حرمة القيافة 

الكتاب : مصباح الفقاهة في المعاملات - المكاسب المحرمة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 3756


ــ[584]ــ

حرمة إتيان القائف وترتيب الأثر على قوله

قوله : السابعة عشرة : القيافة حرام في الجملة(1).

أقول : القيافة في اللغة(2) معرفة الآثار ، وشبه الرجل بأخيه وأبيه . والظاهر أنّه لا شبهة في جواز تحصيل العلم أو الظنّ بأنساب الأشخاص بعلم القيافة وبقول القافة ، ولم يرد في الشريعة المقدّسة ما يدلّ على حرمة ذلك . وما ورد في حرمة إتيان العرّاف والقائف لا مساس له بهذه الصورة ، وإنّما المراد منه حرمة العمل بقول القافة وترتيب الأثر عليه كما سيأتي . ومع الشكّ في الحرمة والجواز في هذه الصورة يرجع إلى الاُصول العملية .

ثم إنّه لا شبهة في حرمة الرجوع إلى القائف وترتيب الآثار على قوله ، وفي الكفاية لا أعرف فيها الخلاف(3). وفي المنتهى الإجماع على ذلك(4). خلافاً لأكثر العامّة(5) فإنّهم جوّزوا العمل بقول القافة ، استناداً إلى جملة من الروايات الواردة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 2 : 7 .

(2) في تاج العروس 6 : 228 ] مادّة قاف [ : والقائف من يعرف الآثار ، الجمع قافة . وقال ابن الأثير : القائف الذي يتبع الآثار ، ويعرفها ، ويعرف شبه الرجل بأخيه وأبيه . ومنه الحديث : إنّ محرزاً كان قائفاً .

(3) الكفاية : 87 ، السطر 30 .

(4) لاحظ المنتهى 2 : 1013 ـ 1014 .

(5) في إكمال إكمال المعلّم 5 : 150 شرح صحيح مسلم : أثبت العمل بالقافة الشافعي ، ونفاه أبو حنيفة ، والمشهور عن مالك في الإماء دون الحرائر ، وروى عنه ابن وهب إثباته في الحرائر ... ولا خلاف عند القائلين بالقافة أنّها إنّما تكون فيما أشكل من فراشين ثابتين ، كأمة يطؤها البائع والمشتري في طهر واحد قبل الاستبراء من وطىء البائع ، فتأتي بولد لأكثر من ستّة أشهر من وطىء المشتري ، وأقل من أقصى الحمل من وطىء البائع .

وإن ألحقه القائف بأحدهما لحق ، وإلاّ ترك الولد حتّى يبلغ فينتسب إلى من يميل إليه منهما .

وإن ألحقه القائف بهما فإنّ مذهب عمر بن الخطّاب ومالك والشافعي يترك حتّى يبلغ فينتسب إلى من يميل إليه . وقال أبو ثور : يكون ابناً لهما . وقال الماجشون ومحمّد بن مسلمة المالكيان  : يلحق بأكثرهما شبهاً .

وفي هامش سنن البيهقي 10 : 264 عن أبي ثور قال : إذا قال القافة الولد منهما لحق بهما وورثهما وورثاه .

ــ[585]ــ

من طرقهم ، وسنشير إليها .

وتدلّ على حرمة العمل بقول القافة الآيات الدالّة على حرمة العمل بغير علم وعلى حرمة اتّباع الظنون ، وأنّها لا تغني من الحقّ شيئاً ـ وقد تقدّمت هذه الآيات(1)ـ فإنّ نفي النسب عن شخص أو إلحاقه به بالاستحسانات الحاصلة من ملاحظة أعضاء البدن على النحو الذي تقرّر في علم القيافة لا يتّفق والقواعد الشرعية ، فإنّه هدم لأحكام الإرث المترتّبة على التوالد الشرعي ، وأيضاً قد ثبت في الشريعة أنّ الولد للفراش ، بل هو من القواعد المسلّمة بين الفريقين ، والعمل بالقيافة ينافيها في كثير من الموارد .

ويضاف إلى ما ذكرناه أنّ النسب إذا لم تقم على ثبوته أمارة شرعية فإنّ الاستصحاب يقتضي نفيه ، ولا يجوز رفع اليد عنه إلاّ بالأمارات المعتبرة شرعاً وليست القيافة منها .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في البحث عن حرمة الرشوة ص410 ، الهامش رقم (1) .

