكن عدلا أو إماميا.

(و قد يتوهم): ردع الشارع عن السيرة المذكورة بمفهوم الحصر الوارد في ذيل رواية مسعدة المتقدمة «1» لأنه عليه السّلام قد حصر غاية الحلية الثابتة للأشياء في استبانة الحرمة، أو قيام البينة على ذلك، حيث قال عليه السّلام: «و الأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك، أو تقوم به البينة» و خبر العدل أو الثقة ليسا منهما.

(و يندفع): بأنها لا تصلح للرادعية سندا و دلالة أما السند فلما تقدم «2» من ضعفه، و أما الدلالة فلأن الحصر فيها إضافي بلحاظ مورد الرواية، و ذلك من جهة أن خبر الثقة لا يكون حجة فيما إذا كان معارضا ليد المسلم، أو قول صاحب اليد، أو فعله، فلو أخبر ذو اليد بطهارة شي‌ء- مثلا- و أخبر الثقة بنجاسته قدم قول صاحب اليد، نعم لو لم يكن له معارض كان حجة، كما هو حاله في باب المرافعات و الخصومات، حيث لا يقدم فيها على الأمور المذكورة إلا البينة، و الأمثلة المذكورة في الرواية من هذا القبيل لأن منشأ الحلية في الثوب و العبد هو قول ذي اليد، و لا يرفع اليد عن هذه الحلية إلا بالعلم بالحرمة، أو قيام البينة عليها، فالحصر إنما يكون بلحاظ مورد‌

______________________________
(1) في الصفحة 64.

(2) في الصفحة 66.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 71‌

..........

______________________________
الرواية لا مطلقا، فكأنه قال عليه السّلام: ما يرتفع به حلية الأشياء منحصر في أمرين العلم بالحرمة، أو قيام البينة عليها، إذ لو كانت من موارد المعارضة قدمت البينة على معارضها، و إن لم تكن من مواردها كانت البينة حجة بلا معارض. هذا على أنه يمكن أن يقال بشمول البينة لخبر الثقة أيضا، لما ذكرناه
«1» آنفا من عدم ثبوت حقيقة شرعية للفظ البينة في شهادة العدلين، بل هي على معناها اللغوي بمعنى الحجة، فلو أثبتنا حجية خبر الثقة بالسيرة كان هو ايضا من مصاديق البينة، و لا تصلح هذه الرواية للردع عنها، لأنها لا تتعرض لحال المصاديق الخارجية نفيا، أو إثباتا- كما عرفت.

و بالجملة: لا يمكن الاستدلال على ردع السيرة بهذه الرواية، بل قد يستفاد من بعض الأخبار الواردة في أبواب متفرقة إمضائهم عليهم السلام لها و تقريرهم للعرف على الأخذ بها، و هي و إن لم تصلح للاستدلال- كما صنع في الحدائق- «2» أما لضعف السند أو الدلالة، لأن غاية ما يثبت بها حجية خبر العدل أو الثقة في تلك الموارد الخاصة، إلا انه لا بأس بكونها مؤيدة للمطلوب.

(منها): رواية هشام بن سالم [1] الواردة في ثبوت عزل الوكيل بخبر‌

______________________________
[1] عن هشام بن سالم عن ابي عبد اللّه- ع- (في حديث): «ان الوكيل إذا وكل ثم قام عن المجلس فأمره ماض ابدا، و الوكالة ثابتة حتى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة يبلغه أو يشافه بالعزل عن الوكالة» (الوسائل ج 13 ص 288 في الباب 3 من كتاب الوكالة، الحديث 1) موثق.

______________________________
(1) في الصفحة 66.

(2) في الجزء الخامس ص 125 طبع النجف عام 1378.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 72‌

..........

______________________________
الثقة. و (منها) رواية إسحاق بن عمار [1] الواردة في ثبوت الوصية بخبر مسلم صادق- و هو الثقة. و (منها) رواية سماعة [2] فيمن تزوج امرأة، و ادعى رجل انها زوجته فقال عليه السّلام: «إن كان ثقة فلا يقربها».

(و منها) الأخبار [3] الواردة في جواز وطء الأمة إذا كان البائع ثقة قد أخبر بالاستبراء.

(و منها) الأخبار «4» الواردة في جواز التعويل على أذان الثقة، العارف بدخول الوقت.

و أما آية النبإ فدلالتها على حجية خبر العدل لا تخلو عن مناقشة- كرناها في الأصول- فلو سلمت عنها لدلت على حجيته في الموضوعات، كما‌

______________________________
[1] عن إسحاق بن عمار عن ابي عبد اللّه- ع- قال: «سألته عن رجل كانت له عندي دنانير، و كان مريضا، فقال لي ان حدث بي حدث فأعط فلانا عشرين دينارا، و أعط أخي بقية الدنانير، فمات و لم اشهد موته، فأتاني رجل مسلم صادق، فقال لي: انه أمرني أن أقول لك انظر الدنانير التي أمرتك ان تدفعها الى أخي، فتصدق منها بعشرة دنانير اقسمها في المسلمين، و لم يعلم أخوه ان عندي شيئا؟

فقال: «ارى ان تصدق منها بعشرة دنانير» (الوسائل ج 13 ص 482 في الباب 97 من كتاب الوصية، الحديث 1) موثق.

[2] عن سماعة قال: «سألته عن رجل تزوج امة (جارية خ ل) أو تمتع بها، فحدثه رجل ثقة أو غير ثقة فقال: ان هذه امرأتي، و ليست لي بينة؟ فقال: «ان كان ثقة فلا يقربها، و ان كان غير ثقة فلا يقبل» (الوسائل ج 14 ص 226 في الباب 23 من أبواب عقد النكاح، و أولياء العقد، الحديث 2) موثق.

[3] حفص بن البختري عن ابي عبد اللّه- ع-: «في الرجل يشتري الأمة من رجل، فيقول إني لم أطأها؟ فقال: ان وثق به فلا بأس ان يأتيها. الحديث» (الوسائل ج 14 ص 503 في الباب 6 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث 1) الظاهر انها حسنة، و نحوها غيرها في نفس الباب.

______________________________
(4) راجع الوسائل ج 4 ص 618 في الباب 3 من أبواب الأذان و الإقامة.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 73‌

و بقول ذي اليد (1) و إن لم يكن عادلا.

______________________________
تدل على حجيته في الأحكام.

فتحصل: انه لا ينبغي التأمل في حجية خبر الثقة، فضلا عن أن يكون عدلا، و إن كان الاحتياط حسنا.

4- إخبار ذي اليد بالنجاسة

(1) كما عن المشهور بل في الحدائق «1»: «إن ظاهر الأصحاب الاتفاق على قبول قول المالك في طهارة ثوبه، و إنائه، و نحوهما، و نجاستهما» و هذا هو الصحيح، و عمدة دليلنا السيرة القطعية على معرفة حال الأشياء من إخبار المستولي عليها، لأنه أعرف من غيره بحال ما في يده، و هذا من دون فرق بين أن يكون ذو اليد عادلا أم لا، لقيام السيرة على قبول قوله و إن كان فاسقا. بل الظاهر انه لا فرق في قبول قوله بين أن يكون ذو اليد مالكا أم لا، كالوكيل، و المستأجر، و المستعير، و نحوهم. بل لا يبعد قبول قول المستولي على الشي‌ء غصبا، لتحقق الملاك- و هو الاستيلاء- في جميع ذلك، إذ لا مدخلية للملك، أو الإذن الشرعي في قبول قول صاحب اليد بالإضافة الى ما تحت يده، لأن مجرد الاستيلاء كاف في قبول قوله. بل لا يبعد قبول قول أمهات الأولاد، و مربياتهم، فيقبل إخبارهن بنجاسة ثيابهم، و أبدانهم و طهارتها، لتحقق الاستيلاء في أمثال هذه الموارد أيضا.

