فصل في الأسئار 

الكتاب : فقه الشيعة - كتاب الطهارة ج‌2   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 201

فقه الشيعة - كتاب الطهارة؛ ج‌2، ص: 257

[فصل في الأسئار سؤر نجس العين كالكلب، و الخنزير، و الكافر]

فصل سؤر (1) نجس العين كالكلب، و الخنزير، و الكافر [1]

______________________________
فصل في الأسئار
معنى السؤر

(1) و هو في اصطلاح الفقهاء مطلق ما باشره جسم حيوان، سواء أ كان ماء أم غيره، و سواء باشره بالفم، أم بغيره من أعضاء بدنه. و قيل إنه في اصطلاحهم ماء قليل لاقى جسم حيوان، و الصحيح هو الأول، إذ لا وجه للاختصاص بالماء القليل بعد مساعدة اللغة [2] على إرادة مطلق ما باشره جسم الحيوان، و دلالة الروايات الواردة في حكم الأسئار على التعميم، فإنه‌

______________________________
[1] في تعليقته (دام ظله) على قول المصنف «و الكافر»: (على الأحوط في الكتابي).

[2] عن (القاموس): ان السؤر الفضلة، و البقية من كل شي‌ء. و كذا عن بعض آخرين. و في (أقرب الموارد) السؤر بالضم البقية، و هو في الأصل بقية الماء يبقيها الشارب في الإناء، أو الحوض، ثم أستعير لبقية الطعام، و غيره، كقوله: يا واردا سؤر عيش كله كدر. إلخ فما عن بعض اللغويين من تفسيره ببقية الشرب لعله من باب التفسير بما كان استعماله فيه أكثر من باقي الأفراد.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 258‌

نجس (1)

______________________________
قد أطلق لفظ السؤر في بعضها [1] على بقية طعام الحيوان، و في بعضها [2] على الماء الذي باشره جسم الإنسان- كالحائض و الجنب- على أنه لا ميز للماء القليل عن بقية ما باشره جسم الحيوان من حيث الحكم بنجاسته و عدمه، و لعل منشأ توهم الاختصاص ذكرهم لحكم الأسئار في باب المياه.

سؤر نجس العين

(1) لملاقاته مع النجس، و في بعض الروايات «1» تعليل النهى عن سؤر الكلب بأنه رجس نجس، و لا بد من فرض السؤر مما ينفعل بالملاقاة فإن كان ماء فلا بد فيه من فرض القلة، و القول بعدم انفعاله ضعيف- كما تقدم- و إن كان جسما جامدا فلا بد من كونه مع الرطوبة، و إن كان مائعا‌

______________________________
[1] كصحيحة زرارة عن ابي عبد اللّه- ع- قال: «في كتاب علي- ع- ان الهر سبع، و لا بأس بسؤره، و إني لأستحي من اللّه ان ادع طعاما لأن الهر أكل منه» (الوسائل ج 1 ص 164 الباب 2 من أبواب الأسئار، الحديث 2).

و رواية حسين بن زيد عن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام (في حديث المناهي) ان النبي- ص- نهى عن أكل سؤر الفأر (الوسائل ج 1 ص 172 الباب 9 من أبواب الأسئار، الحديث 7) مجهولة بشعيب بن واقد.

[2] كرواية العيص بن قاسم قال: «سألت أبا عبد اللّه- ع- عن سؤر الحائض؟ فقال: الا توضأ منه، و توضأ من سؤر الجنب إذا كانت مأمونة، ثم تغسل يديها قبل ان تدخلهما في الإناء.» (الوسائل ج 1 ص 168 الباب 7 من أبواب الأسئار، الحديث 1). يمكن المناقشة في سندها ب‍ «محمد بن إسماعيل النيسابوري البندقي أو بندفر» لأنه لم يرد تصريح بوثاقته غير انه من مشايخ الكليني.

______________________________
(1) كصحيحة الفضل (الوسائل ج 1 ص 163 الباب 1 من أبواب الأسئار، الحديث 4).

و رواية معاوية بن شريح في (الباب المتقدم، الحديث 6).