ــ[586]ــ

وأمّا ما ورد في أحاديث العامّة(1) من العمل بقول القافة فلا يصلح أن يكون رافعاً للاستصحاب ، فإنّه مضافاً إلى ضعف السند فيها أنّه مناف لما ورد في المنع عن العمل بعلم القيافة في بعض أحاديث الشيعة(2). وفي رواية الجعفريات(3) جعل من السحت أجر القافي .

وقد استشهد المصنّف (رحمه الله) على حرمة العمل بقول القافة برواية زكريا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) منها ما عن عائشة « أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) دخل عليها وهو مسرور تبرق أسارير وجهه ، فقال : ألم تسمعي ما قال مجزّز المدلجي ورأى اُسامة وزيداً نائمين وقد خرجت أقدامهما ، فقال : إنّ هذه الأقدام بعضها من بعض » .

راجع سنن البيهقي 10 : 262 كتاب الدعوى والبيّنات ، وصحيح البخاري 8 : 195 / آخر كتاب الفرائض (باب القائف) . وصحيح مسلم 2 : 1082 / 39 آخر الرضاع . وسنن أبي داود 2 : 280 / كتاب الطلاق . وسنن النسائي 6 : 184 / كتاب اللعان (باب القافة) . وجامع الترمذي مع شرح ابن العربي : 290 / آخر باب الولاء والهبة والوصايا . أسارير : الخطوط التي تكون بالجبهة ] فلاحظ [ .

وفي إرشاد الساري في شرح البخاري 9 : 446 : مجزّز بضمّ الميم وفتح الجيم وكسر الزاء الاُولى المشدّدة وآخره زاء معجمة ، سمّي بذلك لأنّه كان يجزّ ناصية الأسير في الجاهلية ويطلقه . وقال العسقلاني في فتح الباري 12 : 44 : ... لكنّي لم أر من ذكر اسمه .

(2) روى في الوسائل 17 : 149 / أبواب ما يكتسب به ب26 ح2 عن الخصال ] 19 / 68 بتفاوت يسير [ عن أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « قلت : فالقيافة ؟ قال : ما أحبّ أن تأتيهم ـ إلى أن قال (عليه السلام) : القيافة فضلة من النبوّة ذهبت في الناس حين بعث النبي (صلّى الله عليه وآله) » .

(3) الجعفريات ] 299 : 1235 [ المستدرك 13 : 110 / أبواب ما يكتسب به ب23 ح1 .

ــ[587]ــ

ابن يحيى(1) الواردة في قصّة أبي الحسن الرضا (عليه السلام) وإثبات بنوّة ابنه الجواد (عليه السلام) وإمامته بالرجوع إلى القافة ، حيث زعموا ما كان فينا إمام قطّ حائل اللون .

ولكن لم نجد في الرواية ما يستشهد به لذلك ، بل الظاهر منها أنّ الشيعة أيضاً كانوا يعتقدون بقضاء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بقول القافة ، وأنّ الرضا (عليه السلام) لم ينكر عليهم ذلك . نعم يرد على الرواية وجوه :

الأول : أنّها ضعيفة السند .

الثاني : أنّها مخالفة لضرورة المذهب ، فإنّها اشتملت على عرض أخوات الإمام وعمّاته على القافة ، وهو حرام لا يصدر من الإمام (عليه السلام) . وتوهّم أنّ ذلك من جهة الاضطرار وهو يبيح المحظورات توهّم فاسد ، إذ لم تتوقّف معرفة بنوّة الجواد للرضا (عليه السلام) على إحضار النساء .

الثالث : أنّ الجماعة الذين بغوا على الرضا (عليه السلام) لينفوا بنوّة الجواد (عليه السلام) عنه لو كانوا معتقدين بإمامة الرضا (عليه السلام) لما احتاجوا إلى القافة بعد إخباره بالبنوّة .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) جاء إخوة الرضا (عليه السلام) إليه فقالوا له : « ما كان فينا إمام قطّ حائل اللون ، فقال لهم الرضا (عليه السلام) : هو ابني ، قالوا : فإنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد قضى بالقافة ، فبيننا وبينك القافة ، قال : ابعثوا أنتم إليهم ، وأمّا أنا فلا ، ولا تعلموهم لما دعوتموهم ـ إلى أن قال : ـ ثم جاؤوا بأبي جعفر (عليه السلام) فقالوا : ألحقوا هذا الغلام بأبيه ، فقالوا : ليس ههنا أب ، ولكن هذا عمّ أبيه وهذا عمّه وهذا عمّه وهذه عمّته ، وإن يكن له ههنا أب فهو صاحب البستان ، فإنّ قدميه وقدميه واحدة ، فلمّا رجع أبو الحسن (عليه السلام) قالوا : هذا أبوه » وهي مجهولة بزكريا بن يحيى .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net