______________________________
(1) الجزء الخامس ص 252 طبع النجف عام 1378 ه‍.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 74‌

..........

______________________________
إخبار ذي اليد بالطهارة بل يمكن الاستيناس لحجية إخباره بالطهارة بعموم التعليل الوارد في حجية اليد في باب الملكية، و جواز الشهادة بالملك استنادا اليه من انه «لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق» [1].

فان المستفاد من التعليل ان كل ما يستلزم ان لا يبقى معه سوق للمسلمين فهو منفي، فإذن لا بد من الالتزام بحجية اليد في باب الطهارة، و إلا لم يجز شراء الخبز و اللبن و غيرهما مما تصيبه يد البائع، لاستصحاب نجاسة يده المعلومة في الاستنجاء و غيره و معه يحكم بنجاسة تلك الأشياء، و يتوقف المسلمون عن شرائها. على انه إذا لم تكن اليد حجة اختل النظام و لم يبق لهم سوق و لا غيره لجريان استصحاب النجاسة في كثير من الأشياء، كبدن الأشخاص و ثيابهم و أوانيهم و فرشهم و غير ذلك مما يكثر الابتلاء به عند المعاشرة مع الناس في كل يوم مرة أو مرات، للعلم القطعي بملاقاة هذه الأشياء للنجاسة و لو مرة واحدة في تمام المدة، و هكذا الكلام في لحوم الذبائح و جلود الحيوانات و أصوافها، فإن الغالب ملاقاتها للدم الخارج من‌

______________________________
[1] كما في رواية حفص بن غياث عن ابي عبد اللّه- ع- قال: «قال له رجل إذا رأيت شيئا في يدي رجل يجوز لي ان اشهد انه له؟ قال: نعم. قال الرجل: أشهد انه في يده و لا أشهد انه له فلعله لغيره؟! فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام: أ فيحل الشراء منه؟ قال: نعم. فقال أبو عبد اللّه- ع-: فلعله لغيره فمن اين جاز لك ان تشتريه، و يصير ملكا لك ثم تقول بعد الملك: هو لى، و تحلف عليه، و لا يجوز ان تنسبه الى من صار ملكه من قبله إليك! ثم قال أبو عبد اللّه- ع-: لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق» ضعيفة.

(الوسائل ج 18 ص 215 الباب 25 من أبواب كيفية الحكم و أحكام الدعوى، الحديث 2).

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 75‌

..........

______________________________
الذبيحة، و مع الشك في طرو المطهر يستصحب النجاسة في جميع ذلك الى أن يعلم بالمزيل، و ليس في البين سوى أخبار ذي اليد بالتطهير، أو فعله المستلزم لاخباره بذلك بحيث لو لم يعمل بقوله لوقع الناس في الحرج و المشقة الشديدة، لوجوب الاجتناب عن أكثر الأشياء التي بأيدي الناس، فاليد في باب الطهارة أولى بالحجية من اليد في باب الملكية.

و قد استدل في الجواهر «1» لحجية قول ذي اليد بالطهارة بالأخبار «2» المتضافرة الدالة على طهارة ما يوجد في أسواق المسلمين من الجلود، و اللحوم، و نحوهما.

(و فيه) أنها أخص من المدّعى، لأنّها واردة لدفع احتمال طرو النجاسة ابتداء، لا لإثبات الطهارة بعد العلم بالنجاسة الذي هو مجرى استصحابها.

هذا كله في إخبار ذي اليد بالطهارة.

حجية قول ذي اليد بالنجاسة، و دلالة الأخبار عليها و اما إخباره بالنجاسة فيدل على حجيته- مضافا الى السيرة- الأخبار [1] الواردة في بيع الدهن المتنجس، الدالة على وجوب إعلام‌

______________________________
[1] منها موثقة أبي بصير قال: «سألت أبا عبد اللّه- ع- عن الفارة تقع في السمن، أو في الزيت فتموت فيه؟ فقال: ان كان جامدا فتطرحها، و ما حولها، و يؤكل ما بقي. و ان كان ذائبا فأسرج به و

______________________________
(1) ج 6 ص 180 طبع النجف عام 1379 ه‍.

(2) المروية في الوسائل ج 2 ص 1071 في الباب 50 من أبواب النجاسات.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 76‌

..........

______________________________
المشترى بنجاسة الدهن المبيع، ليستصبح به، و لا يأكله. فإن وجوب الإعلام على البائع ملازم لوجوب عمل المشترى بقوله- و هو معنى الحجية- و إلا كان إخباره بالنجاسة لغوا، لأن مقتضى الأصل في المبيع المحتمل نجاسته الطهارة.

و ربما يناقش [1] في دلالتها: بأن وجوب الاعلام لعله لدفع التسبيب الى وقوع المشترى في الحرام بأكله النجس، و بمجرد الاعلام لا يكون مسببا الى شربه، و مع هذا الاحتمال يسقط الروايات عن الدلالة على حجية إخبار البائع بالنجاسة.

و يندفع: بأن سكوت البائع إنما يكون تسبيبا فيما إذا كان إخباره بالنجاسة حجة، و إلا كان الاعلام و عدمه سيان في أن الوقوع في الحرام يستند الى ترخيص الشارع في ارتكاب المشترى ما يحتمل نجاسته بلا دخل لسكوت البائع و عدم إعلامه بالنجاسة، على انه قد جعلت في الروايات‌

______________________________
أعلمهم إذا بعته».

(و منها) موثقة معاوية بن وهب: «عن ابي عبد اللّه- ع- في جرذ مات في زيت ما تقول في بيع ذلك؟ فقال: بعه، و بينه لمن اشتراه ليستصبح به».

(و منها) رواية إسماعيل بن عبد الخالق: «عن ابي عبد اللّه- ع- (في حديث) و اما الزيت فلا تبعه إلا لمن تبين له، فيبتاع للسراج.». (الوسائل ج 12 ص 66 في الباب 6 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 3 و 4 و 5).

[1] المناقش هو الشيخ المحقق الأصفهاني «قده» في رسالته المعمولة في قاعدة اليد حينما استدل بهذه الأخبار لحجية اخبار ذي اليد بالنجاسة فراجع ذيل (المجلد الثالث من نهاية الدراية في شرح الكفاية ص 349).

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 77‌

..........

______________________________
الغاية من الاعلام الاستصباح بالدهن، و هو يناسب حجية قول البائع لا دفع التسبيب عنه فاذن لا ينبغي الإشكال في دلالتها على المطلوب. و هذه الأخبار أولى من غيرها التي استدل بها على حجية قول ذي اليد بالنجاسة، لأنها لا تخلو عن النقاش سندا أو دلالة، كما يأتي فيما يلي.