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 259‌

و سؤر طاهر العين طاهر، و إن كان حرام اللحم (1)

______________________________
آخر- كالمضاف- فلا يشترط فيه شي‌ء منهما. ثم انه لا كلام في نجاسة الكلب، و الخنزير، و أما الكافر فالقدر المتيقن منه هو المشرك، و منكري الصانع، و أما الكتابي فوقع الكلام بين الأعلام في نجاسته، و طهارته، و على القول بالنجاسة فهو ملحق بالمشرك في هذا الحكم، و سيأتي البحث عن ذلك في النجاسات إن شاء اللّه تعالى، و يلحق بالكافر بعض أصناف المسلمين ممن حكم بنجاسته، كالنواصب، و الغلاة.

سؤر الحيوان الطاهر، و سؤر ما لا يؤكل لحمه

(1) المشهور بين الأصحاب طهارة سؤر كل حيوان طاهر العين، و جواز استعماله في الأكل، و الشرب، و غيرهما، من دون فرق بين مأكول اللحم و غيره، بل عن بعض دعوى الإجماع على ذلك، و يكفى فيه عدم المقتضي للنجاسة، إذ ملاقاة الطاهر لا توجب نجاسة، كما أن مقتضى الأصل جواز استعماله، و لو كان ذو السؤر مما يحرم أكله.

و هناك قولان آخران (أحدهما) ما عن الشيخ في المبسوط من عدم جواز استعمال سؤر ما لا يؤكل لحمه من الحيوان الأنسي، إلا الآدمي، و الطير، و ما لا يمكن التحرز منه، كالهرة، و الفأرة، و الحية، و جواز استعمال سؤر الطاهر من الحيوان الوحشي طيرا كان أو غيره (ثانيهما) ما عن الحلي في السرائر من القول بنجاسة سؤر ما لا يؤكل لحمه من حيوان الحضر عدا ما استثنى في كلام الشيخ «قده» و القول الأخير بظاهره لا يخلو عن غرابة، إذ كيف تكون ملاقاة الطاهر موجبة للنجاسة، إلا أن يؤل بإرادة حرمة الاستعمال. و كيف كان فعن الشيخ في الاستبصار الاستدلال على ذلك بمفهوم.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 260‌

..........

______________________________
موثقة عمار
«1» عن أبى عبد اللّه عليه السّلام قال: «سئل عما تشرب منه الحمامة؟ فقال: كل ما أكل لحمه فتوضأ من سؤره، و اشرب، و عن ماء شرب منه باز، أو صقر، أو عقاب؟ فقال: كل شي‌ء من الطير يتوضأ مما يشرب منه، إلا أن ترى في منقاره دما.»‌

و مثلها صحيحة عبد اللّه بن سنان «2» عن أبى عبد اللّه عليه السّلام قال:

«لا بأس أن يتوضأ مما شرب منه ما يؤكل لحمه».

لان مفهومهما أن ما لا يؤكل لحمه لا يجوز التوضؤ بسؤره، و لا يشرب منه، و إلا لم يعلق الحكم بالإباحة على حلية لحم ذي السؤر.

و الظاهر أنه لا قصور في دلالة الروايتين- في نفسهما- على إناطة حلية السؤر على حلية لحم ذي السؤر، إما من جهة كونهما في مقام التحديد و إعطاء الضابط الكلى لما يجوز استعمال سؤره من الحيوانات، و إما من جهة مفهوم الوصف على ما قربناه أخيرا في بحث الأصول، إذ لا ينبغي الإشكال في دلالة الوصف على دخله في ترتب الحكم، و إلا كان ذكره لغوا، لو لم تكن هناك نكتة أخرى في ذكره تدل عليه الكلام، فعليه يدل الوصف على الانتفاء عند الانتفاء لا محالة. نعم: لا دلالة له على انحصار العلة فيه بحيث لو قام هناك دليل آخر على ثبوت الحكم بعنوان آخر كان معارضا لهذا المفهوم، و من هنا يظهر أن السؤال الثاني الوارد في الموثقة عن بعض الطيور المحرم أكله- كالباز و الصقر و العقاب- لا ينافي ما ذكرناه من ثبوت المفهوم للوصف، لان المراد دلالته على علية الوصف للحكم، لا على انحصار العلة فيه، فعليه يمكن أن‌

______________________________
(1) الوسائل ج 1 ص 166 الباب 4 من أبواب الأسئار، الحديث 2.

(2) الوسائل ج 1 ص 167 الباب 5 من أبواب الأسئار، الحديث 1.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 261‌

..........

______________________________
يكون لحلية السؤر سببان أحدهما حلية لحم السئار، و الثاني كونه طائرا، و النسبة بينهما العموم من وجه، فظهر أنه لا معارضة بين جوابي الإمام عليه السّلام في الموثقة- كما قيل.

إلا انه مع ذلك لا يمكن العمل بظاهر الروايتين لمعارضتهما بروايات كثيرة تدل على نفى البأس عن سؤر ما لا يؤكل لحمه، و طريق الجمع بين الطائفتين حمل هاتين على الكراهة.

و من تلك الروايات صحيحة الفضل «1» قال: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن فضل الهرة و الشاة و البقرة و الإبل و الحمار و الخيل و البغال و الوحش و السباع، فلم أترك شيئا إلا سألته عنه؟ فقال: لا بأس به حتى انتهيت الى الكلب فقال: رجس نجس لا تتوضأ بفضله.»‌

فإنها قد دلت صريحا على نفى البأس عن سؤر السباع و إن لم تكن مأكول اللحم، كما أنها صريحة في أن علة النهي عن الوضوء بسؤر الكلب إنما هي نجاسته، لا كونه غير مأكول، فالمستفاد من هذه الرواية ان الحرمة تدور مدار نجاسة الحيوان، لتنجس سؤره بملاقاته، و أما حرمة لحمه فلا عبرة بها في حرمة سورة، أو نجاسته.

و مثلها رواية معاوية بن شريح [1] هذا كله مضافا الى ان الالتزام‌

______________________________
[1] قال: «سأل عذافر أبا عبد اللّه- ع-، و انا عنده عن سؤر السنور و الشاة و البقرة و البعير و الحمار و الفرس و البغل و السباع يشرب منه، أو يتوضأ منه؟ فقال: نعم اشرب منه، و توضأ منه، قال:

قلت له: الكلب؟ قال: لا قلت: أ ليس هو سبع؟ قال: لا و اللّه إنه نجس، لا و اللّه إنه نجس» (الوسائل ج 1 ص 163 الباب 1 من أبواب الأسئار، الحديث 6) مجهولة بمعاوية بن شريح.

______________________________
(1) الوسائل ج 1 ص 163 الباب 1 من أبواب الأسئار، الحديث 4.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 262‌

أو كان من المسوخ (1) أو كان جلالا (2)

______________________________
بحرمة سؤر ما لا يحل أكله لعله يستلزم تخصيص الأكثر، لورود النص في كثير منها على الجواز.

سؤر المسوخ

(1) اختلفوا في طهارة سؤر المسوخ، و نجاسته، و المشهور هو القول بالطهارة، و عن بعضهم كابني جنيد، و حمزة، و الشيخ القول بنجاسة سؤرها و منشأ الخلاف في ذلك هو الخلاف في طهارة المسوخ، و نجاستها، و إلا فحكم السؤر- على كل من القولين- ظاهر و سيأتي في بحث النجاسات أن الأقوى ما هو المشهور من القول بطهارتها.

سؤر الجلال

(2) الظاهر ان الخلاف في سؤر الجلال نشأ أيضا من اختلاف الأصحاب في طهارة نفسه- كالمسوخ- و إلا فلا دليل على نجاسة سؤره مع فرض طهارة نفسه، كما أورد بذلك على القائلين بهذا القول، كالشيخ، و السيد، و ابن الجنيد.

و ربما يستدل لهم بأن رطوبة أفواهها ينشأ من غذاء نجس، فيجب الحكم بنجاستها، أو أنها تلاقى النجس فتنجس، فإذا أصابت شيئا تنجسه لا محالة. و لا يخفى: أن الاستدلال بنحو هذا إنما هو من باب حرفة العاجز و ينشأ من الالتزام بتوجيه كلام الأكابر، و إلا ففساده غنى عن البيان.