(منها) موثقة عبد اللّه بن بكير «1» قال: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل أعار رجلا ثوبا، فصلى فيه، و هو لا يصلى فيه؟ قال:

لا يعلمه. قال: قلت: فإن أعلمه؟ قال: يعيد».

بدعوى: أن النهى عن اعلام صاحب الثوب يدل على وجوب قبول قوله، و إلا كان النهى لغوا، و من هنا أمر عليه السّلام بالإعادة لو أعلمه.

إلا انه لا يمكن العمل بمضمونها، لدلالتها على خلاف ما هو التحقيق و المتسالم عليه بين الأصحاب من عدم وجوب إعادة الصلاة مع الجهل بالنجاسة لدلالة جملة من النصوص المعتبرة على ذلك.

كصحيحة العيص بن قاسم «2» الواردة في نفس المضمون، الدالة على عدم الوجوب. قال: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل صلى في ثوب رجل أياما، ثم ان صاحب الثوب أخبره انه لا يصلى فيه؟ قال: لا يعيد شيئا من صلاته».

«و احتمال» كون المانع في الأولى غير النجاسة من موانع الصلاة، و في الثانية النجاسة.

______________________________
(1) الوسائل ج 2 ص 1069 في الباب 47 من أبواب النجاسات، الحديث 3.

(2) الوسائل ج 2 ص 1060 في الباب 40 من أبواب النجاسات، الحديث 6 و الباب 47 ج 2 ص 1069 الحديث 4.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 78‌

..........

______________________________
«يدفعه» ترك الاستفصال إن لم تكن ظاهرة في كون المانع النجاسة أيضا، و من هنا التجأوا الى حمل الاولى على الاعلام قبل الصلاة، أو على الاستحباب، و الثانية على الاعلام بعدها، أو على نفى الوجوب.

(و منها) الأخبار «1» الدالة على جواز شرب البختج إذا أخبر ذو اليد بأنها قد طبخت على الثلث.

(و فيه) انها تدل على الجواز من حيث الحلية لا الطهارة، لأن الأقوى عدم نجاسة العصير بالغليان- كما يأتي ان شاء اللّه تعالى.

(و منها) غيرها من الروايات التي استدل بها لذلك، و لا نطيل المقام بذكرها، لأنها غير خالية عن النقاش، فالعمدة في إثبات حجية إخبار ذي اليد بالنجاسة إنما هي الأخبار الواردة في بيع الدهن المتنجس- كما عرفت- في إثبات حجيته مطلقا- سواء الطهارة أو النجاسة- السيرة المستمرة.

نعم ربما يستثني من حجية اخبار ذي اليد بالطهارة ما إذا كان إخباره موردا للتهمة مستدلا بما ورد من المنع عن شرب العصير إذا أخبر ذو اليد بذهاب ثلثيه، و هو يشربه على النصف- عصيانا أو اعتقادا بالحلية في هذا الحد.

كصحيح معاوية بن عمار «2» قال: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل من أهل المعرفة بالحق يأتيني بالبختج، و يقول: قد طبخ على الثلث و أنا أعرف أنه يشربه على النصف، أ فأشربه بقوله و هو يشربه على النصف؟

فقال: لا تشربه قلت: فرجل من غير أهل المعرفة ممن لا نعرفه يشربه على و‌

______________________________
(1) المروية في الوسائل ج 17 ص 233 في الباب 7 من أبواب الأشربة المحرمة.

(2) الوسائل ج 17 ص 234 في الباب 7 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث 4.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 79‌

لا يثبت بالظن المطلق (1) على الأقوى.

[ (مسألة 7) إذا أخبر ذو اليد بنجاسته، و قامت البيّنة على الطهارة]

(مسألة 7) إذا أخبر ذو اليد بنجاسته، و قامت البيّنة على الطهارة قدمت البيّنة (2)

______________________________
الثلث، و لا يستحله على النصف، يخبرنا ان عنده بختجا على الثلث و قد ذهب ثلثاه، و بقي ثلثه، يشرب منه؟ قال: نعم».

بل في بعضها [1] اعتبار الايمان و الورع، هذا. و لكن فيه نظر لأن الاستدلال بها على المطلوب مبنى على القول بنجاسة العصير بالغليان، و لا نقول بها- كما سيأتي في محله إن شاء اللّه تعالى- فعليه تكون الأخبار المذكورة خارجة عما هو محل الكلام، فلا تصلح لأن تكون مخصصة لحجية اخبار ذي اليد بالطهارة، لأن غايتها الدلالة على عدم حجية قول ذي اليد في اخباره بحصول شرط الحلية- اعنى ذهاب الثلثين- لو كان المخبر متهما في ذلك لشربه العصير على النصف، و لا يبعد الالتزام بالتخصيص في خصوص هذا المورد، للنص المذكور من دون تعد الى غيره.

(1) تقدم الكلام في ذلك، و قلنا: انه لا دليل على حجية مطلق الظن لا في باب النجاسات، و لا غيرها و إن ذهب اليه بعضهم في خصوص النجاسات.

تعارض خبر ذي اليد مع البيّنة

(2) يشترط في تقديم البيّنة على خبر ذي اليد أن يعلم، أو يحتمل‌

______________________________
[1] كموثقة عمار عن ابي عبد اللّه- ع- (في حديث): «انه سئل عن الرجل يأتي بالشراب، فيقول مطبوخ على الثلث؟ قال: ان كان مسلما ورعا، مؤمنا، فلا بأس ان يشرب» (الوسائل ج 17 ص 235 في الباب 7 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث 6).

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 80‌

..........

______________________________
استناد البينة إلى العلم، و إلا لم تكن حجة بما هي بينة- كما أشرنا في التعليقة [1].

أما وجه تقديم البيّنة على اخبار ذي اليد مع الشرط المذكور فهو ان عمدة الدليل على حجية خبره هي السيرة، و القدر المتيقن منها هو ما إذا لم تعارضه بينة على خلافه، فيكون اعتباره في صورة المعارضة بلا دليل.

بل مقتضى إطلاق ما دل على اعتبار البينة من قوله صلّى اللّه عليه و آله:

«إنما أقضي بينكم بالبينات و الايمان»- على التقريب المتقدم «2»- قيام الدليل على سقوطه عند معارضة البينة معه، لأن مقتضى إطلاق الحديث تقدم البينة على خبر ذي اليد بشي‌ء لا خصومة فيه، كما تتقدم عليه عند الخصومة، إذ قل مورد في الخصومات لم تكن البينة فيها معارضة بدعوى ذي اليد. هذا كله مبنى على اعتبار البينة بما هي بينة- كما هو الصحيح.

و أما لو قلنا باعتبارها من باب حجية خبر العدل فلا تتقدم على خبر ذي اليد، لأن عمدة الدليل على حجية خبر العدل، أو الثقة هي السيرة أيضا و لا تشمل صورة معارضته باخبار ذي اليد، بل الأمر بالعكس لقيام السيرة على الأخذ بقول ذي اليد، و ضم خبر العدل الى مثله لا يوجب اقوائيته في الحجية.

______________________________
[1] في تعليقته (دام ظله) على قول المصنف «ره» «قدمت البيّنة»: (هذا إذا علم أو احتمل استناد البينة إلى العلم (الحس أو ما بحكمه)، و إلا لم تكن حجة بما هي بيّنة، و حينئذ يقدم اخبار ذي اليد عليها، و بذلك يظهر الحال في بقية المسألة).