أما قضية تكون اللعاب من النجاسة فيدفعها أنه بعد استحالة النجاسة‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 263‌

نعم يكره سؤر حرام اللحم (1)

______________________________
الى اللعاب لم يبق الموضوع الأول، كي يجرى عليه حكمه، و الا فينتقض بما لو استمر انسان مسلم على أكل الميتة، أو لحم الخنزير حتى نشأ على ذلك، فإنه لا بد من الحكم بنجاسة لعابه، بل و جميع بدنه، لنشوه من النجس.

و أما قضية تنجس لعابه بملاقاة النجس فيدفعها أولا: ان هذا لو تم فلا يختص بالجلال الذي هو عبارة عن الحيوان المتغذي بعذرة الإنسان إلى حد يحرم أكله على الوجه المذكور في محله، بل يعم كل حيوان آكل لأي نجاسة، و لو مرة واحدة، لكفايتها في الانفعال. و ثانيا: ان هذا الوجه يختص بما إذا باشر شيئا بفمه، أو لسانه، و قد عرفت أن المراد بالسؤر في المقام هو مطلق ما باشره جسم الحيوان، و لو بغير فمه. و ثالثا: انه لا دليل على تنجس الباطن، كداخل الفم، أو الرطوبات الموجودة فيه بملاقاة النجس. فالمتحصل: ان الأظهر هو طهارة سؤر الجلال، و حليته. نعم: ذهب بعض منهم المحقق في الشرائع إلى الحكم بكراهته، و لعله لإطلاق ما دل على كراهة سؤر ما لا يؤكل لحمه، و ان كانت الحرمة عرضية، إلا انه لا يبعد دعوى انصرافه إلى الحرمة الذاتية، و الحكم بكراهته من باب التسامح في أدلة السنن و لو بفتوى البعض فرض في فرض، إذ لم تتم عندنا الكبرى فضلا عن شمولها للمكروهات.

سؤر ما لا يؤكل لحمه

(1) كما هو مقتضى الجمع بين الروايات المتقدمة «1» على ما عرفت، و‌

______________________________
(1) في ص 260- 261.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 264‌

ما عدا المؤمن (1) و الهرة على قول (2)

______________________________
يؤيدها مرسلة الوشاء
«1» عمن ذكره عن أبى عبد اللّه عليه السّلام: «انه كان يكره سؤر كل شي‌ء لا يؤكل لحمه» بناء على ظهورها في الكراهة- بالمعنى المصطلح- و هذا مع قطع النظر عن ضعفها بالإرسال.

سؤر المؤمن

(1) كيف و قد ورد في الروايات أن سؤر المؤمن شفاء، بل في بعضها أنه شفاء من سبعين داء، عقد لها بابا [1] في الوسائل سماه ب‍ «باب استحباب الشرب من سؤر المؤمن تبركا» فبها يخصّص عموم ما دل على كراهة سؤر ما لا يؤكل لحمه، بل قد ذكرنا في بحث الصلاة أن عنوان ما لا يؤكل لحمه منصرف عن الإنسان، فإنه فرض آكلا لا مأكولا.

سؤر الهرة

(2) لجملة من النصوص تدل على عدم كراهة سؤرها حتى أنه عنون في الوسائل بابا سماه ب‍ «باب طهارة سؤر السنور، و عدم كراهته» فهو ممن‌

______________________________
[1] و هو (الباب 18 من أبواب الأشربة المباحة ج 17 ص 208) روى فيه عن الخصال بسند غير نقي ب‍ «قاسم بن يحيى» عن علي- ع- في حديث الأربعمائة قال: «سؤر المؤمن شفاء» و عن ثواب الأعمال- في الصحيح- عن عبد اللّه بن سنان قال: «قال أبو عبد اللّه- ع- في سؤر المؤمن شفاء من سبعين داء» و عن محمد بن إسماعيل رفعه قال: «من شرب سؤر المؤمن تبركا به خلق اللّه بينهما ملكا يستغفر لهما حتى تقوم الساعة» في (الباب المذكور، الحديث 3 و 1 و 2).

______________________________
(1) الوسائل ج 1 ص 167 الباب 5 من أبواب الأسئار، الحديث 2.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 265‌

و كذا يكره سؤر مكروه اللحم (1) كالخيل، و البغال، و الحمير

______________________________
اختار هذا القول الذي أشار إليه في المتن.

(منها): صحيحة زرارة «1» عن أبى عبد اللّه عليه السّلام قال: «في كتاب على عليه السّلام أن الهر سبع، و لا بأس بسؤره، و إني لأستحي من اللّه أن ادع طعاما، لأن الهر أكل منه».

و في بعضها الحكم بأنها من أهل البيت كموثقة «2» سماعة عن أبى عبد اللّه عليه السّلام: «أن عليا عليه السّلام قال: إنما هي من أهل البيت» و نحوها صحيحة معاوية بن عمار «3».

سؤر مكروه اللحم

(1) كما عن المشهور، و لكن لم ترد رواية تدل على كبرى كراهة سؤر ما يكره لحمه، و لا نص خاص في خصوص الأمثلة المذكورة في المتن- الخيل و البغال و الحمير- و من هنا تمسك بعض بذيل قاعدة التسامح في أدلة السنن- بناء على شمولها للمكروهات- لفتوى المشهور بالكراهة، إلا أنها فرض في فرض، و علل بعضهم الكراهة في السؤر بكراهة اللحم، أو أن السؤر- غالبا- يكون بالفم، و فضلاته تابعة للحمه في الكراهة، الى غير ذلك من الوجوه الضعيفة التي ألجأت بعض المتأخرين- كما في الجواهر «4»- الى اختيار القول بعدم الكراهة، هذا.

______________________________
(1) الوسائل ج 1 ص 164 الباب 2 من أبواب الأسئار، الحديث 2.

(2) الوسائل ج 1 ص 164 الباب 2 من أبواب الأسئار، الحديث 5.

(3) الوسائل ج 1 ص 164 الباب 2 من أبواب الأسئار، الحديث 1.

(4) ج 1 ص 382.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 266‌

و كذا سؤر الحائض المتهمة (1)

______________________________
و لكن يمكن الاستدلال على كراهة سؤر ما يكره لحمه من الدواب بمفهوم موثقة سماعة
«1» قال: «سألته هل يشرب سؤر شي‌ء من الدواب، و يتوضأ منه؟ قال: أما الإبل، و البقر، و الغنم فلا بأس».

فإن المستفاد منها- بقرينة كونها في مقام بيان ما يجوز شرب سؤره من الدواب- ثبوت البأس في غير ما اقتصر عليه في الجواب من الأغنام الثلاثة، و ظاهر البأس و إن كان الحرمة، إلا انه لا بد من حمله على الكراهة لصراحة بعض الروايات في جواز شرب سؤر الدواب [1] بل يدل بعضها على الجواز في مطلق الحيوانات الطاهرة، و إن كانت محرمة الأكل، كصحيحة الفضل المتقدمة «3» لما فيها من التصريح بجواز شرب فضل الوحش و السباع. و طريق الجمع هو ما ذكرناه من الحمل على الكراهة. و شمول مفهوم الموثقة لغير مكروه الأكل لا يقدح في الاستدلال به على حكم مكروه الأكل إذ غايته التخصيص لو ثبت عدم الكراهة في غير مكروه الأكل في مورد.

سؤر الحائض

(1) لا بأس بالتنبيه على أمرين قبل الدخول في البحث (الأول): انه لم يرد في شي‌ء من الروايات ما يدل على كراهة سؤر الحائض على وجه الإطلاق، بحيث يعم استعماله في الشرب، و غيره، و إنما اتفقت الأخبار على‌

______________________________
[1] كصحيحة جميل بن دراج قال: «سألت أبا عبد اللّه- ع- عن سؤر الدواب و الغنم و البقر أ يتوضأ منه و يشرب؟ قال لا بأس» (الوسائل ج 1 ص 167 الباب 5 من أبواب الأسئار، الحديث 4).

______________________________
(1) الوسائل ج 1 ص 167 الباب 5 من أبواب الأسئار، الحديث 3.

(3) في ص 261.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 267‌

..........

______________________________
النهى عن الوضوء بسؤرها. و أما الشرب منه ففي بعض الأخبار [1] التصريح بجوازه، و في بعضها
«2» السكوت عن ذكره، و اختصاص النهى فيه بالوضوء فقط، و من هنا التجأ بعضهم الى الاستدلال على التعميم بالإجماع على عدم الفرق، و هو كما ترى، إذ بعد تصريح الروايات بالجواز المراد به نفى الكراهة كيف يمكن إثبات كراهته بالإجماع؟ على أن دعواه في أمثال المقام فيه ما فيه.