______________________________
(2) في ص 69- 70.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 81‌

و إذا تعارض البيّنتان تساقطتا (1) إذا كانت بينة الطهارة مستندة الى العلم، و إن كانت مستندة الى الأصل تقدم بيّنة النجاسة.

______________________________
و يؤيد [1] ذلك عدم حجية خبر العدل الواحد- جزما- إذا أخبر بغصبية ما في يد غيره.

و ما ذكرناه ثمرة مهمة تبتنى على حجية البينة بعنوانها، أو بعنوان خبر العدل.

هذا كله بالإضافة إلى أصل تقديم البينة على قول ذي اليد، و اما اشتراطه بما إذا علم، أو احتمل استناد البينة إلى العلم فيظهر وجهه فيما نذكره في تعارض البينتين بعيد هذا، ان شاء اللّه تعالى.

تعارض البيّنتين

(1) صور تعارض البينتين- فيما إذا قامت إحداهما على نجاسة شي‌ء، و الأخرى على طهارته- ثلاث، لأنهما إما ان تستندا الى العلم الوجداني، أو ما يقوم مقامه من الأمارات المعتبرة أو الى الأصل العملي- بناء على جواز الاستناد إليه في الشهادة على ما بحثنا عنه في المكاسب في بحث خيار العيب- و تكونا مختلفتين في المستند بأن تستند إحداهما إلى العلم أو العلمي و الأخرى الى الأصل العملي.

أما الصورة الأولى: فتقع المعارضة بينهما، و تسقطان معا عن الحجية كما هو مقتضى القاعدة الأولية في جميع الأمارات المتعارضة، من دون فرق‌

______________________________
[1] وجه كونه مؤيدا لا دليلا هو احتمال ان يكون تقدم قول ذي اليد في المثال من أجل تقدم اليد- التي هي أمارة الملكية- على خبر العدل الواحد، لا من أجل تقدم قول ذي اليد عليه و لو في غير مورد الملك- كالطهارة و النجاسة.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 82‌

..........

______________________________
بين قيامها على الأحكام الكلية، أو الجزئية، أو الموضوعات الخارجية- كما قرر في محله- و الاخبار العلاجية غير شاملة للمقام، كما لا فرق بين أن يكون مدركهما العلم الوجداني- كما هو ظاهر كل بينة ما لم تصرح بمدرك شهادتها، أو فرض التصريح به- أو كان مدركهما أمارة معتبرة، كاخبار ذي اليد و نحوه و بعد التساقط لا بد و ان يرجع الى غيرهما مما يدل على طهارة الشي‌ء أو نجاسته كاخبار ذي اليد إن كان، و إلا فإلى الاستصحاب ان تم أركانه، و إلا فإلى قاعدة الطهارة.

و مما ذكرنا يظهر الحال في (الصورة الثانية) و هي ما إذا استندتا معا الى الأصل العملي، لأنهما في هذه الصورة أيضا تسقطان بالمعارضة، لعدم الترجيح. هذا إذا اتحد سنخ الأصل فيهما- كما إذا استند كل من بينتي الطهارة و النجاسة إلى الاستصحاب- و أما لو استندت بينة الطهارة إلى قاعدتها، و بينة النجاسة إلى استصحابها قدمت بينة النجاسة، لأن بينة الطهارة لا تكون حجة في نفسها، فان موضوع القاعدة محرز عند المشهود له وجدانا، فلا معنى لثبوته بالتعبد. على انه مع الإغماض عنه كان الاستصحاب حاكما. و ان شئت فقل: ان المشهود به لبينة النجاسة حينئذ هي النجاسة الواقعية المحرزة لديها بالاستصحاب، و مع ثبوتها لدى المشهود عنده بقيام البينة عليها كذلك لا يبقى موضوع للبينة الأخرى القائمة على الطهارة الظاهرية الثابتة بقاعدتها، اللهم الا ان تكون البينة المستندة إلى أصالة الطهارة نافية للنجاسة السابقة فحينئذ تتقدم بينة الطهارة، و الوجه فيه ظاهر.

و أما الصورة الثالثة- و هي ما إذا استند احدى البينتين الى العلم، أو أمارة معتبرة، و الأخرى الى الأصل- فتقدم فيها الاولى على الثانية،

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 83‌

[ (مسألة 8) إذا شهد اثنان بأحد الأمرين]

(مسألة 8) إذا شهد اثنان بأحد الأمرين، و شهد أربعة بالاخر يمكن، بل لا يبعد [1] تساقط الاثنين بالاثنين، و بقاء الآخرين (1).

______________________________
لحكومة الأمارات على الأصول مطلقا. و بعبارة أخرى: إذا ثبت لدى المشهود عنده الطهارة أو النجاسة الواقعيتين بقيام البينة المخبرة عن الواقع علما أو ظنا معتبرا لم يبق مجال للبينة المعارضة المستندة إلى الأصل العملي، إذ مع إحراز الواقع بالأولى يرتفع موضوع الثانية.

و مما ذكرنا ظهر وجه تقديم قول ذي اليد على البينة لو كانت مستندة الى الأصل، كما ظهر صحة ما ذكره المصنف (قده) في المقام و ان لم يصرح ببعض الشقوق.

تعارض بيّنة مع بيّنتين

(1) و الوجه في ذلك هو (توهم) تحقق التعارض بين العددين المتكافئين و بقاء الزائد بلا معارض، فيكون حجة على ما قام عليه من الطهارة أو النجاسة (و يندفع) بأنه لا تعين للمعارض عن غير المعارض حتى يطرح، و يؤخذ بغيره، بل نسبة دليل الحجية إلى الجميع على حد سواء، فتقع المعارضة بين الأربعة جميعها مع الاثنين. و بعبارة أخرى: موضوع دليل الحجية هو طبيعي شهادة العدلين سواء تحقق في ضمن اثنين أو أكثر، فإذا اختلفت مصاديقها في المشهود عليه تقع المعارضة لا محالة، كما هو الحال في جميع الأمارات المتعارضة منها الروايات، فإنه لم يتوهم أحد تساقط العدد المتكافأ فيها، و بقاء الزائد بلا معارض، فإن كثرة عدد روايات أحد‌

______________________________
[1] و في تعليقته (دام ظله) على قول المصنف «قده» «بل لا يبعد»: (بل هو بعيد جدا).

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 84‌

..........

______________________________
الطرفين لا توجب سقوط المعارضة، و العمل بالزائد، و لا يظن بالمصنف أن يلتزم بذلك هناك، و الترجيح بالشهرة هناك ليس بمعنى الترجيح بكثرة عدد روايات أحد الطرفين، إذ هي بمعنى الظهور و الوضوح، مأخوذ من شهر السيف إذا سله و أظهره. مضافا إلى أن الترجيح بها مختص بالروايات المتعارضة، لا جميع الأمارات حتى البينات القائمة على الموضوعات الخارجية.

و أما ما ورد في بعض الروايات [1] في باب القضاء- فيما إذا ادعى أحد مالا في يد آخر، و أقام بينة، و أقام من في يده المال بينة أخرى على انه له- ن انه يقدم قول من كان شهوده أكثر من الطرف الآخر مع اليمين فهو من باب تقدم قول أحد المتخاصمين باليمين لا بكثرة الشهود، و إلا لم تكن حاجة الى اليمين. نعم: تدل هذه الروايات على أن كثرة الشهود تكون مرجحة لطلب اليمين ممن كان شهوده أكثر، و هذا غير ما نحن فيه- من سقوط احدى البينتين عن الحجية بمجرد كثرة عدد الأخرى، بحيث لا تحتاج الى مثبت آخر للدعوى كاليمين- و من هنا ورد في بعض [1] تلك الروايات‌

______________________________
[1] كموثقة أبي بصير قال: «سألت أبا عبد اللّه عن الرجل يأتي القوم فيدعى دارا في أيديهم، و يقيم البينة، و يقيم الذي في يده الدار البينة أنه ورثة عن أبيه، و لا يدري كيف كان أمرها؟ قال: أكثرهم بينة يستحلف و تدفع اليه. الحديث» (الوسائل ج 18 ص 181 في كتاب القضاء في الباب 12 من أبواب كيفية الحكم و أحكام الدعوى، الحديث 1).

[2] كصحيحة الحلبي قال: «سئل أبو عبد اللّه- ع- عن رجلين شهدا على أمر، و جاء آخران فشهدا على غير ذلك فاختلفوا؟ قال: يقرع بينهم، فأيهم قرع فعليه اليمين، و هو اولى بالحق».

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 85‌

[ (مسألة 9) الكرية تثبت بالعلم و البيّنة]

(مسألة 9) الكرية تثبت بالعلم و البيّنة (1) و في ثبوتها بقول صاحب اليد وجه [1] و إن كان لا يخلو عن إشكال (2)

______________________________
انه لو كان عدد شهود الطرفين سواء يقرع بينهم على أيهم يصير اليمين، فالأكثرية في الشهود مرجحة لطلب اليمين لا لإحدى البينتين على الأخرى.

نعم لو كانت الكثرة في إحديهما على نحو أوجبت العلم أو الاطمئنان بكذب الأخرى أو خطائها سقطت عن الحجية، إلا أن هذا من جهة العلم بالخطإ لا من جهة مجرد الأكثرية.

ثبوت الكرية بالعلم و البيّنة

(1) لعموم دليل اعتبار البينة لمطلق الموضوعات الخارجية على البيان المتقدم «2» فيكون حالها حال العلم.

عدم ثبوت الكرية بقول ذي اليد

(2) إذ لم يرد فيه نص خاص، كما انه لم يثبت سيرة من المتشرعة على العمل بأخبار ذي اليد بالكرية، لعدم ابتلاء الناس في أعصار الأئمة الأطهار صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين؟؟؟ بالكر، كما هو محل الابتلاء في مثل‌

______________________________
و رواية عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه- ع- قال: «كان علي- ع- إذا أتاه رجلان بشهود عدلهم سواء و عددهم أقرع بينهم على أيهما تصير اليمين. الحديث» (الوسائل ج 18 ص 183 و ص 185 في كتاب القضاء في الباب المتقدم، الحديث 11 و 5).

فقه الشيعة - كتاب الطهارة؛ ج‌2، ص: 85

[1] في تعليقته (دام ظله): «لكنه ضعيف».

______________________________
(2) في ص 69- 70.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 86‌

..........

______________________________
زماننا بحياض الماء في الدور و نحوها، لأن أكثر المياه كانت حينذاك مياه قليلة يدخرها الناس في البيوت للشرب و الاستعمال، فلم تكن كثرة الابتلاء بالكر على نحو لو لم يكن إخبار ذي اليد عنه حجة لدى الشارع كان سكوته عن الردع قبيحا بحيث يستكشف إمضاءه لسيرتهم العملية على ذلك، كما استكشفناه في الطهارة و النجاسة- على ما تقدم- لكثرة ابتلاء الناس بهما من أول زمان التشريع. بل ذكرنا ان في بعض الأخبار أيضا كفاية في إثبات حجية اخبار ذي اليد بالنجاسة، لصحته سندا و دلالة، فلا يمكن قياس الكرية على الطهارة و النجاسة.

و أما (دعوى) ان السيرة العملية و إن لم تكن ثابتة إلا أن السيرة الارتكازية على عدم الفرق بين الكرية و النجاسة و غيرهما محققة، إذ لا فرق في نظر المتشرعة بين الكرية و غيرها في جواز الاعتماد على خبر ذي اليد عنها بحيث لو كان الكر موجودا، و أخبر عنه ذو اليد كان اخباره مقبولا عندهم كما هو مقبول في اخباره عن الطهارة و النجاسة، و السيرة الارتكازية حجة كالسيرة العملية. و هذا نظير ما ادعاه الشيخ (قده) من الإجماع التقديري على حجية الظن المطلق بدليل الانسداد لو تمت مقدماته.

(فمندفعة) بأن السيرة الارتكازية ما لم تصل إلى مرتبة الفعلية، و العمل على طبقها خارجا بحيث يكون بمرأى و مسمع من الشارع لا تكون حجة (توضيحه): إن الارتكاز قد يكون بنفسه كاشفا عن إمضاء الشارع له، لما ثبت من الخارج من وجود الدليل على إمضائه لما بنى عليه العقلاء، و ارتكز في أذهانهم، و هذا نظير اشتراط تساوى العوضين في المالية في البيع، فإنه قد ثبت بدليل أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ان الشارع قد أمضى العقود بما لها من‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 87‌

..........

______________________________
الشروط المصرحة، أو المرتكزة، و المفروض تحقق العقد مشروطا بتساوي العوضين على نحو الشرط الارتكازي، فيكون ممضى شرعا، كالشرط المصرح به. و من هنا قد ذكرنا في محله أن عمدة الدليل على خيار الغبن هي ارتكاز تساوى العوضين في المالية مع توفر الدواعي على المبادلة في الأموال مع التحفظ على ماليتها، فالسيرة الارتكازية في مثل ذلك يكون محققا لموضوع الإمضاء الشرعي، و كاشفا عنه، لأن المفروض ان الشارع قد أمضى العقد بما لها من الشروط- و إن كانت ارتكازية- و أخرى لا يكون الارتكاز كاشفا عن الإمضاء، لعدم الدليل عليه إلا من جهة عدم الردع، فلو فرض عدم تحقق السيرة العملية على طبق السيرة الارتكازية في مثل ذلك- كما هو المفروض- في اخبار ذي اليد بالكرية لندرة الابتلاء بها في عصرهم عليهم السلام لم يكن استكشاف إمضاء الشارع لهذا الارتكاز، إذ لا موضوع حتى يكون سكوت الشارع و عدم ردعه عنه إمضاء له، فليست السيرة الارتكازية كالسيرة العملية في الحجية ما لم تبلغ إلى مرتبة الفعلية، لعدم الطريق الى كشف إمضاء الشارع لها حينئذ.

نعم لا يعتبر قيام السيرة العملية على كل واحد من الموضوعات الخارجية فيما إذا اتحدت سنخا بحيث يطمئن النفس بعدم الفرق بينها لدى الشارع، و أما إذا اختلفت في ذلك كالنجاسة و الكرية فلا يمكن الجزم بالإمضاء ما لم تتم السيرة العملية على نفس المشكوك.