(الثاني): أنه لم يرد في شي‌ء من روايات الباب تقييد الحائض بالمتهمة و إنما ورد التقييد بها في كلمات جملة من الفقهاء. نعم: في بعض الأخبار «3» تقييد جواز الوضوء من سؤرها بما إذا كانت مأمونة- كما سنذكر- و المتبادر منها من يظن أو يطمئن بتحفظها عن النجاسة، و في مقابلها غير المأمونة، و هي أعم من المتهمة، و مجهولة الحال، فمقتضى مفهوم القيد الوارد في الأخبار هو الحكم بكراهة سؤر مجهولة الحال- أيضا- كالضيف الوارد، فإنها إذا كانت حائضا و لم يعلم حالها يكره سؤرها. فالمتحصل من الأمرين: هو أنه لا بد من‌

______________________________
[1] كصحيحة علي بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى بن جعفر- ع- قال: «سألته عن الحائض؟

قال: تشرب من سؤرها، و لا تتوضأ منه».

و رواية عنبسة عن ابي عبد اللّه- ع- قال: «اشرب من سئور الحائض و لا توضأ منه» ضعيفة بعنبسة بن مصعب أو لاشتراك «عنبسة» بين الثقة و الضعيف.

و حسنة الحسين بن ابي العلاء قال: «سألت أبا عبد اللّه- ع- عن الحائض يشرب من سؤرها؟ قال:

نعم، و لا يتوضأ منه» (الوسائل ج 1 ص 170 الباب 8 من أبواب الأسئار، الحديث 4 و 1 و 2).

______________________________
(2) كرواية ابن ابي يعفور، و ابي بصير، و علي بن يقطين، و العيص الآتي ذكرها في المتن.

(3) كرواية علي بن يقطين و رواية العيص- على رواية الكافي في الثاني- و يأتي ذكرهما في المتن.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 268‌

..........

______________________________
تخصيص الكراهة بالوضوء من سؤرها، لا مطلق الاستعمالات، و تعميم الحائض لمطلق غير المأمونة الشاملة للمتهمة، و المجهولة.

إذا عرفت ذلك فنقول الأخبار الواردة في المقام على أنحاء.

(الأول): الأخبار المطلقة الناهية عن الوضوء بسؤر الحائض.

(منها): رواية ابن أبي يعفور [1] قال: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام أ يتوضأ الرجل من فضل المرأة؟ قال: إذا كانت تعرف الوضوء، و لا تتوضأ من سؤر الحائض».

و (منها): رواية أبي بصير [2] عن أبى عبد اللّه عليه السّلام قال: «سألته هل يتوضأ من فضل وضوء الحائض؟ قال: لا» و نحوهما غيرهما [3].

(الثاني): ما يكون مقيدا لنفي البأس عن سؤرها بما إذا كانت مأمونة الدال بمفهومها على النهى عن سؤرها فيما إذا لم تكن مأمونة.

و هي رواية على بن يقطين [4] عن أبى الحسن عليه السّلام: «في الرجل‌

______________________________
[1] الوسائل ج 1 ص 170 الباب 8 من أبواب الأسئار، الحديث 3.

ضعيفة بمعلى بن محمد البصري.

[2] الوسائل في الباب المتقدم، الحديث 7.

ضعيفة بوقوع «علي بن محمد بن الزبير» في طريق الشيخ الى علي بن الحسن بن فضال حيث انه لم يصرح بوثاقته.

[3] كصحيحة علي بن جعفر- في كتابه- عن أخيه موسى بن جعفر عليه السّلام قال: «سألته عن الحائض؟ قال: تشرب من سؤرها و لا تتوضأ منه» (في الباب المتقدم، الحديث 4).

[4] في الباب المتقدم، الحديث 5.

و المناقشة في سندها بما تقدم آنفا من وقوع «علي بن محمد بن الزبير» في طريق الشيخ الى علي بن الحسن بن فضال جارية فيها أيضا.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 269‌

..........