و أشكل من ذلك أخبار ذي اليد عما يكون خارجا عن تحت يده و اختياره كاخبار صاحب الدار بأن قبلة داره في جهة خاصة، فإن الدار و ان كانت تحت يده إلا أن كون القبلة في جهة خاصة منها خارجة عن اختياره، و اخباره بأنه قد بني حائط داره إلى القبلة لا أثر له، لأن الشرط في الصلاة‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 88‌

كما أن في إخبار العدل الواحد أيضا إشكالا (1) [1]

[ (مسألة 10) يحرم شرب الماء النجس]

(مسألة 10) يحرم شرب الماء النجس (2)

______________________________
التوجه إلى القبلة لا إلى حائط دار هذا الشخص. نعم لو كان صاحب الدار عدلا أو ثقة كان قوله حجة إلا انه خارج عن محل الكلام.

(1) أشكل المصنف (قده) في ذلك، و لكن التحقيق ما تقدم من قبول قول العدل بل الثقة، لقيام السيرة على ذلك، فلاحظ ما تقدم.

حرمة شرب الماء النجس

(2) لا خلاف في حرمة شرب الماء النجس اختيارا، بل لعلها من الضروريات عند المتشرعة، و يدل عليها مضافا الى ذلك جملة من الأخبار.

1 (منها) الأخبار الناهية عن الوضوء و الشرب من ماء شرب منه طير على منقاره دم أو قذر [2] أو شرب منه الكلب [3] أو وقع فيه بول [4]

______________________________
[1] و في تعليقته (دام ظله): «و لا يبعد ثبوتها به بل باخبار مطلق الثقة».

[2] كموثقة عمار عن ابي عبد اللّه- ع- (في حديث) فقال: «كل شي‌ء من الطير يتوضأ مما يشرب منه، إلا ان ترى في منقاره دما، فإن رأيت في منقاره دما فلا تتوضأ منه، و لا تشرب».

و موثقته الأخرى أيضا عنه- ع-: «و سئل عن ماء شربت منه الدجاجة؟ قال: ان كان في منقارها قذر لم يتوضأ و لم يشرب.» (الوسائل ج 1 ص 166 في الباب 4 من أبواب الأسئار، الحديث 2 و 3).

[3] كرواية معاوية بن شريح قال: «سأل عذافر أبا عبد اللّه- ع- و أنا عنده عن سؤر السنور و الشاة (الى ان قال) فقال- ع-: نعم اشرب منه، و توضأ منه. قال: قلت له الكلب؟ قال: لا. قلت: أ ليس هو سبع؟ قال: لا و اللّه انه نجس، لا و اللّه انه نجس» و عموم التعليل يشمل سائر النجاسات.

و مثلها موثقة أبي بصير (في حديث): «و لا يشرب سئور الكلب، إلا ان يكون حوضا كبيرا يستقى منه» (الوسائل ج 1 ص 163 في الباب 1 من أبواب الأسئار، الحديث 6 و 7).

[4] كرواية علي بن جعفر في (كتابه) عن أخيه قال: «سألته عن جرة ماء فيه الف رطل وقع فيه

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 89‌

..........

______________________________
أو دم [1] و لا فرق بين النجاسات جزما، و النهى في هذه الأخبار يدل على اشتراط الشرب و الوضوء بالطهارة، فمع عدمها يحرم الشرب، و يبطل الوضوء.

2 (و منها) الأخبار [2] الناهية عن شرب الماء المتغير و الوضوء به، إذ ليس المانع إلا النجاسة.

3 (و منها) الأخبار [3] الآمرة بإراقة الماء الذي أصابه النجس‌

______________________________
أوقية بول، هل يصلح شربه، أو الوضوء منه؟ قال: لا يصلح» (الوسائل ج 1 ص 116 في الباب 8 من أبواب الماء المطلق، الحديث 16).

[1] و كموثقة سعيد الأعرج قال: «سألت أبا عبد اللّه- ع- عن الجرة تسع مائة رطل من ماء يقع فيها أوقية من دم اشرب منه، و أتوضأ؟ قال: لا» (الوسائل ج 1 ص 114 في الباب 8 من أبواب الماء المطلق، الحديث 8).

[2] كصحيحة حريز عن ابي عبد اللّه- ع- قال: «كلما غلب الماء على الجيفة فتوضأ من الماء و اشرب، فإذا تغير الماء، و تغير الطعم فلا تتوضأ، و لا تشرب».

و صحيحة أبي خالد القماط انه سمع أبا عبد اللّه- ع- يقول: «في الماء يمر به الرجل و هو نقيع فيه الميتة و الجيفة؟ فقال أبو عبد اللّه- ع-: ان كان الماء قد تغير ريحه، أو طعمه فلا تشرب، و لا تتوضأ منه. الحديث» (الوسائل ج 1 ص 103 و 102 في الباب 3 من أبواب الماء المطلق الحديث 1 و 4) و نحوهما غيرهما في الباب المذكور.

[3] كموثقة سماعة (في حديث): «و إن كان أصابته جنابة، فأدخل يده في الماء فلا بأس إن لم يكن أصاب يده شي‌ء من المني، و إن كان أصاب يده فادخل يده في الماء قبل ان يفرغ على كفيه فليهرق الماء كله».

و صحيحة أحمد بن محمد بن ابي نصر قال: «سألت أبا الحسن- ع- عن الرجل يدخل يده في الإناء و

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 90‌

..........

______________________________
الظاهرة في سقوطه عن الانتفاع به رأسا- كالشرب و الوضوء و نحوهما مما يشترط فيه الطهارة- فلو جاز شربه مع كونه من المنافع المعتد بها للماء لم يكن وجه للأمر بإراقته.

4 (و منها) الأخبار [1] الآمرة بإراقة الإنائين المشتبهين- بالتقريب المتقدم في الطائفة السابقة.

5 (و منها) الأخبار الآمرة بإراقة المرق المتنجس [2] و بطرح ما يلي الفأرة من الدهن الجامد [3] و ببيع العجين الذي عجن من الماء إلا في‌

______________________________
هي قذرة؟ قال: يكفى الإناء» (الوسائل ج 1 ص 113 و 114 في الباب 8 من أبواب الماء المطلق، الحديث 4 و 7) و نحوهما غيرهما من الروايات المذكورة في نفس الباب، فراجع.

[1] كموثقة عمار عن ابي عبد اللّه- ع- (في حديث) قال: «سئل عن رجل معه إناءان فيهما ماء وقع في أحدهما قذر لا يدري أيهما هو، و حضرت الصلاة و ليس يقدر على ماء غيرهما؟ قال: يهريقهما جميعا، و يتيمم».

و مثلها رواية سماعة (الوسائل ج 1 ص 113 و 116 في الباب 8 من أبواب الماء المطلق، الحديث 14 و 2).

[2] كرواية السكوني عن جعفر عن أبيه عليهما السلام: «ان عليا سئل عن قدر طبخت، و إذا في القدر فأرة؟ قال: يهرق مرقها، و يغسل اللحم و يؤكل» (الوسائل ج 1 ص 150 في الباب 5 من أبواب الماء المضاف، الحديث 3).

و نحوها رواية زكريا بن آدم المروية في (الوسائل ج 2 ص 1056 في الباب 38 من أبواب النجاسات، الحديث 8).

[3] كحسنة زرارة عن ابي جعفر- ع- قال: «إذا وقعت الفأرة في السمن، فماتت فان كان جامدا-

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 91‌

الضرورة (1)

______________________________
المتنجس على من يستحل أكل الميتة [1] إذ لو لم يكن الأكل حراما لم يكن وجه للأمر بإهراق المرق، و طرح الدهن و بيع العجين على من يستحل الميتة، و لا فرق بين المأكول و المشروب المتنجسين في الحرمة.