______________________________
يتوضأ بفضل الحائض؟ قال: إذا كانت مأمونة فلا بأس».

و مقتضى القاعدة هو الجمع بينهما بتقييد الأخبار المطلقة برواية على بن يقطين- بحمل المطلق على المقيد- و تخصيص الكراهة بما إذا لم تكن الحائض مأمونة لظهور نفى البأس عن المأمونة فيها في النفي المطلق- أى عدم وجود مرتبة من الكراهة حتى الضعيفة- إلا أن هناك رواية أخرى في المقام نعدها النحو (الثالث): من روايات الباب قد تلجأنا الى القول باختلاف مراتب الكراهة في الحائض.

و هي رواية العيص [1] قال: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن سؤر الحائض؟ فقال: لا توضأ منه، و توضأ من سؤر الجنب إذا كانت مأمونة ثم تغسل يديها قبل أن تدخلهما في الإناء، و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يغتسل هو و عائشة في إناء واحد، و يغتسلان جميعا».

هكذا في رواية الكافي أي مع ذكر كلمة «لا» و عليه يكون مفاد الرواية كراهة سؤر الحائض مطلقا- سواء أ كانت مأمونة أم لا- بقرينة مقابلتها مع الجنب حيث قيد الجواز فيها بكونها مأمونة، لأن التفصيل بينهما بذلك قاطع للشركة، فلا تشترك الحائض مع الجنب في هذا القيد، بل تكون مكروهة السؤر مطلقا فاذن لا يمكن جعل هذه الرواية في عداد مطلقات‌

______________________________
[1] الوسائل ج 1 ص 168 الباب 7 من أبواب الأسئار، الحديث 1.

يمكن المناقشة في سندها عن طريق الكليني ب‍ «محمد بن إسماعيل النيسابوري البندقي أو بندفر» الذي لم يصرح بوثاقته غير انه من مشايخ الكليني و ب‍ «علي بن محمد بن الزبير» عن طريق الشيخ الى علي بن الحسن بن فضال.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 270‌

بل مطلق المتهم (1)

______________________________
الباب، كي يمكن تقييدها بما ذكر، لأن المقابلة بين الحائض و الجنب بذلك تجعلها كالصريح في إثبات الكراهة لها مطلقا، فتأبى عن التقييد بشي‌ء، و عليه لا بد من الالتزام باختلاف مراتب الكراهة في الحائض بأن نلتزم بثبوت مرتبة منها في مطلق الحائض، و ثبوت مرتبة شديدة في الحائض غير المأمونة و السر فيه إباء هذه عن التقييد لما ذكرناه، هذا.

و لكن رواها الشيخ «قده» في كتابيه- الاستبصار و التهذيب- بإسقاط كلمة «لا» و عليه يرجع القيد إليهما- أي الحائض و الجنب- معا، فتعد هذه الرواية في عداد الروايات المقيدة للمطلقات، و تنفي الكراهة بإطلاقها عن المأمونة، حتى المرتبة الخفيفة، فحينئذ إن قلنا بتعارض روايتي الشيخ، و الكليني تسقط عن الحجية، من جهة اضطراب المتن، و تنحصر روايات المقام بالنحوين الأولين، و أما إذا قلنا بترجيح نسخ الكافي، لكونها أضبط فلا بد من الالتزام بمرتبة ضعيفة من الكراهة في مطلق الحائض.

إلا أن الذي يسهل الخطب إمكان الخدشة في سند الرواية، و إن وصفت بالصحة في بعض الكلمات، أما على رواية الكافي فبمحمد بن إسماعيل النيسابوري، فإنه لم يصرح بوثاقته، و أما على رواية الشيخ فلضعف طريقه الى على بن الحسن بن فضال.

سؤر المتهم بالنجاسة

(1) قد عرفت أن موضوع الحكم بالكراهة إنما هو الحائض غير المأمونة، دون المتهمة. ثم إن التعدي عنها الى غيرها- كالنفساء و المستحاضة أو مطلق من يباشر النجس- مبنى على استفادة إناطة الكراهة في نصوص‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌2، ص: 271‌

..........

______________________________
الباب بوصف عدم الأمن عن الاجتناب، فيتعدى عن موردها الى مطلق من لا يؤمن عليه، هذا. و لكن إثبات ظهور النص في ذلك لا يخلو عن تأمل لاحتمال الاختصاص بالحائض، فلاحظ.

 




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net