و مثلها: ما ورد فيه النهى [2] عن أكل الدهن و الزيت المتنجسين بموت الفأرة فيهما.

(1) لا يجوز استعمال الماء المتنجس في رفع الخبث حتى مع الانحصار لاشتراط الطهارة في رافعه. و كذلك لا يجوز استعماله في رفع الحدث، لدلالة الأخبار [3] على عدم جواز الوضوء بالماء المتنجس، بل ينتقل الفرض حينئذ إلى التيمم، و المراد بعدم الجواز فيهما البطلان، لا الحرمة التكليفية، لعدم‌

______________________________
- فألقها و ما يليها، و كل ما بقي، و إن كان ذائبا فلا تأكله، و استصبح به. و الزيت مثل ذلك» (الوسائل ج 1 ص 149 في الباب 5 من أبواب الماء المضاف، الحديث 1).

[1] كرواية ابن ابي عمير عن بعض أصحابنا قال: «قيل لأبي عبد اللّه عليه السّلام: في العجين يعجن من الماء النجس كيف يصنع به؟ قال: يباع ممن يستحل أكل الميتة» (الوسائل ج 1 ص 174 في الباب 11 من أبواب الأسئار، الحديث 1).

[2] كحسنة زرارة المتقدمة آنفا.

[3] كصحيحة علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن موسى بن جعفر- ع- (في حديث) قال:

«فسألته عن رجل رعف و هو يتوضأ، فتقطر قطرة في إنائه هل يصلح الوضوء منه؟ قال: لا» (الوسائل ج 1 ص 112 في الباب 8 من أبواب الماء المطلق، الحديث 1).

و نحوها غيرها (كالحديث 8 و 15 و 16 في الباب المذكور) و كذلك الأخبار المتقدمة الآمرة بإراقة الماء المتنجس، و المائين المشتبهين، لدلالتها على سقوطه عن الانتفاع. و من أهمه استعماله في رفع الخبث و الحدث.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 92‌

و يجوز سقيه (1) للحيوانات.

______________________________
الدليل على الحرمة الذاتية لاستعماله في ذلك، نعم يحرم تشريعا. و أما شربه فيحل عند الضرورة، لأدلة نفى الضرر و الحرج، و لبعض الأخبار [1] الدالة على حلية ما حرمه اللّه لمن اضطر إليه.

سقى الماء النجس للحيوان

(1) لا اشكال بل لا خلاف في جواز سقى الحيوانات، و الأشجار و بل الطين، و نحو ذلك بالماء المتنجس، و يدل عليه أصالة البراءة بعد عدم تمامية ما توهم دلالته على حرمة الانتفاع بالمتنجس- كما أوضحنا الكلام في ذلك في بحث المكاسب. نعم يستفاد من بعض الأخبار [1] كراهة سقي البهيمة بما لا يحل للمسلم شربه، و أما أصل الجواز فلا ينبغي الإشكال فيه.

______________________________
[1] كموثقة سماعة عن ابي عبد اللّه عليه السّلام (في حديث) و قال: «ليس شي‌ء مما حرم اللّه إلا و قد أحله لمن اضطر إليه» (الوسائل ج 16 ص 165 كتاب الايمان في الباب 12، الحديث 18).

و يقرب منها: ما ورد في الأطعمة المحرمة، كرواية المفضل بن عمر عن ابي عبد اللّه (في حديث):

«خلق الخلق فعلم ما تقوم به أبدانهم، و ما يصلحهم فأحله لهم، و اباحه تفضلا عليهم به، لمصلحتهم، و علم ما يضرهم فنهاهم عنه، و حرمه عليهم، ثم اباحه للمضطر، و أحله له في الوقت الذي لا يقوم بدنه إلا به.» (الوسائل ج 16 ص 376 كتاب الأطعمة و الأشربة في الباب 1 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 1).

[2] عن ابي بصير عن ابي عبد اللّه- ع- قال: «سألته عن البهيمة البقرة و غيرها تسقى أو تطعم ما لا يحل للمسلم أكله أو شربه، أ يكره ذلك؟ قال: نعم يكره ذلك» (الوسائل ج 17 ص 246 في الباب 10 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث 5).

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 93‌

بل و للأطفال أيضا (1)

______________________________
سقى الماء النجس للأطفال

(1) يقع الكلام في موضعين: «الأول» في جواز سقى الماء النجس للأطفال، و من يلحق بهم كالمجانين «الثاني» في جواز سقيه لأولى الأعذار من المكلفين كالجاهل، و الغافل، و الناسي.

أما الموضع الأول- و هو في سقى الماء النجس للأطفال و المجانين- الأقوى فيه الجواز، و يكفينا الأصل.

و ربما يقال بالحرمة، و عمدة ما يستدل له هو ان النهى عن شربه و إن لم يشمل الصبي و المجنون، لحديث رفع القلم، أو لعدم قابليتهما للتكليف رأسا إلا انه يكشف لا محالة عن وجود مفسدة في متعلقة، لابتناء الأحكام على ملاكات واقعية تعم المكلف و غيره، لأنها أمور تكوينية يشترك فيها الجميع فان الخمر- مثلا- فيه ضرر واقعي سواء شربه المكلف أو الصبي، و عليه يكون سقى النجس للطفل إيقاعا له في المفسدة، و فيما هو مبغوض للشارع واقعا، و إضرارا به، و هو حرام.

و فيه أولا: ما ذكرناه في بحث الأصول من أنه لا طريق لدينا لاستكشاف الملاك إلا وجود الحكم، و مع عدمه لا يسعنا دعوى الجزم بوجوده، لعدم الطريق إليه، إذ يحتمل اختصاص الملاك بمن اختص به الحكم، فنحتمل وجدانا أن تكون مفسدة شرب النجس مختصة بالمكلفين، و لا تعم الأطفال و المجانين، كما لا يعمهم التكليف، فيكون شربهم الماء النجس كشربهم الماء الطاهر بلا مفسدة أصلا، و عليه لا محذور في سقيه لهم للأصل.

و ثانيا: ان سلم وجود المفسدة في شرب غير المكلفين أيضا فلا نسلم مبغوضية صدورها حتى من غيرهم، إذ لا ملازمة بين وجود المفسدة و‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 94‌

..........

______________________________
المبغوضية، و مع عدمها لا دليل على حرمة التسبيب. توضيح ذلك: ان مفاسد المحرمات تكون على نحوين «الأول» ما تكون فيه المفسدة بمرتبة لا يرضى الشارع بوقوعها في الخارج حتى من غير المكلفين- كما في شرب الخمر و الزنا و اللواط- لما ورد في جملة من الاخبار من وجوب ردع الصبي عن ذلك، لو أراد ارتكابها، و حرمة التسبيب في مثله ظاهر، لأنه إذا وجب الردع حرم التسبيب قطعا. بل ثبت في بعض المحرمات مبغوضية وجوده مطلقا حتى من الحيوان فضلا عن الإنسان، كما في قتل النفس المحترمة، لما ثبت في الشرع من وجوب حفظها على المكلفين فيجب عليهم حفظها من الحيوان، بل من الجماد، فكيف بالإنسان، و حرمة التسبيب في مثله أظهر.

«الثاني» ما لا تبلغ المفسدة فيه الى تلك المرتبة بحيث لا تكون مبغوضة إلا من المكلف خاصة، و في مثله لا يحرم التسبيب الى صدور الفعل من غيره، و يحتمل أن يكون شرب النجس من هذا القبيل، إذ لا دليل على مبغوضيته على الإطلاق، لأن النهي مختص بالمكلفين، و لم يقم دليل من الخارج على مبغوضيته من غيرهم، فبما ذا تستكشف المبغوضية المطلقة، و عليه فمقتضى الأصل جواز سقيه لمن لم يشمله النهي كالأطفال و المجانين.

سقى الماء النجس للجاهل الموضع الثاني: في سقى الماء النجس لأولى الأعذار من المكلفين- كالجاهل و الغافل و الناسي و غيرهم- أما الجاهل فالحرمة فيه ظاهرة، لأن المستفاد من الأدلة الأولية- على ما هو المرتكز في أذهان العرف- رمة إيقاع الجاهل في الحرام الواقعي و إن لم يكن منجزا في حقه، كما يحرم إيجاده‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 95‌

..........

______________________________
بالمباشرة بمعنى أن مدلول النهى عن شرب النجس- مثلا- و لو بلحاظ الدلالة الالتزامية أعم من المباشرة و التسبيب، لا أن مدلوله المطابقي أعم من الشرب و الإشراب- كما قد يتوهم- و لذا إذا نهى المولى عبيده من الدخول عليه، و كان يريد بذلك الخلوة، و علم بالنهي بعضهم، و جهل آخرون قبح على العالم بالحرمة من عبيده تغرير الجاهل منهم، و إدخاله على المولى، كما يقبح دخوله بنفسه، و لعل السر في ذلك هو ان تفويت غرض المولى بإيجاد المفسدة، أو ترك المصلحة قبيح عقلا، من دون فرق في ذلك بين المباشرة و التسبيب، و نسبة التفويت الى العالم بالحرمة أقوى من نسبته الى الجاهل بها، لمكان جهله فان تغرير الجاهل بالأحكام الواقعية و إن لم يوجب مخالفة المغرور التكاليف الإلزامية إلا أنه يوجب تفويت غرض المولى، و لو على يد الجاهل، و هو قبيح عقلا و حرام شرعا.

هذا مضافا الى دلالة جملة من الأخبار على حرمة تغرير الجاهل.

منها الأخبار «1» الواردة في بيع الدهن المتنجس الآمرة بأعلام المشترى، و ليس ذلك إلا لأجل عدم وقوع الجاهل في الحرام الواقعي، فيشمل المقام و غيره. و قد فصلنا الكلام في ذلك بما لا مزيد عليه في بحث المكاسب المحرمة.

و مما ذكرنا يظهر الحال في تغرير الغافل و الناسي، لأن فيه أيضا تفويتا لغرض المولى، فإن الحرمة و إن كانت مرفوعة عنهما واقعا- كما ذكرنا في محله- بخلاف الجاهل، فان رفع التكليف عنه ظاهري، إلا أن الرفع عنهما يكون من باب الامتنان، و هو إنما يتناسب مع تحقق مقتضى الجعل من المصالح و المفاسد الواقعية، و أن الشارع لم يجعل على طبقها الأحكام‌

______________________________
(1) تقدمت في ص 75.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 96‌

..........

______________________________
الإلزامية في حقهما من جهة الامتنان و الإرفاق، فيكون تغريرهما بسقي الماء النجس- مثلا- تفويتا لغرض المولى- و لو على يد الغافل و الناسي المعذورين في المخالفة- و هو قبيح.

ثم انه هل يجب اعلام الجاهل و الغافل و الناسي إذا أرادوا بأنفسهم شرب النجس من دون تغرير من الغير. الظاهر عدم الوجوب، لعدم الدليل عليه فيرجع فيه الى الأصل، إذ ليس الاعلام مصداقا للنهى عن المنكر- كما قيل- لعدم تحقق الصغرى، لأن الفعل ليس بمنكر منهم، لعدم تنجز الحرمة في حقهم و النهى عن المنكر يختص بما إذا كان الفاعل عالما ملتفتا إلى حرمة عمله، و مع عدمه لا دليل على الوجوب، و لو مع العلم بوجود المفسدة الفعلية، كما انه لا يدخل تحت عنوان إرشاد الجاهل، و تبليغ الأحكام الكلية، لأن الشبهة موضوعية. بل المستفاد من بعض الاخبار [1] عدم وجوب اعلام المرتكب للحرام جهلا أو نسيانا، و ما ذكرناه من نفى الأمرين و إن كان ظاهرا بالنسبة إلى الجاهل، إلا أنه أظهر بالنسبة إلى الغافل و الناسي، لإباحة الفعل في حقهما واقعا، لأن رفع التكليف بالنسبة إليهما واقعي، و بالنسبة إلى‌

______________________________
[1] كصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: «سالته عن الرجل يرى في ثوب أخيه دما و هو يصلى؟ قال: لا يؤذنه حتى ينصرف» (الوسائل ج 2 ص 1069 في الباب 47 من أبواب النجاسات، الحديث 1).

و صحيحة عبد اللّه بن سنان عن ابي عبد اللّه- ع- قال: «اغتسل ابي من الجنابة، فقيل له: قد أبقيت لمعة في ظهرك، و لم يصبها الماء. فقال له: ما عليك لو سكت، ثم مسح تلك اللمعة بيده» (الوسائل ج 2 ص 1069 الباب المتقدم، الحديث 2).

و مقتضى إطلاقهما عدم الفرق بين الجاهل و الناسي.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 97‌

و يجوز بيعه (1) مع الإعلام (2)

______________________________
الجاهل ظاهري- كما أشرنا إليه آنفا و أوضحنا الكلام فيه في بحث الأصول.

(1) على ما هو الصحيح من جواز بيع المتنجس مطلقا،- من دون فرق بين ما يكون قابلا للتطهير، و ما لا يكون- لإطلاق ما دل على صحة البيع، و عدم تمامية ما ذكر في المقام من وجوه المنع- على ما قررناه في محله.

و لعلنا نذكر «1» بعض الكلام عند تعرض المصنف لبيع الأعيان النجسة و المتنجسة إن شاء اللّه تعالى.

(2) هل يجب الإعلام مطلقا، أو فيما إذا كان المشترى بصدد استعماله فيما هو مشروط بالطهارة- كالشرب و الوضوء و نحوهما- و على كل تقدير فهل الوجوب شرطي- بمعنى اشتراط صحة البيع به- أو نفسي بحيث يكون التارك آثما فقط؟ وجوه.

الأظهر كونه واجبا نفسيا مختصا بما إذا كان المشترى في معرض ذلك، فلا يجب بدونه، كما لا يجب في صورة عدم التسليم. و الوجه في ذلك- ضافا الى أن السكوت عند البيع نحو إيقاع للجاهل في الحرام الواقعي، و هو حرام- الأخبار «2» الدالة على وجوب الإعلام عند بيع الدهن المتنجس- بعد إلغاء خصوصية المورد- و تفصيل الكلام في محله.

______________________________
(1) في ذيل (مسألة 31) من فصل اشتراط الصلاة بالطهارة في البدن و اللباس.

(2) تقدمت في ص 75.




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net